إسلام ويب

الاتباع بين أصحاب الوجد والعقلانيةللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله عز وجل اتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلق الفلاح والنجاح على ذلك، فأطاع أمره سبحانه من كتب الله له السعادة في الدنيا والآخرة، وجاء أقوام وفرق استعاضوا عن الكتاب والسنة بعلوم الكلام والجدل وشطحات لا ترجع إلى عقل أو دين، ومنهم من قدم عقله وحكمه على دين الله، ومنهم من اعتمد على منامات وحكايات وأساطير الإسلام بريء منها كل البراءة، ولا نجاح ولا فلاح إلا بالاتباع والاعتصام بالكتاب والسنة، وقد كثرت أقوال الصحابة والعلماء في التنبيه على أهمية الاتباع والتقيد به.

    1.   

    وسطية أهل السنة وفضلهم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

    إن أهل السنة والجماعة وسط بين العقلانيين والقبوريين، ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب أهل الحديث من علماء السلف وسط في شيء، يقول العلامة ابن القيم :

    واكحل جفون القلب بالوحيين واحـ ذر كحلهم يا كثرة العميان

    وقال:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين النبي وبين قول فلان

    وقال الشافعي ناصر السنة رحمه الله: لولا أصحاب المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: النظر إلى وجه الرجل الذي يدعو إلى السنة ويذب عنها عبادة.

    وقال الفضيل بن عياض : الملائكة حراس السماء، وأهل الحديث هم حراس الأرض.

    وقال الحسن البصري : استوصوا بأهل السنة خيراً؛ فإنهم غرباء.

    وقال سفيان الثوري : لو لقيت رجلاً من أهل السنة والجماعة فأقرئه مني السلام، فما أقلهم في هذا الزمان!

    1.   

    المدرسة العقلية وأساسها

    إن الأفكار التي قدست العقل وقدمته على النقل، وجعلته مشرعاً يحكم على النص: ينقضه أو يؤوله، أفكار وافدة وبيئة، والحق ثقيل مريء، والباطل خفيف وبيل.

    والمدرسة العقلانية أو كما تسمى أفراخ المعتزلة لها أس من أهل الاعتزال أصحاب واصل بن عطاء، وهذه المدرسة يمثلها في العصر الحديث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمود شلتوت ومصطفى المراغي ومحمد فريد وجدي وفهمي هويدي ومحمد عمارة وغيرهم، وهي أسماء رنانة، والناس يكنون لها احتراماً كبيراً.

    1.   

    بيان حال الأحاديث الواردة في فضل العقل

    إن المدرسة العقلية اعتمدت على حديث موضوع واستدلت به، وهو: (أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وبك العقاب).

    وهو حديث موضوع، وقد ذكر الحافظ أبو حاتم البستي والإمام الدار قطني والشيخ أبو الفرج بن الجوزي : أن الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل العقل لا أصل لشيء منها، وهي أحاديث موضوعة، وذكر ذلك الإمام السيوطي أيضاً، والشيخ الألباني رحمه الله، فقال: مما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع، وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب (العقل وفضله) فوجدتها كما ذكرت لا يصح منها شيء، فالعجب ممن يتكلم في فضلها!

    1.   

    ثناء القرآن على العقل

    إن المولى تبارك وتعالى أثنى على العقل فقال: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، وقال الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73]، وقال الله تبارك وتعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118]، وقال: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم:28]، وقال: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].

    ونعى على قوم لا يفكرون بعقولهم ولا يتدبرون، فقال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:62]، وقال الله تبارك وتعالى: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10]، وقال الله تبارك وتعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ [يونس:42].

    1.   

    ذم السلف للكلام والجدل

    وهناك أحاديث كثيرة في مدح العقل والتنويه بشرفه، وأما جعله حاكماً على الشرع مقدماً عليه فهذا أس الوبال والوباء الذي دخل على هذه الأمة، قال الإمام الشافعي : إنما فسد العرب لما تركوا الفطرة واتبعوا منطق أرسطو طاليس. وعندما دخل المنطق ونشأ علم الكلام ولجأ الناس إلى الجدل ضاعت الأمة الإسلامية.

    وحينما دخل استخدام المنطق والجدل وعلم الكلام تنبه إلى خطورة ذلك الإمام الشافعي، فلما قابل بشر المريسي وناظره قال: والله لأن يلقى الرجل الله عز وجل بكل شيء خلا الشرك خير له من أن يلقاه بمثل هذا الكلام.

    وقال: رأيي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في العشائر والأمصار ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام.

    وقال الإمام أحمد : الخوض في علم الكلام يفضي إلى الزندقة.

    وقال الإمام مالك : أفكلما جاءنا رجل هو أجدل من رجل أراد منا أن نترك ما جاء به جبريل إلى قلب نبينا صلى الله عليه وسلم؟!

    وقال أبو يوسف لـبشر بن غياث المريسي : يا بشر ! إما أن تتوب أو تفسد علينا خشبة. يعني: نصلبك على خشبة إن لم ترجع عن أقوالك هذه العفنة.

    1.   

    بيان نسبة العقل للشرع وتفاوت العقول وحاجتها إلى الشرع

    قال العلماء: إن العقل مع الشرع كالعامي مع المفتي، فالعقل يوصلك إلى باب الملك، ويعلمك أن للكون إلاهاً عظيماً، والعقول لا تسلم إلا للأعقل والأكمل، ولا أعقل من عقل الرسل، فالله عز وجل اختارهم همزة الوصل بين السماء والأرض، وقد وعوا تكاليف الشرع والوحي، ووعوا ما في الملكوت ولم تغب عقولهم لحظة واحدة.

    فأين هؤلاء الفلاسفة من أنبياء الله عز وجل ومن خواص رسله؟ وأي عقل يحكمونه في دين الله عز وجل؟ فأهل الاعتزال قدموا العقل على النقل، بل إن الأشاعرة وهم مخنثة المعتزلة قالوا: إن أصول الكفر ستة أشياء، وذكروا أن الأصل السادس من أصول الكفر: هو الأخذ بظاهر النصوص، يعني: لو أنك أخذت بالظاهر الذي يفهمه الناس من الكتاب والسنة ولم تتأوله أو تحرفه فهذا أصل من أصول الكفر عند الأشاعرة.

    وأي عقل نحكمه في نصوص الوحي إذا كانت العقول مختلفة؟ فالعقول عند المصريين تختلف عن عقول الهنود والصينيين، فأي عقل نحكمه في دين الله عز وجل وفي شرعه؟

    إن العقول هدت الهنود إلى عبادة البقر، وغيرهم ينكر هذا سواء من المصريين أو غيرهم، فلا أحد يقول: إنه يقدس البقرة، لكن أغندي وكان رجلاً عظيماً من عظماء دول عدم الانحياز يقول: إنني أجد نفسي وملايين الهنود نتوجه بالعبادة والإسلام لأمنا البقرة، فهذا شيء معقول عند أغندي أن يعبد البقرة، ويقول: فأمنا البقرة تعدل وتفضل أمنا الحقيقية بأسباب كثيرة.

    بل إن عقول الهنود هدتهم إلى عبادة الفئران من دون الله عز وجل، وكما ذكر في مجلة العربي: أن هناك معبداً من الرخام الأبيض كلف أصحابه ملايين الجنيهات، بل المليارات، ويكفيك أن تعلم أن إله هذا المعبد نوع من الفئران البيضاء.

    من أنت يا أرسطو! ومن أفلاطون قبلك يا مبلد!

    ومن ابن سينا حين قرر ما هديت له وأرشد

    هل أنتم إلا الفراش وقد رأى ناراً توهج

    فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد

    فلتخسأ الحكماء عن رب له الأفلاك تسجد

    فأي عقل نحكمه في شرع الله عز وجل؟ أهو عقل الخواص من الفلاسفة والمثقفين أم عقل العوام؟ وهل نحكم العقل السلفي أم نحكم العقل الصوفي؟ وهل نحكم العقل الأصولي أم الفلسفي؟ وهل نأخذ بعقل المثاليين من الفلاسفة أم بعقل الواقعيين؟ وهل نأخذ بآراء الماديين من الفلاسفة أم بآراء الإلهيين؟ وهل نحكم عقول الأديان الخاملة أم عقول الأجيال الفاضلة كما قال أهل الفلسفة؟ وهل نأخذ بعقل المسلم المتميز بهويته الحر في تفكيره أم عقل المسلم المأزوم تحت ضغوط الحضارة المعاصرة بجبروتها؟ وهل نأخذ بالعقل الجاهلي أم بالعقل الإسلامي أو بالعقل الأوربي الجاهلي الذي استباح إلغاء الله عز وجل وعبد نفسه مكان العلي العظيم؟

    فالعقل الأوربي الجاهلي استحسن اللواط، ونكاح الأمهات والبنات، والعقل العربي الجاهلي استباح وأد البنات، أم هل نحكم العقل الذي انحرف عن منهج الإسلام وعطل السنة، وهو عقل القرآنيين الذي استحسن إلغاء الإسراء والمعراج، بل واستحسن إلغاء كل المعجزات الحسية وأنكر الكثير من المغيبات كالجن والملائكة والدجال؟

    إن العقل اليوناني في أيام الفلاسفة دافع عن البغاء الرسمي وعن حرفة المومسات والشذوذ الجنسي الذي ظهر في المجتمع الإغريقي في أيام فلاسفة اليونان، بل إن فلاسفتهم وأصحاب المنطق منهم كانوا يحبذون البغاء والشذوذ الرسميين، فهل نأخذ بهذه المقدمات الباطلة ونحكمها في دين الله ونفضلها حتى على النصوص المتواترة؟!

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الرسل تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول، أي: أن الوحي والشرع يخبران بالأشياء التي تحتار فيها العقول ولا تستطيع أن تكيفها، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة شجرة تسمى شجرة طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)، فهذا فوق نطاق العقل.

    فالشرع يأتي بمحارات العقول لا بمحالاتها. يعني: إن العقول السليمة الصحيحة إذا حكمت باستحالة شيء فلا يأتي الشرع يقرره، والمعقولات الصحيحة لا يصادمها شرع صحيح.

    1.   

    جناية المعتزلة على الأمة

    وأما جنايات العقل على هذه الأمة وتدميره لها فقد بدأ عندما دخل علم الكلام بمقدماته الباطلة في عقيدة هذه الأمة، ومحاكمه أصحابه لعلماء الأمة وتعذيبهم لهم، وكان أول ظهوره عند المعتزلة عندما قدموا العقل على نصوص الشريعة، وأتوا بأصولهم الخمسة ومنها التوحيد، والتوحيد عند المعتزلة هو: تعطيل صفات الله تبارك وتعالى كلها، فقالوا: هو عليم بلا علم، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، فأثبتوا لله عز وجل الأسماء فقط ونفوا عنه كل صفة، حتى صفة العلم نفوها عن الله عز وجل، وقالوا: عليم بلا علم، وبصير بلا بصر، وقادر من غير قدرة، وعطلوا صفات الله عز وجل، ولم يكتفوا بهذا بل جروا الأمة إلى مسألة خلق القرآن، وعذب فيها إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ، والذي تولى كبر هذه المحنة هو أحمد بن أبي دؤاد شيخ المعتزلة، وقد مات أحمد بن نصر الخزاعي والبويطي وغيرهما من علماء الأمة في هذه المحنة، وعذب الإمام أحمد، واقتادوه إلى السجن في شهر رمضان وعذب وضرب بالسياط؛ بسبب بدع المعتزلة، ولولا السياط التي كانت على ظهره لما صار إمام أهل السنة والجماعة.

    1.   

    بيان التوحيد والعدل والوعد والوعيد عند المعتزلة

    وقادتهم عقولهم إلى نفي رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة، فهم في أصلهم الأول التوحيد عطلوا صفات الله عز وجل، وقالوا بخلق القرآن، وعذبوا علماء الأمة.

    وقد دعا الإمام أحمد بن حنبل على أحمد بن أبي دؤاد كبير المعتزلة، فابتلاه الله بالفالج -الشلل-، فكان نصف جسده لو نهشت منه السباع لا يحس به، والنصف الآخر لو سقط عليه الذباب لكأنما نهشته السباع، فقال أحمد بن أبي دؤاد : أصابتني دعوة أحمد بن حنبل .

    وأما الأصل الثاني عند المعتزلة فهو: نفي القدر، وسموه مسألة العدل، وقالوا: إن الله عز وجل لا يخلق الشر، وأثبتوا لهم مشيئة مع الله عز وجل، وقالوا: إن الإنسان يخلق فعل نفسه، ونفوا القدر، وقالوا بخلق أفعال العباد.

    وقال أهل السنة والجماعة: إن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، وهم قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه.

    وقالوا: بالتحسين والتقبيح العقليين، حتى إن بعضهم عندما ذكر لـعمرو بن عبيد -كبير المعتزلة- حديث رواه الأعمش قال: لو قابلت الأعمش لكذبته -مع أن الحديث صحيح-، ولو لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددت عليه هذا الحديث، ولو لقيت الله عز وجل لقلت له: ما على مثل هذا أعطيناك الميثاق. فأي دمار فوق هذا؟!

    بل خاضوا في أعراض الصحابة، وكذبوا سمرة بن جندب وأبا هريرة وغيرهما من أهل العلم.

    وأما في الوعد والوعيد فهم كما قال أهل العلم: مخنثة الخوارج الذين يكفرون عوام المسلمين ويكفرون مرتكب الكبيرة. يعني: أن الخوارج قدوتهم، فقالوا: بالمنزلة بين المنزلتين.

    ومعنى هذا الكلام: أن مرتكب الكبيرة ليس مسلماً ولا كافراً ولكنه مخلد في النار، وهذا القول أصل من أصول جماعة التوقف والتبين، وأصحاب التوقف يقولون: إنا لا نحكم للرجل بإسلام ولا بكفر حتى نسأله ونتبين حاله، كما كان الأزارقة من الخوارج يقولون: لا نحكم على الناس بردة ولا بكفر حتى نمتحنهم، فالناس الذين يأتون إلينا ولا نعرف خباياهم نجري لهم الاختبار، فإن وافقونا كانوا منا.

    والمعتزلة قالوا بالمنزلة بين المنزلتين، يعني: لم يحكموا على مرتكب الكبيرة بأنه مسلم أو كافر، وقالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، وهو مخلد في النار، هذا قول أهل الاعتزال في القديم.

    1.   

    من أقوال العلماء في الكلام وبيان رجوع بعض علماء الكلام إلى الحق

    قال الإمام أحمد عن علم الكلام: لا يفلح صاحب كلام أبداً، علماء الكلام زنادقة.

    وقال الإمام الأوزاعي : إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنعهم من العمل.

    ولقد رجع طوائف من علماء الكلام إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فلقد قال الرازي وهو من الأشاعرة:

    نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال

    ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

    وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذىً ووبال

    وقال الطوغاني : سمعت فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى.

    وقال أبو المعالي الجويني وهو من علماء الأشاعرة: لقد بلوت أهل الإسلام وعرفت علومهم، وركبت البحر الخضم وخضت في الذي نهوني عنه، وكل ذلك في طلب الحق وهرباً من التقليد، والآن رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، فعليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لـابن الجويني .

    وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا! لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ بي ما اشتغلت به.

    فعلم الكلام جعل المعتزلة تكفر هذه الأمة، بل وتجيز الخروج بالسيف على هذه الأمة.

    1.   

    بيان انحرافات جمال الدين الأفغاني

    ومدرسة الاعتزال الجديدة أو أفراخ المعتزلة الجدد دمروا الأمة أيضاً، وهم يحملون أسماء رنانة، وفي الزوايا خبايا.

    فـجمال الدين الأفغاني شيخ المدرسة العقلية في العصر الحديث هو جمال الدين بن صفدر الأفغاني ، وصفدر من ألقاب الإمام علي عند الشيعة، فقد كان أبوه إيرانياً تزوج بامرأة من الأفغان، فولدت له جمال الدين الأفغاني .

    ومن المآخذ التي أخذها أهل العلم على جمال الدين الأفغاني الشيعي: أنه كان من الرافضة، وعندما أتى في تفسيره إلى الربا المحرم في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] قال بجواز الربا المعقول الذي لا يثقل كاهل المديون ولا يتجاوز في برهة من الزمن رأس المال، فهذا الربا لو كان خفيفاً وفوائده خفيفة معقولة فلا مانع منه، وهو جائز عند جمال الدين الأفغاني.

    وأما الطوام في هذا الرجل فقد كان زعيماً من زعماء الماسونية، ففي 22 ربيع الثاني سنة ( 1292 ه‍ ) كتب جمال الدين الأفغاني طلباً للانضمام إلى المحفل الماسوني، وهذا نص الطلب:

    يقول مدرس العلوم الفلسفية بمصر المحروسة جمال الدين الكابولي الذي مضى من عمره 37 سنة: بأني أرجو من إخوان الصفا، وأستدعي من خلان الوفاء -أعني: أرباب المجمع المقدس الماسون الذي هو عن الزلل والخلل مصون- أن يمنوا علي ويفضلوا إلي بقبولي في ذلك المجمع المطهر، وبإدخالي في سلك المنخرطين في هذا المنتدى المفتخر. ولكم الفضل.

    فهو يستجدي منهم أنه يدخل المجمع الماسوني، وقد دخله، وتم اختياره بعد ثلاث سنوات رئيساً للوب كوكب الشرق، وهو محل من المحافل الماسونية التي كانت موجودة في مصر، ودعوه في 7 يناير 1878م لاستلام القادوم بعد إتمامه، وأن يأتي بلبس الماسون.

    وهذا الرجل إذا أردنا أن ندينه من فمه فنقول فيه مثل ما قاله الشيخ الدكتور محمد محمد حسين : إن هذا الرجل كان يثير النعرات القومية عند المصريين فيقول: تناوبتكم أيدي الرعاة واليونان والرومان والفرس والعرب والأكراد والمماليك والفرنسيس، وكلهم يشقون جيوبكم.

    يعني: يتكلم ويقول: تناوبتكم أيدي العرب، فأدخل المسلمين أيضاً من ضمن الغزاة الفاتحين أصحاب الظلم والظالمين، هكذا كان كلامه على الفتح الإسلامي.

    ثم يقول: انظروا أهرام مصر وهياكل رمسيس وآثار طيبة ومشاهد تيوة وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم.

    وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

    هذا ما يقوله هذا الرجل.

    ومع أنه كان ينعي على عباد القبور إلا أنه كان إذا وجد وسط القبوريين فإنه يتكلم كما يتكلم المتصوفة القبوريين.

    وقد كان يميل إلى أسلوب الاغتيال وإلى تدبير الاغتيالات السرية حتى في وجوده في إيران.

    ومما يؤخذ أيضاً على هذا الرجل: اختلاطه الكثير باليهود والنصارى، وكان يحيط نفسه بخليط كبير من اليهود والنصارى مثل سليم النقاش من نصارى الشام وهو ماسوني، وأديب إسحاق وهو أيضاً ماسوني، ولما مات أديب إسحاق قال عنه: إنه كان تراث العرب وزهرة الأدب، وقضى نحبه في شرخ الشبوبة وعنفوان الفتوة، وترك لنا قلوباً آسفة وسبولاً فائضة، إنا لله وإنا إليه راجعون. يسترجع على موت أديب إسحاق !

    ومن المآخذ عليه: أن طبيبه الخاص كان هارون اليهودي ، ومن يوم أن جاء مصر سكن في حارة اليهود وما فارقها حتى غادر مصر.

    وكان يسعى إلى إسقاط الخلافة العثمانية، فقد قال السلطان عبد الحميد في مذكراته: وقعت بين يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية كل من مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنجليزي يدعى بـلنز ، قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك.

    وكان يشرب الفنيات، ومحمد عمارة كل يوم ثلاثاء يكتب في جريدة الشعب ويقول: غرائب التنوير ومدرسة التجديد ومدرسة المستنيرين وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وشيخ المدرسة كان يشرب قليلاً من الفنيات! وهذا قاله الشيخ محمد رشيد رضا في الجزء الأول صفحة 49 من تاريخ الأستاذ الإمام قال: إنه كان يشرب قليلاً من الفنيات.

    ومن المآخذ أيضاً عليه: أن السلطان عبد الحميد استشاره في إرسال بعثة من العلماء لنشر الإسلام في اليابان حسب طلب إمبراطور اليابان، فثناه عن عزمه وقال له: إن العلماء نفروا المسلمين من الإسلام، فأجدر أن ينفروا الكافرين.

    يقول الشيخ يوسف النبهاني : إنه جالس جمال الدين الأفغاني من أول النهار إلى آخره فما وجده صلى فريضة واحدة، ذكر ذلك في قصيدته الرائية، وكان شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ عليز وعندما كان يتواجد جمال الدين الأفغاني داخل المسجد الأزهر كان يضربه بعكازه حتى يخرجه.

    هذا النسبة لـجمال الدين الأفغاني .

    1.   

    بيان انحرافات محمد عبده

    ثم أتى من بعده مفتي مصر في عصره الشيخ محمد عبده ، وهو التلميذ الأول لـجمال الدين الأفغاني، فكان أول ما فعل أنه دعا للتقريب بين الأديان، وأنشأ جمعية من أجل ذلك هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية، وهي جمعية العروة الوثقى، وكانت جمعية دينية سرية سياسية، وكان صاحب الرأي الأول فيها الشيخ محمد عبده ، وكان سكرتيرها مرزا باقر ، وقد كان مسلماً ثم تنصر وتسمى بـمرزا يوحنا .

    وكتب الشيخ محمد عبده في رسائل له إلى القس الإنجليزي إسحاق تلر ، يقول: كتابي إلى الملهم بالحق الناطق بالصدق، حضرة القس المحترم إسحاق تلر ، أيده الله في مقصده، ووفاه المذخور من موعده.

    ويقول له في هذا الخطاب: ونستبشر بقرب الوقت الذي يسطع فيه نور العرفان الكامل، فتهزم له ظلمات الغفلة، فتصبح الملتان العظيمتان المسيحية والإسلام وقد تعرفت كل منهما إلى الأخرى، وتصافحتا مصافحة اللباب، وتعانقتا معانقة الأنثى.

    وهذا موجود في كتاب الأعمال الكاملة لـمحمد عبده ، جمع وتحقيق محمد عمارة الجزء الثاني صفحة 363 - 364، قال: وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التقريب بين الأديان لما راسل قيصر الروم ونصارى نجران.

    ومن المآخذ التي تؤخذ على الشيخ محمد عبده : أنه كان يقول: إذا تعارض العقل والنقل فقد اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل.

    يعني: لو اصطدم العقل مع آية فنأخذ بما دل عليه العقل ونترك هذه الآية.

    ومما يؤخذ عليه أيضاً: دخوله في الماسونية مع شيخه، وكان يحتفظ بكتب الماسونية في منزله وبالخط الأفغاني، وقد صودرت في أثناء سجنه بمصر، وصدرت منه عبارات لأستاذه الأفغاني تفوح منها رائحة تجاهل الإسلام، والدعوة إلى الفرعونية المصرية.

    و محمد عبده هو الذي كتب بخط يده برنامج الحزب الوطني الحر، وهو غير الحزب الوطني لـمصطفى كامل ، وهذا الحزب هو حزب علماني يجمع رجالاً مختلفي العقيدة والمذاهب.

    ويقول محمد عبده : إن خير أوجه الوحدة: الوطن، يعني: إن الإسلام لا يجمع الناس بقدر ما يجمعهم الوطن، يعني: الوطن يجمع الناس أكثر مما يجمعهم دين الله عز وجل، فهو من القائلين بالوحدة الوطنية. يقول: إن خير أوجه الوحدة الوطن؛ لامتناع الخلاف والنزاع فيه.

    وأيضاً مما يؤخذ على محمد عبده : علاقته المريبة بالإنجليز، حتى إن اللورد كرومر الذي قال: جئت لهدم ثلاثة: الكعبة، والقرآن، والأزهر، صرح بأن الشيخ سيظل مفتياً في مصر ما ظلت بريطانيا العظمى محتلة لها.

    فأي علاقة كانت تربطه بالإنجليز حتى يدافعوا عنه هذا الدفاع؟!

    ولما ألف محمد أحمد خلف الله الشيوعي رسالة: الفن القصصي في القرآن الكريم، وقال: إن قصص القرآن عبارة عن أساطير وأكاذيب، رفضت جامعة فؤاد قبول رسالة الدكتوراة هذه، فقال أمين الخوري الذي كان متزوجاً من الدكتورة ابنة الشاطئ : إنها ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاماً.

    وقال لهم: لماذا ترفضون هذا الكلام؟ إن هذا هو نفس كلام محمد عبده عندما قال: إن قصص القرآن عبارة عن تمثيل، ومحمد أحمد خلف الله إنما زاد قوله: إنه أساطير، يعني: عبارة عن أكاذيب.

    ومما يؤخذ أيضاً على محمد عبده : أنه الواضع الحقيقي لكتاب تحرير المرأة، وهو الذي صاغه الصياغة النهائية، كما يقول محمد عمارة نفسه الذي جمع كلام الشيخ محمد عبده ، فقد قال: هناك فصول كاملة في كتاب تحرير المرأة لـقاسم أمين أعدها الشيخ محمد عبده ، وهي فصول: الحجاب الشرعي، والزواج وتعدد الزوجات، والطلاق، فهذه كاملة من صنع الشيخ محمد عبده ، والفصول الأخرى من تأليف قاسم أمين ، ثم صاغه محمد عبده الصياغة النهائية، وقد ظلوا في مجلة المنار يثنون على هذا الكتاب وقت أن قامت الزوبعة عليه.

    1.   

    بيان انحرافات أعلام المدرسة العقلية في هذا العصر

    ومن أهم رجال هذه المدرسة أيضاً: مصطفى المراغي ومحمود شلتوت وعبد القادر المغربي ، فقد خالفوا الإسلام وانحرفوا في مجال العقيدة وفي الكلام عن أمارات الساعة، فأنكروا أحاديث المهدي ، مع أن العلماء حكموا أنها متواترة، فقد رفضوها بتاتاً، وقالوا: إن فكرة المهدي أصلاً اقتبسها المسلمون من اليهود الذين قالوا: بعودة المسيح وظهوره مرة أخرى.

    وأنكروا أحاديث الدجال ، مع أن الأحاديث فيه متواترة كما قال الحافظ ابن كثير .

    وقال الإمام النووي : إن الذي ينكر أحاديث الدجال المتواترة هم الخوارج والجهمية وبعض أهل الاعتزال.

    وأنكروا أيضاً ظهور الدجال، وقالوا: إن أحاديثه مضطربة.

    وأولوا العرش بالملك في قول الله عز وجل: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، وقالوا: العرش هنا كناية عن الملك والسيطرة.

    وأولوا صحف الأعمال التي يأخذها العبد يوم القيامة باليمين أو بالشمال، وقالوا في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة:19] يعني: كناية عن التفاؤل، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة:25] قالوا: كناية عن الانتظار.

    و محمد فريد وجدي كان يقول بعقيدة الجبر، وخالفه الشيخ محمد عبده فكان يقول بالاختيار، وكان محمد فريد وجدي يقول أيضاً: إنه يؤمن بتحضير الأرواح.

    وفي مجال المعجزات: أنكروا كل معجزة، وقالوا: إن هذه المعجزات لا يستطيع العقل أن يكيفها، وهي ليست حكراً على الرسل، وأما المعجزات القديمة التي حكاها الله في كتابه عن الأنبياء فقد نقل عنهم الشيخ محمد رشيد رضا : أن وجود هذه المعجزات في القرآن الكريم كانت سبباً في إحجام الناس عن الإسلام، يعني: لو أن القرآن لم تكن به هذه الأشياء لكان مفكرو الغرب وأهل العقل منهم أسلموا، ولكن الذي صدهم عن الإسلام المعجزات القديمة للأنبياء القدامى، قالوا: وكل الأديان السابقة كانت تصادم العقل إلا الدين الإسلامي فإنه أتى في مرحلة وجوب نضوج العقل فلم يحتج دين الله عز وجل إلى معجزة؛ لأن المعجزات يعاقب بها المولى عز وجل منكري النبوات، والله عز وجل جعل المعجزات دليلاً على صحة وصدق الرسل، وهم ينكرونها بتاتاً.

    ومحمد حسين هيثم في كتابه: (محمد) أنكر كل معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم إلا القرآن فقط، فأنكر انشقاق القمر، مع أن الأحاديث الواردة في انشقاق القمر لرسول صلى الله عليه وسلم بلغت حد التواتر ومع هذا أنكرها، فهم إما أن يؤولوا المعجزات أو ينكروها.

    وخالفوا أهل السنة والجماعة في الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة وقالوا: إن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد، وإنما يؤخذ بالحديث المتواتر، فخالفوا بذلك عقيدة أهل السنة والجماعة.

    واختلفوا في أصل الإنسان هل هو سيدنا آدم أم لا؟ واضطربوا في ذلك اضطراباً عظيماً، ومال محمد عبده إلى أن أصل الإنسان ليس آدم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وقال: كثير من الناس البشر لا يعرفون آدم ولا حواء كأهل الصين والهند، وأنه يستوي عندهم أن يكون أصل الإنسان آدم أو القرد.

    بل نقل محمد رشيد رضا عن الإمامية والصوفية: أنه كان قبل آدم المشهور آدميون كثيرون، يعني: آدم وآدم وآدم وآدم، ونقل عن الإمامية: أن الله تبارك وتعالى خلق قبل آدم ثلاثين آدماً، بين كل آدم وآدم ألف سنة! فهم يأتون بكلام الشيعة ويردون الأحاديث الصحيحة المتواترة.

    وأما مقالته في الملائكة فأغرب وأعجب، يقول محمد عبده عن الملائكة: يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره أنه عندما يهم بأمر فيه وجه للحق والخير ووجه للباطل أن في نفسه تنازعات، فنوازع الخير عند الإنسان هذه هي الملائكة!

    وأين يأتي بحديث مجيء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض الثياب لا يرى عليه أثر غبار السفر، وجعل يسأله؟! فهل كانت مواد الخير هذه ممثلة في شخص تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثه وتكلمه؟!

    ويقول في قول الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34]: كل هذا من القصص التمثيلي، يعني: لم يكن هناك سجود ولا شيء، نسأل الله أن يثبت علينا عقولنا.

    ويقول: إن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، جعل كل صنف من القوى مخصوص بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، وخلق بعد ذلك الإنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعداً للتصرف في جميع هذه القوى، وتسخيرها في عمارة الأرض، فعبر الله عن تسخير هذه القوى له بالسجود!

    فهل يصح أن يقال: إن الله عز وجل عبر عن تسخير كل ما في الأرض لابن آدم بسجود الملائكة لآدم؟! هذا القول لا يقوله أحد.

    وأما عن عقيدته في الجن فيقول: إن الجن لا يستبعد أن يكونوا عالم الميكروبات.

    ويقول في قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]: المس هو: الصرع والأمراض العصبية، وسببها بإذن الله تلك الجراثيم التي تدخل جسم الإنسان!

    ويقول في قول الله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27] عن الشيطان وقبيل الجن: تلك الميكروبات ترانا من حيث لا نراها، ولكن الله سبحانه مكننا من رؤيتها بالميكرسكوبات!

    وأما الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي وأحمد وفيه: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) فيقول عنه: لا شك أن الجراثيم تلك تجري في خلايا جسم الإنسان وفي دمه، حيث تنقل الأمراض وتسري في البدن!

    ويقول في الحديث الذي رواه الإمام مسلم وأحمد والدارمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب): ولا شك أن الفم من أهم مداخل الميكروبات إلى جسد الإنسان، ولاسيما إذا كان في حال التثاؤب، فقد يلج منه ذباب أو ميكروبات وجراثيم لا نراها، فوضع اليد على الفم من أجل ألا تدخل الميكروبات!

    ويقول في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه): ولا شك أن الخياشيم من مداخل الميكروبات إلى جسم الإنسان!

    ويقول عن حديث: (فناء أمتي بالطعن والطاعون): والطاعون أيضاً هو من فعل الميكروبات!

    هذا مما أخذه أهل العلم على محمد عبده .

    1.   

    انحرافات العقلانيين في التفسير

    وأما انحرافاتهم في التفسير: فمنها في قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، قال علماء أهل السنة والجماعة: الخلود هنا طول المكث وليس التأبيد، أي: ومن عاد إلى حل الربا واستحله فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

    وأما محمد عبده ومحمد رشيد رضا فذهبوا إلى أن الرجل إذا مات مصراً على الربا فهو مخلد في النار، وخالفوا بذلك عقيدة أهل السنة والجماعةن ومالوا إلى قول أهل الاعتزال في أن الرجل آكل الربا إذا مات مصراً عليه يكون كافراً مخلداً في النار.

    وأيضاً في قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، ذهبوا إلى تحديد الزواج وتقييده بواحدة، بل قال مصطفى المراغي لما اجتمع بعلماء الحنفية: انظروا إلى أحكام توافق العصر وأنا مستعد أن آتي لكم بنصوص من الشرع تؤيد ما ذهبتم إليه.

    وقالوا: إن الطلاق لا يقع إلا أمام القاضي؛ حتى يقيدوا الطلاق.

    ومن انحرافاتهم أيضاً: قولهم في قول الله عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]: إن العلة هنا مطلق السفر أو مطلق المرض، فقالوا: يجوز للرجل إذا كان مسافراً أو مريضاً ووجد الماء أن يتيمم مع وجود الماء. وهذا الكلام قاله محمد عبده ومحمد رشيد رضا ، ولم يقل به أحد من أهل العلم.

    وقالوا في قول الله عز وجل: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:157-158]، وقوله عز وجل: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران:55]: إن عيسى عليه السلام توفاه الله عز وجل وقبضه إليه وأنه قد مات، وخالفوا بذلك عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنكروا رجوع المسيح في آخر الزمان، وردوا هذه الأحاديث.

    قال الشيخ محمود شلتوت وهو يتكلم عن العلماء الأفاضل الذين حكوا التواتر، وهم (22) عالماً: الإمام الطبري والإمام ابن كثير والإمام القرطبي والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السفاريني وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والسبكي والذهبي والألباني والغماري والكوثري .. غيرهم.

    و محمد عمارة حكم بإسلام اليهود والنصارى، وأنهم لا يخلدون في النار، وهذا القول قاله في كتاباته، ونحن لا نفتري على الرجال، وهذا كله في كتب محمد عمارة بالطبعة وبالصفحة وبرقم السطر كذلك، فقد قال بإسلام اليهود والنصارى، وأن اليهود والنصارى الذين بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتركوا مع المسلمين في أصل التوحيد، فهم ناجون عند الله تبارك وتعالى.

    1.   

    بيان ضلالات الترابي

    وأيضاً من المدرسة العقلية حسن الترابي زعيم السودان، وهذا الرجل له فكر معوج، فهو يقول: إن المرتد لا يقتل؛ لأنه يمشي تحت قانون الدولة.

    ويقول أيضاً: بجواز زواج المسلمة من اليهودي أو النصراني، وقد ناظره الشيخ مناع القطان والشيخ القرضاوي ليلة كاملة في رمضان، ولكن الرجل ظل مقتنعاً بما هو عليه.

    بل إنه يقول: ولعل في بعض رقص الغرب الذي هو الباليه معنىً راقياً.

    ويقول: إذا وجد في الجنة باباً تاسعاً فسيدخل منه أهل الفن.

    وهذا كله في كتابه (تجديد الفكر الديني).

    وقال: إن الجن عبارة عن ميكروبات، وفي قوله تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:3]، إنها الميكروبات.

    وقال: إن الملائكة هي نوازع الخير، وأن آدم ليس أبو البشر، وهو يرد الأحاديث الصحيحة والمتواترة، ويقدم العقل على الشرع عند تنازعهما، فأي شيء أبقى في دين الله عز وجل؟!

    1.   

    مناظرة بين العقل والنقل

    قال القائل:

    علم العليم وعقل العاقل اختلفا من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا

    فالعلم قال: أنا أحرزت غايته والعقل قال: أنا الرحمن بي عرفا

    فأفصح العلم إفصاحاً وقال له بأينا الله في قرآنه اتصفا؟

    فأيقن العقل أن العلم سيده فقبل العقل رأس العلم وانصرفا

    1.   

    بيان انحرافات الصوفية

    أولاً: عقيدتهم في الله عز وجل

    وأما علماء الصوفية إن كان فيهم علماء فإن عقيدتهم في الله عز وجل وخاصة الفلاسفة منهم: هي القول بالحلول ووحدة الوجود.

    ثانياً: عقيدتهم في الرسل

    وأما عقيدتهم في الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم يقولون بالحقيقة المحمدية، أي: أن الله عز وجل خلق أولاً الحقيقة المحمدية، وقالوا: هي أول الكائنات، ثم من هذه الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي خلق الله كل ما في الكون من وجود، وأول من قال هذا محيي الدين بن عربي ، ثم تبعه على ذلك الجيلي وابن سبعين وعبد السلام بن حشيش شيخ أبي الحسن الشاذلي، فقالوا: إن نور رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وجد أولاً، قال هذا عبد الكريم الجيلي في كتاب الإنسان الكامل، وقال: إن أول ما خلق الله عز وجل النور المحمدي، ومن هذا النور المحمدي خلق الله كل الكائنات.

    واستدلوا بحديث جابر الموضوع الذي حكم عليه الألباني بالوضع.

    بيان ضلالات ابن عربي

    ومن تراهات الصوفية ما قاله محيي الدين بن عربي شيخ الصوفية الأكبر، وكبريتهم الأحمر في كتابه (فصوص الحكم)، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده الكتاب، فقال لي: هذا كتاب (فصوص الحكم) فخذ واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة.

    وقال: وهذا الكتاب أخذته مباشرة من اللوح المحفوظ، والعلماء لم يكفروه إلا بهذا الكتاب؛ لأنه قال فيه بإسلام قوم نوح، وقال: إن نوحاً مكر بهم ومكروا به، وأنهم كانوا يعبدون الإله الواحد في شخص الصور المتعددة.

    وقال فيه بإسلام فرعون وأنه كان أعلم بربه من موسى عليه السلام. وهذا موجود في كتاب (الفتوحات) وفي كتاب (فصوص الحكم).

    ثالثاً: عقيدتهم في الجنة والنار

    أما عقيدتهم في الجنة والنار فإن الحلاج يقول عن الجنة: ما الجنة؟ إنها لعبة صبيان، ويقول عن النار: ما النار؟ أستطيع أن أبصق عليها بصقة فأطفئها!

    بيان ضلال الصوفية في أمر الخضر

    يقولون: كان الخضر حنفياً ولم يكن شافعياً، ويقولون: إن السرهنتي سأل الخضر : هل تصلون بالمذهب الشافعي؟ فقال له الخضر : لسنا مكلفين بالشرائع، ولكن لأن قطب الزمان شافعي فنحن نصلي وراءه على مذهبه الشافعي.

    فقد اختلفوا هل كان الخضر شافعياً أو مالكياً، وهذا من جهلهم، مثل أن يأتي شخص يسأل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحمدياً أو بيومياً؟!

    نظرية خاتم الأولياء عند الصوفية

    وأما عقيدتهم في الولاية فإنهم قالوا: كما أن للأنبياء خاتماً فالأولياء لهم خاتم، وأول من قال بنظرية الختم هذه هو الحكيم الترمذي ثم تابعه على ذلك محيي الدين بن عربي ، وزاد محيي الدين بن عربي وقال: إن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، ثم تبعهم على ذلك أحمد التيجاني صاحب الطريقة التيجانية، وكان كل واحد منهم يقول: أنا خاتم الأولياء، يعني: أنهم أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومنهم محمد عثمان المغرني صاحب الطريقة الخاتمية التي اتفقت مع الأعداء على ضرب المسلمين.

    وعند الصوفية أن مقام الولاية فوق مقام النبوة.

    مسألة ديوان الصوفية

    وأما ديوان الصوفية فإنهم يقولون: إن هذا الديوان يعقد كل يوم في الثلث الأخير من الليل، وكل يوم والناس الذين هم جالسون في هذا الديوان يقررون مصير الخلائق حتى اليوم التالي: من الأرزاق، وعالم الحجب، وما فوق الحجب، وما يكون في الملكوت!

    ويقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر هذا الديوان مع زوجاته، وتحضره الملائكة أيضاً.

    ويقولون: إن لغة أهل الديوان اللغة السريانية إلا في وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فباللغة العربية؛ احتراماً لقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الديوان يعقد في غار حراء، ومن الجائز أحياناً أن يعقد في صحراء السودان!

    ويقولون: إن الأولياء ينظرون في اللوح المحفوظ، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء، كفتاه من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم 360 نظرة، يخلق بكل نظرة ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء.

    قول المتصوفة بجواز رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة

    وتراهات الصوفية هذه امتد أثرها إلى بعض الاتجاهات الإسلامية حتى إن بعض إخواننا في الهند وباكستان يقولون بجواز رؤيتهم للملائكة وللأنبياء يقظة، كما يقول الصوفية بجواز رؤيتهم لرسول صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً، وهذا القول ما قال به أحد من أهل العلم، وكان بعض المتصوفة من التبليغ في الهند وباكستان يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر إلى مدرسة العلوم بديوبن، وهي أصل جماعة التبليغ، وأنه يعد الحساب للكشف الختامي لدار العلوم بديوبن. وهذا قول باطل.

    1.   

    الحث على اتباع الكتاب والسنة

    قال الله تبارك وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وفضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

    وقال الله تبارك وتعالى في محكم آياته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

    وقال رسول صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون).

    قال ابن المبارك : هم عندي أصحاب الحديث، وكذا قال يزيد بن هارون والإمام ابن المديني ، وقال الإمام أحمد : إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة هم أصحاب الحديث فلا أدري من هم.

    وقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:1-2].

    وحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً، فلا ترفع خزعبلات الأذهان ولا نتائج الأفكار العفنة فوق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحالك على غير حدثنا وأخبرنا فإنما يحيلك على قياس فلسفي أو على ذوق صوفي، ولولا حدثنا وأخبرنا ولولا عبد الرزاق وأمثاله لما وصل إلينا من الكتاب شيء.

    وقال الله تبارك وتعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، قال ابن عباس : سبيل وسنة.

    وقال الله عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا [الجاثية:18]، قال الحسن : على السنة.

    وقال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121]، قال عطاء : يتبعونه حق اتباعه، ويعملون حق العمل به.

    وقال الله تبارك وتعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129]، قال الحسن : الكتاب هو: القرآن، والحكمة هي: السنة.

    وقال الله تبارك وتعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، قال سعيد بن جبير : ثم استقام ولزم السنة والجماعة.

    وقال شمر بن عطية : ثُمَّ اهْتَدَى أي: للسنة.

    وقال الله تبارك وتعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106]، قال ابن عباس : أما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة.

    وقال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، قال عطاء : طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع الكتاب والسنة، وليس اتباع الذوق.

    1.   

    بيان انحراف الصوفية عن اتباع الكتاب والسنة

    فهم يقولون: حدثني قلبي عن ربي هكذا مباشرة! ويقولون: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله! وهذا البحر هو بحر الشطحات، ويقولون: إنكم تأخذون علمكم من ميت عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت! ويقولون: نحن لا نحتاج إلى طريق؛ فقد وصلنا. قال الجنيد : نعم وصلوا ولكن إلى سقر.

    ولسان حالهم كما قيل عنهم:

    ويقول قلبي: قال لي: عن سره عن سر سري عن قفا أحوالي

    عن حضرتي عن فكرتي عن بلوتي عن صفو ذاتي عن صفات فعالي

    دعوى إذا ألفيتها حققتها ألقاب زور لفقت بخيال

    وكما يقول القائل:

    وقالوا: سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع

    كذاك البهائم إن أشبعت يرقصها ريها والشبع

    وقيل:

    أقال الله: زمر لي وطبل وقل كفراً وسمي الكفر ذكر؟!

    1.   

    بيان فضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم

    قال الله تبارك وتعالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54].

    وقال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    قال الحسن : ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فعلامة محبتك لله عز وجل حب اتباعك لرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، فالحواريون من هذه الأمة هم الذين يتبعون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ [الصف:14]، وأعظم شيء أن تكون نصيراً لله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم رقى المتبع لسنته صلى الله عليه وسلم وخلع عليه اسم الحواري.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أناساً من أمتي يأتون بعدي يود أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد أمتي حباً لي قوم يكونون بعدي يود أحدهم أنه فقد أهله ماله وأنه رآني).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من ورائكم زمان صبر).

    أي: صبر على السنة، وهذا أفضل أنواع الصبر؛ لأنه صبر على الطاعة, وهو أفضل وهو من الصبر عن المعصية ومن الصبر على الفتن.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من ورائكم زمان صبر، للمتمسك فيه منهم أجر خمسين شهيداً منكم).

    أي: من الصحابة، يعني: المتمسك بالسنة في هذا الزمان له أجر خمسين شهيداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر).

    وعن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء، أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصهم أكثر ممن يطيعهم).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: (أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالسنة معه، وقد كان جبريل عليه السلام يدارسه السنة كما يدارسه القرآن.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن -أي: القرآن فقط-، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله).

    فقوله: (ألا يوشك رجل شبعان) يعني: لا يقول هذا إلا الشبعانون المترفون.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فيسرى اختلافاً كثيراً).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه عمر وقال له: (يا رسول الله! إنا نسمع أحاديث من يهود فتعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم بعدي -يعني: أمتحيرون أنتم بعدي- كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي).

    وفي لفظ الدارمي : (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة فقال: يا رسول الله! هذه نسخة من التوراة، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل عمر يقرأ ووجه رسول يتغير، فقال أبو بكر : ثكلتك الثواكل يا ابن الخطاب ! -يعني: ثكلتك الثواكل أن أغضبت رسول الله-، أما ترى ما بوجه رسول الله، فنظر عمر إلى وجه رسول الله، فقال: أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى عليه السلام فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني).

    فلا تأخذ برأيك ولا بعقلك وتقدمهما على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    من أقوال الصحابة في الحث على اتباع الكتاب والسنة والتمسك بهما

    قال علي بن أبي طالب : (لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهرهما).

    وعن حذيفة بن اليمان : أنه أخذ حجرين وضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ! ما نرى بينهما من النور إلا قليلاً، قال: والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تركت السنة.

    يعني: يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

    وقال ابن مسعود : اتبعوا ولا تبتعدوا؛ فقد كفيتم.

    وقال ابن عباس رضي الله عنه: أما تخافون أن تعذبوا وأن يخسف بكم؟ أقول لكم: قال رسول صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وقال عمر ؟ يعني: يقول للصحابة: والله لو قلت لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلتم: قال أبو بكر وقال عمر فيوشك أن يخسف بكم وأن تعذبوا.

    و عبد الله بن عمر رضي الله عنه من رآه في طلبه لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه مجنون، وكان يقول لـنافع : لعل خفاً يقع على خف، يعني: لعل خفاً من ناقتي يقع على خف ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وثبت عنه أنه حاد في طريق، ولما سئل قال: (وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى إلى هذا المكان تنحى فأناخ ناقته ثم ذهب إلى الخلاء)، ففعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

    ولولا أصحاب المحابر لخطبة الزنادقة على المنابر.

    1.   

    من أقوال السلف في الحث على التمسك بالسنة

    قال الإمام الزهري : الاعتصام بالسنة نجاة.

    وقال سعيد بن جبير : لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة للسنة.

    وقال يونس بن عبيد : أصبح من عرف السنة غريباً، وأغرب منه الذي يعمل بها.

    وقال يونس بن عبيد أيضاً وهو تلميذ الحسن البصري : ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها.

    وقال أيوب السختياني : إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله عز وجل لعالم من أهل السنة.

    يعني: مثلاً لو أن رجلاً جاء من ألمانيا أول مرة إلى مصر، فإذا أراد الله به خيراً أتى به إلى مسجد من مساجد السنة من أول يوم.

    وقال ابن شوذب : إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها.

    وقال الإمام الأوزاعي : ندور مع السنة حيث دارت.

    وقال: خمس كان عليهن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله عز وجل.

    وقال أيوب السختياني : إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا منها وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال.

    وقال مكحول : القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن؛ لأنها مبينة ومفسرة له.

    وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله عز وجل.

    يعني: أن اتباع السنة في عصره أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل.

    قال الألباني : هذا في زمانه، فماذا يقال في زماننا نحن؟!

    وقال ابن عمر : لا يزالون على الطريق ما اتبعوا الأثر.

    وقال سفيان : الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض.

    وقال الفضيل بن عياض : إن لله عباداً يحيي الله بهم البلاد هم أصحاب السنة، ومن كان يعلم أن ما يدخل جوفه من حل كان من حزب الله.

    وقال عبد الله بن المبارك : ما رأيت أحداً ألزم للسنة من أبي بكر بن عياش .

    وعن عون قال: من مات على الإسلام والسنة فله البشرى بكل خير.

    دين النبي محمد أخبار نعم المطية للفتى آثار

    لا تعدلن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار

    ولربما غلط الفتى أثر الهدى والشمس بازغة لها أنوار

    وهكذا أيها الإخوة! رأينا أن هناك شرعاً وهناك عقلاً، والعقل بدون الشرع يضل ويزيغ، والشرع بدون العقل لا قيمة له، والخير كل الخير في اتباع الشرع وليس في اتباع العقل أو الوجد كما رأينا.

    1.   

    الأسئلة

    المراجع والمصادر لهذه المحاضرة

    السؤال الأول: المطلوب من فضيلة الدكتور أن يرشد الإخوة إلى المراجع والمصادرة لهذه المحاضرة لكي يرجعوا إليها؟

    الجواب: المراجع هي كتاب (المدرسة العقلية) للدكتور فهد بن زيد الرومي ، وكتاب: (المدرسة العقلية وانحرافاتها)، و(منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) للدكتور فهد بن عبد الرحمن سليمان، وهناك (طوام وانحرافات في المدرسة العقلية في التفسير والعقائد)، وكتاب: (محمد عمارة في ميزان أهل السنة والجماعة)، ومحمد عمارة يأتي في جريدة الشعب كل يوم ثلاثاء وجمعة، وكتاب: (الفكر الصوفي) للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ، وكتاب: (العقلانيون أفراخ المعتزلة)، وكتاب: (المعتزلة بين القديم والحديث) للشيخ محمد عبده وطارق الحليلي ، وكتاب: (منهج الأشاعرة في العقيدة) للشيخ سفر الحوالي ، وكتاب: (صلاح الأمة في علو الهمة) المجلد الثاني لصاحبكم العبد الفقير إلى الله.

    معنى قول المعتزلة سميع بلا سمع وبصير بلا بصر

    السؤال: ما معنى: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم؟

    الجواب: معنى هذا الكلام: أنهم أثبتوا الأسماء فقط لله عز وجل، فأثبتوا له مطلق الوجود بدون أي صفة، وعلماء أهل السنة والجماعة قالوا: إن أسماء الله عز وجل اشتقت منها صفاته، فالعليم معناه: ذات علية متصفة بصفة العلم، والحكيم ذات علية متصفة بصفة الحكمة، والخبير ذات علية متصفة بصفة العلم، والقدير ذات متصفة بصفة القدرة، وهم نفوا الصفات وعطلوها تماماً ولم يثبتوا لله تبارك وتعالى صفة. والله أعلم.

    بيان حال سيد قطب

    السؤال: هناك من يقول: إن الشيخ سيد قطب يقول بوحدة الوجود وأن عقيدته أشعرية، هل هذا صحيح؟

    الجواب: بداية يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني عن الشيخ سيد قطب : إن الشيخ سيد قطب لم يكن عالماً، وحرام على الناس أن يحاسبوه حساب العالم، يعني: الشيخ سيد قطب كان داعية عظيماً، ولكنه لم يكن عالماً كـابن تيمية أو الشوكاني أو الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو ابن باز أو غيره، فالرجل دخل مؤخراً في الحركة الإسلامية ولم يطلع على عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن الإنصاف ألا تبخس الناس ما قدموه للإسلام من خدمات، ثم إن كانت عندهم آثار سيئة أو أخطاء فتذكر الأخطاء، ولكن من الإنصاف أن تذكر بداية الحسنات، وكما قالوا: إن الماء إذا بلغ القلتين لا يحمل الخبث، فلا تأتي إلى داعية مثل الشيخ سيد قطب وتنسفه نسفاً ولا تذكر له حسنة واحدة.

    وقال الشيخ محمد إسماعيل المقدم عنه: يكفيه أنه دفع حياته من أجل دينه، وأنه أشار بسبابته وقال: إن هذه السبابة التي نشير بها إلى الله عز وجل لا تسجد لغير الله عز وجل، وهذا من باب إنصاف الشيخ سيد قطب ، ولا نقول عليه ما قاله الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي كلامه عن الشيخ سيد قطب وإن كان فيه حقائق إلا أنه كلام جاف، وإن كان أغلبه كلام علمي ولكنه كلام جاف، وظاهر كلامه أنه ليس لـسيد قطب حسنة واحدة، والشيخ الألباني يقول عن سيد قطب : إن بعض كتاباته عليها نور العلم، مثل كتاب (معالم في الطريق)، ففيه فصل عليه نور العلم، وهو فصل لا إله إلا الله منهج حياة، قال: وأما كتابه العدالة الاجتماعية فلا يساوي شيئاً.

    والشيخ سيد قطب له أخطاء جمعها الشيخ أحمد الدويش في كتابه (المورد الزلال في الرد على أخطاء الظلال)، ومن ضمن هذه الأخطاء: أن الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله كان يقول: إن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في مجال العقائد، وأخطأ في هذا.

    ومن ضمن أخطاء الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله عليه: أنه أول بعض الصفات مثل صفة الاستواء في قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأخطأ في هذا، ورد عليه الشيخ الدويش ، وقد زل به قلمه في أوائل سورة الحديد وفي سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ورد عليه الشيخ الدويش ، ولأنه لم يكن عالم حديث فقد رد بعض الأحاديث مثل حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم الموجود في البخاري ، فللرجل أخطاء نتجنبها ونأخذ من حسناته فقط؛ حتى نكون في إنصاف والله أعلم، أما أن نحاسبه على أنه كان عالماً فالشيخ سيد قطب لم يكن عالماً.

    أسباب قسوة القلوب وأسباب رقتها

    السؤال: ما هي الأسباب المؤدية إلى قسوة القلب وما علاجها باختصار شديد؟

    الجواب: من ضمن أسباب قسوة القلب: نسيان ذكر الله تبارك وتعالى وإهماله، جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له: أشكو إليك قسوة قلبي، فقال: أذبه بالذكر.

    وإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنسِ

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقيت إبراهيم في ليلة أسري بي فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبق المفردون، قيل: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).

    يا من يذكرني بعهد أحبتي طاب الحديث بذكرهم ويطيبُ

    أعد الحديث علي من جنباته إن الحديث عن الحبيب حبيب

    ملأ الضلوع وفاض عن جنباتها قلب إذا ذكر الحبيب يذوب

    ما زال يخفق دائماً بجناحه يا ليت شعري هل تطير قلوب

    ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أكثر من ذكر الله حتى يقول الجاهل: إنك مجنون)، والحديث صححه الحافظ ابن حجر والشيخ الألباني .

    وأتى رجل إلى أبي مسلم الخولاني وكان كثير الذكر لله عز وجل فقال: أمجنون أنت يا عماه؟! قال: لا يا بني! بل هذا دواء الجنون.

    ومن حديثي بكم قالوا به مرض فقلت لا أذهب الله عني ذلك المرض

    ويقول الشاعر:

    والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي

    ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تستقل الشمس فيجدها شيء من خلق الله إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم)، فالغبي كل الغبي والغباوة كل الغباوة البعد عن ذكر الله تبارك وتعالى.

    وقال الله تبارك وتعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    وأعظم الذكر قراءة القرآن الكريم، فهو مزامير الأنس، من حضرة القدس، بألحان التوحيد، من رياض التمجيد، وهذا طعم الخبر فكيف بطعم النظر!

    وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    فعليكم بأحسن الحديث، والطيب من القول، والأنس بالله عز وجل، وقراءة القرآن.

    قال ابن تيمية : ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري أينما ذهبت فهي معي، إن معي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    وقال: مساكين أهل الدنيا؛ خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها؛ لذة الأنس بالله عز وجل.

    ويقول ابن القيم : إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها القلب طرباً، وأقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.

    فأول شيء يرق به القلب: ذكر الله عز وجل.

    وثانياً مما يرقق القلوب: العطف على اليتامى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أردت أن يلين قلبك وتدرك حاجتك امسح رأس اليتيم، وادنه منك، وأطعمه من طعامك، واسقه من شرابك، يلن قلبك وتدرك حاجتك).

    وأما أسباب قسوة القلوب فمنها: التسويف، قال أحد الصالحين: أنذرتكم سوف؛ فإنها جند من جنود إبليس.

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل)، فقوله: (ويهلك آخرها بالبخل والأمل) أي: بالتسويف.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله عز وجل آنية في الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها).

    وتقسو القلوب أيضاً بكثرة الطعام، والأصل كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني جواز الشبع أحياناً، وأما أن تأكل كل يوم وتملأ بطنك فهذا لا يصح.

    وأتى رجل إلى الحسن فقال له: علمني كيف أقوم الليل، فقال: صف لي أكلك كيف تأكل؟ قال: آكل حتى أشبع، قال: يا بني! ذاك أكل البهائم، قال: صف لي شربك، قال: أشرب حتى أرتوي، قال: ذاك يا بني! شرب الأنعام، اذهب يا بني! فتعلم الأكل والشرب، ثم ائت أعلمك قيام الليل.

    ولذلك يقول الإمام ابن القيم في كتاب (الفوائد): قيل لرجل من الصالحين: فلان يأكل في اليوم ثلاث أكلات، فقال: قولوا لأهله: يبنوا له معلفاً.

    ومما يرق به القلب كثرة الصوم، وأكثر ما يدر الدمع في العين الصوم.

    نزف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار

    من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للدموع تعار

    وأنت جرب عندما تصوم تجد أن القلب يرق وتذرف الدمعة، كما قال العلامة القسطلاني .

    وآخر ما قرأت في كتاب (تاريخ أصبهان): أنه كان هنالك رجل من أصحاب الحديث مكث أربعين سنة هو وابنه وامرأته يصومون، وكان يسرد الصوم سرداً.

    وما مات عمر وعثمان رضي الله عنهما حتى سردا الصوم سرداً، ومات عثمان رضي الله عنه وهو صائم.

    وتجد الأعاجيب في حكايات السلف عن الصوم، فمنهم من صام أربعين سنة لا تشعر به زوجه، فكان يخرج بطعامه من البيت ويتصدق به في عرض الطريق، فإذا أتى إلى حانوته ظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت، وإذا أتى إلى بيته بعد المغرب ظنوا أنه قد أكل ما أخذه من طعام.

    وأيضاً قيام الليل مما يرق به القلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة منكم إلى ربكم، ومنآة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد).

    قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9].

    وأيضاً مما يرق به القلب: البعد عن المخالطة الكثيرة للناس، فالأنفاس الصادرة من العصاة تعكر الجو وتغبره، والمخالطة الكثيرة للناس والكلام الكثير معهم مما تقسو به القلوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك بطول الصمت وحسن الخلق، فوالذي نفسي بيده ما تجملت الخلائق بمثلهما).

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.