إسلام ويب

وقفات مع سورة يوسفللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى قد أورد القصص في كتابه الكريم للتدبر والتفكر والاستفادة، وقصة يوسف هي أحسن القصص في القرآن الكريم، وفيها عبر ودروس لمن كان له قلب، فقد عفا يوسف عن إخوته رغم ما فعلوه به، والمظلوم لابد أن ينصره الله وإن طال الأمد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاء إخوة يوسف...)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فهذه آيات من كتاب الله كريمات نتناولها بالبيان والتأويل سائلين الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بها.

    قوله تعالى: وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58] ، بعد طول غياب جاء إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام من بلاد كنعان، جاءوا في سنوات شداد حلت فيها مجاعات بالبلاد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بذلك وهو يدعو على المشركين فيقول: (اللهم أعني عليهم بسنين كسنين يوسف) . فجاء إخوة يوسف وقد ضربتهم المجاعة يلتمسون الزاد والطعام من بلاد مصر التي منّ الله عليها آنذاك بأن أصبح يوسف صلى الله عليه وسلم عزيزاً عليها يدبر أمورها بما علّمه الله سبحانه وتعالى.

    طلب يوسف من إخوته المجيء بأخيه الشقيق

    قال تعالى: جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [يوسف:58-59] ، يقول أهل العلم من المفسرين: إن هذا الأخ هو (بنيامين)، أما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد فيها تسمية لهذا الأخ، إلا أن جمهور المفسرين على أن هذا الأخ هو (بنيامين).

    قال يوسف لإخوته: قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ [يوسف:59] هو شقيق يوسف صلى الله عليه وسلم، أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ [يوسف:59-60] ، يقول أهل العلم في ذلك: إنه يستحب للقائم على الأمور أن يستعمل الشدة في محلها، وأن يستعمل اللين في محله كذلك، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم بين هذا وذاك في قوله: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [يوسف:59] ، ثم عرج على الشدة ولوح بالتهديد في قوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ [يوسف:60] ، ونحو ذلك وارد في قول ذي القرنين إذ قال الله له: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:86-88] ، فاللين وإن كان أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك: (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق) ، لكن إن احتيج إلى الشدة اتجه إليها كذلك، وقد قال سليمان عليه السلام: مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:20-21] ، فأخذ من ذلك: أن اللين له محله والشدة لها محلها كذلك.

    قال يوسف صلى الله عليه وسلم: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [يوسف:59] أي: أنا خير من أكرم الأضياف، فإكرام الضيف خصلة يمتدح بها الشخص، وقد حث على ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل نزل بقوم فلم يقروه، كان له أن يأخذ منهم بقدر قراه) ، وما زال الناس يذمون البخلاء، فيقول شاعرهم:

    رأيت الفضل متكئاً ينادي الخبز والسمك

    فزمجر حين أبصرني ونكس رأسه وبكى

    فلما أن حلفت له بأني صائم ضحك

    وأحسن من ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سيدكم يا بني عمرو بن جموح؟ قالوا: يا رسول الله! الجد بن قيس على أنّا نبخّله، فقال عليه الصلاة والسلام: وأي داء أدوأ من البخل؟)

    قال يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ [يوسف:60-61] قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ والمراودة: هي المطالبة برفق.

    علة إرجاع يوسف لبضاعة إخوته بعد دفع قيمتها

    وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [يوسف:62] أمر يوسف صلى الله عليه وسلم الفتيان أن يجعلوا البضاعة في الرحال لغرضين:

    الغرض الأول: أن القوم قد لا تكون عندهم أموال يأتون بها إلى مصر مرة ثانية لشراء الطعام، فإذا وجدوا البضاعة ردت إليهم، أسرعوا في المجيء.

    الوجه الثاني: الاستهلال بذلك عند أبيهم على كرم يوسف ونبل أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وهذا من الحيل المشروعة، والحيل على قسمين:

    الأول: حيل محرمة مذمومة كتلك التي صنعها الإسرائيليون إذ اعتدوا في السبت كما حكى الله صنيعهم في قوله: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف:163].

    والثاني: حيل مشروعة: كتلك التي ذكرها الله سبحانه في شأن نبيه أيوب عليه السلام: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا [ص:44]، ومن الحيل المشروعة كذلك: التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها وهي في عدتها؛ وذلك لقوله تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235].

    الشاهد: أن يوسف قال عليه السلام: اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ [يوسف:62] (وانقلبوا) معناه: رجعوا، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:31] لماذا؟ : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [يوسف:62].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا...)

    فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63] زهنا لفتة عارضة تستفاد من قولهم: يَا أَبَانَا أنه ينبغي أن نتخاطب فيما بيننا، وأن نعلم أبناءنا اللغة التي نزل بها كتاب ربنا، فلم يقولوا: يا (بابا) منع من الكيل. إنما قالوا: يَا أَبَانَا فلزاماً علينا -إن كنا نحب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- أن نتأسى به وبالكتاب الذي نزل عليه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي) ولم يقل: استأذنت ربي أن أزور قبر (ماما)، كما يفعله المتهوكون الحيارى المتبعون لليهود والنصارى.

    قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فهل منع الكيل منهم حتى يقولوا منع منا الكيل؟

    كلا. ما منع منهم كيل، بل أخذوا حقهم ونصيبهم غير منقوص، بل وردت بضاعتهم إليهم مرة أخرى، فكيف قالوا: منع منا الكيل؟

    يقول أهل العلم: إن هذا إطلاق باعتبار ما هو آت، كالوارد في قوله تعالى: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36] والخمر في الأصل معصور، ولكن المعنى إني أراني أعصر عنباً فيئول العنب بعد ذلك إلى خمر، وكالوارد في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] أي: ستئول هذه الأموال إلى نار والعياذ بالله!

    فقولهم: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي: سيمنع منا الكيل. وقد يطلق اللفظ باعتبار ما قد فات كما في قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2] أي: الذين كانوا يتامى، وكما في قوله تعالى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الأعراف:120] أي: الذين كانوا سحرة، إذ لا سحر مع سجود.

    قال الله سبحانه: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف:64-65].

    قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ماذا نطلب وماذا نريد؟ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا أي: نجلب لأهلنا الميرة، وهي الطعام وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف:65] * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [يوسف:66] والموثق: هو العهد المؤكد باليمين حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ومن أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ أي: إلا أن تهلكوا عن آخركم، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42].

    علة دخول إخوة يوسف من أبواب متفرقة

    وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67] ذلك -والله أعلم- خشية العين، فإخوة يوسف كانوا أيضاً على درجة من الجمال والبهاء إذ هم من ذرية إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام قال الله في شأنهم: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص:45] أي: الأقوياء العلماء، ثم إن جدتهم أيضاً هي سارة عليها السلام ولم يكن لها مثيل في الجمال في زمانها كما ورد في الصحيح: (إذ دخلت بلاد الجبار فقالوا له: قد دخلت بلادك امرأة لم يُرَ مثلها) فلا جرم أن يأتي أبناؤها وأحفادها على هذا النحو، فيعقوب صلى الله عليه وسلم قال لأبنائه: يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ قال كثير من أهل العلم: ذلك خشية العين، فالعين حق كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن العين لتولج الرجل القبر، وتولج الجمل القدر) وذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أسماء بنت عميس بعد مقتل زوجها جعفر بثلاث ليالٍ، ووجدها وقد التف حولها أبناؤها وفيهم نحافة فقال لها: (مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ قالت: تسرع إليهم العين يا رسول الله، قال: فاسترقي لهم) وأيضا: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجه جارية لـأم سلمة تغير وسواد، فقال: (إن بها النظرة، فاسترقوا لها) وأيضا: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صحابي جليل من صحابته الكرام وهو سهل بن حنيف رضي الله عنه، وكان رجلا وسيماً أبيض، قام سهل بن حنيف يغتسل فرآه عامر بن ربيعة فقال عامر عندما رأى سهلاً ورأى بياض جلده: ما هذه الجلدة البيضاء؟! والله ما رأيت جلداً مثلها! ولا كأنها جلد بكر. فسقط سهل صريعاً في الحال، فذهب أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! أدرك سهلاً ، فقال عليه الصلاة والسلام: (من تتهمون. قالوا: نتهم عامر بن ربيعة ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: على ما يحسد أحدكم أخاه؟ هلا دعوت له بالبركة، ثم أمره أن يتوضأ وأن يغسل ركبتيه وداخل إزاره، ثم أخذ هذا الماء فصب على سهل بن حنيف، فقام كأنما نشط من عقال)، أي: كأنه كان مربوطاً بحبل وفك من هذا الحبل رضي الله تعالى عنه.

    وقد ورد في كتاب الله ما يثبت ذلك، قال تعالى: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم:51] فمن ثَم ولا جرم أن طلب يعقوب من أبنائه أن يدخلوا من أبواب متفرقة كان خوفاً من هذا الأمر.

    ووجه آخر عند المفسرين: حتى لا يكيد لهم الكائدون؛ فإذا دخل هؤلاء -وعددهم أحد عشر شخصاً- من مكان كاد لهم الكائدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم...)

    قال تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68].

    مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا بمعنى: لكن، إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ يؤخذ من ذلك أدب من آداب الخطباء وخلق من خلق التوجيه وهو: أنك إذا بينت أن شخصاً ما عنده خلل في ذاته، فينبغي أن تعقب هذا البيان بثناء حسن على هذا الشخص ولا تضيع حقوقه، هذا إذا سلمنا أنه إنسان مخطئ، ولكن ليس هذا بخطأ من يعقوب صلى الله عليه وسلم، بل قد أثنى الله عليه بقوله: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ولكن المقام مقام رد الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما الذي صنعه يعقوب عليه الصلاة والسلام من باب الأخذ بالأسباب.

    فنقول: من أدب التخاطب إذا كنت تريد التنبيه على شيء صدر من شخص، أن تتكلم بهذا التنبيه بطيب الكلام، وبطيب الثناء ومن ذلك: قوله تعالى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء:78] *فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وأثنى الله على داود أيضاً فقال الله سبحانه: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:79] فينبغي أن يثني على الشخص الآخر أيضاً.

    1.   

    أخذ يوسف لأخيه

    وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69].

    آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ أي: ضمه إليه قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وفيه دليل على أن شقيق يوسف لاقى عناء وشدة أيضاً هو الآخر بعد غياب أخيه صلى الله عليه وسلم، ومن ثَم سلاّه وجبر خاطره بقوله: فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69].

    قال تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70] السقاية: هو صواع الملك، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أي: نادى منادٍ أَيَّتُهَا الْعِيرُ أي: يا أصحاب العير! يا أصحاب الإبل! إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:70-71] قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أخذ من ذلك: أن المتهم إذا كان بريئاً فإنه يكون جريئاً، فهؤلاء جاءوا ولم يهربوا ولم يشردوا، وحتى العجماوات تفهم ذلك، يقول بعض العلماء: إن القطة إذا كانت بجوارك، وأنت تأكل سمكاً فألقيت إليها سمكة فإنها تأكلها بجوارك آمنة مطمئنة، لكنها إذا سرقت السمكة فإنها تأخذها وتهرب، فكأنه قذف فيها معرفة الحلال من الحرام بما أودعه الله سبحانه فيها.

    قال تعالى: قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:71-72].

    وَأَنَا بِهِ يقوله المنادي زَعِيمٌ أي: ضمين، وأخذ من هذا حكم يتعلق باللقطة، فإذا وجد شخص لقطة في الطريق عليه -كما هو معلوم- أن يعرّفها إذا كانت من ذوات القيمة، فإن نادى منادٍ فقال: يا أيها الناس! فقد مني كذا وكذا، ولمن يأتني به كذا وكذا فلا جناح على الذي وجده أن يقبله؛ لأن الآية فيها: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ لكن ليس لمن وجدها أن يشترط ذلك، لكن إن أعطي شيئاً فله أن يقبل للآية الكريمة: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72].

    قال الله تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73].

    قَالُوا تَاللَّهِ أي: والله، فأحرف القسمة ثلاثة: الواو والباء والتاء، تقول: والله، وبالله، وتالله، لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:73-75] أي: من يوجد هذا الصواع في رحله يؤخذ كعبد مسترق لصاحب الصواع، وقد كان هذا في شريعة يعقوب عليه السلام، فنحن في شريعتنا شريعة محمد عليه الصلاة والسلام أن السارق تقطع يده، أما في شريعة يعقوب فكان السارق يؤخذ كعبد مسترق مقابل السرقة، بمعنى: أن يأخذه صاحب المتاع المسروق كعبد مسترق مقابل السرقة، وفي الروايات الإسرائيلية على ما سيأتي عند قوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ أن عمة يوسف كانت قد أحبته في صغره حباً شديداً فطلبته من أبيه يعقوب فأبى عليها يعقوب ذلك، فدست له شيئاً أي: يوسف واتهمته به حتى تضمه وتؤيه إليها، وهذا من الإسرائيليات التي لا ينبغي أن تصدق ولا تكذب، ولكنها تفيد في بعض البيان والله تعالى أعلم.

    قال تعالى: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:75] أي: في شريعة يعقوب، فشرائع الأنبياء تتنوع لكن أصل الدين وهو التوحيد ثابت، قال الله سبحانه: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48] لكن الأصل واحد لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    قال الله: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ لنفي التهمة، ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ فالذي دبر هذا ويسره ليوسف هو الله، فالمعلَّم من علمه الله؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق كل صانع وصنعته).

    كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فليدرك كل عالم ذلك وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ [يوسف:77] قالوا وأبانوا عما في صدورهم تجاه أخيهم: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعرضون بيوسف عليه الصلاة والسلام.

    كظم يوسف عليه السلام لغيظه

    قال الله: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ .

    يقول أهل العلم: ينبغي أن يتسم المدير أو القائم أو المسئول بضبط النفس وكظم الغيظ ولا يكون طائشاً متهوراً، فيوسف عليه السلام لم ينفعل بل كان كما قال تعالى: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ فلنستق أخلاقنا من كتاب ربنا ومن سير أنبيائنا عليهم الصلاة والسلام كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].

    قال تعالى: قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:78] قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ فيه: جواز إطلاق لفظ (العزيز) على بعض البشر.

    إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فتوسلوا إلى يوسف بشيخوخة أبيهم، وبكبر سن والدهم، فللكبير حق معروف عند المتقدمين والمتأخرين، وإلى هذا الأدب مع الكبار أرشدنا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منّا من لم يوقر كبيرنا) وقال عليه الصلاة والسلام (رأيتني الليلة أتسوك، فأتاني رجلان فدفعت السواك للأصغر منهما، فقيل لي: كبر كبر) وجاء حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب أصغرهما يتكلم ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (كبر كبر) فالكبير له حق، ويجب أن يعطى حقه، فكم سجد هذا الكبير من سجدة! وكم ركع من ركعة! وكمن ابتلي فصبر! فله حق ينبغي أن يؤدى إليه، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام من المقدمين في الإمامة عند تساوي الحفظ الأكبر سناً حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً) هكذا للكبير حق ينبغي أن يؤدى إليه ولا يضيع.

    وهذا عبد الله بن عمر يعلمنا أدباً لزمه مع الكبار عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم فقال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن أخبروني ما هي؟) قال عبد الله بن عمر : فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجئت أتكلم فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هي النخلة)

    الشاهد من ذلك: أدب ابن عمر مع كبار السن، قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:78] فعلامات الإحسان على يوسف بادية وظاهرة، وهكذا كما قال تعالى سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29].

    قال الله: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [يوسف:79] وهكذا الأمور فلا تزر وازرة وزر أخرى وهذا مما كان في الصحف الأولى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:19].. أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:36-38] وقال تعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا [الأنعام:164].

    قال يوسف: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ فإن فعلنا ذلك إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [يوسف:79].

    قال الله: فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا كان بعض الأعراب يعجب غاية العجب من هذا الأسلوب في كتاب الله، وذكر بعض السلف رحمهم الله أن هذا اللفظ: خَلَصُوا نَجِيًّا حمل البعض على الإسلام، انظر إلى دقة التعبير، فقد كانوا يتذوقون القرآن ويفهمونه، وعلى قدر بصيرتك وتقواك وإيمانك تفهم كتاب الله.

    وعرضاً أذكر أثراً -وإن لم يسعفني الوقت لتحقيقه- فقد كان ابن عباس يفهم كتاب الله، والأثر فيه: أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه كان إذا صلى الفجر دخل مجلسه ودخل معه حملة القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدخل معهم عبد الله بن عباس ، فيتدارسون القرآن ويتلوه تالٍ، ويؤله مؤول، ويفسره مفسر، فدخل ابن عباس مع أمير المؤمنين عمر ومعه رجال من الصحابة رضي الله عنهم، فبدأ التالي يتلو قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204] وابن عباس ينصت تمام الإنصات وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205] وابن عباس ينصت، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206] وابن عباس ينصت وينتبه، ثم قرأ القارئ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207] فضرب ابن عباس وبشدة رجل جليسه، وصاح: (اقتتلا والله.. اقتتلا والله، قال عمر متعجباً: ماذا قلت يا ابن عباس ؟! فاستحيا أن يتكلم، فأعاد عليه عمر : ماذا قلت يا ابن عباس ؟! فاستحيا ابن عباس ، فأعاد عليه عمر : ماذا قلت يا ابن عباس ؟! قال: يا أمير المؤمنين! قلت: اقتتلا والله، اقتتلا والله. فقال عمر : من هما يا ابن عباس ؟! قال ابن عباس : يا أمير المؤمنين! إن الله ذكر في كتابه رجلاً مجرماً أصبح والياً أو أميراً، فلما تولى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ يقتل هذا، ويضرب هذا، ويسمم بهائم هذا، ويحرق ثمر هذا، فقام له قوم يذكرونه ويقولون له: اتق الله، فما يزيده التذكير إلا فساداً، وتأخذه العزة بالإثم، فقام رجل مؤمن محتسب شرى نفسه ابتغاء مرضات الله لوقف زحف هذا العدو الصائل فحصلت المعركة بينهما.

    انظر كيف كان ابن عباس يسير مع الآيات ويفهمها رضي الله عنه.

    قال تعالى: قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ [يوسف:80-81].

    فقوله: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا أي: هذا الذي رأيناه، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف:82].

    وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي: اسأل أهل القرية.

    ومن العلماء من قال: القرية على ظاهرها، فإن الأنبياء لهم ما ليس لغيرهم، إن النبي عليه الصلاة والسلام قال (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ إني أعرفه الآن) أخرج ذلك مسلم في صحيحه.

    وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ أي: واسال القرية واسأل العير.

    وإن المتأمل لهذه الآيات ليرى عظيم الابتلاء الذي حل بيعقوب عليه الصلاة والسلام، فتخيل إذا رجعت القوافل كلها آمنة مطمئنة، ورجعت قافلتك وأحد أبنائك فقد لسرقته، ماذا سيكون؟

    فابتلاؤه صلى الله عليه وسلم شديد، إذا يرجع الناس آمنون مطمئنون وابن يعقوب عليه السلام يرجع وقد سرق وأخذ كعبد مسترق مقابل السرقة.. إنه لبلاء عظيم!!

    ازدياد حزن يعقوب بعد فقد ابنه الآخر

    قال تعالى: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:83].

    قوله: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا أي: زينته وحسنته، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

    بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ صبرٌ لا تبث معه الشكوى إلا لله.

    قال الله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84].

    قوله: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي: أعرض عنهم، وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ فلم يذكر (بنيامين) فالمصائب يرقق بعضها بعضاً، وحب يوسف وفقده أنساه سائر أبنائه، وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ أي: ممتلئ غماً وهماً.

    قيل للحسن البصري رحمه الله وقد بكى على بعض أبنائه إذ مات: أتبكي يا حسن ؟! قال: سبحان الله، ما أنساك ليعقوب عليه السلام إذ قال الله في شأنه: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ أي: ممتلئ هما وغماً.

    تحريم اليأس والقنوط من رحمة الله

    قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:85-87].

    فقوله: وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إذ اليأس من روح الله كبيرة من الكبائر إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ لقد عدّ أهل العلم اليأس من رحمة الله من الكبائر؛ بدليل هذه الآية، وبقوله تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56] فينبغي ألا ييئس أحد أبداً من رحمة الله، فلا ييئس مكروب من الفرج، ولا مبتلىً في بدنه ولا في ولده من الفرج، ولا ينبغي أن تيأس امرأة عقيم من رحمة الله، فهكذا علمنا ربنا سبحانه بقوله: إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87].

    1.   

    مصارحة يوسف لإخوته والعفو عنهم

    قال الله: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف:88] وهذه الآية تبين لنا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرى، وأن الله يرفع المظلوم ويخفض الظالم، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ أي: ذل وانكسار والانكسار، وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ أي: قليلة لا تصلح لشيء، فنحن فقراء مسنا وأهلنا الضر، وأبونا أصابه العمى، ومسنا نحن الضر في الأبدان والقلة في الزاد.

    قال تعالى: وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ هكذا يتسول الظالمون أخاهم الذي قد ظلموه أَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ فحينئذ لا يرضى لهم يوسف أن يصلوا إلى أشد من ذلك فيقول لهم كما قد أخبره الله سبحانه وهو يلقى في غيابه الجب عندما كان يتعلق بصدر هذا فيضربه، ويأتي ويستغيث بذلك فيلطمه، يقول الله جابراً لخاطره آنذاك: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15] فهاهو هذا يتحقق فيقول يوسف: قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [يوسف:89] فتكون المفاجأة قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ فيقول بأدب جم: قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي أنا يوسف لم يقل مقولة المفتخر المتباهي: أنا العزيز يوسف، ولا أنا الملك يوسف، ولا أن الرئيس يوسف، إنما بأدب نتعلمه أَنَا يُوسُفُ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وكذا سليمان قال: [النمل:30] وكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (من محمد عبد الله ورسوله) وهكذا نتعلم الأدب من كتاب الله.

    قال عليه الصلاة والسلام (ثلاث أقسم بالله عليهن: وذكر: ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله).

    قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] ثم يذكر بفضل الله أي: فالفضل الذي فيه ليس من كسبي ولا من كدي إنما هو من فضل الله، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:90-92].

    قال عليه السلام مقولة تعلمنا الأدب: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ أي: لا تعيير ولا توبيخ مني أبداً عليكم بعد اليوم يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهكذا الأدب في العفو يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [يوسف:92-93] نقول نحن أهل الإسلام: إن الله على كل شيء قدير.

    وقد أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء ما يفيد أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي من جنس هذه المعجزة، فدخل أحد أحفاد أبي قتادة على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال له: من أنت؟ قال:

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أجمل الرد

    فعادت كما كانت لأول وهلة فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد

    قال الله: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [يوسف:94] أما قوله تعالى فَصَلَتِ أي: خرجت وفارقت بلاد مصر، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة:249].

    قال تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ أي: تفندون قولي وتتهمونني بالتخريف، كيف وجد ريح يوسف صلى الله عليه وسلم؟

    نقول نحن أهل الإسلام: إن الله على كل شي قدير، ومن جنس هذه المعجزة معجزات حدثت لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ولم يكن ثَم هواتف، والرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أخبر أصحابه بمقتل الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة في اليوم الذي قتلوا فيه، وكذلك بعض أصحاب نبينا حصلت لهم ببركة اتباعهم للنبي محمد عليه الصلاة والسلام كرامات من هذا الجنس، فإن من العلماء من حسن القصة التي فيها أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يخطب في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان قد أرسل رجلاً أميراً على سرية من السراري يقال له: سارية ، فخرج سارية مع أصحابه في غزوة من الغزوات في دولة أخرى وعمر في المدينة يخطب الجمعة وسارية يبارز الأعداء ويناجزهم فإذا بـعمر يتحول في خطبته منادياً وقائلاً: يا سارية ! الجبل الجبل.. يا سارية ! الجبل الجبل، وسارية يسمع هذه المقالة من هذا البعد البعيد، فيلتزم الجبل هو وأصحابه فيفتح الله سبحانه وتعالى عليهم وينصرهم، وأصحاب عمر في المسجد يقولون: ما الذي حدث لأمير المؤمنين؟ أين سارية ؟ وكيف يتكلم عمر ؟ ولكن الله على كل شيء قدير سبحانه، فجاء سارية ومن معه وأخبروا أهل المدينة أنهم سمعوا صوت أمير المؤمنين عمر وكان سبباً في نصرهم.

    1.   

    اعتراف إخوة يوسف بذنبهم

    قال الله: قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف:95] أي: ما زلت تخرف هكذا، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [يوسف:96-97] هكذا قال واعترف الظالم بظلمه، واعترف بخطئه وإن لم يكن ثَم اعتراف في الدنيا فثَم اعترافات يقينية في الآخرة، فيومها وحينها تبلى السرائر، فليطمئن كل مظلوم إلى نصر الله له في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

    قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف:98] لماذا أخر الاستغفار؟ بعض العلماء يذكرون أنه أخر الاستغفار لساعة هي أرجى في الجواب كالثلث الأخير من الليل، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ حتى يطلع الفجر).

    فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف:99] آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ضمهم إليه، وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ من أهل العلم من أخذ من قوله ادْخُلُوا مِصْرَ أنه استقبلهم خارج البلاد ولم يجلس على الكرسي حتى دخلوا عليه، ولكن استقبلهم خارج البلدة مرحباً بهم، لا كما يفعل الجهلة الذين لا يعلمون إذ يتبرءون من أقوامهم إذا تقلدوا مناصب، فَثم شاب أهله ينفقون عليه كبير أموالهم حتى يتخرج ويصبح طبيباً على سبيل المثال، أو يصبح من ذوي المناصب العالية، فإذا بلغ هذا المنصب تنكر لأهله وعشيرته، فإذا جاءه أهله من البادية تنكر لهم، فيأتيه أبوه ليعالجه فيقول: ماذا تريد. يعامل أباه وكأنه رجل غريب، ويستحي من والده الفقير أمام زملائه الأطباء أو الوزراء، لكن يوسف لم يكن كذلك عليه الصلاة والسلام، بل علّمنا إكرام العشيرة، فللأقارب حق وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26].. وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [النساء:36] فذووا القربى لهم حق يجب أن نؤديه.

    1.   

    سجود إخوة يوسف ليوسف

    إن يوسف عليه السلام لم يضع إخوته بل استقبلهم قائلاً فرحاً بقدومهم: وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف:99] .. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ولم يقنع بهذا بل رفع أبويه على العرش على سرير الملك ولم يجلسهم أدنى منه بل رفع أبويه على العرش وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا سجود تحية، وكان السجود جائز في شرائع من كان قبلنا ثم نسخ في شريعتنا لقوله عليه السلام: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)

    وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا أي: قد تتحقق تأويل الرؤيا بعد عشرات السنين، فلا يلزم أن تتحقق في ذات الوقت، بل قد تتحقق بعد عشرات السنين، يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي وكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) والأنبياء رؤياهم وحي عند كثير من أهل العلم.

    قال تعالى: قَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100] لماذا لم يقل يوسف عليه السلام: وقد أحسن بي إذا أخرجني من غيابة الجب؟

    يقول المفسرون: لأنه وعد إخوته عن قريب. فقال لهم: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [يوسف:92] أي: لن أعيركم ولن أوبخكم أبداً، ولن أكدر خواطركم بحال من الأحوال، فمن ثم إذا ذكر البئر سيذكرهم بالمآسي التي صنعوها في حقه، فأعرض عن ذكر البئر وما حدث له منه تماماً، بل قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ فالسجن يجمع السكير والعربيد، واللص والقاتل، وأضراب هؤلاء.

    قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ثم حمل الشيطان الجريمة كلها، فالشيطان لها أهل، فلم يقل: من بعد أن ظلمني إخوتي، بل قال: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ فكل شيء عنده بمقدار، فهو الذي يقدر، وهو الذي يعلم النوايا والخفايا إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

    1.   

    لكل شيء إذا ما تم نقصان

    لما رأى يوسف عليه السلام أن الدنيا قد اجتمعت له، وأقر الله عينه بالملك وبوالديه وإخوته وبأهله أجمعين، علم يوسف عليه السلام أن أمر الآخرة قد اقترب، فلا يكاد شيء يكتمل إلا وآذن بزواله ورحيله؛ ولذلك فإن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بكى لما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] فعلم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم قد اقترب، ولما نزل قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:2] * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3] فعلم ابن عباس أن أجل الرسول عليه الصلاة والسلام قد اقترب.

    وهكذا فلا تكاد أمور تكتمل إلا ويؤذن بزوالها، فيوسف عليه السلام رأى أن الله أقر عينيه بوالديه وبأهله أجمعين، وأقر عينيه بالملك، فلا جرم أن يؤذن بالرحيل، فطلب من ربه كما أتم النعمة عليه في الدنيا أن يتممها عليه في الآخرة، فقال مقولة الصالحين: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ : رَبِّ أي: يا رب. قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ فما أنا فيه من الملك من فضلك يا رب فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.