إسلام ويب

شفاء القلوبللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد، بسبب الغفلة والإعراض عن الله سبحانه وتعالى، وعلاجه ذكر الله عز وجل. وإن القلب ليصاب بأمراض تحجزه عن طاعة الله ورسوله وحب الخير للمسلمين، وعلاج هذه الأمراض لا يكون إلا بالالتزام بكتاب ربنا وسنة نبينا، والسير على منهج الأئمة من الصحابة والتابعين.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (إلا من أتى الله بقلب سليم)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

    وبعد:

    موضوعنا اليوم بمشيئة الله تبارك وتعالى موضوع يتعلق بالقلوب التي هي أصل الخير والشر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فإذا أصيب أحدكم -عافنا الله وإياكم- بمرض في قلبه بحث عن أعلم أهل الطب بطب القلوب، ولكن ثَم للقلوب مرض آخر هو الذي يسبب النكسات والابتلاءات في الدنيا والآخرة، وقليل من العباد من ينتبه له ويتفطن، للقلوب أمراض غير تلك المعهودة التي تبادرون بعلاجها عند أطباء القلوب الحذّاق، وقليل منكم من ينتبه لقلبه ويصلحه، ولا يخفى عليكم أن الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، فإن الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم الذي جاء ربه بقلب سليم دعا ربه فقال: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء:87] (لا تخزني): لا تذلني ولا تهني -يا رب- يوم يبعثون! يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] سليم مِن ماذا؟

    فريق من أهل العلم يقول: سليم من الشرك.

    وفريق منهم يقول: سليم من الشك، أي: يوقن أن لقاء الله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم حق.

    القول الثالث: سليم من الغل والأحقاد، قلب سليم لا يحمل غلاً لأحد من المسلمين.

    القول الرابع: سليم من الحقد والكبر.

    القول الخامس: أن سليم بمعنى لديغ، والعرب تطلق على اللديغ (سليم) تفاؤلاً، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال: (مررنا بقوم مع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسألنا هؤلاء القوم القرى -أي: حق الضيف الذي يكرم به- فأبوا أن يكرمونا، فلدغ سيدهم، فجاءوا إلينا وقالوا: إن سيد هذا الوادي سليم) أي: لديغ، فيطلقون السليم على اللديغ تفاؤلاً بالشفاء، فمن العلماء من قال: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] أي: لديغ من مخافة الله عز وجل، فمخافة الله تسربت إليه، فكأنها لدغته.

    القول السادس في تأويل قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] أي: سليم لم يصب بالقسوة.

    القول السابع: سليم من الران، فلم ترن عليه ذنوب، ولم يختم عليه بأختام، ولم يقفل عليه بأقفال، فللقلوب أقفال تقفل عليها فلا يصل الخير إليها، قال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] فهناك قلوب عليها أقفال، صفتها يعلمها الله، لا يتسرب إلى تلك القلوب التي عليها أقفال شيء من الخير، وقلوب أخر عليها ختم، وقلوب أخر مطبوع عليها، وقلوب جمعت بين هذه المصائب كلها، هي في نفسها ميتة، وعليها ختم وطبع، وعليها ران، وعليها أقفال، فجمعت بين هذه البلايا كلها.

    والذي استظهره عدد من العلماء أن معنى قوله تعالى: (سليم) يحمل على كل هذه المعاني. وعلى قدر سلامة قلبك في الآخرة يكون قربك من الله، على قدر قربك من الخير، وعلى قدر مرضك ومرض قلبك في الآخرة على قدر قربك من الشر عياذاً بالله من ذلك، فيوم القيامة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89]. وقال الله تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37] كما لا يخفى عليكم، آتاه الله الإمامة عليه الصلاة والسلام بأمور، ليس خبط عشواء، الإمامة تنال بالبذل والفداء والتضحية، فابتلاه الله سبحانه وتعالى في جسده بأن ألقي في النار وهو صابر محتسب صلى الله عليه وسلم، أمر بالختان وهو ابن ثمانين سنة، فجاء بالقدوم -الآلة المعروفة- ليقطع بها ذكره دون (بنج) ولا شيء، وهو ابن ثمانين سنة! أمر بذبح ولده فامتثل وأخذ ولده كي يذبحه، أمر بلقاء الجبابرة والصدع بالحق عندهم فقال للذي تجبر وتكبر: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258]؛ فلذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] وفَّى بهن، فلما أتمهن قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا فآتاه الله الإمامة، ومع أن الله آتاه الإمامة لكن لم ينتفع قلب أبيه القذر بإمامة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فإبراهيم قال: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء:87]. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما بالأسانيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يلقى إبراهيم صلى الله عليه وسلم آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة -عليه غبار فهو وجه كالح مظلم- فيقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: يا أبت! ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: أما اليوم فلن أعصيك أبدا، فيقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: يا رب! يا رب! ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون؟ وأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد! فيقال: يا إبراهيم! انظر إلى تحت رجليك، فينظر إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى رجليه) فماذا يرى؟ (يرى أن أباه قد تحول إلى ذيخ ملتطخ) والذيخ: هو ذكر الضباع، أبوه تحول إلى ضبع ملتصق بوساخته وقذارته، ملتصق بالبراز عافانا الله وإياكم، ملتصق بالعذرة! (ويؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)، فالقلب الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، ليس القلب الملوث بالشرك، فيوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] فالقلب السليم ينفع صاحبه في الآخرة، وينفع صاحبه في الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي لا يخفى عليكم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)، (التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! ويشير ثلاث مرار إلى صدره صلى الله عليه وسلم)، في الدنيا كذلك القلب السليم ينفع، لما أسر بعض المشركين يوم بدر، وكان المسلمون يأخذون منهم الفداء فقال بعضهم: يا رسول اللهّ! إنا كنا مسلمين فكيف ندفع الفداء ونحن كنا مسلمين، وإنما أظهرنا الكفر خوفاً من الكفار؟! فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:70] إن كان في قلوب بعضكم خير -والله يعلم بالقلوب- فالله سوف يعوضكم عن هذا الفداء الذي افتديتم به أنفسكم، يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ، وإضافة إليه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، والله سبحانه وتعالى يوم الفتح أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لما علم في قلوبهم، قال سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، فعلم الله ما في قلوب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير عَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً [الفتح:18-19].

    فصلاح القلب عليه صلاح الدنيا والآخرة، وفساد القلب عليه فساد الدنيا والآخرة عياذاً بالله من ذلك، فجدير بنا أن نعرف الأمراض التي تعتري قلوبنا ونعالجها، وليس هناك طبيب أمهر يعالج قلبك -بعد الله سبحانه وتعالى- من نفسك التي بين جنبيك، أنت تعرف مرضك وتعرف كيف تداويه بإذن الله تعالى، غاية ما يفعله أهل الذكر أنهم ينبهونك، ويصفون لك الدواء، والأمر بيدك -بعد الله سبحانه- إن شئت أطعت، وإن شئت رددت، ومرد ذلك كله إلى الله عز وجل.

    1.   

    مرض الشرك وعلاجه

    تعتري القلوب أمراض أعظمها مرض الشرك والرياء والعياذ بالله! مرض الشرك علاجه أن تقول كمسلم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يأتي مرض الرياء الذي خافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، وذكر أن هذا المرض من أصيب به سعرت به نار جهنم عياذاً بالله من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء) وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: رجل عالم أتي به فسئل: ماذا عملت في علمك؟! فيقول لله عز وجل: يا رب! تعلمت فيك القرآن، وعلمته للناس، فيقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، فيؤخذ به فيلقى في النار) فأول الناس هؤلاء الثلاثة توقد بهم جنهم، كما تبدأ في إشعال النار بالكبريت!

    والثاني رجل مجاهد مراءٍ (أتي به فعدد الله نعمه عليه وقال له: ماذا عملت فيها؟! فقال: يا رب! قاتلت فيك وقتلت، فيقال: كلا، ولكنك قاتلت ليقال: جريء، فيؤخذ به فيلقى في النار) وهذا ذكره الإمام البخاري في باب: لا يقال: فلان شهيد.

    والثالث: (رجل آتاه الله من صنوف المال فتصدق، فأتي به يوم القيامة، فقيل له: ماذا عملت في المال؟ قال: يا رب! أنفقت في سبيلك وتصدقت، فيقال: لا، ولكنك تصدقت ليقال: هو محسن، وقد قيل فيؤخذ فيلقى في النار)، هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، أفعالهم التي فعلوها فعل خير، لكن قلوبهم ملوثة، لوثت بالرياء منهم عياذاً بالله، فأحبط الرياء أعمالهم، يأتي أقوام بكم هائل من الحسنات في الظاهر، لكنهم عملوها رياء الناس، فكما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [النساء:38]. فمرض الرياء من أخطر الأمراض التي ترد على القلب، وكما سمعتم كان سبباً في إسعار النار وإيقادها بهؤلاء الثلاثة: العالم والمجاهد والمتصدق.

    ما هو علاج مرض الرياء؟

    الاستعاذة بالله من مرض الرياء، وقد ورد في علاجه حديث تكلم فيه، ألا وهو حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه فقال له: (قل: اللهم! إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)، والحديث منازع في تحسينه وتضعيفه، ومن حسنه حسنه لأنه في باب فضائل الأعمال، فهذا أحد أنواع علاج الرياء.

    هناك علاجات أخرى أقوى وأعظم وهي: البعد عن الناس، ومراجعة النفس، والصلاة بالليل والناس نيام، فتعمد أن تبتعد عن الناس في ليلك، وتصلي في الليل حيث لا يراك إلا الله سبحانه وتعالى، واجتهد بعد أن تتعوذ بالله من عين لا تدمع أن تذرف دمعات لله سبحانه وتعالى حيث لا يراك الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: (ورجل ذكر الله خالياً) أي: بعيداً عن الناس، (ففاضت عيناه)، فتعمد -كي تكسر هذا المرض، وتبعده عن نفسك- أن تعمل الخيرات سراً، رسولنا صلى الله عليه وسلم كان نائماً في لحاف عائشة رضي الله عنها ذات ليلة، فنام صلى الله عليه وسلم، ونامت عائشة فانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظن أن عائشة قد نامت، فتسلل صلى الله عليه وسلم وتركها نائمة وهي أقرب الناس إليه، زوجه، تسلل من الفراش، واتجه عليه الصلاة والسلام إلى المقابر في البقيع في الليل حيث لا ضوء ولا يراه الناس، ولا يوجد كهرباء بل ظلام دامس، اتجه إلى البقيع حيث مقابر أصحابه الذي دفنوا في حياته صلى الله عليه وسلم، وهو يعرفهم فقال لهم: (السلام عليكم -أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فسلم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهم عليه الصلاة والسلام بما شاء الله أن يدعو، ثم انصرف، ولا يخفى عليكم أن عائشة تبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنت عائشة أنه ذهب إلى بعض أزواجه كظن النساء الضعيف، فاتجهت بعده إلى المقابر، فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسرعت إلى البيت ثم اضطجعت في السرير، فلما جاء ورآها قال: (مالك.. يا عائشة حشيا رابية؟) أي: مالك أرى نفسك يعلو وينخفض، ثم قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير! قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله يا رسول الله! ثم قصت عليه الخبر، فقال: أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟! قالت: فلهدني في صدري لهدة أوجعتني) صلى الله عليه وسلم، فمن علاج مرض الرياء أن تصلي بالليل والناس نيام، تجتهد وتذهب تتصدق سراً، قال سبحانه: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271].

    عليك أن تخلو بنفسك وتكثر من الاستغفار كما قال الخليل صلى الله عليه وسلم: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [مريم:48]، فلا تجعل كل أفعالك الخيرة ظاهرة أمام الناس، اجعل لنفسك قسطا من الخير لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، اجعل لنفسك نصيباً من الخير لا يعلمه إلا خالقك سبحانه وتعالى، تتقرب به إلى الله عز وجل، وقد قال ابن القيم رحمه الله: إن الصالحين كانوا يحرصون على كتمان أحوالهم مع الله إلا في الحالات التي تستدعي أن يتأسى بهم الناس، وأنشد ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك أبيات شعر، فقال:

    من سارروه فأبدى السر مجتهداً لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

    وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشاً

    لا يأمنون مذيعاً بعض سرهم حاشا ودادهم من ذلكم حاشا

    حث رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصدقة، فقال: عمر في نفسه ولم يقل لأحد من الناس: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم حث الناس في هذه الليلة على الصدقة، ودائماً أبو بكر يسبقني فيتصدق، فلأتصدقنّ الليلة، فحمل نصف ماله ووضعه بين يدي رسول الله، فقال له: ما أبقيت لأهلك؟ قال: مثله، ثم جاء أبو بكر بماله كله فقال له رسول الله: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله! فقال عمر: والله! لا أسابقك بعد اليوم أبداً يا أبا بكر). إذا حصل لك نوع كرامة من الله فلا تحدث الناس على سبيل التعالي على أنك كريم عليهم، بل إذا حدثت تحدث بنعم الله عليك شاكراً لأنعمه سبحانه وتعالى.

    1.   

    مرض العجب وعلاجه

    مرض الرياء أحد الأمراض التي تتسرب إلى القلب، ويلتحق به العجب فهو نظيره وسميه، فالعجب كذلك من أمراض القلب، ففي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ركب برذوناً -والبرذون هو البغل- فمشى البرذون وعمر فوقه، والبغل يمشي ويهز الذي فوقه، فيحدث له نوع من أنواع الاختيال، فلما ركب عمر البرذون ومشى به مدة نزل من فوقه، قالوا له: لماذا نزلت يا أمير المؤمنين؟! قال: (أبعدوه عني، والله! ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي)، يعني: نفسي كانت قبل أن أركبه طيبة خفيفة، فلما ركبته تسرب العجب إليها، وإذا بالناس حولي كأنهم لا شيء، هذا حاصل كلام أمير المؤمنين عمر.

    وإخواننا الأثرياء يشعرون بذلك! فأصحاب الأموال الكثيرة إذا ركب أحدهم سيارة (مرسيدس) يحس أن الناس حوله صعاليك! ويبدأ يظلم، كما قال عمر : أنكرت نفسي كأنها نفس أخرى، لكن إذا ركب حماراً أو ركب دراجة أحس أنه واحد مثل الناس، فيمشي زيد بين الناس وهو متواضع كما يتواضع الناس.

    لهذا عليك أن تبعد عن نفسك أسباب العجب إذا وجدت شيئاً يجلب لك العجب ويذكيه في نفسك، فاتركه لله سبحانه وتعالى، وليس من باب التحريم، ولكن اتركه لله حتى يعوضك الله عز وجل خيراً منه إيماناً تجد حلاوته في قلبك.

    تجد إخواننا جالسين في المجالس، فيبدأ التعارف: من الأخ؟ يقول: أخوكم فلان، الثاني يقول: أخوكم فلان، فيأتي واحد غلبه الشيطان، ويقول: أخوكم الدكتور فلان، هو أهلك نفسه قبل أن يهلك غيره، إذا كان يقصد الدكتور من باب التعريف، فله نيته ولن يتسرب إن شاء الله شيء إلى قلبه، أما إذا قالها على سبيل التباهي في المجلس تتشبع نفسه بذلك الكبر، فيهلك نفسه؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر -أمثال النمل- يطؤهم الناس بأخفافهم) يأتي آخر: العقيد فلان! العميد فلان! أي عقيد وأي عميد وقد مات من هم خير منك آلاف المرات؟

    أين أنت من ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ومن فرعون ذي الأوتاد، ومن عاد إرم، ومن غيرهم من الأمم؟ فمثل هذا يجلب الكبر إلى الناس، تخيل أنه لو قال كلمة مثل هذه، وآخر مثله طبيب قال: أخوكم في الله -بانكسار- فلان بن فلان، لا شك أن الثاني سيزيده الله عز وجل تواضعاً ورفعة في الدارين ويحبه كل الجالسين، أما هذا الذي تعالى عليهم، فهل يقبل الجالسون تفاخره؟ ومن طبع البشر أنهم لا يحبون من تكبر عليهم وتجبر، ولكن يحبون من خفض لهم الجناح وألان لهم القول.

    فمن أنواع العجب نوع كهذا، وعلاجه أن تكسر نفسك وتتواضع لله سبحانه وتعالى، تتواضع لله في أوصاف الفقراء، وفي أوصاف الضعفاء فلعلهم عند الله خير منك، ولا يخفى عليكم في هذا الباب حديث أبي بكر رضي الله عنه مع الأربعة الفقراء الغرباء، سلمان وصهيب وعمار وبلال، لما مر بهم أبو سفيان بن حرب عام الفتح، ورءوا أن أبا سفيان كان رئيساً للكفر، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال يمشي، ولم ينل من الأذى فقالوا الأربعة: والله! ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها - أي: فكان ينبغي أن يقتل مثل هذا الرجل- قال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لسيد قريش؟! ثم استدرك أبو بكر فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! بلال وصهيب وسلمان وعمار قالوا: كذا، فقلت لهم: كذا، فماذا قال له الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    قال: (يا أبا بكر! هل أغضبت إخوانك يا أبا بكر! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك عز وجل! فانطلق أبو بكر سيد شيوخ أهل الجنة إلى هؤلاء الأربعة، فقال: يا إخوتي! أغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك).

    فعلاج العجب التواضع، وخفض الجناح للمسلمين، ومجالسة المتواضعين، أما أن تجالس دائماً المتكبرين فستقتبس من أخلاقهم، ومن ثَم قال رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام: (شر الطعام طعام الوليمة) هذا الحديث فقه، لماذا شر الطعام طعام الوليمة؟ قال: (يدعى إليها الأغنياء، ويترك الفقراء)، فلمّا دعي إليها الأغنياء، وكلهم أغنياء يحصل التباهي والتفاخر ويحصل استقلال، يعني: مهما قدمت للأغنياء تسخطوا ما جئت به، لكن قد تدعو إلى وليمة عملتها واحداً من الفقراء الضعفاء فيخرج من عندك وقد أكل أكلة عمره ما أكلها في حياته، فيدعو لك دعوة تستفيد منها، فمجالسة الصالحين تجعلك تقتبس من أخلاقهم، هم يؤثرون في الطباع ؛ لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في شأن الجوار والمجالسات، بل حتى مجالسات الدواب: (الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل) والشاة أو الخروف دائماً تكون في الأرض، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم (والسكينة والوقار في أهل الغنم) (الفخر والخيلاء في أهل الفدادين أهل الإبل) فلما كانوا مع الأنعام المستكبرة اقتبسوا من أخلاقها، ومن مشى مع الغنم المتواضعة اقتبس من أخلاقها، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله من نبي إلا وقد رعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها على قراريط لأهل مكة)، فلذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشد الناس تواضعا، وأرحم الناس بالناس عليهم الصلاة والسلام.

    1.   

    قسوة القلوب وعلاجها

    تجد أقسى الناس قلوباً اليهود؛ لأنهم نقضوا العهود مع الله، فقال تعالى في شأن اليهود: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [المائدة:13] في شأن اليهود لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] يمسكون بالمسلم أو غير المسلم فيضربونه، تصيح أو ما تصيح، ما في قلبه رحمة، أصبح القلب كما قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، لا يلين أبداً، تتوقع أنك ستعتذر إليه يلين قلبه لك، هذا ممتنع عندهم تماماً، أما قلب المؤمن فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قلب رقيق لكل ذي قربى ومسلم).

    قسوة القلوب علاجها الاستغفار والوفاء بالعهود والمواثيق، فالاستغفار كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها) أي: قبل هذه الفتن (نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين:) ينتهي الأمر إلى قلبين: (قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً) يعني: قلب مثل الكوز أسود من داخله ومقلوب، لا يستمسك بأي خير ؛ لأنه مقلوب على وجهه، لا يوجد خير يثبت فيه، وآخر (أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالذنوب التي تتوارد عليك يومياً تحتاج منك إلى جهاد وغسيل لها، كما يذهب مريض الكلى إلى الغسيل الكلوي، وهكذا على مريض القلب وكلنا مرضى، نسأل الله أن يعافينا وإياكم! كلنا يذنب يومياً، على كل منا أن يصنع ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة) وفي رواية (إني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة) وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور، سبعين مرة) يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يغسل ما على قلبه صلى الله عليه وسلم، فنحن أكثر ذنوباً ولا شك من نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، فنحتاج إلى استغفار، ولن يكلفك ذلك خمس دقائق مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147]؟ ماذا سيستفيد الرب سبحانه وتعالى من تعذيبك إن شكرت وآمنت؟!

    فعلى المسلم أن يكون ذكيا، وفطنا، يعرف من أين تأتي له الابتلاءات وكيف يرفعها، فالمصائب التي تحل عليك -يا عبد الله- من وجهين:

    إما أن تكون مصيبة تحل بك من أجل أنها ابتلاء من الله، يبتليك الله لينظر: هل تصبر فتثاب أو لا تصبر؟ والله أعلم.

    وإما أن تأتيك مصيبة بسبب ذنوبك، فإذا كنت خفيفاً لا تشعر بأنك مذنب ومسرف على نفسك، وتشعر أنك مطيع لله، فالنفس أحياناً تكون نشيطة خفيفة من الذنوب والآثام، فإذا كنت في هذه الحال نشيطاً لا ترى أنك مذنب -وكلنا مذنب- خفيفاً من الذنوب والآثام، وأصبت بمصيبة، فعليك أن تعلم أن هذه المصيبة في الغالب ابتلاء من الله سبحانه وتعالى يختبر صبرك، فتصبر كما صبر أيوب إذ قال الله عز وجل لما ابتلاه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44] هذا نوع.

    مصائب أخرى تأتيك بذنوبك، قال سبحانه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، فالمصيبة الأولى يلزمها صبر، والثانية يلزمها استغفار، فمن فوائد الاستغفار: أن الله يرفع عنك البلاء، ويبيض الله عز وجل به قلبك.

    1.   

    اضطراب القلب.. سببه وعلاجه

    القلوب كما لا يخفى عليكم لها نوع آخر من المرض وهو الاضطراب، قلب كثير الاضطراب، ما هو سبب هذا الاضطراب؟

    أولاً: سبب الاضطراب أنك تفعل آثاماً أحياناً صريحة أنها آثام عندك، وأحياناً مشتبهة والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (البر ما اطمأنت إليه النفس) أي: سكنت إليه النفس (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) فالإثم يجعل النفس لا تطمئن، ومعنى لا تطمئن أي: لا تسكن، ومعنى لا تسكن أي: تضطرب، فتسبب هذه الأشياء انفعالات على القلب، فتجد نفسك قلقاً غير مرتاح.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لقلب المرء أشد تقلباً من الماء في المرجل) يعني: الماء في القدر إذا وصل إلى درجة الغليان، بدأ يتقلب والفقاقيع تطلع وتنزل، فكذلك القلب يتقلب هذا التقلب الشديد؛ ولذلك قال ابن عمر: كان أكثر أيمان النبي صلى الله عليه وسلم (لا ومقلب القلوب!) وكان يقول: (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي إلى طاعتك) وإبراهيم الزكي الذي آتاه الله رشده يقول للمشركين: أنا لا أخاف من أصنامكم، ولا أخاف ما تشركون به إلا في حالة واحدة: (إلا أن يشاء ربي شيئاً) إلا أن يشاء ربي أن يقذف في قلبي الخوف من هذه الأصنام، فالقلوب قد تتبدل في لحظة واحدة عياذاً بالله ؛ لأن الشخص منا لا يملك لنفسه شيئاً، ولا يملك قلبه، والله يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] يعني: أنت لا تستطيع أن تتحكم في قلبك.

    الرسول صلى الله عليه وسلم لما عاتبته بعض أزواجه في حبه الزائد لـخديجة وقد ماتت ماذا قال؟ قال: (إني رزقت حبها في قلبي) يعني: لا أستطيع أن أصرف هذا الحب عن قلبي، وقد قال عدد من العلماء: وفيه خبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أن المحبة التي في القلب من الله سبحانه وتعالى، فلما كانت القلوب متقلبة لزمنا أن نطلب ما يثبتها على الإيمان، فأولوا الألباب يقولون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] رَبَّنَا لا تُزِغْ أي: لا تمل قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] .

    فطلب الثبات للقلب علاج له من الاضطراب، وذكر الله تطمئن به القلوب كما قال الله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ يعني: قلوب الذين آمنوا إذا حصل لها شيء من الاضطراب تطمئن بذكر الله، ومعنى تطمئن: تسكن، ويزول عنها خوفها وقلقها، ثم قال الله تعالى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] أي: جدير بذكر الله أن يطمئن القلوب، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ما المراد بذكر الله الذي تطمئن به القلوب؟

    لأهل العلم قولان في المراد بذكر الله الذي به تطمئن القلوب:

    ففريق من أهل العلم يقول: إن المراد بذكر الله القرآن، فالشخص إذا كان مضطرباً وقرأ القرآن بتؤدة وتفقه سكن وذهب عنه الهم الذي يجد، ودليلهم على أن المراد بذكر الله هو القرآن قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فقالوا: إن المراد بذكر الله الذي تطمئن به القلوب هو القرآن.

    وفريق منهم يقول: إن المراد بذكر الله الحمد والتسبيح والتهليل والتكبير وسائر الأذكار المشروعة، والقول بالتعميم في هذه المواطن أولى، بمعنى أن المراد بذكر الله: القرآن وسائر الأذكار، فكلها تطمئن القلب، وتذهب الخوف والقلق، ومن ثَم لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين يستبان، وأحدهما انتفخت أوداجه وعلا صوته، واحمر وجهه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إني أعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه الذي يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه الذي يجد) فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ذكر لله سبحانه وتعالى، ومعنى (أعوذ بالله) أي: أستجير بالله وألجأ إليه من الشيطان الرجيم، فذكر الله أحد المثبتات كما تذهب إلى الطبيب فتقول له: أعطني مقويات عامة للقلب، فيعطيك بعض الأدوية من أدوية الصيدليات.

    فهناك مقويات عامة للقلب، إذا كنت تخاف وقلبك يرتعد من بعض الناس فذكر الله يثبتك في هذا الموطن، إذا خفت قوما قل: (حسبي الله ونعم الوكيل) وأكثر منها، فابن عباس يقول كما في البخاري: ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] قالها إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما قال لهم الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]).

    إذا أصبت بمصيبة كأن جاءك خبر موت أخيك أو أبيك القلب يقلق ويضطرب، والهم يزداد عليك، وهناك اضطراب زائد، فعلاجه ذكر الله، وصْفةٌ إلهية موجودة في المصحف: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157] فذكر الله يقوي القلب، لا يقوي القلب فقط بل يقوي البدن كذلك، لا يخفى عليكم أن فاطمة أتت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام تسأله خادماً وتريه أثر الرحى في أيديها، يدها تأثرت من الطحن، وتريد خادماً من رسول الله، قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (أولا أدلك على ما هو خير لك من خادم، ) تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين ثلاثاً وثلاثين عند النوم (فهو خير لك من خادم) فأهل العلم يقولون: هذا مقو عام، يقوي الجسم ويجعل الشخص ينشط أكثر مما يفعله الخادم.

    فذكر الله سبحانه وتعالى من أقوى المقويات للقلب والمثبتات لها في كل الأحوال وفي كل المواطن، إذا جئت إلى مكان وأنت فيه خائف، وذكرت الله عز وجل اطمأن قلبك، وذهب عنك الخوف، لو قلت: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) اطمأن قلبك وذهب الخوف عنك، لو قمت من النوم وأنت منزعج غاية الانزعاج من الرؤيا المفزعة، وقلبك مضطرب ينبض مرعوب من الرؤيا المفزعة، علاجها في شيء يسير علمنا إياه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، أرشدنا ألا نحدث بها، ولا نكلم بها أحداً، وأن نتفل عن يسارنا، وأن نتعوذ من شرها، فجاء ذكر الله في صورة التعوذ بالله من شرها، إذا كانت مفزعة فقم إلى الصلاة فإنها ذكر لله أيضاً كما قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] قال أبو قتادة رضي الله عنه: كنت أرى الرؤيا أثقل عليّ من الجبل، فالشيطان يدخل من خلال حلم مفزع يرتبه لك ترتيباً في الرؤيا، ويوهمك أنك ستموت غدا يقيناً أو تصاب بحادث أو ابنك سيصاب بشلل ويرتب لك ترتيباً أنك ستدمر، ويعكر عليك حياتك كلها بسبب هذه الرؤيا المفزعة، فأبو قتادة يقول: (كنت أرى الرؤيا أثقل عليّ من الجبل، فلما سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عني ولم أعد أبالي) فيقول الذكر الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم أنها خمسة آداب:

    1- أن تتفل عن يسارك ثلاثاً.

    2- أن تتعوذ بالله من شرها.

    3- ألا تحدث بها أحداً.

    4- أن تتحول عن جنبك الذي أنت عليه.

    5- وإن كانت مزعجة قم فصل.

    خمسة آداب ولن يضرك شيء بإذن الله، فبذكر الله تطمئن القلوب.

    1.   

    مرض الكبر والتعالي وعلاجه

    من أمراض القلوب: الكبر والتعالي على الناس، وعلاجه كما سمعته: التواضع، وقد كانت الأمة تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحاح- وتقول: إن لي إليك حاجة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم! فتأخذ بيده وتمشي به في سكك المدينة حتى يقضي لها حاجتها، ويأتيه الرجل فيفزع منه، فيقول الرسول: (هون عليك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة)، يأتي الرجل من البادية إلى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأل الناس عن الرسول وهو جالس في المسجد لا يعرفه أحد، فيسأل: أيكم محمد؟ من منكم محمد عليه الصلاة والسلام؟ على ماذا يدل قول الأعرابي للصحابة أيكم محمد؟

    يدل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من تميزه، تعال انظر الآن إلى الضباط والشرطة، مستحيل أن يأكل جندي صغير مع عميد، مستحيل أن يحصل ذلك أبداً عندهم، وإذا أكل الجندي مع العميد صارت مصيبة كبرى تحل على المجتمع! جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يرمي جمرة العقبة يقول الصحابي: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك) بخلاف ما عليه المسئولون هذه الأيام، فهذا كله يجلب تواضعاً ينعكس أثره على القلب، ونحن نسأل أصحاب المناصب أو ضباط الشرطة إذا خرج الضابط وهو لابس الزي العسكري عليه سيفين ونجمة أو سيف ونجمتين في رتبة (لواء) كيف يجد نفسه وهو لابس هذا الزي؟ وكيف يجد نفسه وهو لابس ثوباً أبيض مثلاً؟ هو نفسه يشعر بقلبه أنه متواضع عندما يلبس ثوباً أبيض ويمشي به، وعندما يلبس الزي الثاني ينتفش وكأنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يوازيه!

    نسأل مدير الشركة: كيف حاله وهو جالس على كرسي الإدارة؟ وكيف حاله وهو ماشٍ في الشارع؟ وكيف أنت -يا عبد الله- وأنت راكب على الباص ذاهب إلى الجامعة؟ وكيف حالك إذا ركبت (تاكسي مخصوص)؟ قلبك يأتيه بعض الكبر وأنت في (التاكسي المخصوص)! وقلبك وأنت في الباص متواضع، ولا أقول إنه محرم أبدا والعياذ بالله! لا يمكن أن نصف شيئا بالتحريم، لكن الكلام على مسألة كيف تجد قلبك أنت؟! وهذا من باب معالجة القلوب يا عباد الله.

    سمعتم أثر عمر وهو راكب على البرذون وقال: (والله! ما نزلت من عليه حتى أنكرت نفسي)، فتخيل وقس نفسك، جرب مرتين: اذهب مرة إلى الجامعة (بالتاكسي)، ومرة إلى الجامعة بالباص، ومرة إلى الجامعة مشياً، وانظر قلبك في هذه الأحوال الثلاثة كيف يكون؟

    فهذا رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام يأتي الأعرابي يبحث عنه فيسأل: أيكم محمد؟ فيقولون: هو هذا الرجل الأبيض المتكئ، الرجل الذي تراه جالساً هو محمد صلى الله عليه وسلم! بكل بساطة وبلا تكلف عليه الصلاة والسلام، فمن علاج القلوب التواضع لله سبحانه وتعالى. ومن علاجها سماع المواعظ وذكر الله، فالله يقول في سماع القرآن: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23] تلين الجلود والقلوب إلى ذكر الله سبحانه.

    قال العرباض بن سارية رضي الله عنه: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون)، فالشاهد: أن الموعظة أثرت في القلوب، فسماع الوعظ يؤثر في القلب.

    أما سماع الأغاني فيقسي القلب عياذاً بالله! جرب -يا من تسمع الأغاني- اسمع مرة أغنية من الأغاني لبعض الممثلات أو المغنيات، ومرة اذهب واسمع القرآن كيف تجد القلب؟

    تجد القلب يظلم عند سماع الأغاني، وتجده يخاف ويتسرب إليه الوجل إذا سمع كتاب الله سبحانه وتعالى، فجدير بنا أن نحرص على مجالس الذكر؛ فإنها مجالس خير، ترقق القلوب، وعليك دائماً أن تقلل من الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله -كما قال فريق من أهل العلم- تقسي القلب، تبقى تهذي طوال اليوم في قيل وقال، وتجيب من هنا إلى هنا! فأي كلام ليس فيه فائدة يترك على القلب صدأ ووسخاً، ومسطر عليك، وكله له نكسات، فلا يخلو القيل والقال من الاغتياب، والاغتياب ذنب، فيؤثر هذا الذنب على قلبك سواداً كما سمعتم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أثر المعاصي على القلب

    وكثرة الضحك كذلك تؤثر على القلب، ليست الحياة هكذا ضحك كثير وكلام كثير، الإنسان إذا تحدث كثيراً، وكلمه الناس كثيراً في موضوعات شتى سيمتلئ القلب، والقلب له قدرة معينة فيمتلئ القلب من هذا العبث كله، وهذا الوسخ كله، ولا يجد لذكر الله مكاناً، كما قال القائل:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فوجد قلباً خالياً فتمكنا

    الشيء الذي يؤثر على القلب سيثبت فيه، فالشيء الذي يأتي على القلب أولاً يثبت فيه، فأقبل على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتق اللغو والرفث والقراءة في المجلات الخليعة؛ فرب صورة عارية تنظر إليها في مجلة وأنت ذاهب تشتري من بقال فتجد مغبتها في قلبك، وتجد أثرها السيء في قلبك، وأنت جالس تذاكر أو تقرأ القرآن تعرض لك، يذكرك الشيطان صورة البنت التي رأيتها في المجلة، وصورة وجهها ورجليها على المجلة، وهذا شيء كلنا جربه فلذلك نحرص على أن نملأ قلوبنا بذكر الله، ونحرص على أن نملأ قلوبنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يجد اللغو واللهو مكاناً ولا متسعاً في قلوبنا، إذا امتلأ قلبك بذكر الله وبسنة رسول الله صرف عنه السوء بمشيئة الله تعالى.

    فمن علاج القلوب أن تملأه بذكر الله، في قصة الواهبة نفسها، قال الصحابي: زوجنيها يا رسول الله! قال: (كم معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال: تحفظهن عن ظهر قلب؟ قال: نعم، قال: زوجتكها بما معك من القرآن)

    1.   

    البعد عن مواطن الريبة

    هناك أمور أخر تكون سبباً في أذى الآخرين، عليك أن تتقيها، فمثلاً: لا تقف في موقف شبهات فيأتي الشيطان يقذف في قلب أخيك شراً تجاهك، فيقال: هذا الرجل وقف في هذا الموقف ينتظر فتاة.. ينتظر مخدرات.. ينتظر حشيشاً.. فيقذف في قلب الناس تجاهك شراً، ورسولنا خير معلم يعلمنا حتى تكون قلوبنا سليمة، فكان يمشي مع صفية يقلبها إلى منزلها في الليل لما جاءت تزوره في المعتكف، فراءه رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال: (على رسلكما إنها صفية) فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! يعني: كيف تظن أننا نظن بك أنك واقف مع امرأة أجنبية؟! قال عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً)، فالشيطان يأتي ويقذف في قلبك شيئاً، فحتى تحافظ على قلوب إخوانك المسلمين عليك ألا تضع نفسك في مواقف الشبهات، فتجعل الشيطان يعان علينا، وحتى تحافظ المرأة على قلوب الرجال يقول تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب:32]، المرأة وهي تتحدث مع الرجل لا تخضع بالقول لكن تتكلم بطبيعتها، ولا ترقق، النساء في هذا على قسمين:

    منهن من تخضع بالقول.

    ومنهن من تصرخ صراخاً، والوسطية مطلوبة في كل شيء، تتكلم المرأة كما كانت النسوة على عهد رسول الله يتكلمن، لم يرد أنهن تواطأن كلهن على وضع الأيدي على الفم أثناء الكلام، فلا تخضع بالقول، ولا تشدد على نفسها، كأن تضع شيئاً على فمها بل تتكلم كما تتكلم المرأة على طبيعتها بدون خضوع بالقول، وبدون تشديد على نفسها.

    نساء النبي خير من تأسى بهن نساؤنا يقول الله تعالى لهن: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]، واعلم أن قلبك قد يظلم بسبب حديثك مع امرأة ترقق لك صوتها، وهي قد تكون دميمة جداً! فترقق لك صوتها حتى تقع في الحبال، فقلبك يظلم عياذاً بالله! قال تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ لماذا نسألهن من وراء حجاب؟ قال: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53] هذا السؤال من وراء حجاب أطهر لقلوبكم يا رجال! وأطهر لقلوبكن يا نساء! هذا هو كلام الله، فما يأتي بعد ذلك واحد سمج سخيف الرأي يصافح المرأة ويضغط على يدها ويقول: الإيمان في القلب يا عم الشيخ! سماجات وسخافات أيها الإخوة!

    وختاماً: علينا جميعاً أن نفعل ما فعله رسولنا عليه الصلاة والسلام سواء مع الناس أو مع أنفسنا، فكان هناك أقوام قلوبهم ضعيفة، إيمانهم ضعيف، فسموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤلفة قلوبهم، قلوبهم تريد أن تخرج من الإسلام، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يعطيهم العطية، حتى تسكن قلوبهم إلى الإسلام، مسلك حسن في تأليف القلوب البعيدة الشاردة عن الدين، كيف تؤلف القلوب البعيدة الشاردة عن الدين؟

    تؤلفها بشيء من المال، بهدية تجلب المحبة في القلب. وبالنسبة لأنفسنا نكثر من التعوذ من قلب لا يخشع، فرسولنا عليه الصلاة والسلام كان يكثر من ذلك فيقول: (اللهم! إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، وعلم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع)، وكان يقول أيضاً: (اللهم! اجعل في قلبي نورا)، كان يسأل ربه سبحانه وتعالى أن يجعل في قلبه نورا (وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً)، وكان يطلب من الله أن يغسل قلبه، فالقلب أبيض في الأصل، أي: قلب المؤمن، فيأتي الذنب تلو الذنب فيسوده، وكلنا خطاء كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون) وقوله: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش) إلى آخر الحديث، فكل هذه الذنوب تسبب على القلب أوساخاً وسواداً، فرسولنا يقول معلما لنا: (اللهم! اغسل قلبي من الذنوب والخطايا)، اغسله من الذنوب والخطايا ليس بالنار، إنما (اغسل قلبي من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد، اللهم! نق قلبي من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)، فعلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء، حتى يأتي القلب يوم القيامة وهو أبيض سليم من الآفات التي تتسرب إليه.

    1.   

    مرض الغل والحسد وعلاجه

    ومن الآفات التي تتسرب إلى القلب الغل للذين آمنوا عياذا بالله! الغل للذين آمنوا من أخطر الأمراض التي تعتري القلوب، وحسد أهل الإيمان من أخطر الأمراض التي تعتري القلوب، ولا يكتشفه إلا أنت، ليس هناك طبيب سيكتشف الغل الذي في قلبك، اذهب للأخ الفاضل الدكتور فاروق رضوان وقل له: انظر هل في قلبي غل أو لا يا دكتور؟ هل سيعرف أن في قلبك غل أو ليس فيه غل؟ من أخطر الأمراض في القلوب الغل للذين آمنوا، فعلاج الغل للذين آمنوا أن تدعو بما دعا به الصالحون قبلك: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10] هو مؤمن، وأنت تكره المؤمن! وما عملوا فيك شيئاً وأنت تكرههم وتتمنى لهم المصائب، وتحسدهم! فما علاج ذلك؟

    علاج ذلك: أن تقوم مثلاً من الليل فتدعو للمؤمن وتقول: اللهم! وفقه، اللهم! ارحمه، اللهم! استر عليه، اللهم! بارك له، فيكون ذلك عذرك أمام الله، ويذهب الله سبحانه وتعالى بذلك ما في نفسك وما في قلبك من حسد، ثم هو من مصلحتك أنت، يعني: إذا كان في قلبك حسد لأخيك، أو غل لأخيك فقمت في صلاة الليل وقلت: اللهم! وفقه وبارك له في ماله، اللهم! ارزقه وبارك له في ذريته، في الحقيقة أنت تدعو لنفسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا وعند رأسه ملك موكل يقول: آمين، ولك بمثله).

    فأنت لن تخسر عندما تدعو لأخيك، قال تعالى: فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد:38] إذا بخلت بدعوة لأخيك وامتنعت عن الدعاء، فالأمر كما قال تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد:38]، ونهج المرسلين والمؤمنين دائماً أنهم لا يدعون الله بالمغفرة لهم فحسب، بل يقول نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، يدعو للجميع وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [نوح:28] فحتى يذهب حقدك على إخوانك ادع الله لهم، واعلم أنك بحسدك لهم مرتكب كبيرة من الكبائر، فالحاسد مرتكب كبيرة، إذ أحببت لأخيك من قلبك أن تحل به مصيبة، أو أن يفتضح، فهاهي عقوبتك من الله: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    فاسأل الله أن يغسل قلبك من الذنوب والخطايا، ويطهره بالماء والثلج والبرد، وتعوذ بالله دائماً من قلب لا يخشع، وعلم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وأكثر من الذكر والاستغفار في طرقك وفي مجالسك، وفي عملك حتى يهدي الله قلبك، ورد المظالم إلى أهلها قبل أن تموت، فكل ذلك يرقق القلب، ويسلمه بإذن الله من الآفات التي تعتريه، وتأتي يوم القيامة بقلب سليم كما جاء الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم ربه كما قال الله: إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات:84] رزقنا الله وإياكم جميعاً سلامة القلوب.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.