إسلام ويب

صلة الرحمللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلة الرحم فرض فرضه الله سبحانه وتعالى، وحث عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه من الأسباب التي يبارك الله بها في عمر الإنسان، وصلة الأرحام لا تقتصر على من يصلون الرحم من جانبهم، وإنما تتأكد في حق من يقطعونها أيضاً، وقد توعد الله قاطع الرحم بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة.

    1.   

    فضيلة صلة الأرحام

    باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فمن الأوامر التي جاءت بها الشرائع كلها الأمر بصلة الأرحام، فهذا أمر متفق عليه بين الشرائع كلها، فلم تنسخ آية من الآيات التي وردت آمرة بصلة الأرحام، بل كلها آيات محكمات.

    ولصلة الأرحام أثرها في التعامل مع الأقربين، فليس من وصل كمن قطع، وقد قال عدد من العلماء في شرحهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما أوليائي المتقون، لكن لهم رحم سأبلها ببلالها) ، قالوا في شرح هذه المقولة الأخيرة: (سأبلها ببلالها) : إن الرحم شُبهت بالجلد اليابس، فإذا بللت الجلد بالماء لانت في يديك، وسهل عليك ثنيها، وكذا الرحم؛ إذا وصلتهم سهل عليك أمرهم بإذن الله، فإذا كنت تسأل عنهم وتهدي إليهم وتتفقد أحوالهم، فإنهم حينئذٍ يحبونك ويقبلون منك قولك ويلينون في يديك، أما إذا كنت قاطعاً، ولست بواصل؛ فإن كلامك يذهب سدى ولا يلقى قبولاً عند أقاربك ولا عند أرحامك.

    جاءت جملة من النصوص من كتاب ربنا سبحانه وتعالى ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تحث بل وتأمر بصلة الأرحام، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26] فذوو القربى -الذين لهم حق- هم الأرحام عموماً، وكذلك قال الله تبارك وتعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى [النساء:36]، وهم الأرحام عموماً كما بينا، وقال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى [البقرة:83]، فلذوي القربى حق، وقال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه) كذا قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وكان صلوات الله وسلامه عليه في بداية أمره وبداية بعثته مع دعوته إلى التوحيد كان أيضاً يأمر بصلة الأرحام، فلما سأل هرقل أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً له: بما يأمركم -يعني النبي صلى الله عليه وسلم-؟

    قال: (يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة) يعني بذلك صلة الأرحام.

    التحذير من قطع الرحم وبيان عاقبة القاطع

    هذا وقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى من قطع الأرحام في كتابه الكريم تحذيراً شديداً، فقال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، فقاطعو الرحم أصمهم ربنا وأعمى أبصارهم، ولذا فقد ورد عن علي بن الحسين رحمهما الله تعالى أنه أوصى ولده فقال: (يا بني! لا تصاحب قاطع الرحم، إني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواطن -أحدها الذي ذكرناه-... والثاني في قول الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25]، والثالثة آية البقرة التي في آخرها: أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27] ).

    فقاطع الرحم ملعون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله الخلق قامت الرحم فتعلقت بقوائم العرش -وفي رواية: فأخذت بحقو الرحمن- وقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله لها: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى؛ يا رب! قال: فذلك لك)، فكأن الرحم هربت من قوم يريدون ذبحها، ويريدون قطعها، فاستجارت بمن؟ استجارت بالله، واستنجدت بالله، وتعلقت بقوائم العرش؛ فأنصفها الله بقوله: (أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك)، أي: لك -أيتها الرحم- أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك.

    ولذا في الحديث أن الرحم تقول: (من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من قطع الرحم: (لا يدخل الجنة قاطع -وفي رواية: قاطع رحم-).

    فقطاعو الرحم ملعونون، لعنهم الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وبين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ما أعد الله لهم من العقوبة.

    وجوب صلة الأرحام وإن كانوا غير مسلمين

    وصل الرحم وإن قطعت

    الرحم وإن قُطعت توصل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمهُ وصلها)، معناه: إذا وصلك ابن عمك فوصلته كما وصلك، فلست بالواصل حق الوصل وتمام الوصل؛ لأنك حينئذٍ مكافئ، إنما الوصل تمام الوصل من إذا قطعت رحمهُ وصلها، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب من لا يولد له يا رسول الله! قال: ولكن الرقوب من لم يقدم شيئاً من الولد)! وقد بينا أنه يجب وصل الرحم، حتى الرحم الكافرة.

    قالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها، لما جاءها من غار حراء قائلاً: (زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا؛ والله! لا يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم...)، فاستبعدت أن يخزيه الله بسبب صلته للرحم.

    وقال ابن الدغنة لـأبي بكر ، وقد رأى أبا بكر رضي الله عنه خارج مكة: إلى أين تذهب يا أبا بكر ؟! قال: أسيح في الأرض أعبد ربي عز وجل، فقد أخرجني قومي، قال له ابن الدغنة : والله! ما مثلك يخرج -يا أبا بكر - إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ.

    فكذلك قال ابن الدغنة ما حاصله: أن الذي يصل الرحم لا ينبغي أبدا أن يخرج من دياره، ثم ضمه إليه وآواه إليه، رضي الله تعالى عن أبي بكر .

    وإن اشتد عليك أقاربك فأيضاً عاملهم بالتي هي أحسن.

    فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأعطيهم ويمنعوني، وأعفو عنهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، أي: ما العمل مع هؤلاء يا رسول الله؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن كنت كما قلت؛ فكأنما تسفهم الملّ -أي: الرماد الحار- ولم يزل معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)، فعلينا بصلة الأرحام وإن قاطعونا، وعلينا بالإعطاء لهم وإن منعونا، وعلينا بالصبر عليهم وإن جهلوا علينا.

    كل ذلك يلزم المتقين، لقول نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم: (ولكن لهم رحم، سأبلها ببلالها).

    كيفية صلة الأرحام

    هذا ولصلة الأرحام صور:

    فمن صلة الأرحام: زيارتهم في بيوتهم، وتفقد أحوالهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور ذوي رحمه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور علياً وفاطمة رضي الله تعالى عنهما، وأحياناً كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور علياً رضي الله عنه فقط، أو يزور فاطمة رضي الله عنها فقط، وكان يزور أم هانئ ، ويزور غيرها من ذوي الأرحام والقرابات، فلزيارة الرحم أثرها الطيب في توطيد العلاقات، وفي إنبات المحبة وإثباتها، وخاصة إذا صوحبت بهديةٍ، ولا يكن وصل الرحم فقط في زيارتهم، بل يمكنك الاطمئنان عليهم برسالةٍ كتابية أو شفهية أو بهاتف، وبعيادة مرضاهم، فكل ذلك -بإذن الله- ينبت المودة والمحبة، وإذا كان في ذهابك إلى الأرحام منكرٌ، كأن تكون ابنة العم متبرجة على سبيل المثال، وستحدث خلوة أو نظر، وهي لا تحل لك -أعني أن النظرة إليها لا تحل لك-، فتوصل الرحم بسبيل آخر، والموفق من وفقه الله، جعلنا الله وإياكم ممن وصلوا أرحامهم، وصل اللهم على نبينا محمد وسلم تسليماً.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.