إسلام ويب

موجبات المحبةللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أعظم وأجل ما يتمناه أولياء الله هو الظفر بمحبة الله، فهي سعادة العبد وأمانه عند هول المطلع، ولذا من أراد أن يلحق بركب المتنافسين فعليه بمعرفة الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل، وتطبيقها والعمل بها، فإنها كافية لنيل مرضاة الله، والفوز بمحبته.

    1.   

    أهمية المحبة في كتاب الله وسنة رسوله

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    والمحبة لله عز وجل هي المنزلة التي فيها يتنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وبروح نسيمها تروح العابدون، وعليها تفانى المحبون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، هي الحياة والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، ولقد قضى الله بمشيئته وحكمه أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة سابغة على المحبين أنهم مع الله عز وجل في دار الدنيا بحفظه وكلئه ومعيته، ومع الله عز وجل في دار الآخرة في جواره وفي فردوسه.

    قال سمنون المحب : ذهب المحبون لله عز وجل بشرف الدنيا والآخرة.

    وعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: والله يا رسول الله! ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت)، قال سيدنا أنس : فما فرحنا بعد الإسلام فرحنا بشيء أشد من فرحنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي حديث اختصام الملأ الأعلى من رواية معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن حلة، فقال: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: لا أدري أي رب، قال: فوضع يده بين منكبي حتى أحسست ببردها بين ثديي، فقال: الكفارات، والدرجات، والكفارات: نقل الخطا إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في المكاره، فقال له الله عز وجل: صدقت يا محمد! من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ثم قال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهن حق، فتعلموهن، وادرسوهن).

    (إنهن حق) أي هذه الوصايا.

    1.   

    الأسباب الجالبة لمحبة الله

    تكلمنا قبل ذلك أن الله عز وجل أهل لأن يحب؛ لأن له جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، ولنعمه وآلائه الواصلة إلى الإنسان آناء الليل وأطراف النهار، ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن القيم في الأسباب الموجبة أو الجالبة لمحبة الله عز وجل، كل الناس يقولون: إنا نحب الله عز وجل، وحتى لا يدعي الخلي حرقة الشجي، جعلت علامات للمحبة، شأن عظيم أن تحب مولاك، وأعظم منه أن يحبك الله عز وجل! ليس شأناً عظيماً أن تحِب، إنما الشأن أن تُحَب.

    فما هي الأسباب الجالبة للمحبة؟

    العلامة شيخ الإسلام ابن القيم ذكر منها عشرة أسباب، وذكر غيره من أهل العلم خمسة وثلاثين سبباً موصلة إلى حب الله عز وجل لك.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).

    قراءة القرآن مع التدبر والفهم

    السبب الأول الجالب للمحبة: قراءة القرآن بالتدبر لمعانيه، والتفهم لمقاصد كلام الله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف)، صححه الألباني .

    وقال الحسن البصري : رحم الله أقواماً قرءوا القرآن على أنه رسائل من الله عز وجل إليهم، فقدروا قدر الرسائل، وقدروا قدر المرسل، قرءوا القرآن على أنه رسائل من الله عز وجل نازلة إليهم في التو، فالقرآن أحدث الكتب نزولاً من عند ربنا، قد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى المطر بثوبه، ولما سئل عن ذلك قال: (إنه حديث عهد بربه) فما ظنك بالقرآن!

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستمع القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليستمعه من ابن أم عبد) سيدنا عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن على أنه رسائل من الله عز وجل إليه، فيتفاعل مع القرآن، وينزل القرآن على واقع عصره لا يغيره عن عصره، ويداوي به أدواء قلبه من الشهوات والشبهات.

    وهذا أحمد بن أبي الحواري تلميذ الإمام أحمد وهو المسمى بريحانة الشام يقول: إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا! يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من علم آية من كتاب الله فله ثوابها ما تليت).

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    (إن الله يرفع بهذا الكلام أقواماً ويضع به آخرين).

    يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: (اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية كنت تقرؤها).

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له به أجران).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (عليك بالجهاد والقرآن؛ إنه ذكرك في الأرض، وروحك في السماء).

    ويقول سيدنا عثمان بن عفان : لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم.

    ويقول خباب بن الأرت : يا هنتاه! تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه.

    منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها لا تهجع

    فهموا عن الملك الكريم كلامه فهماً تذل له الرقاب وتخضع

    قال ابن الصلاح فيما رواه السيوطي في الإتقان: وتلاوة كلام الله عز وجل كرامة اختص الله بها البشر دون الملائكة، فإنهم لا يتلونه، ولكنهم يستمعون إليه من البشر.

    قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] العجب من قول الله عز وجل: (اذكروني)! من نحن حتى يأذن الله عز وجل ويسمح بكرمه ومنه وفضله أن تتلى آياته بألسنتنا الخطاءة الجافية التي تخوض في الباطل؟! هذه نعمة كبيرة من الله عز وجل، فكيف إذا ذكرك الله عز وجل؟!

    يا كسول! يا جهول! لو سمعت صريف الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند ذكرك لمولاك لمت شوقاً إلى مولاك! اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    وقال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].

    وقال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] قال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام.

    وقال الله تبارك وتعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51] آيات منزلة من فوق العرش، الأرض منها سماء، وهي منها كواكب، إذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، وإذا هدرت فأمواج البحار الزاخرة، فلم الإعراض عن القرآن؟ لم أترك القرآن تلاوةً وتدبراً وتحاكماً إليه؟

    عجت فروج الناس ثم حقوقهم لله بالبكرات والآصال

    كم تستباح بكل شرع باطل لا يرتضيه ربنا المتعال

    والكل في قعر الجحيم سوى الذي يقضي بحكم الله لا لنوال

    أو ما سمعت بأن ثلثيهم غداً في النار في ذاك الزمان الخالي

    وزماننا هذا وربك أعلم هل فيه ذاك الثلث أو هو خالي

    هذه الأيام هي أيام القرآن، هذه الأيام خير أيام الدنيا، كما جاء في حديث جابر عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر)، هذه الأيام يجوز فيها ختم القرآن في يوم وليلة، كما قال ابن رجب الحنبلي ، وعلى هذا جمهور أهل العلم، فأين أنت من القرآن؛ من تعليمه لزوجتك وأطفالك؟ ومن حفظك إياه؟

    لو حفظ كل إنسان فينا آيتين عند الفجر، وآيتين عند الظهر، وآيتين عند العصر، والمغرب والعشاء، وقام بهن الليل حتى من المصحف يرددهن فإنه سيحفظ القرآن ولا ينساه، يحفظ القرآن في عشر آيات يومية مقسمة على خمسة أوقات، يحفظ القرآن في مدة سنتين، فأين نحن من كلام الله عز وجل؟!

    أداء النوافل والمحافظة عليها

    السبب الثاني: أداء النوافل بعد الفرائض، فإنها ترفعك من مقام المحب إلى مقام المحبوب، كما قال الله تبارك وتعالى: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، ولا يعقل أن يقوم شخص الليل ثم ينام عن صلاة الفجر!

    إن النوافل جاءت لجبر الفرائض، ورفعة الدرجات، وحال الإنسان الذي لا يهتم بالفرائض ويهتم بالنوافل كحال رجل عليه وحل يقول لك: ضع علي مسكاً، أنت بحاجة إلى أن تغتسل ببرميل ماء، حتى ينزل الوحل الذي عليك، ثم بعد ذلك يطيبونك بالمسك!

    فلا تنفع النوافل إلا بعد الفرائض، فتأتي بالفرائض كاملة ثم تأتي بنوافل الصلاة والصيام والصدقات والحج والعمرة، نوافل الصلاة كالسنن الرواتب أو التطوع المطلق أو التطوع المقيد، تصلي اثنتي عشرة ركعة يبني الله لك بها بيتاً في الجنة.

    ثم التطوعات كصلاة الضحى التي لا يحافظ عليها إلا أواب، والتطوع المطلق كقيام الليل والمحافظة على الوتر، قال الإمام أحمد : من واظب على ترك الوتر فهو سفيه ترد شهادته. فكيف بالذي لا يصلي الفجر ولا الظهر ولا العصر؟! من واظب على ترك الوتر فهو سفيه ترد شهادته.

    هناك أيضاً سنن وتطوعات في الصيام كصيام الإثنين والخميس، وصيام يوم عرفة وصيام عاشوراء وتاسوعاء، وصيام الثلاثة الأيام البيض، وهناك تطوع مطلق بعد ذلك كما قال أهل العلم، كصيام يوم في الشهر أو يومين أو ثلاثة أيام من أول الشهر، أو يوم كل عشرة أيام، أو السبت والأحد والإثنين من شهر، كما كانت تفعل السيدة عائشة ، والثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر.

    صيام أربعة أيام، يوم خمسة وسبعة وتسعة وعشرة وأحد عشر، كل هذا ثابت، كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة وسنن أبي داود ، وكذلك صيام يوم وإفطار يوم أو صيام يوم وإفطار يومين.

    ثم صدقة التطوع بعد الزكاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة) إذا أردت أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك، فامسح رأس اليتيم، وادنه منك وأطعمه من طعامك، واسقه من شرابك، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله).

    كذلك أن يتطوع الإنسان بجاهه فيخدم المسلمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس عند الله أنفعهم للناس)، قد لا يكون عندك المال، ولكن جاهك قد ينفع بعض المسنين: (اشفعوا تؤجروا) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    كذلك التطوع بما هو خير من المال، وهو تعليمك الناس لكتاب الله عز وجل، وتعليمك للقرآن، وتعليمك الناس العلوم الشرعية النافعة، وما يفيدهم في دينهم ودنياهم، فهذا تطوع بالإنفاق، ثم بعد ذلك التطوع بالحج والعمرة وغيرها من النوافل.

    فالحرص على أداء النوافل بعد الفرائض يوصلك إلى درجات من القرب لا يعلمها إلا الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً) وسكت، وما بعد الباع لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، فهي درجات من القرب لا يستوعبها العقل، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

    خلِّ الهوى لأناس يعرفون به قد كابدوا الحب حتى لان جانبه

    ويقول المولى عز وجل: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، ومن أتاه هرولة ماذا يكون الجزاء؟ درجات من القرب لا يحيط بها العبد، من تقرب إلي بالجوارح (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها).

    فمن تقرب إلي بكليته.. بروحه.. بقلبه.. بكل ما عنده ماذا يكون الجزاء؟

    يقول الشاعر:

    ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب عند نزوله

    فهذا القرب لا تحيط به العقول، والله عز وجل فوق عرشه، وهو قريب من محبيه: (إن لله أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته).

    المحافظة على ذكر الله في الدوام

    السبب الثالث: دوام ذكرك لله عز وجل على كل حال، باللسان والقلب والعمل والحال، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41]، والذاكرون لله عز وجل كثيراً دعاؤهم مجاب بنص الحديث الذي حسنه الألباني .

    وقال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] عنترة كان يذكر عبلة -وهو صعلوك- في المعارك عند صليل السيوف، فما ظنك بمن يحب مولاه، الذي هو عنصر الجمال؟!

    إذا كان حب الهائمين من الورى بليلى وسعدى يسلب اللب والعقلا

    فماذا عساه يصنع الهائم الذي ترى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى

    إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما حسنه الألباني : (أكثر من ذكر الله حتى يقال إنك مجنون) لن تجد شخصاً يقول لك: إنك أنت مجنون، ستجد شخصاً يقول مثلاً: مجنون لعبة الكرة.. مجنون الممثلين.. مجنون المغنين.. لكن لا يوجد أحد يقال عنه: إنه مجنون بذكر الله؛ لأنه كلما زدت من حب الله أفقت من غيبوبتك.

    كما قال عتبة الغلام : من عرف الله أحبه، ومن أحبه أكرمه، ومن أكرمه أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه وطوباه وطوباه! فما زال يقول: يا طوباه! حتى غشي عليه.

    قال يحيى بن معاذ : عفوه يستغرق الذنوب، فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال، فكيف حبه؟! حبه يدهش العقول، فكيف وده؟ ووده ينسي ما دونه فكيف لطفه؟! هذا لا يكون إلا لله عز وجل.

    كل محبوب سوى الله سرف وهموم وغموم وأسف

    كل محبوب منه لي خلف ما خلا الله مالي منه خلف

    كل إنسان يحب الصالحين ليكسب منهم، أما الله عز وجل فإنه يحبك لتكسب أنت منه: (ابن آدم خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا خير لك من كل شيء).

    يقول صلى الله عليه وسلم: (أكثر من ذكر الله حتى يقال: إنك مجنون).

    العلماء اختلفوا هل يشرع الجهر بالتكبير في هذه الأيام؟ لحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير) قال ابن رجب : أنكره طائفة، واستحبه أحمد والشافعي ، ولكن الإمام الشافعي قيده برؤية بهيمة الأنعام، والإمام أحمد استحبه على الإطلاق.

    وذكر الإمام البخاري أن أبا هريرة وابن عمر كانا يدخلان السوق فيكبران فيكبر الناس لتكبيرهما.

    وروى الفريابي في كتاب العيدين: أن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد كانوا يدخلون السوق فيكبرون، لا يدخلون إلا لذلك، تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، تعلن الدينونة في هذه الأيام لله عز وجل، كدينونة الشجر والجماد، ما من ملب يلبي إلا ولبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مطر، حتى تنقطع الأرض يميناً وشمالاً.

    قال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله، طلبة العلم نقول لهم: سيدنا الإمام أبو هريرة كانت له اثنتا عشرة ألف تسبيحة بعد صلاة الفجر، قيل: كل يوم يقول: إنما أسبح بقدر ذنبي.

    خطرات ذكري تستشير مودتي وأحس منها في القلوب دبيبا

    لا عضو لي إلا وفيه صبابة فكأن أعضائي خلقن قلوبا

    يا من يذكرني بعهد أحبتي طاب الحديث بذكرهم ويطيب

    أعد الحديث علي من جنباته إن الحديث عن الحبيب حبيب

    ملأ الضلوع وفاض عن جنباتها قلب إذا ذكر الحبيب يذوب

    ما زال يخفق ضارباً بجناحه يا ليت شعري هل تطير قلوب

    إيثار محاب الله على محابك

    السبب الرابع: إيثار محاب الله على محابك عند غلبات الهوى، والتسلم إلى مراقيه وإن صعب المرتقى إلى محابه:

    إذا عرض لك أمران أمر فيه محبة لله عز وجل، وأمر فيه حظ نفسك، فابدأ بحق الله أولاً، كما قال المحاسبي : البصير الصادق لا يبالي ولو خرجت كل محبة له من قلوب الخلق في سبيل أن يصلح ما بينه وبين مولاه قيد أنملة.

    انظر إلى الناس فامقتهم كلهم في جنب الله عز وجل، ثم انظر إلى نفسك تكون أشد مقتاً لها، راع حق الله عز وجل، انظر إلى خليل الرحمن إبراهيم يرزق الولد على الكبر، فتتعلق شعبة من قلبه بحب ابنه، وهذا شيء جبلي وفطري وغريزي، والله عز وجل يغار على قلب خليله، وهذه للخليل ليست لغيره، والله يغار على قلب خليله أن يسكن إلى غيره، فأمره بذبح الغلام.

    فلما تحقق صدق عزمه وهم بذبح الغلام حصل المقصود، وطرد المزاحم من قلب الخليل! فأقر الله عينه بولده مثلما قرت عينه بالله عز وجل، سيدنا إبراهيم يأتي برضيعه وبزوجه إلى جبال فاران موضع مكة الآن، تقول له زوجته: يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ يقول لها: نعم، تقول: إذاً فلن يضيعنا، كلمات يعجز عنها كل من في الدنيا وقد قالتها امرأة مصرية! الذين يريدون أن يفتخروا بصعاليك الفراعنة نقول لهم: افتخروا بـأم إسماعيل ، هي الطهر كل الطهر، خطواتها جعلها الله ركناً من أركان الحج، هذا ما أورثتكموه أم إسماعيل بصدقها، الخطوات التي مشتها بين الصفا والمروة والهرولة جعلها الله ركناً من أركان الحج لا ينعقد الحج إلا به، بصدق المرأة.

    فما ظنك بالرجال! سيدنا إبراهيم لم يتلكأ، ولم يضطرب، والله عز وجل يأمره بترك ولده الرضيع، وبترك زوجه، أنت الآن عندك ثلاجة اثنا عشر قدماً، وتضع فيها لحمة في الفريزر قدر جمل، ولا تقنع بهذا!

    عندك أكلك وشربك وفي نعمة مرتاح فيها، أما أنت يا هاجر في مكة بين الهجير والحر، إلى من وكلكما إبراهيم؟ إلى الله، وكلكما إلى خير كافل، لا تخشي الضيعة إن الله لا يضيع أهله.

    يأمره الله عز وجل بذبح ولده في رؤيا منامية، ورؤيا الأنبياء حق ووحي، ولم يتلكأ ولم يضطرب، ويأمره بأن يباشر هو بنفسه عملية الذبح، وهذا مشهد عظيم لم يتكرر ولن يتكرر، منارة عالية من منارات الإيمان والتضحية والتسليم لأمر الله عز وجل، جعلت من يوم النحر أعظم يوم عند الله عز وجل، أعظم أيام الدنيا، يأمره الله عز وجل بذبح ولده، فيباشر ويهم ببدء عملية الذبح.

    ولكن يريد أن يرفع ابنه إلى درجة الإيمان وحلاوته حتى يتذوقه، فقال له: يا بني! إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟! قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    الشيخ سيد قطب رحمه الله يقول: قد يندفع المجاهد في المعركة ليخفي جبنه وهلعه وخوفه؛ لأنه لو قعد وفكر قليلاً فيمكن أن ينكص على عقبيه، فلم يكن الأمر عند سيدنا إبراهيم اندفاعاً من أجل أن يخلص من الضغط النفسي بذبح ابنه، هذا يريد أن يكون على طمأنينة وتريث، يريد أن يذوق جمال التسليم لأمر الله عز وجل، هو وابنه.

    فما كل عين في الحبيب قريرة

    فدينك عرضك، دينك لحمك، دينك دمك، إن كان هذا الكلام كبيراً علي وعليك، فيبقى مقالة أبي حازم الأعرج حيث قال: قد رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، إن الرجل إذا اتسع خرق نعله قام ليصلحه.

    نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

    العلامة ابن القيم يقول: إيثار الله على غيره، وهذا مقام كان الأوحد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، آثر الله، وآثر محاب الله عز وجل على من سواه.

    مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته

    السبب الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته:

    قال العلامة ابن القيم : وهذا أشرف أنواع العلوم وأجلها على الإطلاق، تدبرك ومعرفتك، والمعرفة أخص من العلم؛ لأنها إدراك العلم بعد تفكر وتدبر، المعرفة يا إخوة فعل القلب، روى الإمام البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) قال: المعرفة فعل القلب، فرق بين المعرفة والعلم، إنها علم مقرون بعمل.

    تدبر أن لك رباً استوى على العرش يدبر أمر الممالك، يأمر وينهى، يعز ويذل، يداول الأيام بين الناس، يقلب الليل والنهار، له الملك كله، وله الحمد كله، وإليه يرجع الأمر كله، قلوب العباد إليه مفضية، والغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم ما كان وما هو كائن، وما لم يكن لو كان كيف يكون، هو أحق من حمد، وأولى من شكر، وأرأف من ملك، وأعز من استنصر، ينادى على باب عزته، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويصاح على محجة حجته: لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:84] ينزل جاسوس علمه مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7] يترنم وينشد بفضله لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] يقول سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] .

    وباب الأسماء والصفات سيدنا الشيخ فوزي بحر، له خطب كثيرة في هذا الباب.

    ثم بعد ذلك مطالعة ومشاهدة نعم الله عز وجل وبره وآلائه وإحسانه، فمن رحمة الله عز وجل أن الإسلام لا يشترى، يعني: لو كان الإسلام يشترى مثل الشقق، فلن يحصل عليه كثير من الناس، يعني: لو ثبت أن الإسلام يشترى بعشرين ألف جنيه، لكان كثير من الناس سيفوتهم الإسلام.

    ولو سوينا مسابقة في العقول، والذي يبقى له نسبة (60%) يكون مسلماً، لكان هناك أناس كثيرون سيفوتهم، لأنهم لا يفهمون النصوص والأحكام.

    رجاء الجارودي يبحث عن الإسلام مدة سبعين سنة، ولما دخل الإسلام دخل من باب وحدة الأديان، وأنت -ولله الحمد- تموت على ما ماتت عليه عجائز نيسابور، رحمة من الله تبارك وتعالى أن أرسل إليك رسوله، فالله أخبر بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، وأنزل إليك كتابه، وأعطاك مئونة السفر إلى الجنة، وأعطاك سمعاً وبصراً وفؤاداً، وطرد إبليس من جنته إذ لم يسجد لأبيك وأنت في صلبه:

    كم عدو حط منك للذنب فرقاك؟

    كم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك؟

    كم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك؟

    أعطاك أيتها النفس ما لم تأملي، وبلغك ما لم تطلبي.

    كل هذا من نعم الله عز وجل، غير النعم الموجودة في الكون من تسخير الكائنات والحيوانات، فإنه سخر الإبل حيث إن الطفل الصغير يذهب بالجمل إلى المزارع ثم يعود به، ولكن لم يسخر لك الثعبان فلا تستطيع أن تلمسه، ولم يسخر لك الذئب فلا تستطيع أن تأتي بالذئب وتدخله بيتك مثل الجمل.

    هذه من نعم الله تبارك وتعالى، وهي نعم كثيرة يعطيها لك الله تبارك وتعالى، يقيم الصالحين من عباده وأنبيائه يستغفرون لك وأنت لم تخلق بعد، سيدنا إبراهيم يدعو لك، وسيدنا نوح يدعو لك، حيث قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28].

    سيدنا رسول الله يدعو لك، قال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19] من أنت؟! ما قدرك؟! أنت إذا بعدت عن طريق الله عز وجل لا تساوي حشرة في ملك الله، فالنحلة أعلم بما يخرج من بطنها، وأنت أعلم بما يخرج من بطنك.

    فما الذي بعد ذلك إلا انكسار القلب وذله بين يدي الله عز وجل.. وإخبات القلب على عتبة العبودية، أن تفنى عن حقك وعن قدرك، أن تنظر إلى نفسك بعين النقص وإلى مولاك بعين الكمال، تقول لله عز وجل: أسألك بغناك عني وفقري إليك، أسألك بعزك وذلي، إلا رحمتني، هذه ناصية خاطئة كاذبة بين يديك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل.

    ترى أن ما حباك الله تبارك وتعالى إنما هو محض منة وفضل منه عز وجل، وأنك بالله لا بنفسك: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21].

    الخلوة بالله في أوقات الإجابة

    السبب السادس: الخلوة بالله عز وجل في وقت تنزل الله، وقيام الليل بين يدي الله عز وجل، والتأدب بمناجاته:

    إنما قالوا التهجد فيه أسرار عجيبة في فؤاد المتعبد طعم أذواق غريبة

    وإذا طال التسجد هبت الريح الرطيبة

    وأذان من بلال ادخلوها آمنين فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعين

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

    هذا الإمام الأوزاعي دخلت إحدى الجارات في بيته في الصباح فوجدت بللاً في مصلاه، فعاتبت زوجته فقالت لها: ثكلتك أمك تركت الصبيان حتى بالوا في مصلى الشيخ! قالت: ما هذا بول الصبيان، إنما هذا من أثر دموع الشيخ وهو يبكي في الليل.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم).

    مجالسة المحبين الصادقين

    السبب السابع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم:

    فهذا دواء من أدوية القلب، كما قال إبراهيم الخواص، وإذا كان مجرد أنك تعرف كتبهم وهم موتى فيحيي الله عز وجل قلبك -ومن ذلك عندما تقرأ كلام الإمام ابن القيم أو ابن رجب أو ابن الجوزي أو غيرهم- فما ظنك برؤية وجوههم.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى برؤيتهم) حسنه الألباني.

    الصالحون عندما تقعد معهم تتأدب بآدابهم، وإن شيخك من حدثك بلحظه قبل أن يحدث بلفظه، ومن لم ينتفع بسمت العالم لا ينتفع بعلمه.

    يقول الإمام ابن المبارك: طلبنا الأدب عندما فاتنا المؤدبون.

    فلا بد من الجلوس مع المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم.

    قطع كل سبب يحول بينك وبين الله

    السبب الثامن: مباعدة كل سبب يحول بينك وبين الله عز وجل، وقطع جميع العلائق والعوائق:

    أيُّ شيء يقطعك عن الله عز وجل فاقطعه، وكذلك أي شخص يضيع عليك وقتك وعمرك.

    احذر الفوت في هذه الدنيا وضياع الوقت، فإن الفوت أشد من الموت، فإن الموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، أما الفوت فإنه يقطعك عن الله والدار الآخرة؛ ولذلك جاء أناس إلى معروف الكرخي فأطالوا عنده الجلوس، فقال: إن ملك الشمس يسوقها فما تريدون القيام؟

    وكان داود الطائي يسف خبزه سفاً ويقول: بين السف والمضغ خمسون تسبيحة.

    قاطع الطريق من الدنيا يقطع جيبك، أما قاطع الطريق إلى الله عز وجل وإلى الدار الآخرة فإنه يقطع ما بينك وبين الله عز وجل، فإياك وأهل الغفلات! اصحب من يحملك في سيرك إلى الله عز وجل، لا من تحمله، كما يقول العلامة ابن القيم:

    ولا تتخذ في السير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

    الزهد في الدنيا

    السبب التاسع: الزهد في الدنيا:

    جاء في حديث سهل بن سعد الذي رواه الإمام البيهقي والطبراني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).

    لو طلبت الدنيا بأسرها فهي حقيرة، كأنك تركت شيئاً أقل من جناح البعوضة، وأشد الزهد في الدنيا قصر الأمل، وزهدك في نفسك وفي الرئاسة، إن الرجل قد يزهد في المال والطعام، ولكنه لا يزهد في الجاه ولا في الرئاسة.

    الدنيا حقيرة، ووحل مستنقع آسن، حياة تليق بالديدان والحشرات والهوام والزواحف والسباع، حياة لا تليق بمن شبوا عن الطوق، الحياة الدنيا لعب، الذي يريد السباق والغلاب وطلاب الآخرة فأمامه أفق عريض، وغاية تستحق الغلاب، وهو ما عند الله عز وجل، أما الدنيا فهي أسيفة فلا تركنوا إليها.

    الإخلاص والصدق مع الله والإحسان والمراقبة والرفق والرحمة

    السبب العاشر: الإخلاص:

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي)، لابد أن يكون للعبد خبء من عمل صالح بينه وبين الله عز وجل لا يطلع عليه أحد.

    السبب الحادي عشر: الصدق؛ فقد قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

    سئل الإمام أحمد عن الصدق والإخلاص فقال: بهذا ارتفع القوم.

    السبب الثاني عشر: الإحسان، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] فمن أحب الله فعله أحب ذاته، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    الأسباب الثالث عشر إلى الخامس عشر: المراقبة لله تبارك وتعالى، والرفق والرحمة:

    إن الله رفيق يحب أهل الرفق، فهذا حديث صحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله).

    وقال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    وقال: (إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء).

    ولا بد أن تكون عالي الهمة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها).

    لا تقل لي: نادي الأهلي عمل في تونس كذا أو عمل في أدغال أفريقيا..، أين الناس المجانين الذين يركبون السيارات الصفراء أو الحمراء، ومعهم أعلام حمراء وبيضاء، ويشغلون (الكوتشات) في الشارع؟! يا سبحان الله! هؤلاء حجروا على عقولهم والله، وبعضهم يصرف في شريط أغان سبعة جنيهات، شريط أغان كلها تافهة! اسمها: من سرق العمود! يأتيني شخص يبيع الشريط بسبعة جنيهات، والناس يسبونه كيف تستمع إلى شريط مثل هذا وفيه مزامير، فأين أنت من مزامير القرآن؟

    حسن الخلق والجود والكرم

    السبب السادس عشر: حسن الخلق:

    إن الله يحب معالي الأخلاق وأشرافها، ويكره سفسافها، وأثقل شيء في الميزان حسن الخلق، كما قال سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

    السبب السابع عشر: الجود والكرم:

    يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله جواد يحب الجودة، وكريم يحب الكرماء).

    وفي هذه الأيام تجد اليتامى والمساكين والفقراء محتاجين إلى الطعام.. إلى اللحم.. فماذا ستؤكلونهم أنتم؟! وهذا المسجد ولله الحمد يعطي الفقراء واليتامى والمساكين، فساعدوا أهل هذا المسجد، أعط على الأقل خروفاً، أنزل اليتامى هؤلاء منزلة ابنك بعد أن فقدوا العائل، ولا تدري ما يصنع الله في الأيام!

    فحاول بقدر الإمكان أن تنفق عشرة جنيهات.. عشرين جنيهاً.. ثلاثين جنيهاً، فإنها تصل إلى أيد أمينة، وستذهب إلى أهلها: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال سرور تدخله على مسلم، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً)، وفي رواية: (أو تطعمه خبزاً).

    المتابعة

    السبب الثامن عشر: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

    قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    فالمتابعة تعطيك صفة المحب لله عز وجل، وهي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، والعبد يسير بين هجرتين، هجرة إلى الله عز وجل، وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: (وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في).

    التواضع والحياء

    حب صحابة رسول الله

    السبب الحادي والعشرون: حب الأنصار وحب صحابة رسول الله:

    كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب حسيناً أحبه الله).

    (يعجب ربك من شاب ليس له صبوة)، يعني: يترك شهواته ويوقف روحه لله تبارك وتعالى.

    وأيضاً ورد في القرآن: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، والدعوة إلى الله عز وجل طهارة كاملة: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4].

    الداعية يحتاج إلى كمية كبيرة من الطهارة؛ حتى يغوص في الوحل لينقذ من تنجسوا بدون أن يصيبه رذاذ من النجاسة، فعندما يخالط الملوثين بدون أن يتلوث، فإنه يحتاج إلى طهارة كاملة، طهارة حسية وطهارة معنوية: (إن الله جميل يحب الجمال).

    والله تبارك وتعالى يحب المتوكلين، والله تبارك وتعالى يحب التوابين، والله تبارك وتعالى يحب المتقين، والله تبارك وتعالى يحب الذين يجاهدون في سبيله صفاً كأنهم بينان مرصوص، والله تبارك وتعالى يحب من يصبر على أذى جاره، حتى يفرق بينهما طعن أو موت، فهذه أسباب -ذكرناها ليست على التفصيل- جالبة لحب الله تبارك وتعالى إياك.

    سئل الجنيد عن المحبة فقال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفا شربه من كأس وده، إن تكلم فعن الله، وإن سكت فمع الله، وهو لله وبالله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا سيد العارفين.

    هناك كتاب قيم لسيدنا الدكتور السيد العربي، فيه كلمات البخاري في العقيدة، فاحرصوا على اقتناء هذا الكتاب، ولقد رخص حتى يشتريه الجميع، فأقبلوا عليه.

    اللهم ارزقنا حبك، وحب من أحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم وما رزقتنا مما نحب فاجعله قوة لنا فيما تحب، اللهم وما زويت عنا مما نحب فاجعله لنا فيما تحب، اللهم أحي قلوبنا بحبك، واجعل سعينا كله خالصاً لوجهك الكريم، رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين، مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم اجعلنا جنداً لدينك، اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عليك، بغض إلينا سعة أكلنا وشربنا ونومنا، وارزقنا سهراً في طاعتك، واكفنا من النوم باليسير، اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، وحظ النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، عرفنا وجه نبينا في رضوانك والجنة، واحشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا مبدلين ولا شاكين، ولا مفتونين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.