إسلام ويب

تفسير سورة النساء [101-104]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • احتوت آيات القرآن الكريم على دروس ومواعظ، وأحكام وفوائد، من تدبرها حق التدبر عرف أسرارها، واستنبط مكنوناتها، واستخرج كنوزها، ومن تلك الأحكام الجليلة والفوائد النبيلة: أحكام صلاة الخوف، وقصر الصلاة للمسافر، ورفع الحرج والضيق عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض)

    فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101].

    هذه الآية أصل القصر في السفر، فقوله: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101] أي: سافرتم، ومنه قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ [المزمل:20] أي: يسافرون. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ [آل عمران:156] أي: سافروا.

    فقوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101] أي: وإذا سافرتم، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [النساء:101] الجناح المراد به: الإثم، ومعنى الآية: وإذا سافرتم فليس عليكم إثم إذا قصرتم الصلاة.

    فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101] (من) هل المراد بها للتبعيض، أي: من بعض الصلوات؟ أو المراد: تنقصون الصلاة من أربع إلى اثنتين؛ لأن بعض الصلوات ليس فيها قصر كصلاة الصبح وصلاة المغرب؟

    فلقائل أن يقول: ليس عليكم جناح أن تقصروا من بعض الصلوات، وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء، أما سائر الصلوات فتصلى كما هي.

    ولقائل أن يقول: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة التي هي أربع، فتصلوها ركعتين، وهذا واضح.

    فـ(تقصروا من الصلاة)، هل هي من الخمس الصلوات تقصرون في بعضها، أو (تقصروا من الصلاة)، أي: من الصلاة الرباعية إلى ركعتين؟

    الأخير أظهر، والله أعلم.

    اختلاف العلماء في وجوب قصر الصلاة للمسافر

    قال تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [النساء:101] أي: ليس عليكم إثم، وقد استدل بها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة من أهل العلم: على أن القصر ليس بواجب إنما هو مستحب؛ لأن الله قال: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، فنفي الجناح لا يقتضي الوجوب، فإذا قلت لك: لا جناح عليك أن تسافر، فليس معناه: يجب عليك السفر، إنما إذا سافرت فليس عليك إثم.

    ومن هذا الباب: قوله تعالى في الصفا والمروة: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] أي: فلا إثم عليه أن يطوف بهما، وقد يقول قائل: إذاً السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب لهذه الآية: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ [البقرة:158] أي: لا إثم عليه، وكذلك القول في مسألة قصر الصلاة: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101] أي: لا إثم عليكم، فلا يستفاد الوجوب.

    والحقيقة أن الوجوب لا يستفاد لا في السعي بين الصفا والمروة، ولا في قصر الصلاة من الآيتين، وإنما يستفاد عند من رأوا الوجوب خاصة في قصر الصلاة من نصوص أخرى.

    ما هو الدليل على وجوب القصر عند من قال بوجوبه؟

    الدليل الأول: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) وقد استدل به فريق من العلماء على وجوب القصر.

    الدليل الثاني: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره، فلم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام أتم في أي سفرة سافرها.

    وجمهور أهل العلم قالوا: إن القصر في السفر مستحب وليس بواجب، فمن أتم في السفر فصلاته صحيحة ليست بباطلة، وقالوا: إن قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ( فرضت الصلاة مثنى مثنى ) عورض بقول ابن عباس رضي الله عنهما الذي فيه: (فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين على لسان محمد صلى الله عليه وسلم).

    قالوا: فهذا صحابي بين أن الصلاة فرضت أربعاً في الحضر واثنتين في السفر.

    وقالوا هذا لكي يعكروا الاستدلال بحديث عائشة ، ولكنهم في الحقيقة وافقوا أثر عائشة رضي الله عنها، والأثران متفقان على أن صلاة السفر ركعتان، لكن الخلاف في أصل فرض صلاة الحضر هل كانت اثنتين أو أربعاً، وهذا خلاف لا يضر؛ لإجماع العلماء على أن صلاة الحضر أربع ركعات.

    وقد استدلوا على عدم الوجوب بقوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101] وبفعل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه لما صلّى بالناس بمنى، ولا شك أن الآتي إلى منى في الحج يكون مسافراً، ولكن عثمان صلّى بالناس الظهر أربع ركعات، وتابعه على ذلك أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى الذي لم يوافقه في الرأي كـابن مسعود الذي قال: (لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنىً ركعتين، ومع أبي بكر بمنىً ركعتين، ومع عمر بمنىً ركعتين، فياليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) ومع هذا القول إلا أنه تابعه على الصلاة وصلى معه، فلو كانت باطلة لما صلّى معه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    توجيه القول بأن علة القصر هي الخوف

    قال تعالى: إِنْ خِفْتُمْ [النساء:101] هذا التقييد يفيد أن القصر للخوف، لكن هذا بينه عمر رضي الله عنه في مسألته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد جاء (سائل يسأل أمير المؤمنين عمر يقول: لماذا القصر وقد أمن الناس، والله يقول: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]؟ فقال أمير المؤمنين عمر : عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته).

    إذاً: التقييد في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101] على رأي بعض العلماء يخرج مخرج الغالب، فسواء خفت أن يفتنك الذين كفروا، أو لم تخف من فتنة الكفار فلك أن تقصر الصلاة مادمت مسافراً.

    وخروج مخرج الغالب تقدمت له نماذج متعددة من كتاب الله: كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] فـ(أضعافاً مضاعفة) خرجت مخرج الغالب، ولا يفهم من الآية أنه يجوز الأكل من قليل الربا أو أقل من الضعفين.

    كذلك قوله تعالى في خروج مخرج الغالب: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] أي: على الزنا إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] أي: إذا أردن تعففاً، فقوله: (أردن تحصناً) خرجت مخرج الغالب، وليس معنى الآية: إذا أرادت البنت أو الأمة فجوراً أنه يجوز لك أن تكرهها على الزنا.

    فكذا قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101] عند بعض العلماء خرج مخرج الغالب، سواء خفت فتنة الذين كفروا أو لم تخف فتنة الذين كفروا فلك أن تقصر الصلاة.

    رفع الحرج عن هذه الأمة

    قال تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101] هذه الآية من إحدى الآيات التي ترفع الحرج عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فالشخص إذا كان مسافراً فقد يكون مرهقاً متعباً، والله رحيم به قد خفف عنه الصلاة من أربع إلى ركعتين، ومما يدل على ذلك: ما روي في صحيح البخاري وإن كان قد انتقد لكن له شواهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) فالسنن الرواتب في السفر لا تصلى وأنت تثاب على تركها في السفر كما كنت تصليها في بلدك، وإنما يصلي منها: ركعتا الفجر والوتر، وما سوى ذلك من النفل الراتب فلا، مثل: ركعتي الظهر أو الأربع القبلية أو البعدية، وكركعتي المغرب البعدية، وكذا ركعتي العشاء البعدية، فكل هذه النوافل لا تصلى في السفر.

    وهذه مسألة اختلف فيها العلماء على قولين، ويحسمها قول ابن عمر رضي الله عنهما: (ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر على ركعتين)، وقوله: (لو كنت مسبحاً -أي: مصلياً النافلة بعد الفريضة- لأتممت الفريضة).

    أما النفل غير الراتب -أي: التطوع المطلق- كصلاة الضحى أو صلاة التهجد، أو صلاة تحية المسجد، أو ركعات الوضوء، أو صلاة الاستخارة، أو صلاة الفتح، أو نحو ذلك من الصلوات التي ليست راتبة، فلك أن تصليها، وذلك لما ثبت في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي النافلة على الراحلة حيثما توجهت به) أي: النفل المطلق، والله سبحانه أعلم.

    فالآية من آيات رفع الحرج عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم منها جملة آيات: كقوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء:27].. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء:28].. وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].. وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:6]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت بالحنيفية السمحة) إلى غير ذلك، وقوله تعالى: : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173].

    فكل هذه الآيات فيها رفع الحرج عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وهي نصوص يحتاج إليها عند عدم وجود النص الخاص، فلو شق أمر على شخص فوق طاقته، فيتدخل النص للتخفيف عنه، كقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    قال تعالى: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101] أي: ظاهراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة..)

    قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102] الخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقواد الجيوش له تبع، فلا تسقط صلاة الخوف بوفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام كما زعم البعض؛ لقوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ [النساء:102]؛ وذلك لأن الصحابة صلوا صلاة الخوف بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    المراد بإقامة الصلاة

    وقوله تعالى: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102] ليس المراد بالإقامة هنا التي عقب الأذان؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤذن ولم يكن هو الذي يقيم، بل الذي يؤذن هو الذي يقيم إلا إذا دعت الحاجة إلى غير ذلك.

    أما المراد بـ(إقامة الصلاة) أي: إذا صليت بهم، ومنه: قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أمراء السوء: (قالوا: أفلا ننابذهم ونقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة) فإقامة الصلاة المراد بها الصلاة نفسها. أي: ماداموا يصلون ويأمرون بالصلاة أن تصلى فلا تقاتلوهم.

    وعلى هذا الغرار قوله تعالى في سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة [البقرة:3] وهذا واضح جلي.

    قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102] أي: صليت بهم، أو أمرت بمن يقيم الصلاة لهم.

    كيفية صلاة الخوف

    قال تعالى: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] هذه إحدى صور صلاة الخوف، ولصلاة الخوف صور ثمان، جلها ورد بسند ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والاختلاف فيها من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد.

    بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرة هكذا، ومرة هكذا، ومرة هكذا، فتعددت صفات صلاة الخوف التي صلى بها النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حتى يصلي المسلمون في الحروب حيثما تيسر لهم، ولا يلتزمون بصفة معينة، وإنما يفعلون الأسهل لهم عند مواجهة عدوهم، وهذا أيضاً من باب التيسير على أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    وهذه الصورة المذكورة في الآية الكريمة حاصلها: أن المصلين يصفون صفين: صف وراء رسول الله، وصف ثانٍ خلفهم ويصلون كلهم، ولا يشترط في هذه الصلاة استقبال القبلة، بل يتجهون إلى العدو، فلو كانت ظهورهم أمام العدو وصلوا إلى القبلة قتلهم العدو، فلا يشترط فيها استقبال القبلة، فالإمام يصف المسلمين صفين على ما ورد في هذه الآية الكريمة، ويصلي بهم جميعاً ركعة، ويقرأ بهم جميعاً الفاتحة، ويركع، ويركع معه صف، وبعد ذلك يسجد ويسجد معه نفس الصف، يأتي معه الصف الأول ركعة، ثم يقوم الرسول بالصف الأول، فيتأخر الصف الأول ويتقدم الصف الثاني يصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة هم الآخرون، ثم يسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون قد صلى ركعتين هو نفسه، وكل صف صلّى ركعة، فيصلون فرادى، وكل شخص يكمل الركعة التي لم يصلها، هذه هي الصورة الواردة في هذه الآية.

    وقلنا: إن هناك ثمان صور لصلاة الخوف، فصلّ كما تيسر لك وكيفما كانت الصلاة فيها نكاية للعدو وإرهاباً له وتستراً منه.

    وورد في الباب ما يقرر -كما يسميها البعض- صلاة الطالب، ولكن إسنادها ضعيف، وكيفيتها أجازها بعض العلماء عند الضرورة، وصلاة الطالب فحوى الدليل الوارد فيها (أن رجلاً كان يجمع الجموع لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات، فحث النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس على قتله، فقام رجل، فقال: أنا أقتله يا رسول الله، ولكني لا أعرفه، قال: علامتك أنك إذا أتيته أخذتك قشعريرة) فذهب الرجل، وأمسك عن الكلام كأنه يريد مظاهرة هذا العدو ومناصرته ضد رسول الله، فلما رآه أخذته القشعريرة، فلما تمكن منه قتله.

    والشاهد: أن الصلاة حضر وقتها وهو أمام هذا الرجل، فصلى إيماءً -أي: بالإشارة- والصلاة بالإيماء جائزة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعمران بن حصين رضي الله عنه: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، فكيفما تيسر للمسلم أن يصلي فليصل.

    قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ [النساء:102] أي: الصف الثاني يكون مسلحاً، فإذا سجدت أنت ومعك الصف الأول، فليكن الصف الثاني من ورائكم، أي: قياماً يراقبون العدو.

    قال سبحانه: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ [النساء:102] ولمَ لم يقل: (فإذا سجدتم) فليكونوا من ورائكم وقال: (وإذا سجدوا)؟ لأنه خطاب لرسول الله.. وهو خطاب للحاضر على ما هو وارد في الآية، وهذا يسميه العلماء من باب التلوين في الخطاب، وذلك لجذب انتباه القارئ، كما قال تعالى: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ [الإنسان:21] الضمير للغائب، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22] ولم يقل: كان لهم جزاء، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس:22] ولم يقل: (وجرين بكم بريح طيبة) ونحو ذلك كثير.

    قال تعالى: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] أثار بعض العلماء سؤالاً وهو: لماذا قيل في الفريق الأول: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ [النساء:102] وفي الفريق الثاني: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] فأضاف الحذر للفريق الثاني؟

    فأجاب ملتمسون على ذلك بالتماسات، قال فريق منهم: لأن العدو وهو يتربص بكم، قد يقوى غدره وتقوى همته للقتال لما يراكم منشغلين بالصلاة، فجاء التحذير للفريق الثاني إضافة إلى حمل السلاح.

    أو أن المصلين أنفسهم عندما يرون أن العدو لم يهجم عليهم في الركعة الأولى يظنون أنه لن يهجم في الركعة الثانية، فيكسل بعضهم، فنبه على أن يحذروا، والله أعلم.

    الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل

    قال تعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] في الآية رد على قوم متواكلين، يتركون أهليهم وذراريهم بدون طعام ولا شراب ويخرجون إلى البراري والصحاري أو غيرها ويجوعون أهاليهم ويقولون: نحن المتوكلون، فالآية فيها رد على هؤلاء؛ لأن أخذ الحذر وحمل السلاح، واكتساب الأرزاق لا ينافي التوكل.

    ومن ثم ذم أهل اليمن لما كانوا يحجون من بلادهم ولا يحملون معهم الزاد والطعام، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا وصلوا إلى مكة في الحج سألوا الناس، فأنزل الله فيهم: وَتَزَوَّدُوا [البقرة:197] أي: تزودوا بالطعام والشراب فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].

    من العلماء من قال: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] أي: تتقي سؤال الناس وتتقي إحراج الناس بمد يدك إليهم، ومنهم من قال: هذا إشارة إلى زاد آخر وهو زاد الآخرة، أي: أن المسلمين يتقون ربهم فهو خير زاد.

    والحقيقة أن المعنيين متداخلان؛ لأن تقوى سؤال الناس تدخل في تقوى الله، ولأنك إذا مددت يدك إلى الناس لم تتق ربك بإحراجك للمسلمين على هذا النحو الذي تصنعه.

    ففي قوله: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] ما يرد به على المتواكلين من المتصوفة ومن سار على طريقتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم..)

    قال تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ [النساء:102].

    من أهل العلم من قال: إن الأذى هو يسير العذاب، ويستدل بقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى [آل عمران:111] فيقول: الأذى هو اليسير، ولكن اعترض على هذا بقوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا [آل عمران:186].

    مواقيت الصلاة

    قال تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ [النساء:103] أي: ذهب عنكم العدو فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:103] أي: أتموها، أي: إذا كنتم حضوراً.

    إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] أي: مؤقتاً، محدداً بوقت، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها)، وفي رواية: (الصلاة على وقتها)، وقد نبهنا أن من الناس من يروي الحديث أحياناً بالمعنى فيخطئ، فمن الناس من قال: (أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها) وهذه رواية وردت، ولكن عند التحقيق نجد إسنادها ضعيفاً، أما رواية الصحيحين فهي: (الصلاة لوقتها) ، فرواية: (الصلاة في أول وقتها) ضعيفة الإسناد، ثم من ناحية المعنى هناك إشكالات؛ لأنه أحياناً يسلم القول بأن الصلاة في أول وقتها أفضل، وأحياناً لا يسلم.

    فصلاة العشاء مثلاً ليست أفضل في أول وقتها، بل إذا أخرت العشاء ما لم يشق على المأمومين فتأخيرها أفضل، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هذا وقتها لولا أن أشق على أمتي) فوقتها يبدأ بسقوط الشفق الأحمر.

    وصلاة الظهر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة -أي: انتظروا حتى يبرد الجو- فإن شدة الحر من فيح جهنم) وفي بعض أوقات السنة في صلاة الفجر قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (أسفروا بالصبح، فإنه أعظم للأجر).

    أما وقت صلاة الفجر فقد جاء فيه جملة نصوص، تبين أنه يبدأ من رؤية الخيط الأبيض من الخيط الأسود وينتهي بطلوع الشمس، ويستحب في بعض أوقات السنة أن تصلي صلاة الفجر في أول وقتها؛ لحديث أم المؤمنين عائشة : (كان النساء ينصرفن من صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بما يقارب الستين إلى المائة آية، ومع ذلك تنصرف النساء متلفعات بمروطهن.

    (لا يعرفن من الغلس)، أي: من اختلاط ظلام الليل ببياض النهار، فيدل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام كان يبكر بصلاة الفجر.

    وورد حديث: (أسفروا بالصبح ..) ومعناه أي: انتظروا حتى يظهر الصبح ويتأكد من دخوله، ويظهر البياض.

    و(أسفروا) من قولهم: أسفرت المرأة إذا كشفت.

    وظاهر الحديثين أن بينهما إشكالاً: (أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر)، وحديث: (كن ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)، فمن العلماء من سلك هذه الوجهة، ومنهم من سلك هذه الوجهة.

    - فالأحناف في باكستان يدخلون الصبح قبيل طلوع الشمس، وإذا دخلوا مبكرين يستمرون في القراءة أحياناً حتى تطلع عليهم الشمس وهم يصلون، ويستدلون بحديث: (أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر)، وبعضهم يعكس القضية.

    - ومن أهل العلم من حاول الجمع، فقال: نبدأ بصلاة الفجر في أول وقتها ونطيل القراءة حتى يسفر علينا الصبح، ولكن هذا ما زال معارضاً بقول أم المؤمنين: (ما يعرفن من الغلس عند الانصراف).

    - ومن أهل العلم من قال: إن هذا يتنزل على بعض أيام السنة دون بعض، وهذا وجه طيب وقوي، فبعض أيام السنة ينصرفن من الصلاة لا يعرفن من الغلس، وهي الأيام التي يطول فيها الليل، فيأخذ النائمون حظهم من النوم، فيقومون إلى الصلاة مبكرين، فيصلي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصرف النسوة متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس.

    وفي الليالي القصيرة ينتظر حتى يقوم النائمون من نومهم؛ لأنك إذا انتهيت من صلاة العشاء وجلست بعد العشاء وجدت الساعة الثانية عشرة أو الواحدة، ولم يبق إلا ثلاث ساعات للفجر.

    فمن العلماء من قال: هذا يتنزل على الليالي طويلة الليل، وهذا يتنزل على الليالي قصيرة الليل.

    فالله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب في هذا، والحمل على التنويع الظاهر فيه أنه أولى؛ لأنه مسلك يسلكه كثير من الفقهاء في كثير من المسائل، كصلاة الخوف التي تقدمت أحياناً صلى الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا، وأحياناً صلى هكذا، وأحياناً صلى على هذا النحو، والله أعلم.

    أما صلاة الظهر فإذا اشتد الحر أخرناها، وإذا دخل البرد أو كان الجو طيباً بارداً صليناها في أول وقتها، وأول وقتها هو زوال الشمس عن منتصف السماء، ونعرف ذلك: أن تأتي بعصا أو أن يقف الإنسان في الشمس، عند الساعة العاشرة صباحاً -مثلاً- فترى ظل في اتجاه اليسار، وهذا الظل يبدأ في التناقص والتناقص إلى أن يأتي وقت يثبت عنده الظل ويبدأ في التحول من النقصان إلى الزيادة في الاتجاه الآخر، فيسمى هذا الوقت وقت الزوال. أي: أن الشمس زالت إلى الناحية الأخرى، وفي هذا الوقت -وقت الزوال- تكره الصلاة، لكن إذا زالت الشمس مباشرة دخل وقت صلاة الظهر.

    وهل هذا التوقيت يكون للجمعة أو للجمعة شأن خاص؟

    جمهور أهل العلم يقولون: نعم يكون وقت الجمعة مثل وقت الظهر تماماً.

    لكن الحنابلة يقولون: لا، بل وقت الجمعة يبدأ من وقت صلاة العيد أو من وقت الضحى، فعندهم تجوز صلاة الجمعة الساعة العاشرة، وهذا يفعله بعضهم في بلاد الحرمين الآن كالدمام وغيرها، يصلون الجمعة مثلاً الساعة الحادية عشرة، والظهر وقته في التقويم الساعة الثانية عشرة مثلاً.

    ما دليلهم على ذلك؟

    استدلوا بما ورد عن بعض الصحابة أنه قال: (كنا ننصرف من صلاة الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس للتلول فيء يستظل به) والتلول جمع تل، وهو الجبل الصغير.

    والفيء هو الظل إذا ارتد من الناحية الثانية، أي: أن الظل في الصباح في هذا الاتجاه، فإذا بدأ يتجه إلى الناحية الأخرى يسمى فيئاً، فقوله: (ليس للتلول فيء يستظل به) أي: لم تزل الشمس، لأن الشمس إذا زالت أصبح للتلول فيء، ومن ثمّ دخل وقت الظهر، فمادام الصحابي قال: (ليس للتلول فيء يستظل به) دل ذلك على جواز الصلاة قبل الزوال.

    أما الجمهور فقالوا: إن معنى قول الصحابي: (ليس للتلول فيء يستظل به) ليس صريحاً في نفي الفيء، فقد يكون الفيء قليلاً يصلح للاستظلال، فيصبح كالمعدوم، فيدل على أننا نبكر بالجمعة بعد الزوال مباشرة، فهذا هو قول الجمهور في هذا الباب.

    أما بالنسبة لوقت العصر فيبدأ إذا صار ظل كل شيء مثله، كما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن.. هل يضاف ظل الزوال أو لا يضاف؟ تقدم ظل الزوال، لكن إذا وقفنا أنا وأنت وقت الظهر أو الساعة العاشرة مثلاً، وكان الظل طوله ثلاثة أمتار في اتجاه اليمين، أو أن ظل كلما دخل الوقت تناقص، ثم جاء عند الزوال مثلاً ثبت طوله متراً، ثم بدأ يتحول إلى الناحية الأخرى ويزداد متراً وخمسة أمتار وعشرة، فهذا ظلك عند وقت الزوال الذي هو متر يسمى (ظل الزوال)، أي: هو الظل الذي هو ثابت للشيء بعد تحوله من الطول إلى القصر وإلى الطول مرة ثانية.

    فهذا ظلك وهذا هو وقت الظهر.. فهل يضاف إلى هنا الظل مثله كي يدخل وقت العصر أم لا يضاف؟

    بمعنى: هب أنني مسكت عصا ووضعتها وقت الظهر عند الزوال وطول ظلها 10سم، وطولها هي متر، فوقت العصر يدخل إذا كان طولها متراً وعشرة سم.

    يعني: طولها الأصلي يضاف إليه طولها ساعة الزوال، وهذا رأي جمهور أهل العلم، أن وقت صلاة العصر يبدأ إذا صار ظل كل شيء مثله مضافاً إليه ظل الزوال، وإضافة ظل الزوال إلى ظل المثل لم يرد في حديث الرسول، بل ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر) ليس فيه إضافة ظل الزوال، لكن جمهور العلماء قالوا: هذه متعينة؛ لأنه أحياناً قد تكون واقفاً في الظهر وظلك متراً عند الزوال في بعض أيام السنة.. فهل معنى ذلك أن العصر يبدأ؟ الجواب: لا؛ لأن بينهما وقتاً بلا شك.

    أما الأحناف فقد استدل بعضهم باستدلال غريب مضحك، على أن وقت العصر يبدأ إذا صار ظل كل شيء مثليه، استدلوا بحديث الأجير الذي استأجر أجراء فعملوا له نصف النهار، -حديث اليهود أو النصارى- ثم تركوا الأجر وجاء وقت الظهر إلى العصر، ثم تركوا الأجر فعملت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأصابت أجرين، وهذا استدلال لا أعرف له وجهاً أصلاً، والإعراض عنه أولى.

    أما وقت المغرب فإنه يبدأ بمجرد غروب الشمس وينتهي بسقوط الشفق الأحمر، وهو الحَمار الذي يكون في اتجاه غروب الشمس، والشفق شفقان: شفق أحمر يكون في اتجاه غروب الشمس وبسقوطه يدخل وقت العشاء.

    وشفق أبيض قد يمتد في بعض ليالي السنة إلى منتصف الليل.

    أما وقت العشاء فإنه يبدأ بسقوط الشفق الأحمر، وأما نهاية وقت العشاء فمن أهل العلم من قال -وهو اختيار البخاري -: أنه إلى منتصف الليل؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص : (وقت النبي صلى الله عليه وسلم العشاء إلى منتصف الليل) .

    وأما الجمهور فقالوا: إن وقت العشاء يمتد إلى صلاة الفجر، لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى) لكن استثني من هذا الحديث صلاة الصبح بالإجماع، فوقتها ينتهي بطلوع الشمس.

    وأما وقت الضحى فإنه يبدأ من ارتفاع الشمس في السماء بقدر رمح أو رمحين، وهناك مسائل تتعلق بالكتاب الموقوت تأتي في باب آخر، والله سبحانه أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم..)

    قال تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ [النساء:104] (لا تهنوا) أي: لا تضعفوا.

    (فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي: في طلب الأعداء وقتلهم وجهادهم.

    و(القوم): المراد بهم الكفار، وقد تقدم أن الإطلاق العام قد يأتي ويراد به الخصوص.

    وأحياناً يأتي الاصطلاح العام ويراد به عدة أصناف: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ [آل عمران:173] فالقائلون أناس، والمقول لهم أناس، والذين جمعوا لهم أناس.

    وقوله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:104] هذه الآية من التسلية للمؤمنين، يسلي الله عباده المؤمنين، فإن كنت تتألم أيها المؤمن فغيرك أيضاً من الكفار يتألم، ونحوها: كقوله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35].

    ونحوها: قول النبي صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (يا بنية، إنه قد حل بأبيك ما ليس الله بتارك منه أحداً من الناس) أي: الموت.

    فقوله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:104] هذا تسلية لأهل الإيمان، إن كنت تجرح في القتال فالكافر يجرح، وإن كنت تقتل فهو يقتل، وإن كنت تجمع المال والديون كي تجهز العدة فكذلك الكافر، وإن كنت تبيت قلقاً فهو يبيت قلقاً، وأنت ترجو من الله ما لا يرجو، فإذا تساويتما في هذه، فأنت أضفت طلباً من الله والكافر لا يطلبه، أضفت أنك تطلب الجنة والكافر لا يطلب ذلك.

    فجدير بك أن يكون صبرك أعظم من صبر هذا الكافر؛ لأن لك طلباً وهو ليس له طلب، فلتصبر أنت أكثر من صبره.

    قال: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:104] وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    تحديد مدة قصر الصلاة للمسافر

    السؤال: رجل سافر لقضاء مهمة كلف بها، ولا يعلم وقت انتهاء مهمته ، فكم يجوز له أن يقصر في سفره؟

    الجواب: الذي يظهر -والله أعلم- أنه يقصر مادام مسافراً؛ للعمومات، فإن عائشة قالت: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر) فليس هناك دليل يقيدها بوقت والله أعلم.

    تثاؤب النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هل ثبت في السنة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتثاءب؟

    الجواب: الله أعلم، لا أعلم شيئاً إلا قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، وفي المقابل: (ما منكم من أحد إلا ووكل به قرينه، قال: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) لكن كتحديد المسألة لا أعلم.

    العلة في النهي عن كل خليطين

    السؤال: هل النهي عن كل خليطين كالزبيب والتمر مثلاً بسبب الإسكار؟

    الجواب: النهي عما يسبب الإسكار، وانتهى الأمر على هذا، لكن النهي عن الخليطين من باب سد الذريعة، فإذا خلط الزبيب والتمر مثلاً تم الإسكار بسرعة، فيأتي شخص يشرب ولا ينتبه أن المشروب أصبح مسكراً، فسداً للذريعة منع الخلط على هذا النحو، والله سبحانه أعلم.

    حكم أخذ الناذر من المنذور به

    السؤال: أخت نذرت لله أن تذبح خروفاً وتوزعه على الفقراء إذا شفى الله ابنها، وقد تم ذلك بحمد الله، فهل لها أن تأخذ من الخروف شيئاً؟

    الجواب: إذا نذرت أن توزعه على الفقراء فليس لها أن تأخذ منه شيئاً، أما إذا نذرت مجرد ذبح الخروف فقط فلها أن تأخذ منه قسطاً لنفسها، والأولى الترك.

    حكم جمع الصلاتين جمع تقديم

    السؤال: يسأل الوالد هل يجوز له أن يجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر جمع تقديم؟

    الجواب: بالنسبة لجمع صلاة الظهر مع العصر جمع تقديم، يشهد له فعل الرسول عليه الصلاة والسلام بعرفات؛ لأن الرسول بالإجماع صلى العصر في وقت الظهر، وهذا متفق عليه، وكان مسافراً فصلى الظهر مع العصر جمع تقديم، ووردت رواية في إسنادها إشكال فقهي أو حديثي من طريق قتيبة بن سعيد بن جميل لن نتعرض لها، وفيما ذكر يكفي بالنسبة لجمع التقديم بين الظهر والعصر.

    أما أن تجمع العشاء مع المغرب جمع تقديم فلا أعلم أي حديث ثابت في هذا إلا حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهو مطلق، قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، سبعاً وثمانياً -أي: جمعاً- من غير عذر من خوف ولا مرض ولا سفر) ولم يذكر أنه جمع تأخير. ومعنى: سبعاً وثمانياً: أي: الظهر مع العصر ثماني ركعات مجتمعة، والمغرب مع العشاء سبع ركعات مجتمعة.

    ولم يذكر في الحديث أنها تقديم ولا تأخير، وهذا يستأنس به لمن قال بجمع التقديم، لكن كنص صريح في المغرب والعشاء أنها قدمت فلا أعلم شيئاً فيه، والله أعلم.

    قصر الصلاة للمسافر

    السؤال: هل يقصر الرجل في بيت ولده إذا كان ولده في بلدة أخرى أم يتم؟

    الجواب: يقصر في بيت ولده، إذا كان بلدة بلد الولد مسافة قصر كالقاهرة وأنت مثلاً في المنصورة فيقصر.

    حكم تحديد مسافة القصر بثلاثة أيام

    السؤال: هل يقصر لمدة ثلاثة أيام فقط؟

    الجواب: لا نعلم دليلاً على تحديد أيام القصر، والذين استدلوا على تحديد القصر بثلاثة أيام أو بعدد معين من الأيام أدلتهم صحيحة لكنها ليست صريحة، فـابن عباس -مثلاً- يقول: (إن الرسول عليه الصلاة والسلام سافر تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة) فإذا زدنا عن تسعة عشر يوماً أو سبعة عشر يوماً أتممنا، وإذا أقللنا عن تسعة عشر يوماً قصرنا، وهذا وجه عليه مأخذ؛ لأنه ما أدراك أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا مكث شهراً سيتم؟!

    أما الآخرون فقد أخذوا من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام في الحج حيث مكث في الحج يوم النحر الذي هو العاشر من ذي الحجة، ويوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر إلى وقت الزوال، ثم صلى الظهر بمزدلفة، فقالوا: إن صلاة الفجر التي صلاها الرسول عليه الصلاة والسلام في منى يوم الثالث عشر مكان صلاة الفجر التي صلاها في مزدلفة يوم النحر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يصل الفجر يوم النحر في منى، بل جلس في منى يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، إن سلم لهم بهذا القول.

    وقد بنوا على أن الرسول ما مكث مدة متصلة يقصر فيها الصلاة إلا هذه الثلاثة الأيام، لكن السؤال أيضاً يرد عليهم: من أخبركم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا مكث أكثر لم يتم بل لم يقصر؟ ابن عباس رضي الله عنه عدّ المدة التي خرج فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى أن رجع المدينة، فالرسول عليه الصلاة والسلام تحرك من المدينة إلى الحج يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وتحرك من مكة راجعاً يوم الثالث عشر، ولا أدري كيف حسبها رضي الله عنه لكنها وصلت إلى تسعة عشر يوماً.

    لكن الأدلة ليست صريحة، ولذلك اختار عدد من العلماء المتحررين من التقليد أن الشخص إذا مكث أي مدة مادام مسافراً ولم يتخذ دار إقامة أن له قصر الصلاة، والله أعلم.

    حكم صلاة الفجر جماعة بنية السنة الراتبة

    السؤال: هل يجوز لرجل أن يصلي جماعة وفي نيته أن يصلي سنة الفجر وبعد ذلك يصلي الفرض منفرداً وهذا خاص بصلاة الفجر؟

    الجواب: الذي يظهر أنه لا يجوز، بل يصلي معهم الفجر، والله تعالى أعلم.