إسلام ويب

تأملات في سورة الطلاق [1]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله لعباده الزواج لبقاء النسل ولتحقيق الاستخلاف في الأرض، ولكن هذه العلاقة قد يشوبها ما يعكرها، حتى يؤدي إلى ضرورة انتهائها، فجعل الله من الطلاق حلاً لمثل هذه الأحوال، وقد تحدث الفقهاء عن مسائل هذا الباب وذكروا أحكام المطلقة مفصلة، وبينوا أن الطلاق ينقسم إلى: طلاق سني، وطلاق بدعي.

    1.   

    من أحكام الطلاق

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    سورة الطلاق سورة مدنية، وفيها بيان كم كبير من أحكام الطلاق بعد أن استقرت إلى حد كبير أحوال المسلمين بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الطلاق لغة وشرعاً

    معنى الطلاق لغة: حلّ الوثاق، أي: حلّ الرباط، ومنه الإطلاق، كشخص أطلق شخصاً، أي: كان آخذاً به أو موثقاً إياه ثم أطلقه. فهذا من الناحية اللغوية.

    ومن الناحية الشرعية: حلّ عقدة النكاح، أو حلّ عقدة التزويج، فالتزويج أو النكاح ينعقد بقول الرجل الذي هو ولي المرأة للزوج: زوجتك موكلتي. أو: موليتي. أو: ابنتي. أو: أختي. فهذه العقدة تنحل بلفظ الزوج: أنتِ طالق، أو طلقتكِ، أو سرحتكِ، إذا كان التسريح مصحوباً بنية الطلاق، أو فارقتك، إذا كان الفراق مصحوباً بنية الطلاق.

    الألفاظ التي يقع بها الطلاق

    ألفاظ الطلاق منها ما هو صريح؛ فلا يحتاج القاضي معه إلى سؤال المطلق عن نيته، وهي كلمة: أنتِ طالق. أو: طلقتك. ومنها ما ليس بصريح لكنه يقع به الطلاق إذا كان ينوي ذلك أو يقصده.

    فكلمة: ( سرحتك ) التسريح يدل على الطلاق؛ فإن الله قال: فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ [الأحزاب:28] والتسريح أيضاً بمعنى: الإطلاق كما قال الله: سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]، وقال: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، على رأي من قال: إن المراد بالتسريح بالإحسان الطلاق. وفي ذلك قولان للعلماء.

    وكلمة ( فارقتك ) كذلك، قال الله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2]، فإذا قال الرجل لامرأته: قد فارقتكِ. يسأل عن نيته، ماذا تقصد بقولك: قد فارقتكِ؟ إن قال: أقصد الطلاق وقع الطلاق، وإن قال: أقصد فراق المجلس، أو فراق هذه الليلة. لا تقع طلقة، أي: أن هناك ألفاظاً صريحة، وألفاظاً تحتاج إلى النية.

    أما قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلكِ، اعتبرها فريق من العلماء تطليقاً إذا كانت مصحوبة بالنية، وأبى ذلك آخرون، ووجهوا ما ورد في كلام الرسول: (الحقي بأهلك) لـابنة الجون في بعض الروايات: (أنتِ طالق الحقي بأهلك) بتوجيهات، لكن سيأتي تحرير القول في ذلك إن شاء الله.

    1.   

    أقسام الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، لماذا قال: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ [الطلاق:1] ولم يقل: (إذا طلقت)، والسياق يقتضي أن يقول: (يا أيها النبي إذا طلقت النساء)؟

    الخطاب الموجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: المراد به الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50].

    القسم الثاني: خطاب للرسول يراد به أمته، كما قال الله للنبي: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، ليس المراد به الرسول قطعاً؛ لأن والدي الرسول ماتا وهو في الصغر.

    القسم الثالث: خطاب للرسول المراد منه هو وأمته، كهذا الخطاب: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ [الطلاق:1]، ومن العلماء من قال: إن الضمير هنا خاص بالأمة، فالمعنى: يا أيها النبي! قل للمؤمنين: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن.

    1.   

    أحكام طلاق المعتدة

    قال تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، أي: مستقبلات عدتهن، أو حيث يقمن لعدتهن، يعني: لا تطلقوهن وهن في الحيض، بل طلقوهن وهن مستقبلات الحيض، أي: طلقوهن وهن أطهار.

    قال آخرون: وهو نص حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (طلقها في طهر لم تجامعها فيه) وهذا طلاق السنة، وطلاق السنة: هو أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي حامل قد استبان حملها.

    وأضاف إليه بعض العلماء شيئاً آخر: أو يطلقها إذا كانت لم تحض؛ وهي الصغيرة التي لم تحض أو الكبيرة التي حيضها منقطع. فهذا طلاق السنة بالنسبة للمرأة التي تحيض، أن يطلقها زوجها في طهر لم يجامعها فيه، أو وهي حامل قد استبان حملها، أي: ظهر حملها.

    لكن فرضاً أنه طلقها وهي حائض، أو طلقها في طهر جامعها فيه، فهذا ليس بطلاق على السنة إنما هو طلاق بدعي؛ فقد جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك غضباً شديداً وقال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق) وفي رواية أخرى: (مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر) أي: جعل لها طهرين في هذه الرواية الأخيرة، (ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق)، لكن حمل العلمـاء هذه الرواية الأخيرة التي فيها المكث طهرين أنهـا على الاحتياط أو الاستحباب لا الإيجاب، إنما هو طهر واحد، يمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك قبل أن يمسها.

    فترد علينا مسألة على عجل، ألا وهي: هب أن رجلاً طلق امرأته وهي حائض، مخالفاً بذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهل تقع هذه الطلقـة أو التطليقة أم أنها لا تقع؟

    ذهب جماهير السلف والخلف إلى أن هذه التطليقة تحتسب وإن كانت خلاف السنة، ومن هؤلاء مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وغيرهم، بينما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتبعه تلميذه ابن القيم رحمه الله إلى أنها لا تقع.

    وفي الحقيقة أن حجة شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الموطن حجة داحضة، وليست بسديدة بحال -وسيأتي بيان ذلك-والصواب في ذلك ما رآه جماهير العلماء من السلف والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة: أنها تقع؛ مع ما فيها من إثم على المطلق.

    أما حجة الجماهير القائلين بالوقوع، فمنها ما يلي:

    أولاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر : (مره فليراجعها ) قالوا: فلا مراجعة إلا وقد وقع طلاق.

    الثاني: قول ابن عمر رضي الله عنهما: (حسبت عليّ تطليقة)، وفي الرواية الثالثة قيل له: (أوتحتسب تلك تطليقة؟ قال: أومه. أفرأيت إن عجز واستحمق؟).

    ثالثاً: أنه قال لها: (أنتِ طالق) وهذه كفيلة بالمراد.

    أما حجج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليه فتتلخص في الآتي:

    أولاً: أورد من طريق ابن الزبير عن ابن عمر أنه قال: (أنه طلق امرأته وهي حائض، فلم يرها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً).

    الإجابة على هذا: هذه الرواية ابتداءً أعلها جماهير المحدثين، وضعفها من الناحية الحديثية جماهير المحدثين، ويكفينا الدليل والأثر الصحيح بقول هؤلاء الأئمة الجهابذة أنها ضعيفة، وجماهير المحدثين وأهل العلل أعلوا رواية ابن الزبير التي فيها أن النبي لم يرها شيئاً، بل ورد عند الطيالسي أنه قال: (فعدها واحدة)، هذا شيء.

    الشيء الآخر في حالة صحة: (فلم يرها النبي شيئاً)، أي: لم يرها شيئاً على السنة، بل هي على البدعة وليس فيها تعلق بالوقوع من عدمه.

    الدليل الثاني الذي احتجوا به: رواية مختصرة رواها ابن حزم الأندلسي رحمه الله، وتبعه على هذا الاختصار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد اختصرت اختصاراً أخل بالمعنى إخلالاً شديداً أوقع الباحث في ورطة، وها هو بيان هذا الاختصار ووجهه.

    احتجوا بما ذكره ابن حزم بإسناده إلى ابن عمر أنه: (سُئل عن طلاق المرأة وهي حائض؟ فقال: لا يعتد بتلك)، فهذا الأثر شنع به ابن القيم رحمه الله تشنيعاً شديداً في زاد المعاد، وفرح به فرحاً شديداً لتقرير مذهبه، وفي الحقيقة أنه اختصار مخل غاية الإخلال، فالرواية من نفس الإسناد إلى ابن عمر مذكورة عند ابن أبي شيبة في المصنف في باب الأقراء، بهذا الطول: (سُئل ابن عمر عن طلاق المرأة وهي حائض فقال: لا يعتد بتلك الحيضة) فزاد كلمة (الحيضة) أي: لا يعتد بتلك الحيضة أنها من الأقراء، أي: زمن العدة التي تعدتها المرأة.

    فلما اختصرت قدرها ابن القيم تقديراً آخر، فالرواية: (لا يعتد بتلك الحيضة)، اختصرها إلى (لا يعتد بتلك)، وقدر محذوفاً وهو: (لا يعتد بتلك الحيضة).

    يعني: المرأة إذا طُلقت وهي حائض هل تحسب هذه الحيضة في قوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] ؟ يعني الحيضة التي طلقت فيها المرأة تحتسب من زمن العدة، أو لا تحتسب؟

    فلما كانت الرواية (لا يعتد بتلك الحيضة)، واختصرها ابن حزم وتبعه ابن تيمية على لفظ: (لا يعتد بتلك)، وحذفوا كلمة (الحيضة) وحملهم حذفهم أو روايتها محذوفة عندهم على أن يقدروا ما ساغ لهم من تقدير، وهو: لا يعتد بتلك التطليقة، وهذا خطأ مصادم لظاهر الرواية التي هي مطولة عند ابن أبي شيبة، وبوب لها ابن أبي شيبة كما أسفلنا في باب الأقراء.

    فكان في الحقيقة ما سطره ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد مساغ ضحك، إذ طفق يصول ويجول على مذهبه وعلى طريقته من إطالة النفس في المسائل التي ينتصر لها رحمه الله، كما أطال النفس في عدة مواطن، ولكن الرواية الثابتة: (لا يعتد بتلك الحيضة)، دحضت ما دندن حوله رحمه الله تعالى.

    فكانت هذه أقوى الحجج التي احتج بها شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.

    مضافاً إلى ذلك عندهم: أنه عمل محدث، والنبي يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وهذا ليس من هذا الباب، أيضاً إذا وقفنا مع حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفهمناه هذا الفهم الغريب الذي فهمه شيخ الإسلام لكشفنا الكرب عن أقوال الكثيرين.

    هل في ديننا القتل؟ هل في ديننا أن شخصاً مسلماً يقتل آخر؟ فإذا قلنا: لا عقوبة عليه، والعمل مردود رفعنا عنه حرج القتل.

    هل في ديننا الأيمان الفاجرة أو الأيمان الغموس؟ هل يستدل لرفع الكفارات عمن أقسم يميناً غموساً؟ هل يرتفع عنه الحكم؟ أو هل ترتفع عنه العقوبة بهذا الفهم؟ باب العقوبات شيء آخر، لا يقال فيه: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). فهل من الإكرام له أن نقول لمن طلق امرأته وهي حائض وخالف السنة أن نقول له: خالفت السنة ولا حرج عليك. والذي طلقها وهي طاهر نقول له: لا عليك الطلاق واقع لأنك وافقت السنة.

    كيف يقبل هذا عقلاً؟

    إذا جئنا من ناحية العقل فـشيخ الإسلام يقول ما حاصله: كيف نأمر المطلق امرأته وهي حائض أن يراجعها؟ ثم بعد أن تطهر نقول له: طلقها مرة ثانية؟ فنكون قد أوقعنا عليه تطليقتين. فهذه حجته.

    فنقول له: نحن قلنا له: راجعها، ثم بعد ذلك إن شئت أمسك وإن شئت طلق، ولم نأمره أمراً أن يطلقها إذا طهرت، إنما قلنا له: إذا طهرت إن شئت طلقت وإن شئت أمسكت، لكن الذي سبقت وقعت عليك، فهي إلى التأديب والتعزير أقرب.

    فلا يقال أبداً: إن من طلق امرأته أو خالف السنة وطلق وهي حائض أن طلاقه ليس بواقع، وإن من اتبع السنة طلاقه واقع، وهذا كلام واضح غاية الوضوح، فلما أراد شيخ الإسلام أن يرفع مطلق البدعة عمن طلق المرأة وهي حائض ويقول له: طلاقك ليس بواقع، أنزله بعكس من طلق على السنة، وهذا ليس بسوي ولا بصحيح، وقد قال ابن عمر فيما سمعتم: (حسبت عليّ تطليقة)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (مره فليراجعها) .

    كذلك من طلق امرأته في طهر جامعها فيه طلاقه أيضاً واقع؛ إذ ليس هناك أي دليل يفيد أنها لا تطلق، فما هو الدليل الذي يفيد أنه لا يقع؟ فقد سمعتم ما في الاستدلال بقوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) من توجيه.

    فعلى ذلك كما أسلفنا وأكدنا أن رأي الجماهير من العلماء ومنهم الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى هو الرأي الأسد، وهو الرأي الأصوب، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    فلا داعي إذا جاء شخص وقال: أنا طلقت زوجتي ثلاث تطليقات أن نفتح له أبواب الشياطين، هو يقول: طلقتها منذ عشر سنوات، فهل أفتش هل كانت تلك أيام في حيضها أو لا؟ هل كنت جامعتها أو لم تجامعها؟ كل هذا لم يرد عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم، إنما هي وساوس واتباع للآراء الشاذة المرجوحة لغير دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، والله أعلم.

    1.   

    سكنى المعتدة ونفقتها

    قال تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1] أي: عدوا عداً دقيقاً، وفيه دليل على الحساب، وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ [الطلاق:1] فلا يجوز بحال لأي رجل طلق امرأته طلقة رجعية أن يخرجها من البيت كما يفعل بعض الجهلة من أهل زماننا، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وسيأتي شرح معناها إن شاء الله.

    ولذلك عبر بقوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق:1] هنا تظهر النكتة والحكمة في نسبة البيوت إلى النساء، فهي في العدة ما زال البيت بيتها، ولا يحق للمرأة أن تخرج من البيت أو تأخذ ثيابها وتذهب إلى بيت أبيها وبيت أمها، ولا يحل له هو الآخر أن يخرجها.

    وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق:1] قال بعض العلماء: إنها الزنا -عياذاً بالله- وقال بعضهم: هي البذاءة على أهل زوجها، مثلاً: امرأة متوحشة شرسة تضرب والد الزوج والزوج وأم الزوج، فتحدث مفسدة كبرى إذا كانت بهذه الطريقة الشرسة.

    وهذا كله في مسألة المطلقة الرجعية، أما المطلقة ثلاثاً التي بُتَّ طلاقها فلا سكنى لها.. بل تحمل ثيابها وتخرج، إذ هي أصبحت أجنبية تماماً عن هذا الزوج.

    ويدل لمسألة خروج المطلقة المبتوتة وأنها لا سكنى لها ولا نفقة: حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، لأنها كانت متزوجة برجل من أهل اليمن فأرسل لها بآخر ثلاث تطليقات، يعني طلقها غيابياً من اليمن، وأرسل لها مع وكيله شيئاً من الشعير فسخطته، أي: قالت: هذا قليل. فذهبت هي ووكيل زوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا نفقة لك ولا سكنى).

    فأخذ بهذا أيضاً جماهير العلماء، وأبى ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وكان يقضي بأن كل مطلقة رجعية كانت أو غير رجعية لها النفقة والسكنى، فقال: (لا ندع كتاب ربنا)، وفي رواية فيها كلام: (وسنة نبينا)، قال عمر : (لا ندع كتاب ربنا عز وجل لقول امرأة لا ندري أنسيت أم ذكرت) فقالت عائشة : (إنما أخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت زوجها؛ لأنها كانت حادة في لسانها شيء)، يعني: شديدة في لسانها على أهل زوجها.

    لكن أخذ الجمهور بمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في أن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى، وفريق آخر ومنهم أمير المؤمنين عمر أخذ بأن لها النفقة والسكنى لما سمعتموه.

    وفريق ثالث كالإمام الشافعي رحمه الله فصّل في هذه المسألة فقال: لها السكنى لقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] أما النفقة فليست لها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما أقرها على مسألة النفقة.

    فإتيان المرأة بالفاحشة المبينة يكسبها أشياء، منها: امرأة مثلاً زنت -والعياذ بالله- وهي متزوجة، فللزوج أن يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها، أي: ليسترد منها بعض الصداق الذي أخذته منه: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19].

    وتتسبب الفاحشة المبينة أيضاً في إخراجها من البيت إذا طلقت: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [الطلاق:1].

    لكن هل ينسحب هذا على رجل حزن أو غاضب زوجته، وقال لها: أنا متعب اذهبي عند أهلك. هل يقال له: اتق الله ربك، ولا تخرجها من بيتها ولا تخرج؟

    وهل يقاس ذلك على قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ [الطلاق:1] فلا أخرج الزوجة في لحظة مغاضبة بيني وبينها إلى بيت أبويها؟

    وهل نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق عائشة بأبويها في حديث الإفك، هذا بعيد؛ لأن عائشة هي التي قالت: (يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي) وليس الرسول هو الذي طردها إلى بيت أبويها.

    وعندما آلى النبي من نسائه هو الذي خرج، وعندما غاضب علي فاطمة هو الذي خرج ونام في المسجد.

    وأما الاستدلال بحديث كعب فليس فيه إلا الأمر باعتزال النساء، لكن نقول: إنه لا يجوز له في الأصل أن يخرجها، لكن إن قلنا: إن الرجل استشاط غضباً ويخشى من تواجدها مفسدة أعظم فاخترنا أخف المفسدتين وقلنا: اخرجي حتى يهدأ الرجل. نحن نقول: ليس من حقنا أن نخرجك، ولكن درءاً للشر وللمفسدة العظمى اذهبي إلى أهلك حتى يهدأ الرجل، هل نكون قد أثمنا؟

    ربما يقول قائل: يجوز؛ لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام قال لزوجة إسماعيل عليه السلام: قولي لإسماعيل أن يغير عتبة الباب، يعني: أن يطلق زوجته.

    نقول: لا. فالمسألة حتى إذا أخرجها الزوج من باب اختيار أخف الأضرار فهو من هذا الباب، ليس من باب أنه يجوز له أن يخرجها.

    لكن لا ينصح في كثير من الأحيان بالإخراج، لماذا؟ لأن النساء تبدأ تثرثر في الكلام.. زوجي ضربني، وكثير من النساء يكذبن ويغيرن في الحديث وتأتي الجارة الشريرة في صورة المتباكية والزوجة قد سكنت فتهيجها.

    يقال: إن شخصاً ذهب يصالح الأعمش على زوجته، فيقول لزوجته: اصبري عليه فإنه رجل أعمى مسكين لا يرى كثيراً، وجلس يذم في الأعمش كل الذم حتى يزهدها به، فقام عليه الأعمش وضربه وقال: والله ما أتيت لإصلاحها إنما أتيت لإفسادها.

    فهذا دأب أهل زماننا، تقول لها: اصبري ومع كلمة اصبري عشر طعنات في الزوج فتجعلها تبغض الزوج بغضاً لا نظير له، وقليل من الناس المصلحون.. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.