إسلام ويب

سلسلة تفسير سورة يوسف [1]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة يوسف عليه الصلاة والسلام هي أحسن القصص كما وصفها الله عز وجل، وليس على هذا مزيد، وتبدأ هذه القصة برؤيا لهذا النبي الكريم، ثم تجري أحداث القصة لتكون هذه الرؤيا هي آخر شيء يفسر على أرض الواقع بعد سنين طويلة، وفي ثنايا هذه السنين تدور رحى الأحداث؛ لكن أول شيء في هذه القصة بعد الرؤيا هو حسد الإخوة لأخيهم وتآمرهم عليه بالقتل، ثم بإلقائه في الجب، ويوحي الله إلى يوسف بأنه سوف يخبرهم بفعلهم فيما بعد عندما ينجيه الله عز وجل.

    1.   

    من مكارم سورة يوسف عليه السلام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد:

    فسنتناول بمشيئة الله تبارك وتعالى سورة نبي الله يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بالتأويل والبيان، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وابتداءً فنبي الله يوسف هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد سئل صلوات الله وسلامه عليه: (من أكرم الناس يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أكرمهم عند الله أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) وفي رواية: (نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله).

    فهذا شيء من فضل نبي الله يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وقد أوتي شطر الحسن صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رؤيته له في ليلة المعراج عليه الصلاة والسلام.

    أما سورة يوسف فهي سورة مكية، وقد جمعت هذه السورة الكريمة قصة نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم، ولم ترد قصة نبي الله يوسف إلا في هذه السورة الكريمة، فثَم أنبياء من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ذكرت قصصهم في عدة سور من كتاب الله، أما سورة يوسف فقد حملت قصة يوسف كاملة، ولم يأت شيء من قصة يوسف في غير هذه السورة الكريمة المباركة، وهي سورة مكية على رأي أكثر أهل العلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين)

    أقوال أهل العلم في الأحرف المقطعة

    يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1].

    أما (الر): فهي أحرف مقطعة بدأت بها بعض سور الكتاب العزيز، وللعلماء فيها طريقان في التأويل:

    الطريق الأول: نعرض عن تأويلها ونكل الأمر في تأويلها إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ لم يرد شيء في كتاب الله صريح يفسرها لنا، وكذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء صريح يفسر لنا الأحرف المقطعة.

    الطريق الثاني: ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أنه ينبغي أن نلتمس لها تأويلات، ونحن مأجورون على كل حال، إن التسمنا تأويلاً فأصبنا فيه فلنا أجران، وإن أخطأنا فيه فلنا أجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).

    ثم هؤلاء الذين التمسوا تأويلات في هذه الأحرف المقطعة منهم من قال: إنها أحرف سيقت على سبيل التحدي، فكأن المعنى: (الر) أحرف تعرفونها وتقرءونها وتكتبونها، ولكنكم لا تستطيعون أن تؤلفوا منها قرآناً كما ألفناه، ولا حتى آية كما ألفنا، ودل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، وقوله تعالى: الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ [السجدة:1-2]، وهنا يقول سبحانه وتعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، هذا هو الوجه الأول من أوجه التأويل: أن الأحرف سيقت للتحدي.

    والوجه الثاني: أنها أحرف حملت اسم الله الأعظم، وليس ثَم دليل على هذا القول الثاني.

    معنى قوله: (الكتاب المبين)

    قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، أما الكتاب فهو القرآن، ومن معانيه: المظهر الموضح للأشياء، ومن هذه المعاني: أنه موضح للحلال والحرام، ومبين لأمور الاعتقادات، ومبين للعبادات، ومبين لأخبار من كان قبلنا، ونبأ من سيأتي من بعدنا.

    فقوله تعالى: (المبين) أي: المظهر الموضح للأشياء، كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:23]، أي: بالأفق المظهر الموضح للأشياء، وهو اتجاه طلوع الشمس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه...)

    قال الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2].

    قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) يستدل به فريق من أهل العلم على علو الله سبحانه، وأنه سبحانه وتعالى في السماء، كما قال عن نفسه: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، وكما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فالإنزال كما هو معلوم يكون من أعلى إلى أسفل.

    (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا): هذه منة من الله سبحانه وتعالى على العرب إذ نزل القرآن بلغتهم، وكما قال الله سبحانه وتعالى ممتناً على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى العرب: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44]، أي: لشرف لك ولقومك يا محمد أن نزل عليك هذا القرآن، وأن نزل بلغتك ولغة قومك.

    فشرف للعرب أن القرآن نزل بلغتهم، ولهذا شكر لا بد أن يقدم، فمن المعلوم من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النعم تستلزم مزيداً من الشكر، فكلما أنعم الله على قوم بنعمة لزمهم أن يقدموا لها مزيداً من الشكر، كما قال الله تعالى لمريم عليها والسلام: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:42]، فأمام هذا الاصطفاء والتطهير: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43].

    وكما قال الله سبحانه وتعالى ليحيى عليه السلام: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12]، وكما قال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، فلأنا أعطيناك الكوثر: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

    وكذلك قال تعالى ممتناً على نبيه عليه الصلاة والسلام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح:1-3]، ثم ختمت السورة بقوله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].

    فكل من أنعم الله عليه بنعمة فإنه يلزمه أن يقدم لها شكراً موازياً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا أكل أحدكم الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها)، وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    فعلى العرب أن يشكروا نعمة الله عليهم؛ إذ أنزل القرآن بلغتهم، فلزاماً عليهم أن يحملوا عبء الدعوة إلى الله أكثر من غيرهم، فهي نعمة أسداها الله إليهم ولم تُسد إلى غيرهم؛ فجدير بهم إذاً أن ينهضوا إلى حمل دعوة الإسلام وبثها ونشرها في العالم، بل ويلزمهم ذلك، وقد قال الله تبارك وتعالى محذراً إياهم من التخاذل عن هذه المهمة: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].

    من هنا ينشأ اعتزازنا بلغة العرب، لا لأنها لغة لجنسنا ولبني جلدتنا، ولكن لأنها اللغة التي نزل بها كتاب ربنا، والتي تحدث بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن ثم لزمنا التمسك بها، ولزمنا بثها ونشرها من غير استحياء ولا استنكاف.

    قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، أي: لعلكم تفهمون، وكما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك...)

    نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3]، لهذه الآيات الكريمة سبب نزول ذكره سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فقال: (نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم فتلاه على أصحابه زماناً، فقالوا: يا رسول الله! لو قصصت علينا؟ فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، ثم تلاه النبي صلى الله عليه وسلم زماناً، فقالوا: يا رسول الله! لو حدثتنا؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر:23] الآيات)، هذا سبب نزول صحيح وثابت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه.

    وقد أورد بعض أهل العلم أسباب نزول أخر لا يكاد يصح منها سبب، منها: ما روي من طريق الضحاك عن ابن عباس: أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام فنزلت السورة، وفي هذا السبب ضعف، وليس ذلك بدافع أن يكون اليهود سألوا النبي عن هذه السورة، ولكن سبب النزول هذا فيه ضعف.

    قال الله تبارك وتعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف:3].

    من أهل العلم من قال: كان من الغافلين عن هذا القرآن، وعن هذه القصص، وعن الإيمان جملة، واستدل قائل هذه المقالة بقول الله تبارك تعالى في كتابه الكريم: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].

    1.   

    رؤيا يوسف عليه السلام

    قال الله سبحانه: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ [يوسف:4]، وأبوه هو يعقوب عليه السلام كما تقدم.

    أدب الأنبياء عليهم السلام مع والديهم

    ومن قوله: (يا أبت) نلتمس أدباً في تخاطبنا مع آبائنا، أيضاً مع أمهاتنا، فلم يقل: يا بابا إني رأيت أحد عشر كوكباً، ولكنه قال: يا أبت! فجدير بنا أن نحيي لغة كتاب ربنا، ولغة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نتبع سنن الهلكى والحيارى.

    وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي)، ولم يقل: استأذنت ربي أن أزور قبر ماما، وكذلك قال الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43].

    سبب تكرير قوله: (رأيتهم)

    قال يوسف: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا [يوسف:4]، رأى ذلك في رؤيا منامية، وقد قال فريق من أهل العلم كـعبيد بن عمير وغيره : (رؤيا الأنبياء وحي)، واستدلوا لذلك بقول الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102].

    فيوسف صلى الله عليه وسلم رأى هذا الذي يذكر في رؤيا منامية، فقال: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] أي: ورأيت كذلك الشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.

    وتكرار قوله: (رَأَيْتُهُمْ): من أهل العلم من يقول: لما طال الكلام حسن أن يكرر كلمة: رأيت، كأن تقول -على سبيل المثال- قال فلان كذا وكذا وكذا، وترجع وتقول مرة ثانية: قال: كذا، لأن الأمد قد طال.

    ومن العلماء من قال: إن مضمراً يفهم من السياق، فلما قال يوسف: (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، كأنه قيل له: كيف رأيتهم يا يوسف؟ فقال مبيناً: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).

    حكم السجود في شريعتنا

    يطرح سؤال هنا، وهو: هل سجود المخلوق لمخلوق جائز؟

    فالجواب: أن هذا كان جائزاً على سبيل التحية في شريعتهم من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونسخ في شريعتنا.

    أما جوازه في الأمم قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلما سيأتي من قول الله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف:100].

    أما منعه في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، من عظم حقه عليها، ثم للإجماع المنعقد على ذلك أيضاً.

    قال: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، قال أبوه معلماً إياه، والأنبياء هم أعقل وأرشد الخلق عليهم الصلاة والسلام، قال: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5]، أي: فيدبرون لك تدبيراً، ويأتمرون عليك مؤامرة، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5]، أي: إن الشيطان سيحملهم على الكيد لك، وسيوغر صدورهم تجاهك؛ إذ رأيت من الرؤى الطيبة ما لم يروا.

    1.   

    حكم التحدث بنعم الله

    وهنا يرد بحث عاجل وسريع يتعلق بمسألة التحدث بنعم الله تعالى على الأشخاص: فإذا أنعم الله على عبد بنعمة، هل يشرع له أن يحدث بهذه النعمة، أم أنه يكتمها ولا يحدث بها؟

    عندنا نصوص تفيد أنه يجب علينا أن نتحدث بنعم الله تبارك وتعالى علينا، كما قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، فهذا أمر بالتحديث بالنعمة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، فهذا حث على التحديث بالنعمة.

    وهناك نصوص أخرى تجعلنا نحجم عن التحديث بالنعم، كقول يعقوب عليه السلام: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:5]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به من يحب)، مفاده: ألا يحدث به من يكره.

    وفي الباب في معرض المنع من التحديث: حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي صحته نزاع، ونرى أنه ضعيف لا يصح، ألا وهو: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود)، هذا الحديث وإن حسنه بعض الأفاضل من المعاصرين إلا أن أكثر الأولين على تضعيفه؛ كالإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما من العلماء.

    فالشاهد من ذلك: أن مسألة التحديث بالنعم لها فقه، فإذا كنت ترجو من الذي تحدثه بنعمة الله عليك أن يدعو الله لك بالبركة وأنه سيفرح لفرحك؛ فحينئذ حدثه بالنعمة، وإذا كنت تراه حاسداً يخطط لتدميرك ويسعى في الكيد لك؛ فلتكتم عنه هذه النعمة، ومن هنا قال يعقوب ليوسف: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:5]، ثم ذكر السبب قال: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5]، وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، من العلماء من قال إن هذا من قول يعقوب. وهو الأظهر.

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف:6]، أي: يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك، فالذي يجتبي ويختار هو الله، والذي يفضل هو الله، كما قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68]، فليس لك إذاً أن تعترض على أقدار الله تبارك وتعالى.

    قال: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6]، وتأويل الأحاديث هنا هو تأويل الرؤى، فقد أوتي يوسف صلى الله عليه وسلم فيها ومنها علماً عظيماً لا يبارى.

    (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) أي: بالنبوة، فهي أعظم النعم، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6].

    1.   

    دلالة قصة يوسف على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

    ثم بين الله سبحانه وتعالى قصة يوسف مع إخوته بمزيد بيان، فقال الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف:7]، آيات: أي دلالات للسائلين عن الآيات والدلالات، أو السائلين عن قصة يوسف صلى الله عليه وسلم.

    ففي قصة يوسف دلالات وآيات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن وجوه الإعجاز التي أيد الله بها نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام: الإخبار بما فات وبما هو آت، وهذه من دلائل النبوة التي يوردها العلماء في بيان معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: إخباره بأمور قد فاتت لا يعلمها هو ولا قومه، وأمور أيضاً هي آتية، كقوله سبحانه وتعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:2-4]، وكإخباره عليه الصلاة والسلام فيما نزل عليه من القرآن بخروج دابة الأرض ويأجوج ومأجوج، وإخباره بالكاسيات العاريات، وإخباره بكثرة الأسواق، وبنحو ذلك.

    فقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)، أي: دلالات على صدق ونبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تتمثل هذه الآيات في بيان عواقب الصبر والإحسان، وعواقب طاعة الله وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام.

    (آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) أي: للسائلين عن الآيات كما تقدم، أو للسائلين عن قصة يوسف على وجه الخصوص.

    1.   

    عدم مؤاخذة الله للعباد بالمحبة القلبية

    قال تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8].

    أخوه هو أخوه الشقيق كما عليه جمهور المفسرين، ومن العلماء من يقول إن اسمه: بنيامين، ولم يرد في هذا خبر عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا خبر من كتاب الله، ولو كان في تسمية الأخ خيراً كبيراً لذكره الله عز وجل في كتابه، ولذكره نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، وعلى كلٍ فقد ذكر جمهور المفسرين أنه بنيامين.

    (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)، وهل ثم خطأ في محبة الرجل لبعض أبنائه أكثر من الآخر؟

    ليس ثم خطأ ولا إثم في هذا؛ إذ المحبة محلها القلب، وقد عوتب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب حبه لـخديجة ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (إني رزقت حبها)، فالحب القلبي لا يؤاخذ عليه الشخص.

    وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض).

    فلست مؤاخذاً إذا أحببت بعض ولدك أكثر من الآخر، وكذلك أيضاً لست مؤاخذاً في محبتك بعض نسائك أكثر من الأخرى، ولست بمؤاخذ في محبتك بعض الأصدقاء أكثر من الآخرين، فكما قال العلماء: (إن المقة من الله) واستدلوا لذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96]، أي: محبة في قلوب العباد.

    إذاً: يعقوب عليه السلام لم يخطئ في محبته ليوسف، وهو نبي كريم صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مكيدة إخوة يوسف

    قال الله تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [يوسف:8].

    (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي: ونحن جماعة، ومن العلماء من يقيد العصبة فيقول: عشرة، ومنهم من يزيد، ومنهم من ينقص، وعلى كل فالأليق هنا أنها الجماعة.

    فقالوا: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي: ينتفع بنا أبونا، فنحن أكثر نفعاً من يوسف وأخيه.

    إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]، والضلال: الذهاب عن القصد والصواب، أما المبين فمعناه: الواضح البين الظاهر.

    ثم قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا [يوسف:9]، أي: القوه في أرض بعيدة عن أعين الناس، أو عن أعين أبيه، يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف:9].

    فمن عجيب أمرهم ما ذكره العلماء بشأنهم: أنهم أضمروا التوبة قبل فعل الذنب، ولعل الله أكرمهم بسبب ذلك، فإنهم قالوا: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)، فطلبوا محبة الأب، وطلب محبة الأب شيء مرغب فيه، فمن وجهة نظرهم أنهم لا يرغبون في العقوق، بل يرغبون في إقبال أبيهم عليهم، ومن وجهة نظرهم أن يكونوا أيضاً قوماً صالحين فيما بعد.

    تحرير مقولة: الغاية تبرر الوسيلة

    هنا يرد علينا بحث يتعلق بالمقولة التي اشتهرت: (الغاية تبرر الوسيلة) فهل الغاية الحسنة تبرر الوسيلة التي أصل بها إليها أم لا؟

    الحقيقة أن الأمر فيه تفصيل وإن كان البعض يطلق أن الغاية لا تبرر الوسيلة، والبعض يطلق أن الغاية تبرر الوسيلة، وهذا مبحث فقهي دقيق لا يتسع المقام له الآن، ولكن نورد على كل رأي ما يعكر عليه، ونقرر في النهاية أن كل مسألة بحسبها.

    فعلى سبيل المثال: يرد على الذين يقولون: إن الغاية لا تبرر الوسيلة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لي بـكعب بن الأشرف ؛ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقال محمد بن مسلمة : أنا يا رسول الله! ولكن ائذن لي أن أقول فيك قولاً) فرخص له في ذلك.

    وكذلك مما ورد في هذا الصدد: ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الكذب من أجل الإصلاح، إذ قال عليه الصلاة والسلام: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً) فهذا من باب أن الغاية تبرر بعض الوسائل إليها.

    ومن باب أن الغاية لا تبرر الوسيلة قوله تعالى وقد نقم عليهم ذلك وكانوا من الجاهلين فيه-: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ .

    فالحاصل في هذه المسألة: أن كل مسألة بحسبها، وبحسب الملابسات المحيطة بها، ومن ثم يصدر حكم فقهي ينتظم جميع الأدلة الخاصة بهذه المسألة.

    اتفاق الإخوة على إلقاء يوسف في الجب

    قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ، أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ، أي: من أهل الصلاح والتقوى.

    قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ [يوسف:10]، والذي حمله على قوله: (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ)؟ هو الله سبحانه، فالله غالب على أمره، فهو سبحانه وتعالى الذي يصرف السوء عن عباده، ومن العلماء من يقول: إن القائل هو أخوهم الأكبر، وليس ثم دليل على ذلك ولا على نفيه، وإنما ذكر ربنا: (قَالَ قَائِلٌ)، فالتكلف قد نهينا عنه، قال تعالى: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86]، فليس لنا أن نتكلف ونؤول ونتجشم المشاق حتى نحرر القول في هذا القائل من هو، هل هو الأكبر أو الأوسط أو غير ذلك؟

    وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ [يوسف:10]، قال فريق من أهل العلم: أي: في أسفل الجب، والجب هو البئر كما هو معلوم.

    يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ [يوسف:10]، فكأنهم اتفقوا على هذا الرأي، بل قد اتفقوا عليه؛ لما سيفهم من السياق، ودل سياق الكتاب العزيز أنهم اتفقوا فيما بينهم على أن يلقوه في غيابة الجب.

    بداية تنفيذ المؤامرة

    قال الله سبحانه وتعالى: قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:11-12].

    أما قوله تعالى: (يَرْتَعْ)، فمن أهل العلم من قال: يأكل، وذلك لما ورد عن ابن عباس : (أنه أتى على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، قال: فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع).

    ومن العلماء من قال: إن كلمة (يرتع) معناها: يسعى، وثَم أقوال أخر، والمعنى متقارب.

    أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، فيعقوب صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم أصل اللعب للطفل الصغير يوسف صلى الله عليه وسلم، فأخذ من عدم إنكاره ما ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها إذ قالت: (اقدروا قدر الجارية صغيرة السن الحريصة على اللعب)، فالصغير له حق أن يُلاعب وأن يُداعب.

    ورسولنا صلى الله عليه وسلم ضرب لنا مثلاً حسناً في هذا، فكان يدخل على عائشة رضي الله تعالى عنها صويحباتها يلعبن بالبنات معها، وهي: العرائس الصغيرة التي صنعت من العهن، فيختفين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسربهن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة يلعبن معها.

    قالوا: أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ [يوسف:12-13]، فتعلل يعقوب عليه السلام بعلتين لمنع يوسف من الخروج معهم، العلة الأولى هي: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ، أي: يشق علي فراق ولدي يوسف صلى الله عليه وسلم، ولا أكاد أصبر على بعد ولدي هذه المدة، وشيء آخر: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ)، أي: منشغلون بجريكم وبصيدكم وبرعيكم.

    قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ [يوسف:14-15]، أي: اتفقت كلمتهم على هذا، وما الحامل لهم على هذا الاتفاق؟

    تقدم من قبل أنهم قالوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ، فظهر أن الحامل لهم على هذا هو حسدهم ليوسف ولأخيه.

    1.   

    آفات الحسد

    سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: يا حسن ! أيحسد المؤمن؟ قال: سبحان الله ما أنساك لإخوة يوسف! أي أنهم حسدوا يوسف صلى الله عليه وسلم على ما أنعم الله به عليه من محبة أبيه له، فالحسد وارد حتى بين أهل الإيمان، والعين حق حتى بين أهل الإسلام، وقد ثبت: (أن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه وكان رجلاً أبيض وسيماً جميلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قام يوماً يغتسل، فمر به عامر بن ربيعة فرأى زنده البيضاء الحسناء، فقال: والله ما رأيت جلد مخبأة كهذه الجلد! والله وكأنها زند جارية! فسقط سهل صريعاً في الحال، فذهب أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله! أدرك سهلاً صريعاً! قال: فمن تتهمون؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأتي به فقال: علام يحسد أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدعو له بالبركة، ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ وأن يغسل ركبتيه وداخلتي إزاره، وأخذ الماء فصب على سهل بن حنيف، فقام وكأنما نشط من عقال)، أي: كأنه كان مربوطاً بحبل وفك منه.

    فالحسد وارد حتى بين أهل الإسلام، ولكن على المسلم أن يجاهد نفسه، وإذا رأى من أخيه ما يعجبه فليدعو له أن يبارك له الله فيما رزقه، فإنه إذا أطلق لنفسه العنان في الحسد فقد يصل بحسده إلى الكفر والعياذ بالله، والذي حمل إبليس على الكفر إنما هو حسده لآدم صلى الله عليه وسلم، إذ قال متكبراً حاسداً: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]؟

    فإذا رأيت الله سبحانه فضل بعض الناس عليك في مال أو جاه أو منصب أو ذرية أو صحة وعافية أو وسامة وجمال؛ فادع لهؤلاء بالبركة، ولترض بقضاء الله سبحانه الذي قسمه الله سبحانه وتعالى لك، ولتمتثل أمر نبيك عليه الصلاة والسلام: (إذا نظر أحدكم إلى من فُضل عليه في المال والخلق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه في المال والخلق، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).

    فإذا رأيت أخاك المسلم في نعمة فلا تعترض ولا تحسد، ولتعلم تمام العلم أن الحاسد معترض على أقدار الله، فهو يحسد الناس على ما قدر الله لهم وآتاهم من الجمال، أو على ما قدر الله لهم من المال، فالحاسد معترض على أقدار الله.

    والحاسد كذلك مشابه للشيطان؛ فإن الشيطان يكره النعم التي ينعم الله بها على العباد، مشابه للكفار؛ فالكافر يكره النعم التي ينعم الله بها على أهل الإيمان، فإذا حسدت إخوانك المؤمنين فتلعلم أنك معترض على أقدار الله، وأنك متشبه بالشيطان بل ومن جنده، وأنك كذلك متشبه بالمشركين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من تشبه بقوم فهو منهم).

    فليس التشبه في الزي أو الملبس هو المنهي عنه فقط؛ بل نهينا عن التشبه بهم في أصول الاعتقاد، وهو أعظم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران:156]، أي: لا تتشبهوا بالكفار النادمين على خروج إخوانهم وموتهم في الأسفار.

    فالكافر إذا خرج أخوه في سفر فمات قال: يا ليته ما سافر، يا ليته جلس، يا ليته ما خرج، يا ليتني كنت بجواره.. ويتأسف ويتحسر حسرات شديدة.. فينهانا ربنا عن التشبه بالمشركين في هذا المعتقد الرديء، فيقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156].

    فالشاهد من ذلك أنه يحرم عليك أن تحسد إخوانك المسلمين المؤمنين على ما منَّ الله به عليهم وتفضل، وعليك إذا حسدت قوماً أن تستغفر الله، وأن تدعو لإخوانك بالبركة، وللحسد مباحث ستأتي في مظانها إن شاء الله تبارك وتعالى.

    1.   

    منهج القرآن في التسلية وجبر الخواطر

    قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا ، أي: اتفقت كلمتهم واشتركوا فيها جميعاً، أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ [يوسف:15].

    جمهور المفسرين يقولون: هذا وحي ليوسف صلى الله عليه وسلم، وهل يلزم من ذلك القول بنبوته أثناء ذلك؟

    من العلماء من قال: إن الوحي في هذا الموطن لا يستلزم النبوة، وهو كالوارد في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:7].

    وثَم وحي آخر: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل:68]، وثَم وحي ثالث في قوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:5].

    فمن العلماء من قال: لا يلزم حينئذ أن نقول إنه كان نبياً في هذا الوقت؛ لأنه كان صغيراً صلى الله عليه وسلم.

    قال الله تبارك وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، أي: إلى يوسف صلى الله عليه وسلم، فبماذا أوحى إليه؟ من أهل العلم من يقول: إن هذا الوحي لتثبيت يوسف ولجبر خاطره؛ فإنه ذاك المظلوم الذي أوذي من أخوته، فالذي يؤذى ويظلم يحتاج إلى جبر خاطر، ومن ثَم شرع لنا جبر الخواطر المنكسرة.

    وقد قال تعالى في جبر الخواطر المنكسرة كما في التي كسر خاطرها بسبب طلاقها: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، وقال تعالى جبراً لخاطر الأيتام والمساكين الذين يحضرون قسمة الميراث: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:8].

    فالخواطر المنكسرة يلزمنا أن نجبرها، وهذا منهج أصيل في كتاب الله، وفي منهج رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقول صلى الله عليه وسلم وقد تخاصم وتحاكم إليه ثلاثة من أصحابه الكرام في شأن ابنة لـحمزة عام الفتح لما خرجت تتبع رسول الله وتناديه: يا عمي يا عمي! فأخذها علي وقال لـفاطمة : دونك ابنة عمك، ثم جاء جعفر ينازع فيها، وجاء زيد بن حارثة ينازع فيها، فتخاصم الثلاثة الفضلاء كل يريد أن يأخذ ابنة حمزة رضي الله تعالى عنه.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام يقضي بين الثلاثة الفضلاء من أصحابه، وبين يدي القضاء يجبر خواطرهم جميعاً، فيقول لـعلي : (يا علي ! أنت مني وأنا منك، وقال لـجعفر : أشبهت خلقي وخلقي، وقال لـزيد بن حارثة : أنت أخونا ومولانا) وهذه توطئة طيبة بين يدي الحكم حتى يستقبل الحكم عن طيب نفس، ثم قال: (أعطوها لـجعفر فإن الخالة بمنزلة الأم)، وكانت خالتها زوجة لـجعفر رضي الله تعالى عنه.

    فجبر الخواطر المنكسرة أمر أصيل في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، (وجبر الله خاطر نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي كسر بتكذيب قومه له وبإخراجه من بلدته، وجعل كلمة التوحيد باقية في عقبه، كما قال عز وجل: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:28].

    فمن ثَم جاء الوحي إلى يوسف عليه السلام وهو يشتم من هذا ويضرب من هذا، ويأتي يلقي بنفسه على أخيه ينتظر منه رحمة أو رفقاً فلا يجد شيئاً.. بل يجد هذا يزجره وهذا ينهره وهذا يضربه، وليس له عند إخوته ملجأ، لكن ملجأه إلى الله، قال عز وجل: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15]، أي: أنك يا يوسف ستخبر إخوتك بصنيعهم هذا في وقت هم لا يشعرون فيه أنك أنت يوسف.

    وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أثر رواه الطبري رحمه الله في تفسيره -وإن كان لنا تحفظ عليه من جهة الإسناد-: أن يوسف عليه السلام لما أتاه إخوته كي يمتاروا لأهليهم، ويأخذون الطعام لهم، أتاهم بالصواع ونقر نقرة عليه بعد أن حملهم بالمتاع، قال: إن الصواع يخبرني أنه كان لكم أخ اسمه يوسف، وأنكم أخذتموه وألقيتموه في بئر.

    ثم نقر أخرى فقال: إن الصواع يخبرني أنكم ذهبتم إلى أبيكم وكذبتم عليه وقلتم: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:17].

    ثم ضرب ثالثة وقال: إن الصواع يخبرني أن لكم أخاً اسمه كذا وكذا فائتوني به.

    وبعضهم ينظر إلى بعض، وبعضهم يتعجب من هذا الإخبار، والصواع لا يخبر وإنما يوسف عليه السلام يصل إلى مراده بهذه الحيلة كما لا يخفى، وإلا فالصواع لا يتكلم، والأثر موقوف على ابن عباس.

    قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، أي: إلى يوسف صلى الله عليه وسلم (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا)، أي: بصنيعهم هذا الذي صنعوه فيك، (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)، وتأويل هذا في قول يوسف عليه السلام لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [يوسف:89]، فقد كانوا لا يشعرون، إلا أنهم فوجئوا بهذا القول، فقالوا: أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].

    ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.