إسلام ويب

تفسير سورة النساء [92-99]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرم الله قتل النفس المسلمة، ومن قتل مؤمناً خطأً لزمه كفارة وهي عتق رقبة مؤمنة وتسليم الدية لأهل المقتول، وإن كان المقتول معاهداً بدأ بتسليم الدية ثم تحرير رقبة، وأما إن كان مسلماً ولكنه من قوم كفار فتلزم القاتل الكفارة بعتق رقبة أو صيام، ولا دية لأهل المقتول.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:92].

    قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ) أي: وما كان ينبغي لمؤمن، فبعض العلماء قدر هنا كلمة (ينبغي).

    ومن العلماء من قال: وما كان يحل لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ.

    والمؤمن المراد به هنا: المسلم، فليس المراد به المؤمن الذي هو أعلى درجة من المسلم، إنما المراد بالمؤمن هنا: المسلم، والمعنى واحد، وما كان لمسلم أن يقتل مسلماً إلا خطأ لها نفس معنى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً).

    و(إلا) هنا قد يكون من معانيها: لكن، (ففي) ترد كثيراً في كتاب الله عز وجل بمعنى لكن.

    كفارة القتل الخطأ

    (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) أي: بطريق الخطأ.

    (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) فذكرت الكفارة.

    فإن قال قائل: إن الله وضع الخطأ والنسيان والاستكراه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله تبارك عندما قال المؤمنون: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال الله في الحديث القدسي: (قد فعلت.. قد فعلت)، فلماذا يؤاخذ المؤمن هنا بقتل الخطأ وفرضت عليه كفارة؟!

    وأيضاً قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يصح من شواهده أنه قال: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وإن كان في إسناده بعض المقال إلا أنه يشهد له قوله تعالى: (قد فعلت) في الحديث القدسي.

    فالإجابة على هذا: بأن إثم قتل الخطأ مرفوع عن الشخص لكنه ألزم بنوع كفارة.

    وقد يقول قائل: إنها ابتلاء من الله له يبتليه بأن يكفّر كفارة دنيوية، فهو لم يلزم بالاستغفار؛ لأنه لم يرتكب إثماً في الحقيقة في الأصل، إنما ألزم بكفارة، وقد يقول قائل: إنها من باب معاونة أهل المقتول والمساهمة في تحرير رقاب أهل الإيمان، وليس لها تعلق بالإثم اللاحق بالقاتل الخطأ. وهذا وجه قوي، والله أعلم.

    ومن أهل العلم من قال: إن هذه الصورة مستثناة من المؤاخذة بالخطأ، فيكون الأصل أن المسلم لا يؤاخذ بالخطأ، لكن وردت أدلة تستثني بعض صور الخطأ التي يؤاخذ بها المسلم ويحاسب عليها، فلَزِمَنَا المصير إليها لوجود الدليل من الكتاب أو من السنة، وشأن ذلك شأن أي عام في الكتاب أو السنة، فهناك عمومات تأتي في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وتستثنى منها أمور، فليكن هذا من العام، أي: ليكن عدم المؤاخذة بالخطأ عام، استثني منه قاتل الخطأ بأن فرضت عليه كفارة بنص في كتاب الله، فلا يكون هناك معنى لإنشاء خلاف بين الآية وبين الآية الأخرى، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) قيدت الرقبة هنا بأنها مؤمنة، وفي آيات أخرى لا تتعلق بالقتل أطلقت الرقاب، قال تعالى: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد:11] أي: هذا الكافر ما اقتحم العقبة، ما هي العقبة؟

    قال فريق من العلماء: إنها جبل في النار.

    ومنهم من قال: إنها الصراط.

    وهذه العقبة يقتحمها الناس بأعمالهم، فينقم الله على الكافر المجادل فيقول: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)، أي: ما عمل أعمالاً تؤهله لاقتحام العقبة، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ)، تعظيم لهذه العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد:13]، أي: لم يقتحم العقبة بفك رقبة، فالرقبة هنا أطلقت ولم تقيد بأنها رقبة مسلمة ولا رقبة كافرة، فبعض أهل العلم يحمل هذا الإطلاق على المخصص الوارد في آيات أخرى، وبعضهم -ورأيهم أسلم- يقول: إذا أطلقت الرقبة نطلقها، وإذا قيدت الرقبة نقيدها.

    فمثلاً: قال تعالى في شأن كفارات الأيمان: َفكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]، ففي اليمين لم تقيد الرقبة بأنها مؤمنة، لكن في القتل قيدت الرقبة بأنها مؤمنة وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، فيشترط في الرقبة -أي: العبد أو الأمة- أن يكونا مسلمين، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ [النساء:92] أي: مدفوعة، إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92] إلى أهل المقتول.

    وهذه الدية مسلمة فمن؟ ومن الملزم بها؟ هل القاتل أو العاقلة؟

    إذا قتل شخصٌ شخصاً خطأً فهل يلزم القاتل أن يسدد الدية وحده بمفرده، أو أن رجال قبيلته يساهمون في هذه الرقبة، فالدية في حالة القتل الخطأ ليست على القاتل فحسب إنما هي على العاقلة وهم رجال القبيلة، فكلٌ يدفع قسطاً ويؤدون عن الشخص في حالة قتل الخطأ، لكن في حالة قتل العمد فإن الجاني هو الذي يتحمل، فإن ساعده أهله بشيء فلا مانع من ذلك، لكن الذي يُلزم بدفع الدية هو القاتل.

    والدية قدرها مائة من الإبل.

    وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92] أي: يعتق عبداً مسلماً أو أمة مسلمة، وإضافة إلى ذلك يدفع ويسلم دية إلى أهله، ويقدرها الناس الآن أو في بعض بلاد العرب بما يقارب مائة وخمسين ألف ريال سعودي.

    وصور القتل الخطأ تتعدد وتتنوع، ففي بعض البلاد تجري الأحكام أنك إذا كنت تقود سيارة فصدمت رجلاً في الطريق وقتلته، فتكون قد قتلت خطأً، وتلزم أنت مع العاقلة بسداد الدية إلى أهله، وطبعاً قوانين المحاكم التي تجري في المحاكم لا تسقط عليك أي شيء من الناحية الشرعية إنما هي في وادٍ آخر، إلا إذا عفا عنك أهل المقتول خطأ فالحمد لله، وبقي عليك فقط تحرير الرقبة المؤمنة.

    ومن صور القتل الخطأ: أن تلقي حجراً مثلاً من فوق السطح -من فوق سطح البيت مثلاً- ألقيت أحجاراً أو أخشاباً على أناس بطريق الخطأ فماتوا فتتحمل أنت ديتهم، وإذا كنت تقود سيارة وصدمت شخصاً فإنك تتحمل أنت أيضاً الدية، هذه بعض صور القتل الخطأ، والصور تتعدد.

    وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء:92]، ففيه ندب إلى الصدقة، وحثٌ من طرف خفي لأهل الميت على الصدقة، فإذا كان المقتول عمداً قد حث الله أهله على الصدقة، فأهل المقتول خطأً من باب أولى، فالمقتول عمداً يقول تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ [المائدة:45] إلى قوله: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45]، أي: إذا قتل أخوك أو قتل أبوك ثم عفوت عن القاتل فقد كفرت ذنوبك وخطاياك، فإذا كان الله ندب إلى العفو في حالة القتل العمد، فلأن يندب إلى العفو في القتل الخطأ من باب أولى؛ لأن القاتل خطأ ما تعمد أن يقتل.

    والفقهاء يفرقون أحياناً بين قاتل العمد وقاتل الخطأ بناءً على الآلة التي استعملت في القتل، وهذا من ضمن جملة أشياء يفهمها إخواننا المختصون بذلك، ولعل الشيخ صالح بن عبد الجواد حفظه الله تعالى يتحفنا في هذا الجانب، وما هو سائرٌ في المحاكم في هذه الأيام، فبعضهم يفرق في الآلات، فإذا ضرب شخصٌ شخصاً بحجر مثلاً فقتله به، وشخص ضرب شخصاً آخر برصاص وأطلق عليه رصاصة، فالأولى عمد والأخرى قد تكون خطأ.

    ومن اللطائف التي سيقت في هذا الباب: أنه في بعض السجون في بعض البلاد العربية أتوا برجل تشاجر معه آخر فضربه بالفأس فقتله، فأخذوه وأثبتوا في محضر الشرطة: بمَ قتلته؟ قال: بالفأس، فدخل السجن انتظاراً للمحكمة، فسأله السجناء والخبراء بالمشاكل وقالوا له: ما هي جريمتك؟ قال: قتلت شخصاً بالفأس، قالوا له: إنك إن قلت للقاضي: قتلته بالفأس، سيحكمون عليك بالإعدام؛ لأنك قاتل عمد، ولكن إذا سألك القاضي، فقل: قتلته بيد الفأس ليس برأس الفأس -أي: بالخشبة- فقال: لقد اعترفت، قالوا له: إذا جاء وقال لك: لمَ اعترفت؟ فقل له: إن إخوة يوسف قالوا: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [يوسف:82] وما أرادوا أحجار القرية إنما أرادوا السكان، فقل: أنا قلت بالفأس وأريد يد الفأس، فجعلوها قارنة لصرف الحد عنه وانتقاله من العمد إلى شبه العمد.

    حكم من قتل مؤمناً من قوم كفار خطأ

    يقول الله سبحانه: فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:92]، أي: إذا كان المقتول مؤمناً لكن قومه كفار، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وحذفت الدية المسلمة إلى أهله، وهذه الآية استأنس بها العلماء الذين يقولون باعتبار المقاصد في الأحكام؛ لأن المؤمن لما قُتل وهو من قوم كفار، فإذا أعطينا للقوم الكفار الدية وسلمناهم الدية استعانوا بها على قتال أهل الإيمان، فخشية أن يستعينوا بالدية على أهل الإيمان حذفت الدية -والله أعلم- ومنع منها الكفار، واقتصر على تحرير الرقبة فقط، وهذا من اعتبار المقاصد في الأحكام، وفي الحقيقة أنه من المسائل الشائكة جداً.

    ونضرب مثالاً آخر -ونحتاج من أخينا الشيخ صالح أن يعقب لنا بما يدور عندهم في المحاكم-: في مرض الموت قال رجل: زوجتي طالق، فسئل: لماذا طلقتها؟ فقال: طلقتها لكي لا ترث، ثم مات، وكان هذا الطلاق غير رجعي، إما أنه آخذ ثلاث تطليقات فتكون مبتوتة، أو أنه طلاق قبل البناء، فالشاهد: أنه طلاق غير رجعي، ثم مات الرجل، فهل يعتبر هذا الطلاق أو لا يعتبر؟

    إذا اعتبرت المقاصد قلت: الشاهد أن مسألة طلاق المرأة في مرض الموت تنازع فيها السلف، وقد ذكرنا أن أمير المؤمنين عثمان يرى أن هذا الطلاق لا يقع، وقد ورث عثمان رضي الله عنه امرأة عبد الرحمن بن عوف لما طلقها عبد الرحمن في مرض الموت، وأبى ذلك عبد الله بن الزبير وقال: (لا أورث مبتوتة).

    وورد أن أمير المؤمنين عمر لما بلغه أن غيلان بن جرير الثقفي طلق أزواجه كلهن خشية الميراث، قال له: (إني يخيل إليَّ أن الشيطان فيما يسترق من السمع أخبرك بموتك، فقسمت ميراثك على بنيك وطلقت نساءك، فوالله لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال ، فراجع النساء، ثم ما لبث إلا أياماً حتى مات).

    فلا أدري بم تقضي المحاكم اليوم يا شيخ صالح ؟

    الشيخ صالح : تبطل جميع تصرفاته عند مرض الموت.

    الشيخ: أخوكم الشيخ صالح حفظه الله يقول: إن الجاري في المحاكم الآن أنها إذا طلقت في مرض الموت وثبت أن هذا المرض هو مرض الموت ولم يقم من مرضه؛ لأنه إذا قام من المرض ثم تعافى وبقي على طلاقه ثبت الطلاق، لكن إذا ثبت أنه مرض الموت ولم يقم منه بطلت جميع تصرفاته.

    والإمام الشافعي يرى أن الطلاق واقع هو وأبو محمد ابن حزم .

    وإن سألنا عن الدليل، هل تعلم لهم دليلاً يا شيخ صالح حفظك الله؟ هل تعلم دليلاً لإبطال تصرفات المريض كلها؟

    الشيخ صالح : لسوء نيته.

    الشيخ: دليل القانونيين أنه سيء النية، وما الذي أدخل القانونيين في نيته؟!!

    الشيخ صالح : هكذا اعتبروه.

    الشيخ: هكذا اعتبروه، هب أن هناك سيء النية مثله وهو صحيح لم يمرض، كرجل معافى وصحيح، فقال: زوجتي طالق؛ حتى أحرمها من الميراث، فهذا سيء النية.

    الشيخ صالح : نعم سيء.

    الشيخ: سيء، ولكن لا يؤاخذه القانون.

    الشاهد: أن أبا محمد ابن حزم رحمه الله سبقه الإمام الشافعي رحمه الله وسبقهم عبد الله بن الزبير رحمه الله ورضي عنه، وقالوا: بأنه يقع الطلاق، شأنه شأن الصحيح، وأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه رأى عدم الوقوع، وليست هناك أدلة صريحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، ونرجع إلى التفسير:

    حكم من قتل المعاهد خطأ

    قال تعالى: فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:92] أي: معاهدات، أي: أنهم قوم كفار لكن بينهم وبين المسلمين معاهدات، فدلت الآية على جواز عقد المعاهدات مع الكفار، والأدلة على ذلك لا تكاد تحصى من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، فقدمت الدية على الرقبة المؤمنة، وهذا الآية تؤكد أن المسلمين يحترمون العهود والمواثيق، فإذا قتلت شخصاً خطأ، وكان هذا الشخص مؤمناً من قومٍ مؤمنين فابدأ بتحرير الرقبة ثم الدية، وإذا كان الشخص من قوم كفار بيننا وبينهم معاهدة فابدأ بتسليم الحقوق لهم ثم بعد ذلك حرر رقبة المؤمنة، فهذا مما يدل على أن ديننا يحترم العهود والمواثيق في جملة أدلة: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال:58].

    حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها

    فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟

    قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟

    قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.

    فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.

    فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا...)

    ثم قال تعالى محذراً من القتل العمد:

    وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء:93]، ذكرت الآيات القتل الخطأ والقتل العمد، وبعض كتب المالكية أدخلوا قسماً ثالثاً وهو: شبه العمد، أي: أن هناك حالات تشك هل هي عمد أو خطأ؟

    فمثلاً: رجل ضرب رجلاً بشيء يشك فيه هل يكون عمداً أو خطأ، فهذه فيجعلونها شبه عمد.

    وفي الحقيقة أن من أهل العلم من يلغي هذه المرحلة بحديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) فيرجعها إلى الخطأ؛ لعدم وجود شبه دليل صريح على مسألة شبه العمد، والله أعلم.

    فمثلاً: مدرس يؤدب طالبه، وفي أثناء الضرب مات هذا الطالب، أو رجل يعالج بالقرآن وهو يضرب المريض فمات هذا المريض، فيحتمل أنه أراد قتل المريض، ويحتمل أنه لم يرد.

    وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] هل أي مؤمن يقتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم أم أن المتأول له أحكام؟ لأن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل وقتل فعلاً، فطائفة معاوية رضي الله عنه قتلت عمار بن ياسر في طائفة من أصحاب علي رضي الله عنه، فهل كل من قتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم؟

    التقييد الأول: جزاؤه جهنم إذا لم يغفر الله له؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فإذا لم يغفر له فلن يكون جزاؤه جهنم؛ وقد جاء (أن قوماً أتوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، زنوا فأكثروا، وقتلوا فأكثروا، وسرقوا، فهل لهم من توبة؟ فنزل قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53])، وكذلك حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض... ثم كان مآله إلى أن تلقته ملائكة الرحمة عندما تاب. إذاً تقيد الآية بما إذا لم يغفر له.

    وروي عن الحبر الكبير عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: (ليس لقاتل مؤمنٍ توبة)، واحتج بهذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، فقد تراكمت عليه العقوبات؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).

    ولذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رغم عدله الواسع المنتشر وسيرته الحسنة، إلا أنه كلف -عندما كان أميراً على المدينة من قبل بني أمية- أن يضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير، فضربه وتركه في برد المدينة القارس الشديد، وكان خبيب رجلاً صالحاً حتى مات خبيب في البرد، فكان عمر كلما ذكر بعد أن ولي الخلافة يبكي ويقول: من لي بـخبيب ؟! من لي بـخبيب ؟! من لي بـخبيب ؟! ويتأسف غاية الأسف على الذي صنعه بـخبيب.

    قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية المسند -كما في معنى الحديث-: (إن المقتول يأتي يوم القيامة آخذاً بتلابيب قاتله معه رأسه، يقول: يا رب! سل هذا فيما قتلني. فيقال: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيبوء بإثمه وإثمه فيتحمل القاتل كل ذنوب المقتول ويكون من أصحاب النار) عياذاً بالله.

    فالآية فيها تقييدات، فمن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم إذا لم يتب الله عليه، ويقول: ابن القيم: إذا لم يكن متأولاً، وهذا التأول يكون مقبولاً أو تكون له وجهة شرعية مثلاً.

    فمثلاً: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تقاتلوا فيما بينهم، فرب العزة يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، هناك شخص مؤمن في طائفة معاوية يتخيل أنه مصيب وأنه يطالب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل مظلوماً، ويبدأ برفع السيف على أخيه المسلم من وجهة شرعية، فحينئذٍ هذا التأول وإن كان لا ينجي صاحبه من العذاب جملةً إلا إذا غفر الله له، لكن لا يخلد صاحبه في النار.

    وهناك قيود أخر، منها: إذا لم يكن المقتول يستحق القتل، فإذا كان المقتول زانياً محصناً فقتل، أو قاتل نفس بغير حق فقتل، أو مرتداً عن دينه فقتل، أو كان قاطع طريق، أو فعل فِعل قوم لوط واستوجب حداً أقامه عليه الإمام، فهناك استثناءات تضبط لنا هذه الآية.

    وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] سبق أن عبد الله بن عباس يرى أنه ليس لقاتل النفس توبة، ويقسم في بعض الروايات أن آية النساء هذه نزلت بعد آية الفرقان، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70]، فـابن عباس يرى أن قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، يرى أن هذه الآية هي القاضية على آية الفرقان في الحكم.

    أما جمهور الصحابة فلم يوافقوا على هذا الرأي وقالوا: له توبة إن تاب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها)، ولقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وهناك جملة أدلة منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحج يهدم ما قبله)، وعمومات احتج بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن أهل العلم من التمس وجهاً لـعبد الله بن عباس فقال: إن مراد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن قاتل المؤمن في الغالب أنه لا يوفق للتوبة، فإن قيل: إن هناك من يقتل ويتوب، فالإجابة: أن هناك من يقتل ويتوب، ولكن في الغالب أن الذي يقتل لا يتوب، فإن وجد شخص أو ثلاثة أو عشرة، لكن الغالب على أن القتلة لا يتوبون، وهذا أحد الالتماسات لتوجيه رأي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وجعله يرجع إلى رأي جمهور الصحابة رضي الله عنهم، وبعض العلماء يحمل الآية على المستحل، والله أعلم.

    فجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ [النساء:93]، فاجتمع عليه الغضب واللعن.

    وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، في قوله: وَأَعَدَّ لَهُ [النساء:93] دليلٌ على أن النار مخلوقة، (وَأَعَدَّ لَهُ) دليل على أن النار معدة الآن، وقوله تعالى أيضاً: اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ [آل عمران:131]، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها)، وقد رآها النبي في صلاة الكسوف، وكل هذه أدلة تدل على أن النار مخلوقة الآن، وقوله: (بينما رجل يمشي في حلة أعجبته نفسه يتبختر إذ خسف به فهو في نار جهنم يتجلل فيه)، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (لما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها)، فكل هذه أدلة تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...)

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ) أي: سافرتم، والضرب في الأرض معناه: السفر، قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ [المزمل:20]، وقال جل وعلا: َإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، وقال صلى الله عليه وسلم (ضربت الشياطين مشارق الأرض ومغاربهاضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94] أي: خرجتم غزاة مسافرين في سبيل الله.

    (فتبينوا) في قراءة: (فتثبتوا)؛ وذلك لأن المصحف لم يكن على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام منقوطاً، فكانت الكلمة بدون نقط لا فوق ولا أسفل فتحتمل القراءتين معاً، وقد نزلت الآية في طائفة من أصحاب رسول الله خرجوا غزاةً، فالتقوا برجل كان بين بعضهم وبينه ثأر قديم في الجاهلية، فسلم عليهم بتحية الإسلام، وكان معه غنم له، فقتلوه وساقوا غنمه، فنزلت فيهم الآية، وجاء أيضاً أنها نزلت في أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، فيقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، والآية ليست على ما يفهمها الجهلة الذين ينتمون إلى جماعة التوقف -وهم من أجهل الطوائف- حيث أسسوا جماعة التبين بناءً على هذه الكلمة، والآية نفسها ترد عليهم، ففيها: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [النساء:94] وهم يقولون للمصلين: لستم مؤمنين.

    فالآية أخذوا منها كلمة (التبين)، وبنوا عليها جماعة وجعلوا لهم أميراً من أجل كلمة التبين التي في الآية، فلو نظروا إلى آخر الآية: لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [النساء:94] أي: احكموا لمن ألقى إليكم السلام بالإيمان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المؤمن)، وهم أبوا أن يقروا بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] أي: إذا خرجتم غزاةً في سبيل الله -واصطلاح (في سبيل الله) محمولٌ على الجهاد- فتبينوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [النساء:94]، فالآية تفيد أن السلام من شعار المسلمين، ولذلك لما قدم موسى على الخضر سلم عليه، فقال له الخضر : وأنى بأرضك السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ فعلم الخضر أن موسى أتى بتحية المسلمين، فلذلك تعجب كيف يأتي من عند الفراعنة ويحمل هذه التحية!

    قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] أي: بتهجمكم عليه وقتله، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]، أي: تورعوا عن هذا المشبوه، وابتغوا الغنيمة عند الله سبحانه وتعالى، فالآية تفيد أن الشخص يترك المشتبه ويطلب الرزق الحلال الطيب من الله، فترك المشتبه سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا عبد الله بن سلام يقول لبعض التابعين: (إنك بأرض الربا فيها فاشٍ، فإذا أقرضت رجلاً وأهدى لك شيئاً فلا تقبله فإنه ربا).

    قال تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94]، أسامة بن زيد نزلت فيه الآية فكان يتمنى أنه لم يولد إلا بعد أن نزلت هذه الآية أو بعد هذه الغزوة؛ لأنه قتل نفساً مؤمنة بغير حق. (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله يا أسامة ؟! قال: يا رسول الله! إنما قالها متعوذاً، قال: أقتلته يا أسامة ! بعد أن قال لا إله إلا الله؟ كيف بك يا أسامة ! إذا جاء بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!)، فقتل النفس المؤمنة -يا عباد الله- جرم كبير، وقد جاءت فيه نصوص الوعيد المتكاثرة غاية الكثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...)

    قال تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95] كلمة (غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) تأخر نزولها عن سائر الآية، فقد كان في الآية أول ما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) نزلت هكذا أول الأمر، فجاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله يشتكي ضرره وفقدان بصره، فأنزل الله تعالى: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95] وهناك دليل على أن بعض الآيات قد ينزل متأخراً عن بعض، والرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يقول (ضعوا هذا الجزء في هذه الآية، وضعوا هذه الآية في سورة كذا وكذا)، كقوله تعالى في سورة البقرة: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] نزلت هكذا، ثم بعد مدة نزل قوله تعالى: (من الفجر).

    قال تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء:95]، فالقاعدون لهم أجر، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آمن بالله ورسوله.. كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، مات في سبيل الله أو مات في أرضه التي ولد فيها، قالوا: أفلا نبشر الناس يا رسول الله؟! قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض).

    فالقاعدون لهم درجات لكن أعلى منهم درجات المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.

    والجهاد أعم من القتال، ولذلك المستشرقون لما جاءوا يترجمون هم والمستغربون بدءوا بترجمة كلمة (الجهاد) التي في كتاب الله بمعنى القتال، فأخطئوا؛ لأن الجهاد صورته أوسع، فقد يكون جهاداً بالمال، وقد يكون جهاداً بالنفس لا بالسيف فقط، والجهاد بالنفس يكون بالخروج لأي عملٍ يرضي الله سبحانه وتعالى وينصر دينه، وقد يكون جهاداً بالقلب، (فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن)، فاصطلاح الجهاد أعم من اصطلاح القتال، أما القتال فهو أحد صور الجهاد في سبيل الله، فلذلك الترجمة ينبغي أن تكون من رجل ملم بالأحكام الشرعية لا من رجل جاهل.

    قال تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِم [النساء:95] جهاد المال الآن يتمثل في صور منها: أن تنشر كتيباً أو شريطاً فيه رفع معنويات المسلمين.. أن تحث المسلمين على أعمال البر.. أن تتصدق بمصحف، فأفعال الخير والبر واسعة غاية الاتساع والحمد لله.

    فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95]، قال صلى الله عليه وسلم: (أهل الجهاد لهم مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء؛ لتفاضل ما بينهم).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً)

    قال تعالى: دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:96] درجات ومغفرة للذنوب ورحمة من الله سبحانه وتعالى بهم.

    ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته).

    والجهاد -كما علمتم- بالنفس وبالمال، وصوره لا تنقضي ولا تنقطع إلى يوم القيامة، فاقتطع من قوتك وانشر شيئاً ينصر الله به دينه ويؤيد الله به سنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ...)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97].

    نزلت هذه الآية في قومٍ من المسلمين المستضعفين الذين كانوا يسكنون بمكة، فأجبرهم أهل مكة للخروج معهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان المسلم الذي في صفوف رسول الله يضرب بسهمه فيصيب أخاه المسلم الذي في صفوف المشركين، فتحسر المسلمون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسفوا على ذلك وقالوا: قتلنا إخواننا، فنزلت الآية رافعةً الحرج عن المسلمين الذين هم في صفوف النبي عليه الصلاة والسلام، ومحذرةً لأهل الإسلام الذين دخلوا في صفوف المشركين يكثرون السواد.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ توفتهم وهم ظالمون لأنفسهم: قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ، أُخرجنا عنوة ورغم أنوفنا: قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا في هذا أنه ليس كل من أتى بعذر قبل منه، قال تعالى: َأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)

    ثم قال تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ [النساء:98] أي: الذين استضعفوا حقيقة وأخرجوا كرهاً من الرجال والنساء والولدان، قال ابن عباس : (كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة) لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98-99]، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجزاكم الله خيراً.

    1.   

    الأسئلة

    سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن في الصلاة

    السؤال: قال أحد إخواننا: في لقاء سابق أجبت على سؤال بشأن قيام إمام المسجد بقراءة القرآن في صلاة الفجر، بدءاً من سورة البقرة بترتيب المصحف حتى نهايته، وأن هذا الأمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ويرد البعض بأن المصحف لم يكن قد دون على عهد الرسول وعليه فلا تثريب على من يفعل ذلك؟

    الجواب: إذا قال الأخ: إن المصحف لم يكن رتب، فهذا أيضاً دليل عليه ليس دليلاً له، صحيح أن المصحف لم يكن رتب على عهد الرسول، فمن الذي ألزمك أن تقرأ على الناس يومياً ابتداءً من البقرة كل يوم جزءاً حتى تنتهي إلى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]؟

    هل درج على ذلك سلفنا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين دونوا المصحف؟ هل درج على ذلك التابعون؟

    رسولنا محمد يقول: (هلا قرأت في العشاء -أي: في صلاة العشاء- بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وبـ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2])، وكان يقرأ في صلاة الظهر بنحو ذلك، وبنحو ستين آية أو ثلاثين آية في العصر، فالتزام الترتيب لم يلتزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، فالإمام غير مطالب أن يتعلم الحفظ ويختبر نفسه وحفظه على المسلمين، ينتهي من ربع ويبدأ في الربع الذي بعده حتى يختم القرآن في سنة أو سنتين، فما سلك هذا السبيل وما تكلف هذا التكلف أصحاب نبينا محمد ولا سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، والله أعلم.

    فضل الجهاد في سبيل الله

    السؤال: هل للمجاهد الذي لم يقتل في المعارك التي خاضها أجرٌ، علماً بأنه لم يذهب متطوعاً ولكنه كان يعمل في القوات المسلحة وخاصةً في المعارك التي قامت؟

    الجواب: إذا كانت معارك ضد الكفار لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى فله أجره، وكل خطوة يخطوها تكفر بها عنه سيئة وترفع بها درجة، وكل غبار يصيبه يثاب عليه يوم القيامة، أما إن كانت حروباً لقتال المسلمين، كالذين ذهبوا في حرب اليمن يقتّلون المسلمين هناك لنصرة الاشتراكية، فحرب اليمن ليس فيها أجر فيما علمت؛ بل إنها حرب مضيعة للمسلمين وتقتيل لهم وتشريد، فالكل مسلمون، فعلى حسب نوع الحرب التي خاضها.

    كتاب في أسباب النزول

    السؤال: هل هناك كتاب في أسباب النزول محقق؟

    الجواب: نعم هناك كتاب (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل الوادعي رحمه الله.

    ما جزاء الإحسان إلا الإحسان

    السؤال: أخت تقدم لها أخ وهي ملتزمة ونحسبها كذلك، وتراجع عن خطبتها بعد أن أعجب بدينها وحسن أخلاقها لا لشيء إلا لأنها صارحته بعيب خلقي فيها، ولم يكتفِ الأخ بالإعراض عنها وإنما ثبط من عزم على التقدم لها، فما يقال لهذا الأخ؟

    الجواب: نقول له: اتق الله في هذه الأخت المسلمة كما اتقت الله فيك، فجزاء الإحسان الإحسان، فهي قد أخبرتك بالذي فيها إحساناً منها أو تقوى منها لله سبحانه حتى لا تغشك، فلا تكن أنت منفراً، ثم دعها هي التي توضح للخطاب ما بها كما وضحته لك. والذي سيعمله سيلاقيه يوم القيامة.

    قيام الليل هو التهجد

    السؤال: ما الفرق بين صلاة التهجد وصلاة قيام الليل؟

    الجواب: لا أعرف فرقاً بينهما، فقيام الليل هو التهجد.

    صلاة ركعتين بعد العصر من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: في حديث عائشة : (أن النبي لم يكن يترك ركعتين بعد العصر

    الجواب: الظاهر أنها من الخصوصيات برسول الله عليه الصلاة والسلام، لحديث: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس).

    مقدار التشهد الأول

    السؤال: هل التشهد الأول في الصلاة الرباعية يقف عند (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله)، أم يكمل التشهد إلى (إنك حميد مجيد)؟

    الجواب: الأولى -فيما ظهر لي- أنه يقف عند (أشهد أن محمداً عبده ورسوله) لأمرين:

    الأمر الأول: أن ابن مسعود لما علم التابعي التشهد أتى إلى قوله: (أشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وقال: إذا بلغت ذلك فقم، وابن مسعود هو راوي حديث التشهد وهو أعلم به من غيره.

    الأمر الثاني: لما ورد في إسناد حسن: (أن أبا بكر وعمر كانا يجلسان في التشهد الأوسط كأنما يجلسان على الرد) أي: الحجارة المحماة، أي: يسرعون.

    أبناء الأمة من الحر ينسبون إليه

    السؤال: نقرأ عن السراري في الإسلام، فما هو موقف أولاد هؤلاء السراري، هل ينسبون لآبائهم أم ماذا؟

    الجواب: إذا جاءت امرأة من الإماء لرجل حر، فجامعها هذا الرجل وولدت له ابناً، فهذا الابن ينسب للرجل، مثل إبراهيم ابن رسول الله، فـإبراهيم هو ابن مارية، ومارية كانت أمة عند رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    النصارى مشركون

    وجود زناة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، هل تدل هذه الآية على أنه كان هناك زناة وزانيات في المجتمع الإسلامي أثناء نزول الآية؟

    الجواب: نعم كان هناك زناة وزوانٍ في عهد رسوله الله عليه الصلاة والسلام، وقد روى ابن عباس قول النبي عليه الصلاة والسلام في تلك المرأة: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه).

    وهي امرأة كان الرجال يدخلون عليها، ولم يستطع أحد أن يثبت عليها شيئاً، فلا يوجد شهود أربعة رأوا واحداً يزني بها، ومع ذلك ما انتهت، وقد زنت الغامدية وجاءت وتطهرت.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.