إسلام ويب

زهر البساتين فى فضل الصدق والصادقينللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصدق من صفات المؤمنين، ومن خصال المخلصين، فبه ينال صاحبه رضا ربه، وحب خالقه، فما خاب من صدق، ولا خسر من اتخذ الصدق شعاراً له في حياته. وللصدق مراتب ودرجات، وقد ورد في فضله الكثير من الأحاديث والآيات.

    1.   

    الصدق في القرآن العظيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    ثم أما بعد:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة وجود إسناده ابن كثير : (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل لـأبي هريرة : ما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة).

    وحديثي اليوم عن الصدق، فالصدق بداية الطريق إلى الله عز وجل، وهو طريق القوم الذي تندرج منه جميع مقامات السالكين، الطريق الواضح الذي من لم يسر عليه لا يصل إلى رب العالمين، به تميز سكان الجنان من سكان النيران، ومحك الأعمال وروحها وأساسها، وهو أساس عمود اليقين، وقد أخبر الله عز وجل أن الفلاح كل الفلاح في مصاحبة الصادقين، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

    وخص الله عز وجل المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال: وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

    وأخبر الله عز وجل أنه لا ينفع يوم القيامة إلا الصدق؛ فقال الله عز وجل: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119].

    وقسم الله عز وجل العباد إلى صادق ومنافق، قال تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب:24].

    وأخبر الله عز وجل أنه لا ينفع إلا الصدق، قال: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21].

    وأخبر الله عن جميع مقامات الإيمان سواء الظاهرة والباطنة، ثم قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177].

    كان الفضيل بن عياض يقول: إذا كان الله عز وجل سيسأل الصادقين من أمثال عيسى وموسى ويحيى عن صدقهم، فكيف بالكذابين من أمثالنا؟!

    ولعظم الصدق أمر الله نبيه أن يسأله أن يهبه مخرج الصدق ومدخل الصدق، فقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80].

    وأخبر عن خليله أنه دعاه أن يهب له لسان صدق في الآخرين، قال تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84].

    وأخبر عن أهل الجنة أن مقعدهم مقعد الصدق، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55]، ولله در الصادق شيخ الإسلام ابن تيمية ! فقد حبس في سجن القلعة بدمشق وأخذوا منه كل الكتب، ولم يتركوا له إلا المصحف فقط، ففاضت روحه، وكان كثيراً ما يختم القرآن، فقد عكف على ختم القرآن، وفاضت روحه عند تلاوة هذه الآية: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].

    وقال الله تبارك وتعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ [يونس:2].

    1.   

    الأمور المتعلقة بالصدق المذكورة في القرآن

    القرآن تكلم عن خمسة أشياء: مخرج الصدق، ومدخل الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق.

    مدخل الصدق ومخرج الصدق

    والجامع لهذه الأشياء هو الحق الثابت المتصل بالله ولله، وما كان منها بالله عز وجل وبأمر الله عز وجل، فمخرج الصدق تكون فيه ضامناً على الله عز وجل، متحركاً لأمر من أمور الله عز وجل، كمخرج رسولنا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فقد هرب وفر بدينه ليرسي قواعد الإسلام في بلدة أخرى:

    ويح قوم جفوا نبياً بأرض ألفته ضبابها والظباء

    وسلوه وحن جذع إليه وقلوه ووده الغرباء

    ونحا المصطفى المدينة واشتا قت إليه من مكة الأنحاء

    كان يلقب بالصادق وما احتملوا صدقه، الحجارة كانت تعلم أنه صادق، كما روى الإمام مسلم يقول سيدنا صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم علي قبل البعثة)، وبرغم هذا ما احتملوا صدقه، فأخذ صدقه ورحل وترك مكة للغوغاء، إذاً: هذا مخرج الصدق.

    أما مخرج الكذب فمخرج أبي جهل حينما خرج إلى بدر بعد أن نجت عيرهم، فقالوا: قد نجت العير ولا داعي للقاء محمد، قال: لا، بل نقيم ثلاثة أيام في بدر، ننحر الجزور، ونشرب الخمر، وتعزف القيان حتى تسمع بنا العرب فتخافنا وترهبنا، فكان خروجهم من أجل الكذب ومن أجل الرياء فمات في قليب بدر.

    ومدخل الصدق كدخول نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقد اعترف زعيم اليهود بنبوته منذ أن رآه، وهذا لأن دخوله صدق، قال عبد الله بن سلام : (لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان الناس كنفيه، فلما استبنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب على الله عز وجل)، فمن أول نظرة نظرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن وجهه لا يمكن أن يكذب على الله عز وجل، بخلاف الكذاب فلو قمت بدهنه مليون سنة بطلاء أبيض فإن ذرات وجهه تنطق بالكذب، قال: (وكان أول ما سمعته منه: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام).

    أما دخول الأحزاب المدينة فهذا دخول كذب، فـعمرو بن عبد ود كان أكبر فارس في الجزيرة العربية، وأراد أن يقفز بفرسه على الخندق وكان عريضاً، ويقول للصحابة: من يبارز؟! من يبارز؟ فقال سيدنا علي: يا رسول الله! أنا لها، وكان سيدنا علي مازال شاباً صغير السن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اجلس إنه عمرو)، وفي المرة الثانية يقول عمرو : من يبارز، أما فيكم من يبارز؟ فيقول سيدنا علي: يا رسول الله! دعني له يقول: (اجلس إنه عمراً)، فقال في الثالثة: وإن كان عمرو ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج يبارز فقال: من أنت يا بني؟! ينظر إليه نظرة المستهزئ، قال: أنا علي بن أبي طالب ، قال: أما كان في أعمامك من يكفيك، إني والله لا أرضى بقتلك! قال: ولكني والله أحب قتلك، فظل يصاوله حتى قتله علي بن أبي طالب ، ولما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك كبر وكبر صحابة رسول الله.

    فعندما أراد أبو سفيان ومن معه من الأحزاب دخول المدينة بالزور وبالبهتان وبالكذب، فوالله ما فرقتهم إلا الريح! فما أبقت لهم من كراع ولا خف.

    فكل خروج من بيتك تكون فيه ضامناً على الله عز وجل ولأمر من أمور الله عز وجل فهذا مخرج الصدق، وكل دخول في موطن من المواطن تكون فيه ضامناً على الله عز وجل فهذا مدخل الصدق.

    لسان الصدق

    أما لسان الصدق فهو ما يبقيه الله عز وجل من الثناء بعد موت الصالحين، فإن الذرات تنطق بصدقهم بعد أن رحلوا عن الدنيا، كما يقول القائل: كم الفرق بين أناس موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم؟! فيبقي الله عز وجل اللسان العطر، والثناء والمدائح لـابن حنبل وبشر بن الحارث الحافي ولغيرهما من العباد ومن الزهاد ومن علماء المسلمين.

    فـبشر بن الحارث الحافي هذا الإمام العظيم الذي قال لما سئل عنه الإمام أحمد قال: مثله مثل رجل ركب على رمح، فهل أبقى مكاناً لغيره، ولما خرجوا بجنازته خرجوا به بعد الفجر وبعد الصلاة عليه، فوالله! ما وصلوا إلى قبره إلا بعد صلاة العشاء، حتى بكى علي بن المديني شيخ البخاري وصاح: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة، هذا عز الدنيا قبل عز الآخرة.

    يقول الشاعر عن الصادقين:

    والناس موتى وهم يحيون في المقل

    يعني يحيون في حبات الأعين. وكما جاء في الأثر: أن الجبل ينادي باسم الصادق: هل مر بك ذاكر لله عز وجل؟ فقال: نعم، قال: أبشر.

    بل أكثر من هذا، فإن الجماد يعرف الصادق من الكاذب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مروا عليه بجنازة: (مستريح أو مستراح منه! قالوا: يا رسول الله! ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: المستريح العبد المؤمن؛ يستريح من تعب الدنيا ومن نصبها إلى رحمة الله عز وجل، والمستراح منه العبد الفاجر تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب)، إذاً: حتى الشجر والجماد والدواب تعرف الصادق من الكاذب:

    تحيا بكم كل أرض تنزلون بها كأنكم في بقاع الأرض أمطار

    وتشتهي العين فيكم منظراً حسناً كأنكم في عيون الناس أقمار

    لا أوحش الله ربعاً من زيارتكم يا من لهم في الحشا والقلب تذكار

    كم قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ساحر كذاب وإنه مجنون، بعدما كانوا يلقبونه بالصادق، فلما جاءهم بأمر الله قالوا عنه أنه كذاب، وقد صدقت بنبوته الجمادات:

    والحق أبلج لو يبغون رؤيته هيهات يبصر من في ناظريه عمى

    وصرخة الحق تأباها مسامعهم من يسمع الحق منهم يشتكي الصمما

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

    مقعد الصدق

    قدم الصدق

    أما قدم الصدق فهو ما تقدمه أنت من الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفسر بعض العلماء قدم الصدق بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ينجي العبد إلا صدق القلب، وإقرار القلب ويقينه بربوبية الله عز وجل وألوهيته، فقد ينطق الرجل ويعرف بقلبه أن الله عز وجل واحد، وأنه منفرد بالألوهية وأنه هو الرب، قد يعرف بذلك ولا يصدق، فلا يكون عند الله عز وجل إلا كافراً.

    قال سيدنا موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102]، ففرعون كان يعلم أن للكون إلهاً، ولم يصدق بذلك.

    وأبو طالب كان يعلم بقلبه أن للكون إلهاً، ولم يصدق بذلك:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً

    إذاً: يوجد فرق بين معرفة القلب المعرفة الفهمية بوجود الله عز وجل وألوهيته، وبين صدق القلب، كما قال الله عز وجل عن المنافقين: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، فيؤكد الله عز وجل على كذب نياتهم، وبكذب ما في قلوبهم وإن قالوها بألسنتهم.

    ولذلك فإن الصدق أساس كل شيء؛ لأنه إن كان القلب غير مصدق بألوهية الله عز وجل فالعبد يكون بذلك منافقاً، فأساس كل شيء الصدق.

    1.   

    كلام أهل العلم في الصدق

    ثم تعال بعد ذلك إلى كلام أهل العلم في الصدق، فهناك صدق في الأقوال، ولذلك عندما قال الوليد بن عبد الملك لـعمر بن عبد العزيز : كذبت، قال: ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.

    وقال محمد بن كعب: والله! ما يكذب الكاذب إلا لهوان نفسه عليه! ولذا ذكر من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله عز وجل ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم: (ملك كذاب)؛ فالقطر كله ملكه ويكذب، فما الذي يضطره إلى الكذب وهو يستطيع أن يفعل ما يفعل؟!

    قال عليه الصلاة والسلام: (ملك كذاب، وعائل مستكبر) يعني فقيراً متكبراً. (وشيخ زان)، أي: بعدما انقطعت أسباب الشهوة ومادة الشهوة من هذا العجوز مازال الفجور فيه.

    وقال مطرف بن طريف : والله! ما أود أني كذبت كذبة وأن لي بها الدنيا بأسرها.

    وقال إياس بن معاوية بن قرة : والله! ما أود أن أكذب كذبة أعلم أن الله يغفرها وأعطى عليها عشرة آلاف درهم ولا يعلم بها إلا أبي معاوية بن قرة .

    ويقول عبد الملك بن مروان لـإسماعيل بن عبيد الله مؤدب أولاده: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم الكذب وإن كان فيه القتل.

    ومن عظم الصدق وفضله أن الله عز وجل يقول: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95]، ومن عظم الصدق أن الله عز وجل يقول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وأثنى الله عز وجل على أنبيائه بالصدق، قال: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33]، وقال الله تبارك وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:56]، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ [مريم:54]، وقال الله تعالى عن مريم: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة:75].

    قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد:19]، والصديقية أعلى مراتب الدين بعد مرتبة النبوة والرسالة، وهي أعلى من مرتبة التحديث، وعمر كان محدثاً، قال عليه الصلاة والسلام: (إن كان في أمتي محدثون فـعمر)، والمحدثون أي: أن المولى عز وجل يقذف في قلوبهم الإلهام، فيخبر بشيء في الغد فيحدث مثل حادثة: يا سارية الجبل! ومن استرعى الذئب ظلم.

    وأعلى مقامات الصديقية كانت لسيدنا أبي بكر الصديق ، قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33]، وصدق به سيدنا أبو بكر الصديق ، قال سيدنا علي رضي الله عنه: والذي نفسي بيده! إن الله سمى أبا بكر في السماء صديقاً.

    وأكثر الناس لو قلت لهم: أتعرف اسم سيدنا أبو بكر الصديق ؟ تجد تسعين في المائة من المسلمين لا يعلمون اسمه الحقيقي، وإنما يعلمونه بكنيته وصفته أبو بكر الصديق ، لكن اسمه الحقيقي لا يعلمونه وما ضره ذلك، فقد انتشر بين الناس صدقه فالكل يعرفه بأنه الصديق .

    ومسيلمة مدعي النبوة، كل الناس يعلمون أنه مسيلمة الكذاب ، إلى درجة أنه عندما ذهب إليه سيدنا عمرو بن العاص قبل أن يسلم، فقال له: أسمعك ما جاء به جبريل، قال: أسمعني، قال له: والذاريات ذرواً فالطاحنات طحناً، فالعاجنات عجناً إهالة وسمناً، ثم قال له: ما رأيك؟ قال: والله يا مسيلمة ! إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، أو قال: إنك -يا مسيلمة!- تعرف أنني أكذبك.

    1.   

    درجات الصدق

    الصدق في الأقوال

    أول درجات الصدق: الصدق في الأقوال:

    حتى يتم للعبد كمال الصدق، فلابد أن يكون عنده صدق في الأقوال، وصدق في الأحوال، وصدق في الأعمال.

    صدق في الأقوال: استواء اللسان على الصدق.

    صدق الأعمال: أن يكون ظاهر العمل على المتابعة للكتاب والسنة.

    صدق في الأحوال: أن تكون النية لله عز وجل، وأن يكون باطن العمل لله عز وجل.

    والصدق مفتاح الصديقية، ولا ينال هذه الدرجة كاذب على الله عز وجل بنفي ما أثبت من الأسماء والصفات، أو إثبات ما نفي، أو بتحريم ما أحل، أو بتحليل ما حرم، ولا ينالها كاذب على الله عز وجل فيما شرعه.

    وكمال هذه الدرجة أن يحترز الإنسان عن المعاريض، يعني: لا يلجأ إلى المعاريض إلا إذا علم هلاك عمره، يعني: لا تعلم ابنك وتقول له: قل: أبي ليس هاهنا، بحيث إنه يعمل دائرة ويضع أصبعه في نصف الدائرة، فيقصد: أبي ليس في هذه الدائرة، فلا يلجأ لهذه المعاريض إلا عندما تتيقن أنه سيضيع عمرك، وأنه سيظل السائل عنك يتكلم معك عشر ساعات، أما أن تعلم لابنك أن يقول: أبي ليس هاهنا ويضع أصبعه في نصف الدائرة، ويظن بهذا أنه ليس كاذباً، فيجب أن يراعي حقيقة المعاني التي ينطق بها.

    رجل عند أن يدخل في الصلاة يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وقلبه عند مباراة الأهلي والزمالك، فلا ينفع هذا، فهو لم يوجه وجهه ولا شيء من هذا القبيل.

    رجل عند أن يدخل في الصلاة يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]، إذاً: لن يتحلى العبد بالعبودية التامة لله عز وجل حتى يتخلص من كل رق: رق الشهوات والأموال والجاه والرياسة، وهنا تحل العبودية الكاملة لله عز وجل.

    إذاً: للعبودية معنى، فكل من تقيد بقيد شيء فهو عبد له، قال عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة!).

    وكمال الصدق في القول أن تصدق في موطن لا ينجيك فيه إلا الكذب، مثل سيدنا ربعي بن حراش وهو أحد رواة الكتب الستة، وهذا العبد الصادق ما كذب قط، وكان الحجاج يطارد ابنيه، فقالوا للحجاج : لو قلت لـربعي عن مكان ولديه لم يكذبك أبداً، فأتى بـربعي بن حراش فقال له: أين ولداك؟ قال: الله المستعان! هما في البيت، يعني: مخبئهم في البيت، فأعجبه صدقه فعفا عن ولديه، قال: عفونا عنهما من أجل صدقك.

    الجيلاني إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، من أئمة الحنابلة، تعلم على يديه ابن قدامة ، والإمام ابن قدامة شيخ كبار الحنابلة، قال الجيلاني : خرجت في طلب العلم وأنا ابن سبع، فمررنا بأرض يقال لها همدان، فخرج علينا جماعة من الأعراب -من اللصوص- سرقوا كل ما عندنا، فأتى إلي لص كبير، وقال: ما معك؟ قلت: أربعون ديناراً -يعني: أربعون جنيهاً من الذهب- فتركه، ثم أتى إليه لص آخر قال: ما تحمل؟ قال: أربعون ديناراً، فأتى به إلى كبير اللصوص، قال: ما حملك على أن تقول ذلك، لماذا لم تكذب؟ قال: عاهدت أمي على الصدق فلا أخون عهدها، فبكى كبير قطاع اللصوص وقال: أنت لا تخون عهد أمك وأنا لا أبالي ألا أخون عهد الله عز وجل، فأنا تائب اليوم على يديك، فقال بقية اللصوص: كنت كبيرنا في السرقة، فأنت اليوم كبيرنا في التوبة، وتابوا على يد الجيلاني على يد طفل صادق.

    الصدق في النيات والأعمال

    ومن درجات الصدق: الصدق في النيات، في أن تنوي بباطنك أن يكون هذا العمل خالصاً لله عز وجل، لا تبتغي جاهاً ولا منزلة ولا هرباً من ذم الناس، وإنما تريد بباطن عملك وجه الله عز وجل: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:19-21].

    ثم بعد ذلك: الصدق في الأعمال، وهو استواء ظاهر العمل على المتابعة لله ولرسوله، أي: أن يكون ظاهر العمل وعلى الكتاب والسنة.

    بل قال أبو يعقوب النهرجوري: الصدق استواء السريرة والعلانية بأن يكون ما تبطن مثلما تظهر تماماً، ولذلك بكى أحد العباد وهو أبو عبد الرحمن الزاهد وقال: يا رب! عاملت عبادك فيما بيني وبينهم بالأمانة وعاملتك فيما بيني وبينك بالخيانة.

    إذاً: الصدق في الأعمال استواء ظاهر العمل وباطنه، أن يكون ظاهر العمل على الكتاب والسنة واستواء السريرة والعلانية.

    الصدق في العزم

    ثم هناك صدق في العزم، مثلاً: يقول رجل: أعزم لو أعطاني الله عز وجل مالاً لأتصدقن به أو سأخرج لله منه، مثلما قال سيدنا عمر : والله! لئن أتقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق، وهو صادق في عزمه هذا.

    وهناك كثير من الخطباء يذكر قصة الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب وهذه القصة كلها كذب وحديثها لا يصح، وهي: أن ثعلبة كان يسمى حمامة المسجد، وقال: إن أعطاني الله مالاً لأتصدقن. والله عز وجل أعطاه مالاً فلم يتصدق، والرسول سأل عنه، فقالوا: لقد غاب عن الجماعة، ولم يخرج زكاة ماله.

    وهذا الكلام كله كذب لم يحصل، وإن قال به بعض الخطباء؛ لأن الرجل الذي يمتنع عن الزكاة في الدولة الإسلامية يؤخذ منه شطر ماله، فشطر ماله عزمة من عزمات ربنا كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وصدق على الوفاء بالعزم بأن يعزم قبل أن يعمل الشيء، ثم يوفي بعزمه هذا، لذلك لما غاب سيدنا أنس بن النضر عن أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غزوة بدر حز ذلك في نفسه، ثم قال: والله! لئن أشهدني الله مشهداً معهم ليرين الله ما أصنع. أي: سيرى الله ماذا سأعمل بالكافرين، فلما كان يوم أحد واستقبل الجبل، قال له سيدنا سعد بن معاذ : إلى أين يا أبا عمرو ؟! قال: إليك عني، واها لريح الجنة! إني لأشم ريحها دون أحد. ولذلك قال أبو تراب النخشبي : إن الصادق يعطيه الله عز وجل حلاوة العمل قبل الشروع فيه، فسيدنا أنس بن النضر لم يحارب بعد وإذا به يشم رائحة الجنة.

    قالوا: ثلاثة لا تخطئ الصادق: الحلاوة والملاحة والهيبة، حلاوة المنطق مثل سيدنا الحسن البصري ، والملاحة مثل سيدنا وكيع بن الجراح الذي ينظر إليه الإنسان فيقول: هذا ملك كريم، والهيبة مثل سيدنا مالك بن أنس ، فقد كان أمير المدينة يقول: والله! لحملي غبار العقيق على رأسي -أي: أن أحمل غبار جبل على رأسي- أهون علي من لقاء مالك. فوالله! ما عرفت الذل إلا ببابه.

    فسيدنا أنس بن النضر قال: إليك عني واها لريح الجنة! إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد، فلما تقدم إلى القتال قاتل حتى قتل، قالت أخته الربيع بنت النضر : فما عرفته إلا ببنانه، وفيه نزل قول الله عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23].

    ومن الصادقين صديق الأنصار سيدنا سعد بن معاذ كما يلقبه ابن القيم يقول: إنه صديق الأنصار، فقد كانت منزلته لصدقه في الأنصار مثل منزلة أبي بكر في المهاجرين، وفي يوم بدر قال لرسول صلى الله عليه وسلم: إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك.

    هذا الصديق العظيم ثاني الصديقين في هذه الأمة سيدنا سعد بن معاذ ، أصيب في أكحله في غزوة من الغزوات فتناثر الدم -وأكبر شريان في جسمه هو الشريان الموجود في الكاحل- وتقاطر الدم على كل من في الخيمة، وأراد رسول الله أن يعالجه فلم يبرأ الجرح، وكذلك فعل سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر .. حتى بكى سيدنا رسول الله، وضعه في حجره وبكى، قال: (اللهم إني قد رضيت عن سعد ، فارض عنه).

    ومازال يعالجه والجرح لم يشف، انظر قوة دفع الدم من الشريان فنطق هذا الصديق بكلمة واحدة قال: اللهم إن كنت قد أبقيت رسولك لحرب يهود فأبقني، قالوا: فوالله! ما نزف الشريان وما قطر الشريان قطرة واحدة بعد ذلك، واحتبس الدم وعالجوه عند رفيدة الطبيبة الأنصارية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه كل يوم، ونزل سيدنا جبريل في يوم من الأيام على رسول الله وكان مؤتزراً بعمامته فقال: من هذا الذي مات من أمتك؟ ونزل إلى الأرض من الملائكة سبعون ألف ملك لجنازته ما نزلوا إلى الأرض قبل يومهم هذا، فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع إلى رفيدة ، فقالت: يا رسول الله! اشتد به الوجع فأتى قومه بنو عبد الأشهل فحملوه إلى ديارهم، فأسرع رسول الله السير لتشييعه، فقالوا: يا رسول الله! أتعبتنا جداً تقطعت شسوعنا، قال: (أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة ، فلما وقف رسول الله على بابه وجد أمه تنوح)، وأغلب النساء النائحات يكن كاذبات، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن الصدق وصل من قلب سعد إلى أمه، فما ناحت عليه إلا بصدق، قالت له: ويل ابنك سعد حزامة وجداً وفارساً معداً، تبكي فروسيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل نائحة تكذب إلا أم سعد أو إلا نائحة سعد).

    ولما وضعوه في قبره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عرش الرحمن اهتز لموت سعد)، لأنه بعدما حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود فرفضوا أن ينزلوا على حكم رسول الله، وقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ ؛ ظناً منهم أنه سيحابيهم، فسيدنا سعد حكم فيهم وقال: حكمي فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى نساؤهم وذراريهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله! لقد حكمت فيهم يا سعد ! بحكم الله من فوق سبع سماوات)، وفي رواية: (والله يا سعد ! لقد حكمت فيهم بحكم الملك) أي: الحكم الذي يريده الله، وحكم الله هو الذي نطقت به يا سعد ، فانظر لرجل موافق حكمه وقوله قول الله عز وجل، أي رجال أعز من هؤلاء؟!

    ثم بعد أن تم إعدام اليهود على ضوء سعف النخيل، وكان سيدنا علي بن أبي طالب هو الذي يتولى قطع أعناقهم، وبعد أن رجموهم ذهب سيدنا سعد ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم افجره؛ شوقاً إليك، أي: الشريان الذي كان ينزف، فانفجر الشريان؛ لأنه صدق في الدعاء وفي القول، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: (إن عرش الرحمن اهتز لموت سعد)، وفي رواية جود إسنادها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء قال: (إن عرش الرحمن اهتز فرحاً بموت سعد اشتاق إلى الله عز وجل)، ولما أخذوا في دفنه خرجت روائح المسك من قبره.

    الصدق في القصد

    ومن درجات الصدق: صدق القصد، وهو الذي يكون بقلبه مريداً وجه الله عز وجل والدار الآخرة، فالدرجة الأولى: أنه لا يصبر على صحبة ضد، ولا يتحمل داعية تدعوه إلى نقض عقد، ولا يقعد عن الحال بجد.

    ومعنى هذا الكلام أن الرجل الصادق الذي يريد وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ويريد أن يصحح ما فاته وما فرط من حق الله عز وجل وغفلته عما أريد له من الحياة مع الحق فلا يصبر على صحبة ضد، فعندما يتوب لا يستطيع أن يعيش مع أهل البطالة والغفلة، ولا يصبر على صحبة ضد، كما يقول القائل:

    والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي

    ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي

    وقال آخر:

    وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان عنك فإنه شغلي

    وأديم نحو محدثي وجهي لأرى أن قد عقلت وعندكم عقلي

    فالإنسان إذا رضي بصحبة أهل البطالة فليعلم أنه ميت يسعى إلى موتى مثله، زمن يسعى إلى زمنى مثله، قبر يسعى إلى قبور مثله.

    ولا يصبر على صحبة ضد، ولا يقعد عن الحال بجد، فيقول: فاتني الكثير مع الله عز وجل وما بقيت إلا بقية قد تكون نفساً أو نفسين أو أنفاساً.

    ولا ينقض مع الله عهد، فهذه هي الدرجة الأولى من درجات الصدق.

    الدرجة الثانية: لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص.

    فلا يتمنى الحياة من أجل أن يستلذ بالشهوة من طعام أو شراب أو نكاح، وإنما يتمنى الحياة من أجل الحق، فكل شيء يقربه إلى الله عز وجل، كما قال سيدنا عمر : لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا: لولا سيري على جياد الخيل في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجداً، أو أجالس قوماً ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر، يعني: لولا الجهاد والصلاة في الليل، وحضور مجالس العلم ما أحببت البقاء في الدنيا.

    وسيدنا معاذ بن جبل مقدام العلماء يقول: اللهم إنك تعلم أني ما كنت أحب البقاء في الدنيا لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، وإنما لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

    قيل لـحذيفة بن اليمان : ما تشتهي عند الموت، قال: أشتهي الجنة.

    قيل لـعمرو بن عبد قيس : ما تشتهي؟ قال: ليلة بعيد ما بين طرفيها، -ليلة شتاء طويلة- أحييها تهجداً لله عز وجل، هذه الدرجة الثانية من درجات الصدق.

    الدرجة الثانية لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص، يعني: إذا أعطاه الله رخصة مثل رخصة قصر الصلاة في السفر، فهو لا يأتيها من أجل الترفيه، وإنما يأتيها رضاء بحكم الله عز وجل وتنفيذاً لأمر الله عز وجل، فلا يلتفت إلى ترفيه الرخص، فقد يأتي شخص ويقول لك في مسألة الحجاب والنقاب، يقول: أبحث عن الأولى، وآخر يقول: أنا آخذ بقول جمهور أهل العلم أن الحجاب ليس بفرض، وآخر يقول: آخذ بقول الإمام أحمد أن النقاب هو فرض، والمصيبة أن يأتي أحد الناس يستوي عنده الراجح والمرجوح فيقول: هات لي أسهل قول قال به عالم، ثم يرقع دينه بأقوال العلماء السهلة، بل وبالأقوال التي ظهر أنها خاطئة.

    والغناء لا يوجد شخص قال إنه يجوز، فيترك كل العلماء والأحاديث ويقول لك: قد قال ابن حزم بجوازها وقد خطأه العلماء فيها.

    وبعض متأخري الأحناف قالوا: حجاب المرأة -وهذا قول ضعيف جداً ولا يقول به أحد- حجاب المرأة إلى منتصف ساقيها، فلو أتيت بامرأة لابسة إلى منتصف ساقيها وتغني الأغاني على مذهب ابن حزم إذاً: فهذه ممكن تكون أختاً ملتزمة! وكذلك يشرب نبيذ التمر على قول أبي حنيفة والبغداديين، وبعد ذلك لا يوجد التزام بالدين، وهذا يؤدي بصاحبه إلى الزندقة، كما قال أهل العلم: من تتبع رخص العلماء وأقوال العلماء الخاطئة وجعل منها ديناً يدين الله عز وجل به فهذا يؤدي به إلى الزندقة، فإن كان يوجد رخصة شرعية فافعلها فإن هذا من رحمة الله تبارك وتعالى بك، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه.

    الدرجة الثالثة: الصدق في معرفة الصدق:

    ومعنى ذلك أنك أولاً تعرف الصدق، وما هو المخالف له، وما هي درجاته، ثم بعد ذلك تبدأ في بنيان أمرك على هذا، ونتيجة الصدق أن يرضى عنك ربنا، وتعرف أن الله عز وجل راضٍ عنك قالوا: حتى تصل إلى هذا فإنك تضطر إلى متابعة رسول الله في أي شيء، فإذا رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً وتابعته رضي الله عنك في النهاية.

    إذاً: عليك أن تتحرى المتابعة لتفوز برضا الله عز وجل ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهناك صدق بعد هذا من مقامات الدين، وهو صدق في المحاسبة، فهل أنت فعلاً تحاسب نفسك؟

    قال ميمون بن مهران : الصادق في محاسبته يحاسب نفسه على الفلتات والزلات والهفوات مثل الشريك البخيل، يظل قائماً على رأسك فيحاسبك على الشيء اليسير، وكذلك أنت تحاسب نفسك على كل هفوة وغفلة، وعلى كل بادرة بدرت منك في حق مولاك.

    يقول عمر : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر على ربكم، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18].

    كان أحد العباد يأتي في موطن الجهاد يقول: اللهم إن نفسي هذه تزعم في الرخاء أنها تحبك، اللهم إن كانت صادقة فأعطها ما تريد، وإن كانت كاذبة فاحملها على ما تكره، وأطعم لحمي سباعاً وطيراً، وكان له ما أراد.

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (إن تصدق الله يصدقك)، وقال: (أفلح إن صدق).

    وهذا رجل من العباد لبس أحسن ثيابه، وكان ثوباً أبيض وجبة بيضاء، فلما مر بمروج قال: ما أحلى تحدر الدم على هذه الجبة، وأشار إلى منطقة في صدره، فلما مر بهذا المرج قال: ما أجمل هذا الوادي لو أن رجلاً صاح: يا خيل الله اركبي! قالوا: فوالله! ما أتم كلمته حتى دعا داعي الجهاد، وقد رأى هو في المنام قبلها أن امرأة من أهل الجنة تقول له: سيكون إفطارك غداً عندنا في الجنة، فأصبح من يومه صائماً، فلما دعا داعي الجهاد كان في طليعة القوم، فقذف بالرمح في نفس المكان الذي أشار إليه، ولكن كان الجرح صغيراً لا يقتل نملة، فظل يداعب جرحه، ويقول: والله! إنك لصغير وقد يبارك الله في الصغير فيصبح كبيراً، ومع غروب الشمس فاضت روحه إلى بارئها، ومات وهو صائم.

    الصدق في محاسبة النفس: توبة بن الصمة كان بالرقة وكان محاسباً لنفسه، وكان عمره اثنتين وستين سنة، فحسب عدد أيام عمره فوجدها (21500) يوم، قال: كيف ألقى الجليل بـ (21500) ذنب، هذا إذا كان في كل يوم ذنب واحد، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ فغشي عليه فمات من شدة محاسبته نفسه وكان صادقاً، فرأى ابنه من يقول له: يا لك رقدة إلى الفردوس الأعلى! أبوك حاسب نفسه حتى أنه مات في المحاسبة.

    والصدق في التوبة: فلا تكون توبتك توبة علة، فقد يكون سن الرجل سبعين سنة، وبعد ذلك يقول: الحمد لله تبنا إلى الله عز وجل، وهو لم يتب بعد، ولكن بسبب انقطاع مادة الشهوة، ولذلك يتمنى الرجوع ويقول: ما أجمل الشباب! ويتذكر حلاوة مواقعة الذنب الفينة بعد الفينة، فهذه علامة أنه كذاب.

    رجل يتوب لغرض دنيوي، يقول: أتوب من أجل أن يوسع الله لي الرزق، فهذا يتوب لعز التوبة ولا يتوب لذي الجلال، والرجل الذي يتذكر حلاوة الذنب الفينة بعد الفينة، هذا يدل على أن توبته توبة علة.

    أما توبة الصدق مثل توبة ماعز فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (والله! لقد تاب توبة لو فرقت على أمة لوسعتهم)، ومثل صدق الغامدية في توبتها، عند أن سبها سيدنا خالد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مهلاً يا خالد ! والله! لقد تابت توبة لو فعلها صاحب مكس لوسعته).

    ومثل توبة الفضيل بن عياض فقد كان سارقاً، وكان صاحب نساء، وبينما هو ذات يوم يتسلق الجدار ليصل إلى معشوقته سمع قول الله عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16] قال: آن الأوان يا رب! ونزل من على الجدار وأراد أن يذهب إلى خربة لينام فيها، فسمع التجار الذين كانوا في الخربة قالوا: إن الفضيل اليوم على الطريق، فلا تخرجوا.

    فأعلن توبته، وتمر الأيام وسيدنا سفيان بن عيينة شيخ الإمام الشافعي يميل على يد الفضيل ويقبلها، وعندما مات قال هارون الرشيد : بموت الفضيل يرتفع الحزن والورع من الأرض.

    سيدنا عبد الله بن المبارك يقول: كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل فجدد لي الحزن فأمقت نفسي.

    الفضيل بن عياض علم وسيد من سادات الربانيين، يثني عليه العلماء، وكان في البداية سارقاً وقاطعاً للطريق، وصاحباً للنساء.

    وبشر بن الحارث الحافي فالإمام أحمد عندما ثبت في محنة خلق القرآن قال لهم: ماذا قال عنا بشر ؟ قالوا: قد رضي قولك وفعلك، قال: الحمد الله الذي رضى بشراً بما صنعنا، وكان في بداية أمره يعشق اللهو، وكان غنياً من الأغنياء وكان يجمع في بيته مغنيات وقياناً، فمر بالقصر رجل من الزهاد، قال: لمن هذا القصر؛ لعبد أم لحر؟ -يسأل خادمة البيت- قالت: لحر، قال: صدقت يا بنية! والله لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، أي: لو كان عبداً لله بالفعل فإنه سيتأدب مع ربه، فسمع بشر بن الحارث الحافي، فخرج وراءه وارتمى على الأرض ومرغ خديه على الأرض، وقال: بل عبد، ثم تاب، ولم يلبس حذاء طول عمره، وكان يقول: طريق صالحت به ربي ألتزمه ما حييت.

    وعندما أكون صادقاً في التوبة فإن ربنا يعطني بساتين طاعات في القلب لا أشعر بها.

    قال ذو النون المصري: رأيت ضفدعة خرجت من غدير وإذا بأفعى ترتقي ظهرها، فقلت: والله إن لهذه الضفدعة والحية لشأناً، قال: فدخلت إلى الغدير مرة، ثم خرجت إلى الشط الثاني فتبعتها، وإذا برجل نائم مخمور تفوح من فمه رائحة الخمر، وإذا بعقرب تريد أن تلدغه في أذنه، قال: فنزلت الأفعى من على الضفدع ثم ظلت تضرب العقرب حتى قلتها، ثم انبهر، ثم قلت له:

    يا غافلاً والجليل يحرسه من كل شيء يدب في الظلم

    كيف تنام العيون عن ملك تأتيك منه لطائف النعم

    فصاح الرجل وقال: لا أعود إلى المعاصي أبداً، هذا فعله بمن عصاه فكيف فعله بمن أطاعه؟!

    الصدق في الخوف، فلا تذرف الدمع ثم تقترف المعاصي.

    فهذا مالك بن دينار فقد خطب الناس ووعظهم فبكى كل من في المسجد، ثم بعد ذلك التفت إلى نعله فلم يجده، قال: كلنا يبكي فمن سرق النعل؟

    وهذا سيدنا علي زين العابدين كان من شدة خوفه من الله عز وجل إذا توضأ اصفر وجهه، وعندما سألوه عن ذلك قال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟ ولما شبت نار في بيته فأوشكت أن تفني البيت هرب كل أهل البيت وهو لم يهرب وإنما ظل يصلي، قال: شغلتني النار الكبرى.

    الصدق في الدعاء: لا تدع الله عز وجل وأنت ساه غافل لاه، ولكن كما قال سيدنا عبد الله بن جحش : اللهم لقني غداً رجلاً قوياً حربه شديداً بأسه، فيبقر بطني ويجدع أنفي ويمزق وجهي، فإذا لقيتك قلت: فيم هذا يا عبد الله ؟ قلت: فيك وفي رسولك يا رب! فكان له ما أراد.

    والعلاء بن الحضرمي فاتح بلاد ماردين، عندما وقف على البحر متوجهاً لفتح بلاد ماردين اعترضه الخليج العربي، فقال: اللهم إنا جندك ونقاتل في سبيلك، اللهم يا حليم يا علي يا عظيم احملنا كيف شئت، ثم مشى على البحر يوماً وليلة ومشى وراءه جيشه ما ابتل لهم شسع، وهذه كرامة ثابتة ومعجزة من معجزات النبي؛ لأن أي كرامة للصحابي فهي معجزة من معجزات النبي.

    ومن درجات الصدق: الصدق في التوكل: فقد ذهب رجل إلى رجل وقال له: أقرضني 1000 دينار، قال: من شهودك؟ قال: كفى بالله شهيداً، قال: من وكيلك؟ قال: كفى بالله وكيلاً، فرضي الرجل وأعطاه 1000 دينار، ثم ركب الرجل البحر، ثم باع واشترى إلى أجله مع الرجل الدائن، ثم أراد أن يركب مركباً ليأتي إلى الرجل ليعطيه ماله فلم يجد، وإنما وجد خشبة في البحر فنقرها ثم وضع فيها الألف دينار، ووضع فيها صحيفة، ثم ألقاها وقال: اللهم إنك تعلم أني جهدت جهدي أن أركب مركباً لأصل إلى الرجل، فما استطعت أن أصل إليه، اللهم اكفني هذا، ثم ألقى بالخشبة.

    والرجل الثاني ظل ينظر إلى البحر عل مركباً يأتي بماله، فلم يجد ووجد هذه الخشبة، فدفعها إلى زوجه، وبينما هو يكسرها، إذا به يجد الورقة مع الألف دينار.

    ومثل أم سيدنا إسماعيل، تقول لسيدنا إبراهيم بعد أن ذهب بها إلى جبال مكة: يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ يقول: بلى، تقول: إذاً: فلن يضيعنا! ويرسل الله عز وجل بعد نفاد ما معها من التمر والماء سيدنا جبريل يقول: من أنت؟ تقول: أنا أم إسماعيل وزوج إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله، يقول: وكلكما إلى خير كافل.

    الصدق به تنجو.

    اللهم ارزقنا أحوال الصادقين، واجعلنا من الصادقين، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك نمتثل فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    اللهم أنت أصلحت الصالحين فاجعلنا من الصالحين، اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك.

    اللهم وما رزقتنا مما تحب فاجعله قوة لنا فيما تحب، اللهم وما زويت عنا مما تحب، فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.