إسلام ويب

تحذير عباد الرحمن من همزات الشيطانللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشيطان حريص على إدخال الأحزان إلى قلوب المؤمنين، وله في ذلك طرق كثيرة، وقد حذرنا الله ورسوله منها، ومن تلك الطرق الأحلام المفزعة، وهي مما لا يكاد يخلو منها أحد من عباد الله، وبناءً على هذا فإن للأحلام آداباً شرعية ينبغي العلم بها، ولتعبير الرؤيا أصول يحسن الإلمام بها.

    1.   

    التحذير من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    وبعد:

    إنَّ الله سبحانه وتعالى حذرنا في جملة آيات من كتابه من الشيطان، فقال سبحانه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] ، وقال سبحانه: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27] ، ويقول سبحانه: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:60-62] ، والنصوص في هذا الباب متظافرة ومتكاثرة ومتواردة.

    1.   

    طرق الشيطان لإدخال الأحزان إلى قلب المؤمن

    التناجي

    من عمل الشيطان أن يدخل الهموم والأحزان إلى قلب المؤمن، وله في ذلك سُبل، وله في ذلك طرق، منها دعوته وتحريضه على التناجي، حيث يتناجى اثنان أمام الثالث، فيذهب الشيطان إلى الثالث ويشككه في إخوانه، ويجعل الريب يملأ قلبه، ومن ثم قال الله سبحانه: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس) ، وفي رواية أخرى: (فإن ذلك يحزنه) أي: تناجي الاثنين يحزن الثالث، وقد وردت زيادة فيها ضعف في هذا الحديث وهي: (حتى يستأذناه) .

    فالشيطان يدخل إلى قلب ابن آدم ويشوش عليه فكره من باب التناجي، وقد كان الناس يأتون إلى رسول الله فيتناجى بعضهم مع رسول الله فتذهب الظنون بالمسلمين، ويقولون في أنفسهم: لعله يخبر رسول الله أن هناك عدواً يريد أن يغزو المسلمين، ولعله ولعله، فالشيطان يدخل إلى ابن آدم من باب النجوى؛ ليقطع ما بينه وبين إخوانه من صلات، وليفسد ما بينه وبين إخوانه من محبة، فهذا باب التناجي، يدخل منه الشيطان ليحزن الذين آمنوا.

    التخويف من الأعداء

    قال الله سبحانه: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران:175] أي: (يخوفكم بأوليائه) على رأي أكثر المفسرين. يخوف أولياءه على ظاهرها. فعلى التأويل الأول: يخوفكم من أوليائه، فتأتي تمتثل أمراً أو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلقي بك الشيطان هاهنا وهاهنا، ويجلب عليك بخيله ورجله، ويخوفك من كل شيء، والله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم معلماً إيانا كيف نصنع في مثل هذا المقام: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174] .

    فإذا أتيت تفعل سنة من سنن رسول الله، أو تمتثل أمراً وحكماً لله فلا تظن أبداً أن الله سيخذلك، وأن الله سيتخلى عنك، فهذا من الظن السيئ بالله سبحانه وتعالى، فلا تظن أبداً أنك إذا أقبلت على الله تخلى عنك، فهذا من الظن السيئ بالله، وقد قال ربنا سبحانه في الحديث القدسي: (من تقرب إليَّ شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) ، فلا تظن أبداً بحال من الأحوال، أنك إذا أقبلت على الله تخلى الله عنك، وإن كانت الأمور في أوائلها وفي ظواهرها قد تلبس عليك، ولكن الله قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق:2-3] ، وقد قال سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    فلا يذهب بك الشيطان بعيداً ويزين لك النجاة في معصية الله، كلا، فالدمار في معصية الله سبحانه وتعالى، والهم والنكد في معصية الله سبحانه وتعالى، وإن لاحت لك الأمور على وجه غير هذا الوجه، وإن ظهرت لك الأمور التي تحبها وتسر بها من وراء المعصية، فالأمر على عكس ذلك، وقد قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، فكن على ثقة بالله سبحانه أنه ينصر من تولاه ومن وكل أمره إليه.

    فالتخويف من أعداء الله مسلك من مسالك الشيطان، يسلكه الشيطان لترهيبك وتخويفك من إقبالك على السنن وإقبالك على الدين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه النسائي بسند صحيح: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام قال له: تسلم وتدع دينك ودين آبائك ودين أجدادك! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة قال له: تهاجر وتدع أرضك وسماءك وأرض أبيك وأرض أجدادك! فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد قال له: تجاهد فتقتل فترمل المرأة وتتزوج من بعدك، وييتم الأطفال! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة)، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    الرؤى والأحلام المفزعة

    ومن المداخل التي يدخل الشيطان بها للتشويش على أهل الإيمان الرؤى والأحلام المفزعة المزعجة، فهو يخوف من طريق هذه الرؤى، فيأتيك برؤيا قد سبكها وأتقنها، فلا تشك في صدقها من شدة سبكها وحسن صياغتها، حتى يشتت عليك فكرك، ويدمر عليك عقلك، ويجعلك دائماً قلقاً مضطرباً، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا ثلاث: منها رؤيا من الله، ومنها حديث للنفس، ومنها رؤيا تحزين وتخويف من الشيطان)، فيخوف الشيطان العباد بهذه الرؤى المزعجة، ولكن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام علمنا هدياً، وسن لنا سنناً لاتقاء هذه الرؤى المفزعة، حتى إن أبا قتادة رضي الله عنه يقول -كما في الصحيحين-: كنت أرى الرؤيا تمرضني -أي: من شدة هولها وشدة مطالعها وثقلها- فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا رأى أحدكم ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره) فسري عني، وذهب عني الذي كنت أجد -أي: من هم هذه الرؤيا ومن ألم هذه الرؤيا .

    1.   

    أصول الرؤيا في الكتاب والسنة

    والرؤيا أُثبتت أصولها في كتاب الله، ولم يجد الملاحدة إلى الآن تأويلاً مقبولاً سائغاً عندهم للرؤى التي يرونها. فتتحقق كما رأوا، فأحدهم قد يرى رؤيا وتتحقق بعد عام، فيقف على تفسيراته المادية الإلحادية، قائلاً: كيف كان هذا؟ قد رأيت هذا من عام في نومي! فيحتار ولا يجد تأويلاً سائغاً مقبولاً على منهجه الإلحادي الشيوعي لتأويل الرؤى، فيقف تائهاً حيراناً استهوته الشياطين في الأرض.

    ولكن أهل الإسلام يعلمون أن الرؤى منها أشياء من الله سبحانه وتعالى يبشر الله بها أهل الإيمان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو تُرى له، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً).

    وفي كتاب الله أن يوسف عليه السلام رأى رؤيا فتحققت له بعد سنوات، ورأى الخليل إبراهيم أنه يذبح إسماعيل، فقال إبراهيم: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، ورأى رسولنا رؤيا، قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27]، إلى غير ذلك، ورأى الملك -كما في سورة يوسف- رؤيا، ورأى السجينان اللذان كانا مع يوسف رؤيا، كما قال تعالى عنهما : إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36]، فهذه أصول الرؤيا في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الأدب مع الله في الألفاظ

    من آداب الحلم المزعج المفزع ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، وقد يقال: لماذا الحلم من الشيطان؟

    والجواب: أن كل شيء مقدر من الله سبحانه، ولكن الشيطان سبب فقط، ومن هذا الباب أنه لا ينسب الشر إلى الله، بل ينسب الخير كله إليه، مع أن الكل من عند الله، لكن تأدباً مع الله لا ينسب الشر إليه، كما قال الخليل إبراهيم: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80]، فأتى بالإطعام وبالهداية وبالشفاء كلها منسوبة إلى الله سبحانه، لكن لما ذكر المرض قال: وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80] مع أن الأمراض أيضاً مقدرة، لكن يجب الأدب مع الله سبحانه، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

    ومن هذا الباب قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) مع أن المصائب مقدرة ومكتوبة ومسطرة.

    ومن هذا الباب قول الخضر لموسى -كما حكى الله تعالى عنه- : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79] فنسب العيب إلى نفسه، وفي قصة الغلام قال: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:80-81]، فكل خير ينسب إلى الله سبحانه وتعالى.

    فلتلزم -يا عبد الله- جانب الأدب مع الله في خطابك وفي كلامك، ولا تتخاطب مع ربك وتصفه بالأوصاف التي يوصف بها البشر، فلله سبحانه وتعالى جلال وعظمة وكمال سبحانه وتعالى، فتحدث عن ربك بالذي في كتابه، وبالذي في سنة نبيه، قال عليه الصلاة والسلام: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان).

    1.   

    آداب الرؤيا

    للرؤيا السيئة أو المزعجة آداب، وهي ألاَّ تحدث بها أحداً، وتتعوذ بالله من شرها، وتتفل عن يسارك ثلاثاً، وتتحول عن جنبك الذي كنت عليه، وإذا كانت شديدة الإفزاع فلتقم ولنصل، وكل هذا ثابت عن رسول الله، فهي خمسة آداب: تعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، واتفل عن يسارك ثلاثاً، ولا تحدث بها أحداً، وتحول عن جنبك الذي كنت عليه، وقم إلى الصلاة، فحينئذٍ لا تضرك كما أخبر رسولك محمد عليه الصلاة والسلام، وكما قال أبو قتادة: فلما علمت ذلك من رسول الله سري عني .

    وقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله: إني رأيت البارحة رؤيا، رأيت كأن رأسي قطع فتدحرج، فذهبت وراءه أتبعه، فجئت برأسي ووضعته في مكانه. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا يخبرن أحدكم بتلاعب الشيطان به في منامه)؛ فهذا تلاعب من الشيطان بك وأنت نائم، فلا تخبر به الناس، ولا تضحك الناس عليك، ولا تشمت الناس بك، ولا تأتِ إلى رجل لا يعرف للرؤيا تعبيراً فيعبرها لك على وجه يكره.

    وقد حسن بعض العلماء -وإن كان في هذا نزاع- حديث: (الرؤيا لأول عابر) أي: على أول تعبير، ولأول معبر يعبرها، وصحح آخرون حديث: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبر، فإذا عُبرت فقد وقعت)، واستأنس بعضهم لهذا المعنى بما ورد في قصة يوسف مع السجينين في قوله تعالى: قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36]، فقد أورد بعض المفسرين قولاً الله أعلم بصحته، وهو أنه لما فسرها تفسيراً مزعجاً في الوجه الذي قال فيه -كما حكى الله تعالى عنه- : فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ [يوسف:41] قال الرجل: إني كنت أتحالم. أي: أدعي أنني رأيت. فقال: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41]، والله أعلم بصحة ذلك.

    فالشاهد أنك لا تقص الرؤيا إلا على عالم، أو على ناصح، وإذا رأيت رؤيا تحبها فحدث بها من تحب فقط، لا تحدث بها شخصاً تكرهه فيحسدك عليها، ومن ثم قال يعقوب ليوسف عليهما السلام -كما حكى الله تعالى عنه-: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5]، فلا ينبغي أن تقص الرؤيا على شخص -وإن كان مسلماً- إذا كان هذا الشخص يحسدك على ما أنت فيه من نعيم.

    وقد استدل الحسن البصري رحمه الله تعالى بقوله: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] على أن المؤمن قد يحسد، فقد قيل للحسن : يا حسن أيحسد المؤمن؟ قال: سبحان الله! ما أنساك لإخوة يوسف إذ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ.

    فتأدبوا -معشر الإخوة- بآداب الرؤيا، وهي تلكم الآداب الواردة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليحذر أحدكم أشد الحذر من الافتراء والكذب في الرؤيا، وأن يري عينيه ما لم تريا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من أفرى الفراء -أي: من أكذب الكذب- أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا)، أي: تقول: أنا رأيت رؤيا فيها كذا وكذا وأنت لم تر ذلك.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من تحلم بغير حلم كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل) أي: الذي يقول: أنا رأيت كذا في الرؤيا، وهو كاذب في هذا الادعاء يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين (وليس بفاعل) أي: ولن يصير ذلك، فيعذب ويؤنب حتى يعقد، إلا أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنه، كما يعفو عن أهل التوحيد، والله سبحانه أعلم.

    فجدير بك أن تكون صادقاً في حديثك، وصدق الحديث ينعكس على صدق الرؤيا، فإذا كنت صادقاً في الحديث كانت رؤياك حقاً، ولذلك الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، لما كانوا أصدق الناس كانت رؤياهم مثل فلق الصبح، وكانت رؤيا رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام تأتي كفلق الصبح، والخليل رأى رؤيا فتحققت كما تقدم.

    1.   

    أهمية تعبير الرؤى

    لا يقللن شخص من قيمة الرؤيا، فقد ثبت في البخاري ومسلم من حديث سمرة بن جندب أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى الفجر سأل أصحابه: (هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟) فيقصون عليه رؤاهم فيؤولها لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال لهم ذات يوم: (هل رأى أحد منكم رؤيا البارحة فسكتوا؟ فقال: لكني رأيت الليلة عجباً)، فطفق عليه الصلاة والسلام يقص عليهم رؤيا طويلة مفادها إيراد أنواع من العذاب لمرتكبي بعض الكبائر، ومن أمعن النظر فيها يجد أن كل من عصى الله بجارحة من الجوارح فتعذب تلك الجارحة منه، فإذا عصيت ربك بفمك عُذبت فيه، وإذا عصيت ربك بفرجك عُذبت فيه، وإذا عصيت ربك بعقلك وبرأسك عُذبت فيه، وهكذا.

    ففي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً مستلقياً على قفاه وآخر معه صخرة، فيأتي بالصخرة ويضرب ها رأس هذا المستلقي فيتكسر الرأس، وتتكسر الصخرة، ثم يرجع هذا الضارب يجمع تلك الصخرة المتفتتة، فيجد الرأس قد التأم، فيكرر نفس العمل السابق، فيكسر الرأس وتتكسر الصخرة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي أرى؟ فقيل له: هذا الذي يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. فهذا جزاء الرافض لكتاب الله النائم عن الصلاة المفروضة.

    ثم مر عليه الصلاة والسلام على قوم رجال ونساء في مثل التنور، يأتيهم لهب من أسفل منهم، فيحرق هذا اللهب فروجهم، فيُسمع لهم صياح، وتسمع لهم ضوضاء، فسأل: من هؤلاء؟ قال الملكان: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك يا محمد.

    فانظر إلى هذا الذي استمتع بفرجه في الحرام، وإلى تلك البغي التي استمتعت بفرجها في الحرام كيف تطهر في الآخرة؟ نار ولهب تحرق تلك الفروج العاصية، فبعداً لشهوة دنيئة وقتها قصير ومنتهٍ في الحياة الدنيا، فهي لحظات تقضى فيها شهوة في الحرام، ودقائق معدودات، ويبقى على صاحبها النكد، وأي نكد؟ وكم زمانه؟ فرج يحترق، وجسم يتألم بلهب، فيسمع الصياح إلى أمد لا يعلمه إلا الله.

    فجدير بكل عاقل أن يفكر في هذه اللذة الفانية، التي لا تستغرق إلا لحظات وثوانٍ ودقائق، ثم بعدها عذاب أليم مؤلم موجع لا يزول، قال تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70].

    فانظر إلى الفرج المستمتع بالحرام كيف يعذب، وانظر إلى الفم آكل الربا، فقد رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يسبح في نهر من دم، فيأتي متجهاً إلى الشاطئ وإذا برجل عند الشاطئ جمع أحجاراً كلما اقترب هذا السابح من الشاطئ فتح فمه فألقمه حجراً بقوة في فمه، فيرجع ثانية إلى وسط نهر الدم، ويُفعل به هكذا دائماً وأبداً إلى أن يشاء الله، فهذا الفم الذي طعم الربا من اللائق به أن يسبح في أنهار من دم، فيمتلئ دماً ويلقم أحجاراً، وهكذا مصير أكلة الربا.

    ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في هذه الرؤيا الطويلة الكذابين على الله وعلى رسله وعلى أهل الإيمان، الذين يكذبون الكذبة فتنتقل في الآفاق، كالمذيعين الكذابين والصحفيين الكذابين الذين ينتشر كذبهم، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام كلوباً من حديد يوضع في فم الكذاب فيشرشر الفم إلى القفا، والأنف إلى القفا، ثم يتجه إلى الجانب الآخر فيُفعل به هكذا، فهؤلاء الذين يكذبون الكذبة تبلغ الآفاق.

    فجدير بكم أن تطهروا جوارحكم -معشر الإخوة- من كل معصية لله، ومن كل معصية لرسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وباب الرؤى باب واسع وعريض وله فقه، ومن أراد التعبير فعليه الإلمام بأكبر قدر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم معرفة أحوال الذين رأوا الرؤى، فيختلف تعبير الرؤى باختلاف من رآها، فقد تأول على وجه حسن إذا كان الشخص صالحاً، وقد تأول على غير ذلك بحسب حال الشخص.

    1.   

    أصول تعبير الرؤى

    لتعبير الرؤى أصول، وهناك مدلولات يستدل بها على الرؤى، فمن رأى -مثلاً- أنه قد كسي بالثياب فالثياب علامة ستر وعلامة دين، ومن رأى أنه يشرب لبناً فاللبن علم، ومن رأى أنه يشرب خمراً فليحذر وليفكر في نفسه؛ فالخمر غواية، ومن رأى أنه يركب سفينة فالسفينة نجاة، والعين الجارية للشخص يراها عمل صالح، ومن رأى حيات -كما قال كثير من العلماء- فهي أعداء؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما سالمناهن منذ حاربناهن) وكذلك الجمال لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الإبل خلقت من الشياطين)، ومن نفخ شيئاً فطار فأمر هذا الشيء إلى ذهاب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رأيتني ألبس سوارين من ذهب فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي)، وهما الأسود العنسي صاحب صنعاء، ومسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، فمن نفخ شيئاً فطار فأمر هذا الشيء إلى ذهاب، ومن رأى أن شيئاً حدث له في سيفه فكسر يحدث له في أقاربه، كما قال الرسول في شأن رؤياه يوم أحد.

    وثم مدلولات تعبر بها الرؤى، كالأسماء الصالحة في الرؤى مدلولاتها صالحة كذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (رأيت كأننا في دار عقبة بن رافع وأُتي لنا برطب من رطب ابن طاب فأولتها أن العاقبة لنا في الآخرة، وأن الرفعة لنا في الدنيا، وأن ديننا قد طاب)، فللأسماء الطيبة مدلولات في الرؤى، فهذا يحملنا على اختيار الأسماء الطيبة والأسماء الصالحة لأبنائنا، فهي فأل طيب في اليقظة وفي المنام كذلك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010311956

    عدد مرات الحفظ

    721922439