إسلام ويب

عن اللغو معرضونللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خطر اللسان عظيم، فقد يلقى الإنسان في جهنم والعياذ بالله بسبب كلمة يقولها، وربما يكب على وجهه في جهنم بسبب ما حصده لسانه، فليس هناك أحوج إلى طول حبس من اللسان حتى تكتب السلامة للعبد يوم يلقى الله.

    1.   

    النهي عن اللغو

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه وتعالى في شأن أهل الإيمان: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:1-3] ، ويقول الله في شأنهم كذلك: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] ، ويقول تعالى أيضاً: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72] .

    فأهل الإيمان لا يقفون عند اللغو، بل يهجرونه ويتقونه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون) ، يقول الترمذي رحمه الله تعالى: والثرثار: كثير الكلام، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه كذلك: (وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصاد ألسنتهم)، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، فصلوات ربي وسلامه على هذا النبي الكريم.

    فعلى المسلم أن يقلل الكلام قدر الاستطاعة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا) ، قال بعض الشراح لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت): إن استوى عندك الوجهان في الكلام ولم تدر أفي الكلام خير أم ليس فيه خير لزمك الإمساك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فليقل خيراً أو ليصمت) .

    وأيضاً فليعلم أن الكلمات تسطر، وأن الكلمات تكتب، قال الله تبارك وتعالى:مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] أي قول يسطر ويكتب، حتى المزاح يكتب، حتى الأنين يكتب.

    لقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مرض موته يئن منه أنيناً فقيل له: يا إمام! إن طاوساً يقول: إن الأنين يكتب، يعني لقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] فيقول الراوي: فما أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى حتى مات. ورب العزة يقول في كتابه الكريم: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] .

    ويقول الله عز وجل: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:52-53] ، وقال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] .

    فالكلمات تكتب، فلأن تأتي صحائف أعمالك يوم القيامة نقية بيضاء مسطّر فيها ذكر الله عز وجل خير لك من أن تأتي صحائفك قد ملئت باللغو واللغط، واغتياب المسلمين والمسلمات.

    1.   

    كثرة الكلام تذهب البهاء والوقار

    كثرة الكلام تذهب البهاء، وتذهب الوقار، فيمكنك أن تجلس صامتاً وتنظر إلى العابثين أمامك الذين يخوضون ويذهبون، ويثني بعضهم على نفسه غاية الثناء، ويمدح نفسه غاية المدح، وأنت جالس صامت تتعجب من صنيعه، وتقيم أخلاقه بناءً على ما تسمع منه.

    كثرة الكلام تزري بالأشخاص، كثرة الكلام بغير ذكر الله تذهب بالبهاء وبالوقار، فإن كان لزاماً من كلام فليكن كلامك بذكر الله تبارك وتعالى، وليكن كلامك فيه ذكرٌ لله تبارك وتعالى، وفيه صلاة وسلام على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقلة الكلام تدعو إلى الاهتمام بكلامك والاستماع إليه، ومن ثم كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعظ الناس كل خميس، فقال له قائل: يا أبا عبد الرحمن ! وددت أنك حدثتنا كل يوم، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (إني أكره أن أملكم، وإنما أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة كراهية السآمة علينا). هذا وقد قال الله تبارك وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

    ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان يتكلم كلاماً لو عده العاد لأحصاه، فكانت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم كلمات معدودة لو تتبعها الذي يعدها لأحصاها من في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    ينبغي أن نقلل الكلام قدر الاستطاعة لما سمعناه من أمر لله وأمر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكثرة الكلام كما بينا يكرهها الله تبارك وتعالى؛ إذ الله عز وجل يكره لنا القيل والقال، وكثرة الكلام التي بها يعد الشخص من الثرثارين، وتبعدنا عن مجلس نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    1.   

    ترك الكلام إذا لم تكن فيه فائدة

    تتأكد قلة الكلام إذا لم يكن في الكلام فائدة، فإذا لم يكن في الكلام فائدة فليمنع الكلام حينئذٍ، هذه مريم عليها السلام لما أتت قومها بعيسى عليه السلام تحمله، وهي تدرك أن القوم لن يصدقوها إذا تكلمت؛ لأن عندهم لا يتصور أن امرأة تلد بلا زواج ولا بغاء، لكن الله على كل شيء قدير، فعند ذلك قال الله لها: فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26]، فإذا كان الكلام لن يجدي فلا داعي للكلام حينئذٍ.

    وهؤلاء الفتية أصحاب الكهف العقلاء المسددون الموفقون، لما قاموا من نومتهم التي ناموها، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19]، فتدخل أحدهم قائلاً: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف:19] أي: لا داعي لمواصلة الكلام في اللبث الذي لبثناه رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف:19].

    وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول له ربه تبارك وتعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:22].

    فإذا لم يكن في الكلام فائدة فليمنع الكلام حينئذٍ، أما إذا كان الكلام بغير علم فحينئذٍ يقع الشخص في الحرام، فالله قال في كتابه الكريم: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] وقال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    فيؤمر الشخص بالإمساك عن الكلام إذا لم يكن عنده علم بما يتكلم به، ويؤمر بالإمساك عن الكلام إذا لم يكن في الكلام فائدة، فهذا إبراهيم صلى الله عليه وسلم يجادل الملائكة، فيقول الله له: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود:76].

    وتقدم على مسامعكم -معشر الإخوة- قول نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا)، فكثيراً ما تكون النجاة في الصمت، وكثيراً ما تكون النجاة في السكوت، إلا إذا كان ثم مقامٌ ستضيع فيه الحقوق فيلزمك حينئذٍ أن تتكلم بالحق الذي علمت، ولا تكتم الحق إذ الله قال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283]

    ويجدر بي أن أذكر بحديثين لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم:

    أولهما: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويظهر فيهم السمن)فهذا حديث في ذم الذي يشهد دون أن تطلب منه الشهادة.

    وثم حديثٌ آخر: (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه)، كيف الجمع بين الحديثين؟

    إذا كانت الحقوق ستضيع للخوف من ذي سلطة وذي بأس فحينئذٍ (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه)، أما إذا كانت الشهادات بالمجاملات فحينئذٍ: قوله: (يشهدون ولا يستشهدون) يتنزل على أمثال هؤلاء.

    وفقنا الله وإياكم لحفظ ألسنتنا، وصلى اللهم على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.