إسلام ويب

برد السماء في فضل الرحمة والرحماءللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رحمة الله وسعت كل شيء، وأحاطت بكل حي، لا يعدها عدد، ولا يصدها حد، آثارها على الإنسان معروفة موجودة، وفي كل شيء ليست مفقودة. وقد ذكر الله الرحمة في كتابه وأطلقها على عدة معانٍ تتجلى من خلالها سعة رحمة الله عز وجل، وقد وردت الكثير من الأحاديث، والغزير من الآثار والتي تحث على الرحمة والعمل بها منهجاً في الحياة.

    1.   

    معاني الرحمة

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    الرحمة لغة: الرقة والعطف والرأفة، يقال: رحمه يرحمه إذا رق له وعطف عليه، والرحم والمرحمة والرحمة يقال: رجل مرحوم ومرحم، والرُّحم بالضمة، الرحمة، كما قال أهل العلم، رحمهَ رحماً ورُحماً ورَحمةً ورُحمة كما قال سيبويه.

    الجنة رحمة

    ولقد أطلق الله عز وجل الرحمة في كتابه على أكثر من معنى، فسمى الجنة رحمة، قال الله تبارك وتعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:107]، أي: ففي جنة الله هم فيها خالدون، وقال الله تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت:23]، والجنة أعظم الرحمات، ففي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)، فالجنة رحمة يأمن فيها الناس من الخوف ويأمن فيها الناس من الحزن، هي دار السلام يدخلها الملائكة على عباد الله عز وجل من كل باب، قال تعال: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    قال الله عز وجل: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا [الواقعة:25-26]، وآخر من يخرج من النار يقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار لا أسألك شيئاً غير ذلك، فكيف إذا أدخله الله عز وجل دار رحمته ورضوانه؟

    الإسلام رحمة

    والإسلام رحمة، قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:105]، وقال تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى:8] فقد كان الإسلام رحمة للعالمين، إذ أنقذهم الله من ذل العبودية لغير الله عز وجل، كما قال ربعي بن عامر: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ذل الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44] يعني: رفعة لك ولقومك.

    إذا أنت غُمَّت عليك السماء وضلت حواسك عن صبحها

    فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها

    وقبل أن يأتي الإسلام كان سابور ذو الأكتاف قد قتل من العرب خمسين ألفاً بنزع أكتافهم، حتى سمي سابور ذو الأكتاف ، فقد كان العرب رعاة شياه وماعز لا شأن لهم في الأرض ولا ذكرى، فرحمهم الله عز وجل بالإسلام.

    والإيمان رحمة، قال الله تبارك وتعالى: إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28]، فالإيمان رحمة فما يعطيه الله تبارك وتعالى للعبد المؤمن من ذوق طعم الإيمان، ووجدان حلاوته، والفرح والسرور بالله تبارك وتعالى، وبما يغرس في قلبه من بساتين الطاعة قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    يقول ابن القيم: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها القلب طرباً ويقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.

    ويقول ابن تيمية: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي.

    ويقول ابن القيم: من قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن اشتاق إلى الله عز وجل اشتاقت إليه جميع الأشياء، ومن أنس بالله عز وجل أطاب به كل خبيث، وأنس به كل مستوحش.

    النبوة رحمة

    والنبوة رحمة، قال الله عز وجل: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف:32]، فالرحمة هنا بمعنى النبوة، فقد أتت النبوة رحمةً للعالمين، قال الله عز وجل لنبيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وكأن النبوة كلها قد حصرت في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباد، أن يبين لهم طريق الخير فيتبعوه وطريق الشر فيجتنبوه، كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله: خلقت النار رحمة يخوف الله بها عباده لينتهوا.

    فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر الناس من النار ويرغبهم في الجنة، هل بعد ذلك من رحمة؟

    القرآن رحمة

    والقرآن رحمة قال الله تبارك وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    قال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته الإسلام. وقال ابن عباس : فضل الله الإسلام ورحمته القرآن، قال الله عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، فالقرآن رحمة حفظ الله به حقوق الناس ورحم العباد بدستوره العلوي الذي لا يظلم مثقال ذرة، فرحمهم من ظلم الطواغيت:

    عجت فروج الناس ثم حقوقهم لله بالبكرات والآصال

    كم تستباح بكل شرع باطل لا يرتضيه ربنا المتعال

    والكل في قعر الجحيم سوى الذي يقضي بحكم الله لا لنوال

    أو ما سمعت بأن ثلثيهم غداً في النار في ذاك الزمان الخالي

    وزماننا هذا وربك أعلم هل فيه ذاك الثلث أم هو خالي

    أتى القرآن رحمةً للناس، ورفعهم إلى آفاق ما كانوا يتطلعون إليها، فقد رفعهم من مستنقع الجاهلية الآسن ومن حمأ الأرض المسنون ومن الطين والوحل، ووضعهم في مصاف تتقطع دونها أعناق الملائكة، رحم الله عباده بالقرآن إذ وضع لهم ميدان الناس الحقيقي، ومقادير الناس عنده تبارك وتعالى، فإن توهم ذو الدنيا أن جنته في الدرهم والدينار والقصر المنيف والزوجة الحسناء، فعند الله عز وجل قيم ومعايير أخرى، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    المطر والرزق والعافية رحمة

    وسمى الله عز وجل المطر رحمة، قال: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [النمل:63]، وقال الله عز وجل: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ [الروم:50]، فيرحم الله تبارك وتعالى عباده بالمطر، ولولا الشيوخ الركع والأطفال الرضع لصب الله تبارك وتعالى العذاب صباً.

    كان مالك بن دينار رحمه الله يقول: أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطئ نزول الحجارة.

    كان أحد الصالحين يرفع يديه إلى السماء في الاستسقاء ويقول: اللهم لا تهلك بلادك بذنوب عبادك. وفي الأثر: أن الأرض وهوامها تقول: لعن الله ابن آدم منعنا القطر بشؤم معصيته.

    والرزق رحمة، قال الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10]، وقال الله عز وجل: يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [الكهف:16]، أي: من رزقه، والنعمة رحمة، قال الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21].

    والعافية رحمة، قال الله عز وجل: أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر:38].

    1.   

    تابع معاني الرحمة

    والنصر رحمة، قال الله عز وجل: إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً [الأحزاب:17]، كما جاء في سورة الأحزاب.

    فالنصر رحمة والهزيمة ذل ودمار وعار وشنار، انظر إلى الجندي المسلم حين يقع أسيراً في يد الرجل التتري فيقول له التتري: امكث ههنا حتى آتيك بحجر لأقتلك به، وكثير منا شاهد الجندي العراقي وهو يقبل قدم الجندي الأمريكي في حرب الخليج في عاصفة الصحراء حتى لا يقتله، وتتناقلها وكالات الأنباء.

    يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمركب الشهبا

    فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا

    فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا

    ورقة القلب رحمة، قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً [الحديد:27]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أردت أن يلين قلبك وتدرك حاجتك، امسح رأس اليتيم وادنه منك وأطعمه من طعامك واسقه من شرابك).

    والمنة رحمة، قال الله عز وجل: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:46].

    ومغفرة الذنوب رحمة، قال الله تبارك وتعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

    والسعة في الأمور الشرعية والأحكام الفقهية رحمة، قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:178].

    والمودة رحمة، قال الله تبارك وتعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم [الفتح:29]، لا تكتمل الصحبة حتى تقول لأخيك: يا أنا.

    يا من تنهش في أحشائي!

    يا من أنت جزء من أجزائي!

    يا من تبدو للجهال كأنك دائي!

    إني أعلم أنك حتماً فيك شفائي

    قل لي: هل يأتيك ندائي؟

    إنك مني أنت كأني

    لست أرائي

    أنت كأني حين شقائي

    حين جهلت طريق إلهي

    من عند الألف إلى الياء

    حين تصورت الدنيا حسي وغذائي وكسائي

    إنك مسلم تشهد أن إلهك واحد

    إنك فيها من شركائي

    لكنك دوماً تطعنني

    من خلفي في كعب حذائي

    حين أراك تقوم بهذا

    يغرقني خجلي وحيائي

    ووشاة القوم إذا بانوا

    تشري الطعنة في أحشائي

    قل لي هل يأتيك ندائي؟

    العزة عند إلهي

    ليس العز دمي وبكائي

    وغداً من قواك يميتك

    إن أنت أهملت ندائي

    والعصمة من الذنوب رحمة، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53].

    وطول العمر رحمة، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا [الملك:28]، يعني: مد في آجالنا وأطال أعمارنا.

    وقال الله تبارك وتعالى: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]، بعض العلماء قال: الرحمة هنا: هي الولد، فهذه هي المعاني التي ذكرت فيها الرحمة في القرآن الكريم.

    ومن أسماء الله عز وجل: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، وهما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمن خاص بالله لا يسمى به غيره، ورحمن أبلغ من رحيم، والرحيم يوصف به غير الله عز وجل، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمن، والرحمة من صفات الذات لله تبارك وتعالى، والرحمن: ذو الرحمة الشاملة للخلق، والرحيم خاص بالمؤمنين.

    يقول العلامة ابن القيم : من رحمته سبحانه ابتلاء الخلق بالأوامر والنواهي، رحمة لهم وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، ومن رحمته أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إليها بسياق الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم، ومن رحمته بهم أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به، ومن رحمته أن أنزل لهم كتباً وأرسل إليهم الرسل، ولكن الناس افترقوا إلى فريقين:

    فأما المؤمنون فقد اتصل الهدى في حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى ورحمة، وأما الكافرون فلم يتصل الهدى بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى بلا رحمة، وهذه الرحمة المقترنة بالهدى في حق المؤمنين رحمة عاجلة وآجلة.

    فأما العاجلة فبما يعطيهم الله تبارك وتعالى من ذوق طعم الإيمان ومحبة الخير والبر ووجدان حلاوة الإيمان.

    وأما الرحمة الآجلة فهي سكناهم في جواره وفي دار رحمته، ومن عظم الرحمة عند الله تبارك وتعالى أن الله كتب كتابها بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب بنفسه يوم خلق السماوات والأرض كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي).

    1.   

    أحاديث تحث على الرحمة وترغب فيها

    وهناك آيات وأحاديث كثيرة في فضل الرحمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين).

    ومن رحمته صلى الله عليه وسلم قوله: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي النار فجعلت أتأخر رهبة أن تغشاني، ورأيت امرأة حميرية سوداء طويلة تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني نهيت عن قتل المصلين).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أهل السنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسك خفه بفيه ثم رقى، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، ثم قال صلى الله عليه وسلم: في كل كبد رطبة أجر).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما كلب يصيح بركية كاد يقتله العطش جاءته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فغفر لها).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من مثل بالحيوان).

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالصبيان والعيال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة).

    وفي الحديث: (أن رجلاً فرق بين امرأة من السبي وبين ولدها فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده عليها، ثم قال: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم لا يرحم ومن لا يغفر لا يغفر له ومن لا يتب لا يتب عليه).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دمعت عينه لما مات ابن ابنته: (هذه رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والشاة إن رحمتها يرحمك الله) قاله لرجل يذبح شاة ويرحمها.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمثلوا بالبهائم).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي).

    وفي الحديث: (أنه أتى إليه رجل ورآه يقبل حفيداً من أحفاده قال: يا رسول الله! إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم قط، قال: وما أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة؟!).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الأمة مرحومة جعل الله عذابها بينها، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل منهم رجلاً من أهل الأديان، فقال: هذا يكون فداؤك من النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل أحداً الجنة عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تؤمنوا حتى ترحموا قالوا: كلنا رحيم يا رسول الله! قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس ورحمة العامة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم عليها).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53])، وإسناد هذا الحديث حسن.

    وقال سول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب).

    وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما قيل له: يا رسول الله! ادع على المشركين فقال: (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجود في صلاتي كراهية أن أشق على أمه).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي أو على الناس ما تخلفت عن سرية، ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه).

    ومن رحمته صلى الله عليه وسلم دعاؤه لمن عذبوه ولمن أرادوا قتله، قال: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً).

    1.   

    من مظاهر الرحمة

    من مظاهر الرحمة: رحمة الحيوان، وقد كان هناك في دولة الإسلام وقف للكلاب الضالة ينفق منه على الكلاب التي ليس لها صاحب، رحمة بها.

    وكان هناك أيضاً وقف في بعض البلدان الإسلامية وخاصة في المغرب يطلق عليه مؤنس الوحشان، وذلك أن الرجل الغريب إذا نزل بأرض أتاه رجل يسامره ويزيل عنه وحشة الغربة ويأخذ من هذا الوقف.

    ومن مظاهر الرحمة: بر الوالدين، فأنت تحب أولادك طبعاً فأحبب والديك شرعاً، وارع أصلاً ينبت لك فرعاً، وتذكر خصيب المرعى أولاً وأخيراً: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، كم من ليلة باتا معك إلى الفجر يداريانك مداراة العاشق في الهجر، والله! إنهما لن يرضيا لك غير الكف والحجر سريراً، وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، حياتهما عندك بقايا شمس، لا تشتاق لقاءهما ويشتاقان إلى لقائك، وإن لقيت منهما أذى شكوت شقاءك، والله! لقد سقياك حلواً وسقيتهما مريراً، وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24].

    وقال الله تبارك وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24].

    يقول الشاعر:

    زر والديك وقف على قبريهما فكأنني بك قد نقلت إليهما

    لو كنت هما وكانا بالبقاء زاراك حبواًلا على قدميهما

    أنسيت عهدهما عشية أسكنا دار البلى وسكنت في داريهما

    ما كان ذنبهما إليك وإنما منحاك محض الود من نفسيهما

    كانا إذا ما أبصرا بك علةً جزعا لما تشكو وشق عليهما

    كانا إذا سمعا أنينك أسبلا دمعيهما أسفاً على خديهما

    وتمنيا لو صادفا لك راحةً بجميع ما يحويه ملك يديهما

    فَلَتلْحقنَّهما غداً أو بعده حتماً كما لحقاهما أبويهما

    ولتندمنَّ على فعالك مثلما ندما هما أيضاً على فعليهما

    بشراك إن قدمت فعلاً صالحاً وقضيت بعض الحق من حقيهما

    من مظاهر الرحمة: صلة أهل رحمك، والرحم تأتي يوم القيامة وهي معلقة بقوائم العرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني.

    ومن مظاهر الرحمة: إكرام اليتيم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله عز وجل).

    ومن مظاهر الرحمة: العطف على الفقراء والمساكين والخدم، وانظر إلى سالم مولى أبي حذيفة وكان رجلاً صالحاً فزوجه أبو حذيفة من بنت أخيه الحرة القرشية بنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن مظاهر الرحمة: عيادة المرضى، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشيةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة).

    ومن مظاهر الرحمة أيضاً: التعاطف بين الإخوان والجيران، والشفاعة الحسنة، ولين الجانب للإخوان، قال الله تبارك وتعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله).

    ومن مظاهر الرحمة: العفو عن المسيء ورحمة النساء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هن عوان عندكم)، يعني: أسيرات عندكم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

    ومن مظاهر الرحمة: رحمة الصغار وانظر إلى مداعبة الرسول صلى الله عليه وسلم للطفل الصَّغير أبي عمير يقول عليه الصلاة والسلام: (يا أبا عمير ما فعل النغير).

    ومن مظاهر الرحمة أيضاً: رحمة العدو، وانظر إلى رحمة النبي بـثمامة بن أثال وقد كان من زعماء الجاهلية ومن صناديد الشرك، فلما رحمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم وحسن إسلامه.

    1.   

    نماذج للرحماء من الصالحين

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي أبو بكر)، ومن في الناس كـالصديق؟ فهو الإمام العظيم الذي كان يحلب شياه اليتامى.

    قال ابن الجوزي في التبصرة: لما استخلف الصديق أصبح غادياً إلى السوق، وكان يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة، فلما بويع قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا، فقال: بلى لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه، فهو إنسان عظيم انتهى إليه كل ما في الإسلام من حنان وعطف، قالت عائشة رضي الله عنها: أعتق أبو بكر رضي الله عنه سبعة ممن كان يعذب في الله عز وجل، منهم بلال وعامر بن فهيرة.

    وفاروق الإسلام ذو الرحمة السابقة وهو القوي الذي يرهبه ويخافه الشيطان، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقد حتى إذا كنا بصرار إذا نار، فقال: يا زيد! إني أرى ههنا ركباً ضربهم الليل والبرد انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم؛ فإذا امرأة معها صبيان وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون -يبكون ويصيحون- فقال عمر : السلام عليكم يا أصحاب الضوء! وكره أن يقول: يا أصحاب النار، فقالت: وعليكم السلام، فقال: أأدنو، قالت: أدن بخير أو دع، فدنا منها فقال: ما بالكم؟ قالت: ضربنا الليل والبرد، قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؛ قالت: الجوع، قال: أي شيء في هذا القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر ، قال: أي رحمك الله! وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا، قال زيد: فأقبل علي وقال: انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عجلاً من دقيق وقبةً من شحم وقال: احمله علي فقلت: أنا أحمله عنك، قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ لا أم لك، فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر ثم أنزلها، فقال: ابغيني شيئاً، فأتته بصحفة فأفرغها فيها، فجعل يقول لها: أطعميهم وأنا أصفح لهم، فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك وقام، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله، ثم تنحى ناحية عنها ثم استقبلها فربط مربطاً فقلت: لك شأن غير هذا، فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدئوا، فقال: يا أسلم ! إن الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت.

    وعن أنس بن مالك قال: بينا عمر رضوان الله عليه يعس بالمدينة، إذ مر برحبة من رحابها؛ فإذا هو ببيت من شعر لم يكن بالأمس فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلاً قاعداً فدنا منه فسلم عليه، ثم قال: من الرجل؟ فقال: رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟ فقال: انطلق رحمك الله لحاجتك، قال: علي ذاك ما هو؟ قال: امرأة تمخض، قال: هل عندها أحد؟ قال: لا، قال: فانطلق حتى أتى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما: هل لك في أجر ساقه الله إليك، قالت: وما هو؟ قال: امرأة غريبة تمخض ليس عندها أحد، قالت: نعم، إن شئت، قال: فخذي ما يصلح المرأة لولادتها من الخرق والدهن وجيئيني ببرمة وشحم وحبوب، قال: فجاءت به، فقال لها: انطلقي، وحمل البرم ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت فقال لها: ادخلي إلى المرأة، وجاء حتى قعد إلى الرجل، فقال له: أوقد لي ناراً فأوقد تحت البرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين! بشر صاحبك بغلام، فلما سمع بأمير المؤمنين كأنه هابه فجعل يتنحى عنه، فقال له: مكانك كما أنت، فحمل البرمة ووضعها على الباب، ثم قال: أشبعيها ففعلت، ثم أخرجت البرمة فوضعتها على الباب فقام عمر رضي الله عنها فأخذها فوضعها بين يدي الرجل، فقال: كل ويحك! فإنك قد سهرت من الليل، ثم قال لامرأته: اخرجي، وقال للرجل: إذا كان غداً فائتنا نأمر لك بما يصلحك، ففعل الرجل فأجازه وأعطاه.

    إنه أمير المؤمنين الذي تفتحت لأعلامه أقطار الدنيا، واستقبلت الدنيا دروسه كلها كأنها البشريات، تدك جيوشه معاقل كسرى وقيصر يؤرقه بكاء طفل ويزلزله حتى يشرق بالدموع وهو يصلي بالناس، تتولى زوجه في الهجيع الأخير من الليل أمر سيدة غريبة أدركها المخاض، يجلس هو خارج الكوخ ينضج لها الطعام، ويوقد تحت البرمة، هذا عمر منارة الله في الدنيا هديته إلى الحياة، على مائدة سيرته أطايب العظمة والرحمة، عبقري صحح مفاهيم الحياة، وأفرغ عليها نوراً من روحه، وكساها عظمة من سلوكه وكان للمتقين إماماً، أعظم آيات التفوق الإنساني، ونبوغ النفس، وبطولة الروح، وإعداد السلوك، هنا ترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا يكاد يخطر على قلب بشر.

    هنا العظائم تتفوق على نفسها ويزحم بعضها بعضاً، هنا عمر رضي الله عنه، هذا موقفه من الضعيف.

    و عثمان الأواب الرحيم التائب، كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت، عثمان الرحيم الذي تشع الرحمة في حياته نبراساً لكل تصرفاته العادية، والتي يتوقف عليها أمر الحياة والموت، كانت الرحمة نبراس تلك التصرفات جميعها!

    يغضب على خادم له يوماً فيفرك أذنه حتى يوجعه، ثم سرعان ما يدعو خادمه ويأمره أن يقتص منه فيفرك أذنه، فيأبى الغلام ويأمره عثمان فيطيع، ثم يقول: زد يا غلام! فإن قصاص الدنيا أرحم من قصاص الآخرة.

    عثمان رضي الله عنه الخليفة الطاعن في السن الذي يرفض أن يوقظ خادمه كي يعد له وضوءه، ويتحامل على شيخوخة مجهدة في إحضار الماء وإسباغ الوضوء.

    ولما اشتد حصار الثوار لداره قال للصحابة الذين تجمعوا حول داره ليواجهوا الثوار بالسلاح: إن أعظمكم عندي غناءً رجل كف يده وسلاحه، ويقول لـأبي هريرة وقد جاء شاهراً سلاحه مدافعاً عنه: أما إنك والله! لو قتلت رجلاً واحداً لكأنما قتلت الناس جميعاً، ويقول للحسن والحسين وابن عمر وعبد الله بن الزبير وشباب الصحابة الذين أخذوا مكانهم لحراسته: أناشدكم الله وأسألكم به ألا تراق بسبب محجم دم، لله درك يا عثمان ! رحمة جامعة تغطي بعطائها المقسط جلائل الأحداث وصغارها، للخادم منها حظه وحقه في أن ينعم براحة النوم، وإن أضنى الخليفة نفسه وشيخوخته في ظلمة الليل البهيم، ولقطرات الدم حظها وحقها في أن تنعم بالسلام والعافية، وإن كان بديل ذلك أن تزهق روح الخليفة الشيخ بيد معتد أثيم وغادر زنيم، توغلت الرحمة في حياته وفي سلوكه حتى اقتضته في آخر الأمر حياته نفسها فجاد بها، ولقد كان من الطبيعي لرجل وسعت رحمته الناس جميعاً أن تغطي رحمته ذوي القربى، قال علي رضي الله عنه: أوصلنا للرحم عثمان ، لقد كان عثمان في ذلك نشيجاً وحده.

    وانظر إلى عظم الرحمة عند عمر بن عبد العزيز وإلى رفقه بالحيوان، عن أبي عثمان الثقفي قال: كان لـعمر بن عبد العزيز غلام على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه يوماً بدرهم ونصف، فقال: ما بدا لك؟ قال: نفقت السوق، قال: لا، ولكنك أتعبت البغل، فأجمه ثلاثة أيام.

    وكتبت إليه امرأة مسكينة تسمى فرتونة السوداء من الجيزة بمصر: أن لها حائطاً متهدماً لدارها يتسوره اللصوص ويسرقون دجاجها، وليس معها مال تنفقه في هذا السبيل، فيكتب عمر إلى واليه على مصر أيوب بن شرحبيل : من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أيوب بن شرحبيل سلام الله عليكم، أما بعد: فإن فرتونة السوداء كتبت إلي تشكو إلي قصر حائطها وأن دجاجها يسرق منه وتسأل تحصينه لها، فإذا جاءك كتابي هذا فاركب بنفسك وحصنه لها، وكتب إلى فرتونة : من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء سلام الله عليك أما بعد: فقد بلغني كتابك وما ذكرته فيه من قصر حائطك حيث يقتحم عليك ويسرق دجاجك، ولقد كتبت إلى أيوب بن شرحبيل آمره أن يبني لك الحائط حتى يحصنه مما تخافين إن شاء الله.

    يقول ابن عبد الحكم راوي هذه القصة الباهرة: فلما جاء الكتاب إلى أيوب بن شرحبيل ركب بنفسه حتى أتى الجيزة، وظل يسأل عن فرتونة حتى وجدها فإذا هي سوداء مسكينة، فأعلى لها حائطها:

    كم من شريعة حق قد نعشت لهم كانت أميتت وأخرى منك تنتظر

    يا لهف نفسي ولهف الواجدين معي على العدول التي تغتالها الحفر

    لو أعظم الموت خلقاً أن يوقعه لعدله لم يصبك الموت يا عمر

    ويقول القائل:

    أقول لما نعى الناعون لي عمر لا يبعدن قوام الحق والدين

    لم تلهه عمره عين يفجرها ولا النخيل ولا ركض البراذين

    قد غادر القوم في القبر الذي لحدوا بدير سمعان قسطاس الموازين

    عن الأوزاعي قال: شهدت جنازة عمر بن عبد العزيز ؛ ثم خرجت أريد مدينة قنسرين، فمررت على راهب فقال: يا هذا أحسبك شهدت وفاة هذا الرجل، قال: فقلت: نعم، فأرقى عينيه فبكى فقلت له: ما يبكيك ولست من أهل دينه، فقال: إني لست أبكي عليه، ولكن أبكي على نور كان في الأرض فانطفأ. ولما مات أذهل موته إمبراطور الروم، قال: والله! مات ملك عادل ليس لعدله مثيل، مات الرجل الصالح، لأحسب أنه لو كان أحد يحيي الموتى بعد عيسى بن مريم لأحياهم عمر بن عبد العزيز .

    هذه رحمة عمر بن عبد العزيز بالناس، أين هو ممن وسع الله تبارك وتعالى عليهم في المال، فيعقدون المسابقات في جمال الديكة، ويباع أجمل ديك بخمسة آلاف دينار وخمسمائة دينار، وتباع بيضة الحمامة بألف دينار -يعني: بعشرة آلاف جنيه- بل وتباع الحمامة بسيارة مرسيدس ما يوازي عشرين ألف دينار، ماذا نقول وأطفال المسلمين يُنَصَّرون في الصومال بأكياس من دقيق، وأطفال كوسوفو والبوسنة والهرسك لا يجدون ما يستر عورتهم.

    1.   

    موجبات الرحمة

    أما موجبات الرحمة: من ذلك رحمة الناس يقول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن:14]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض)، وقال الله تبارك وتعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14]، ولقد قال الله تبارك وتعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، حتى رحمة الخلائق كلها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من إمام أو والٍ يوليه الله تبارك وتعالى إمارة فيغلق بابه دون ذوي الخلة والحاجة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون حاجته ومسكنته وفقره يوم القيامة).

    ومن موجبات الرحمة: ذكر الله تبارك وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده).

    تضيق بنا الدنيا إذا غبتم عنا وتزهق بالأشواق أرواحنا منا

    بعادكم موت وقربكم حيا ولو غبتم عنا ولو نفساً متنا

    نعيش بذكراكم ونحيا بقربكم ألا إن تذكار الأحبة ينعشنا

    ومن موجبات الرحمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الله عز وجل: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71]، وانظر إلى الرجل العظيم الصالح الذي كان سبباً في نصرة الجيش الإسلامي المصري على جنود الصليبين عز الدين بن عبد السلام ، لما تحالف سلطان دمشق مع الفرنجة وأجاز بيع السلاح لهم، وقف هذا العالم على منبره وحرم بيع السلاح لهم، وقطع خطبته الحاكم، ومنعوه من الخطابة، ثم أرادوا أن يساوموه على دينه، فيرسل السلطان وزيره آملاً أن يستجيب عز الدين بن عبد السلام قال: إن سلطاننا يرضى منك أن تقبل يده على الملأ، فتعجب عز الدين بن عبد السلام وقال: يا سبحان الله! أنتم في واد وأنا في واد آخر، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، والله! ما أرضى لسلطانكم أن يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل أنا يده.

    ولما جاءت جيوش الفرنجة حبسه سلطان دمشق في خيمة بجواره، فتهدد عز الدين بن عبد السلام وهو يرفع صوته بالقرآن، فقال سلطان دمشق لكبير ملوك الفرنجة: أترون هذا الرجل الذي تسمعون قراءته للقرآن، هذا أكبر قسيسي المسلمين أفتى بحرمة بيع السلاح لكم فكافأته بالسجن، فقال: والله! لو كان هذا القسيس عندنا لغسلنا رجليه ولشربنا مرقته.

    ومن موجبات الرحمة: تعليم الناس الكتاب والسنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير)والصلاة من الله رحمة.

    ومن موجبات الرحمة: السحور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته ليصلون على المتسحرين)لما فيه من مخالفة لأهل الكتاب من النصارى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر).

    ومن موجبات الرحمة: مسارعة الرجل للصلاة في الصف المقدم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم).

    أيضاً من موجبات الرحمة: عيادة المرضى، فإن الرجل إذا زاد أخاً مريضاً له صلى عليه سبعون ألف ملك واستغفر له سبعون ألف ملك حتى يمسي.

    ومن موجبات الرحمة: رحمة البهائم، ورحمة البنات والإحسان إليهن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من عال جاريتين كنت أنا وهو كهاتين).

    ومن موجبات الرحمة أيضاً: العطف على اليتيم، والجهاد في سبيل الله عز وجل، والهجرة، والاستماع للقرآن الكريم، والاتباع والتقوى والصبر على المرض.

    1.   

    ما يضاد الرحمة والرحماء

    ويضاد الرحمة قسوة القلب فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله آنية في الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها).

    وهناك أناس لعنهم الله تبارك وتعالى وطردهم من رحمته وممن لعنهم الله ولعنهم رسوله صلى الله عليه وسلم إبليس، كما قال الله عز وجل: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر:35]، والشياطين.

    ومن أتى البهائم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من أتى البهائم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من مثل بالحيوان) وفي الحديث: (ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم شارب الخمر وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها)، وحديث: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وحديث: (ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش) وحديث: (ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذبح لغير الله ومن غير تخوم الأرض ومن كمه أعمى عن السبيل ومن عق والديه ومن عمل عمل قوم لوط)، ولعن الله قاطع الرحم، ولعن الله الكافرين والمنافقين والظالمين والكاذبين.

    وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]، ولعن الذين يرمون أزواجهم، ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات، ولعن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159].

    يا رجالَ الدين يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر منافقي الأمة قراؤها)، ومن الذين لعنهم الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25]، ومن الذين لعنهم الله ورسوله من قتل مؤمناً متعمداً، ومن فرق بين والدة وولدها ومن أخفى مسلماً في ذمته ومن أحدث أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ومن أشار إلى أخيه بحديده فإن الملائكة تلعنه، ولعن الله من ادعى لغير أبيه، ولعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده، ولعن الله المحلل والمحلل له، لعن الله من أتى امرأة في دبرها، ولعن الله المرأة تبيت وزوجها عليها ساخط، ولعن النائحة والحالقة والصالقة والخامشة وجهها، والشاقة جيبها، وزوارات القبور، والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات بالحسن.

    اللهم ارزقنا رحمة ترحمنا بها، اللهم اجعل في قلوبنا رأفة ورحمة ووداً للمسلمين.

    ونختم بما قال عمر بن عبد العزيز : اللهم إن لم أكن أهلاً لأن أبلغ رحمتك، فإن رحمتك أهل أن تبلغني، فرحمتك وسعت كل شيء وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله وسلم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.