إسلام ويب

أسود من التاريخللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحق عالٍ رغم كل شيء، ودولة الباطل مهما طالت فهي زائلة، ولكن سنة الله ألا يعلو الحق إلا على أكتاف رجال مخلصين يسطرون بتاريخهم المشرق الصفحات الوضاءة، فهم النبراس الذي يجب أن يحتذى به للخروج من الأزمة الراهنة.

    1.   

    لا حل لهذه الأمة إلا بالجهاد

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، وابن ماجة، والبخاري في التاريخ عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعمله في طاعته إلى يوم القيامة).

    وفي هذه الأيام تكثر الهمم الساقطة، والعزائم الضعيفة، والأرواح الصغيرة، والنفوس الهزيلة التي يعيش أصحابها على جانب الحياة وعلى هامش التاريخ، فينالهم الذل من كل مكان، وتعلوهم أقدام الغرب الكارهة الكريهة، حتى يقول رأس الكفر ورأس الصليبيين على مرأى من العالم: إنه يعد لحملة صليبية، ثم تراجع وقال: إنه يعد لحملة مقدسة.

    يا أيها الشيطان إنك لم تزل غراً وليس لمثلك الميدان

    أنا ضد أمريكا إلى أن تنتهي هذي الحياة ويوضع الميزان

    هي ظل دوح الموبقات وكل ما في الأرض من شر هو الأغصان

    فهي زارعة الشر في الأرض، وهي رأس الإرهاب في الأرض وإلا فمن الذي قتل أطفال المسلمين في العراق في مخيمات العامرية، وضربهم بالقنابل الفسفورية، وكتبوا على رءوس صواريخهم: إن عجز محمدهم عن نصرهم فليدعوا المسيح لينصرهم. وذلك فيما يسمى بعاصفة الصحراء أو المجد للعذراء، لقد كانت هذه الحرب حرباً صليبية أعلنوها في الخليج، ثم بعد ذلك أزهقوا بسلاحهم من الأرواح ما أزهقوا على ثرى فلسطين.

    والله عز وجل قادر أن يبعث من يحيي في هذه الأمة نواتها، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:38-39].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله).

    وقال صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : (أوصيك بتقوى الله؛ فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد في سبيل الله؛ فإنه رهبانية الإسلام)، حسنه الألباني .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين من أهل بيته).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في أرجاء الجنة حيث تشاء، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بأرجاء العرش).

    يا ويح نفسي وما ارتفعت لنا همم إلى الجنان وتالي القوم أواب

    إلى كواعب للأطراف قاصرة وظل طوبى وعطر الشجو ينساب

    إلى قناديل ذهب علقت شرفاً بعرش ربي لمن قتلوا وما غابوا

    وقال الآخر:

    يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا أو ما لنا سعد ولا مقداد

    أجدادنا كتبوا مآثر عزنا فمحا مآثر عزنا الأوغاد

    سلت سيوف المعتدين وعربدت وسيوفنا ضاقت بها الأغماد

    وقال الآخر:

    قالوا سهرت وفي فؤادك حرقة تدمى وألف تساؤل يتردد

    وعلى جبينك قصة مكلومة تروي المآسي للجميع وتسرد

    أنا يا صحاب قضية مسلوبة لعب الدعي بها وغاب السيد

    أنا يا صحاب مشاعر موتورة للشعر تسلك والمسالك توصد

    على مدار تاريخ الإسلام كان بين المسلمين وبين الصليبيين في كافة أرجاء الدنيا معارك برز فيها قادة يرصع بأسمائهم جبين التاريخ، أذكر لكم 25 ملكاً أو أميراً أو قائداً هزموا الصليبيين وأوقعوا بهم شر هزيمة، وذلك حتى نقول لكل صليبي: اخسأ فلن تعدو قدرك، فمهما صالوا وعربدوا وظنوا أن لهم الدولة في العالم فوالله إن مصيرهم إلى نهاياتهم، فمن كان يظن أن روسيا ستسقط يوماً من الأيام على يد أناس يعيشون في الجبال؟ ومن كان يظن أن الحضارة الروسية ستنهار؟ يقول كبار الخبراء العسكريين في العالم الغربي ومنهم قائد الطيران الأمريكي السابق: إن أمريكا ستنهار من الداخل مع بداية سنة 2021م، وقال هذا أيضاً محللون اقتصاديون وسياسيون وتربويون وعسكريون. وانهيارها من الداخل يعني: بدون عامل خارجي, وإن كانوا قد توقعوا سقوط أمريكا سنة 2021م فما ظنك إذا أرسل الله عز وجل عليهم عقوبة وسنة من سننه الكونية جزاء بما قدمت أيديهم من بغي وظلم ودمار عم أرجاء البسيطة؟

    ولذا نقول لكم في دعوة للأمل حتى لا ييأس الناس ويظنوا أن شمس الإسلام ستغيب يوماً: شمس الإسلام لن تغيب، وقد مرت على الأمة الإسلامية ظروف أحلك من الظروف التي نعيش فيها، ويشاء الله عز وجل أن يرفع البلاء عن الأمة.

    يقول قطز : والله لن أستظل بظل جدار حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام منهم.

    1.   

    أبطال في عصر الخلافة الراشدة

    ولو رجعنا إلى بداية قيام الدولة الإسلامية لوجدنا أسامة بن زيد أسد الله وأسد رسوله، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم يذيق الصليبيين في شمال الجزيرة العربية الذل والهوان، ويوقع الرعب بهم وهم حلفاء الروم، وفي خلافة أبي بكر الصديق يضع فارس الإسلام وسيف الله وسيف رسوله أبو سليمان خالد بن الوليد في أول لقاء له مع صليبي العرب في معركة في الجبهة الفارسية تسمى: معركة أُلَّيس أو نهر الدم.

    وقد كانت بينه وبين نصارى العرب من تغلب وبكر بن وائل وبني عجل وأهل الحيرة وقبيلة جذرة العربية، وعلى رأس هذا التجمع الصليبي عبد الأسود العجلي، وكانوا قد تحالفوا مع قوات الفرس وعلى رأسهم جابان 150000 محارب، وكان سيف الإسلام خالد جيشه 18000 مقاتل فقط أمام 150000 مقاتل.

    وبلغ من استهزائهم بالمسلمين أنهم مدوا البسط ليتناولوا الطعام فحذرهم جابان من الاستهانة بـخالد وقال لهم: اتركوا الطعام واستعدوا للصدام، فعصوه فقال: إن القوم سيعاجلونكم قبل أن تطعموا الطعام وإنكم إنما هيأتموه لهم ليأكلوه بدلاً منكم.

    ولما أتى خالد بجيشه اضطرهم إلى أن يتركوا طعامهم ودعا خالد للمبارزة، فخرج إليه مالك بن قيس، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك كفاء، يعني: أنت لست بكفء لأن تبارز خالد بن الوليد، ثم قتله واقتتل المسلمون ونصارى العرب والمجوس قتالاً شديداً، حتى إن خالداً رضي الله عنه نذر لله إن منحه الله أكتافهم أن يجري النهر بدمائهم، إذ قال: اللهم إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحداً حتى أجري نهرهم بدمائهم، وبعد قتال عنيف وقتل المسلمون ما قتلوا نادى خالد لا تقتلوا أحداً ولكن اضطروهم إلى الأسر. فاضطرتهم جيوش المسلمين ورجالهم إلى الأسر وقدموهم إلى حافة النهر ليضربوا رقابهم حتى يوفي خالد بنذره، وحبس ماء النهر فقال له القعقاع بن عمرو التميمي : والله لو أنك قتلت أهل الأرض جميعاً لم تجر النهر من دمائهم ولكن أرسل على الدماء قليلاً من الماء فيجري النهر وتبر بيمينك، وكان له ما أراد وجرى النهر أحمر قانياً بدمائهم.

    وقال الصديق للناس في المدينة: يا معشر قريش عدا أسدكم على الأسد -يريد أن خالداً عدا على الفرس- فغلبه على خراذيله -يعني: غلبه على اللحم المطيب المعد له-، عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد.

    وقال خالد للعرب المسلمين: كلوا على بركة الله وباسم الله، فكان الطعام الذي قد أعد لأن يأكله الفرس طعاماً للمسلمين.

    وفي معركة عين التمر اجتمع الصليبيون العرب كلهم حنقاً على خالد وقالوا للفرس: لا تقاتلوا خالداً نحن العرب أعلم بقتال خالد منكم فدعونا وخالداً ، وجمعوا كل فرسانهم، ونظر خالد إلى الجيش وأراد أن ينهي المعركة دون أن يخسر رجلاً واحداً من رجاله، فقال لعشرة فرسان: احموا جنبي واكفوني ما عنده فإني حامل عليهم، ووسط ذهول الجيشين ينطلق عشرة من الرجال يقودهم خالد حتى دخل في وسط الجيش، ثم ظل خالد يصاول عقة بن أبي عقة ثم يقتلعه من فوق سرجه ويحتضنه، ويعود به على فرسه كالطفل الرضيع، ثم يذبحه ما بين الجيشين لتنتهي المعركة.

    هذه ثاني وقعات خالد بالصليبيين.

    وأما الثالثة: فكانت معركة الفرات في 15 ذي القعدة 12 هجرية، وكانت بين الفرس والروم والنصارى الموتورين وبين خالد بن الوليد لتقع المعركة بين 150000 أمام 12000 مقاتل، فعبروا نهر الفرات يريدون خالد بن الوليد ، ولك أن تتصور الأعداء الفرس والروم الذين كانوا على عداء دائم ولأول مرة يجتمعون على قتال المسلمين، واليوم نسمع أن أسبانيا تستمر في قتل العرب، وألمانيا كذلك، وفرنسا كذلك، وبريطانيا كذلك، والفلبين تصرح أنها قبضت على الإرهابيين، فقامت الدنيا كلها على المسلمين مثلما قام الفرس والروم لأول مرة في التاريخ في معركة الفرات سنة 12 هجرية، وقتل سيف الله خالد بن الوليد منهم في هذه المعركة 100000 في المعركة، وبعد المعركة وأثناء المطاردة 100000، فلما سمع الخليفة أبو بكر بهذه المعارك، قال: لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد، وأمر خالداً أن يترك العراق ليساعد المسلمين في جبهة الشام.

    وكانت أول معارك سيف الله خالد أنه اضطر النصارى إلى دفع الجزية في بصرى، فكانت أول جزية يقبضها المسلمون على يد البطل خالد بن الوليد ، وكان فتح دمشق بعد ذلك في 15 رجب سنة 14 هجرية، وقد وقفت خمسة جيوش إسلامية أمام أسوار دمشق: جيش القائد أبي عبيدة ، وجيش شرحبيل بن حسنة ، وجيش يزيد بن أبي سفيان ، وجيش عمرو بن العاص ، وجيش خالد بن الوليد وظلوا أربعة أشهر كاملة أمام أسوار دمشق والجيوش لا تستطيع أن تدخل هذه المدينة.

    وكان خالد لا ينام ولا ينيم -يعني: لا ينام هو ولا يترك من أمامه ينامون خوفاً منه وذعراً منه- يعيش على تعبئة كاملة، عيونه ذكية ساهرة، فأخبرته: أن بطريرك الروم نسطار بن نسطور قائد الروم في دمشق ولد له مولود، وأنه سيوزع الخمر على حامية السور في مساء الأحد في 15 رجب سنة 14 هجرية.

    وهنا أعد خالد بن الوليد قرباً نفخ فيها الهواء حتى امتلأت، وكأن الروم قد حفروا خندقاً عظيماً وأجروا فيه ماءً كثيراً، فما استطاع خالد وقواته أن يعبروها إلا سباحة على ظهر القرب، وأعد سلالم من حبال الليف منتهية بخطاطيف وحلق، ودعا مذعور بن عدي العجلي ، والقعقاع بن عمرو التميمي فجعلا يلقيان بهذه الحبال فتعلق حبلان في أعلى السور وصعد عليها مذعور بن عدي العجلي ، والقعقاع بن عمرو ومعهما بقية الأحبال حتى ثبتوها في أعلى السور، وتسلق خالد وقواده إلى أعلى السور، ثم قال لبقية الجنود: إن سمعتم تكبيراتنا من خلف الأسوار فانهدوا إليهم، وألقى خالد بنفسه مع التكبير من فوق الأسوار هو وقادة الجيش، فقتلوا من قتلوا من جنودهم المكلفين بحراسة الباب الشرقي لدمشق، ثم فتحوا الباب وظل خالد يحصد أرواح الروم حصداً حتى سلموا لـأبي عبيدة . وقالوا: أسرعوا بفتح الباب الغربي لـأبي عبيدة حتى لا يحصدنا خالد حصداً.

    والتقى جيش أبي عبيدة بجيش خالد بن الوليد عند سوق الزياتين بدمشق وتم الصلح.

    وقد تلت هذه المعركة معركة اليرموك الفاصلة التي أنهت الوجود الصليبي من على أرض الشام، حتى قال هرقل وهو يودع دمشق: سلام عليك يا سورية سلام مودع لا يلقاك بعد هذا اليوم أبداً، وكان الروم قد أعدوا 200000 فارس على رأسهم ماهان أقوى فارس عندهم، أمام 36000 فارس فقط من المسلمين.

    وخطب هرقل في الروم فقال: يا معشر الروم إن العرب قد ظهروا على سورية ولم يبقوا بها حتى تعاطوا أقاصي بلادكم، وهم لا يرضون بالأرض والمدائن والبر والشعير والذهب والفضة حتى يسبوا الأخوات والأمهات والبنات والأزواج، ويتخذوا الأحرار من أبناء الملوك عبيداً، فامنعوا حريمكم وسلطانكم أو ذروا مملكتكم.

    فكتب أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنه فقال: قد جاء المسلمين ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله عز وجل بملائكة أو يأتيهم بغياث من قبله، فقال خالد لـأبي عبيدة حينما اجتمع بقيادة القوات في الجابية: أرى والله! إن كنا نقالتهم بالكثرة والقوة فهم أكثر منا وأقوى، وما لنا بهم إذاً طاقة، وإن كنا نقالتهم بالله ولله فإن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً لا تغني عنهم شيئاً، ثم قال لـأبي عبيدة : تطيعني فيما آمرك به، قال: نعم. قال: ولني ما وراء ذلك فإني أرجو الله عز وجل أن ينصرني عليهم، ثم تنازل له أبو عبيدة عن قيادة القوات، ورتب خالد صفوف جيشه، فجعل أبا عبيدة أمين هذه الأمة في القلب، وعلى الميمنة أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وعلى الميسرة قباث بن أشيم ، وهاشم بن عتبة قاتل الأسود على الرجالة، وعلى الخيل خالد بن الوليد ومعه قيس بن هبيرة فارس الإسلام.

    وخطب ماهان في جنوده قبل المعركة فقال: أنتم عدد الحصى والثرى والذر فلا يهولنكم أمر هؤلاء القوم؛ فإن عددهم قليل، وهم أهل الشقاء والبؤس، وجلهم حاسر وجائع، وأنتم من الملوك وأبناء الملوك أهل الحصون والقلاع والعدة والقوة والسلاح، فلا تبرحوا الميدان وفيكم عين تطرف حتى تهلكوهم أو تهلكوا أنتم. ثم دعا خالداً للكلام معه، فقال: يا خالد ! قد علمنا أنه ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فهلموا إلى أن نعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال له خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت غير أنا قوم نشرب الدماء، وإنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك.

    ولخوف الروم من المسلمين جعلوا يسلسلون كل مائة فارس بسلسلة حتى إذا فر رجل يعود به التسعة والتسعون. ويقف الجيشان 200000 أمام 36000، ولكن الستة والثلاثين ألفاً هؤلاء منهم ألف صحابي، فيهم مائة بدري على رأسهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، وأبو الدرداء يذكر الناس، وأبو سفيان بن حرب يقول: يا نصر الله اقترب، وأبو هريرة يقول للناس: أعن الجنة تفرون؟! فلما رأى قائد الروم هذا لف رأسه بثوب وقال: يوم بئيس لا أحب أن أراه، لقد كنت أدعو الله عز وجل أن يكفيني فلا أراهم ولا يروني، فحز المسلمون رأسه، وما انتهى اليوم حتى قتل المسلمون 120000 في الواقوصة -وهو منحدر كان في اليرموك- غير من قتل في أرض المعركة، وانتهى وجود الروم بهذه المعركة، وذهبوا بعد ذلك إلى قنسرين، فذهب خالد وقتل قائد الروم مانياس وأباد الروم عن بكرة أبيهم أمام حصن قنسرين.

    فدخل صليبيو العرب في حصن قنسرين فقال لهم خالد: والله لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا حتى نقاتلكم.

    وهكذا انتهى وجود الروم الصليبيين في بلاد العرب، ثم ذهب عمرو بن العاص داعية العرب وأمده عمر بن الخطاب بعد ذلك بحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وفتح الله به مصر، ثم بعد ذلك كان البطل عبد الله بن الزبير الذي قتل ملك أفريقيا جرجير.

    1.   

    أبطال في الدولة الأموية

    وأرسل موسى بن نصير مولى من مواليه وهو طارق بن زياد ففتح بلاد الأندلس، وظل موسى بن نصير مع طارق بن زياد يجوبا المدينة إثر المدينة حتى قال: أما والله لو انقادت لي العرب لقدتهم إلى روما حتى يفتحها الله تبارك وتعالى على يدي. يقول موسى بن نصير لـسليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين! كانت الألف شاة تباع بمائة درهم، والعلج -الرجل الصليبي- وزوجته وأولاده يباعون بخمسين درهماً. يعني: بثمن خمس شياه تشتري عائلة كاملة.

    وخاض طارق بن زياد معركة وادي لكة التي استمرت أسبوعاً كاملاً حتى فتح الله للمسلمين بلاد الأندلس، وخاض بفرسه البحر، وقال لـموسى بن نصير: يا أيها الأمير والله لا أرجع عن قصدي حتى أنتهي إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي.

    ومن القواد الذين صنعوا تاريخ المسلمين أبو سعيد الجرادة الصفراء مسلمة بن عبد الملك بن مروان ، قال عنه الإمام الذهبي : كانت له مواقف مشهودة مع الروم، وكان أولى بالخلافة من إخوته، غزا الصائفة وافتتح حصون الروم وهربت منه الروم إلى أقصى الأرض. وكانت المرأة من الروم إذا أرادت أن تسكت طفلها تقول له: اسكت وإلا أدعو لك البطال ليأخذك. وهذا مثل قول بعض الأمهات اليوم لطفلها: نم وإلا أتيت لك بالعفريت.

    وقال بعضهم يحكي عن مثل هذا: ذهبت في ليلة داجية في بلاد الروم وإذا أنا بنور خافت يخرج من نافذة، وإذا بامرأة تهدهد صبيها وتقول: نم وإلا قلت: خذه يا بطال ، ثم مدت يدها إلى خارج النافذة فأخذته منها، وهذا الشخص الذي كانوا يخوفون به أطفالهم هو عبد الله بن بطال القائد المسلم.

    1.   

    أبطال في عصر الدولة العباسية

    ثم بعد ذلك جاء هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه، الذي كان يصلي مائة ركعة تطوعاً لله عز وجل في اليوم والليلة.

    قال منصور بن عمار الواعظ: أكثر من لقيت دمعاً فضيل بن عياض ، وهارون الرشيد.

    أما فضيل بن عياض فقد قال فيه عبد الله بن المبارك : إذا مات الفضيل ارتفع الخوف من الأرض.

    فملك يقارن حزنه وبكاؤه وخوفه من الله عز وجل بخوف الفضيل إنه لملك رشيد! وقد فتح هارون حصن الصفصاف سنة 181 هجرية، وأخذه من ملك الروم قسطنطين بن ليون عنوة.

    وأرسل إليه نقفور ملك الروم الذي تولى الحكم بعد الملكة أغسطة ملكة الروم، فكتب إليه: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ -طائر كبير في السماء-، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها، ولكن ذاك ضعف النساء وحمقهن.

    فإذا قرأت كتابي فاردد ما وصل إليك من أموالها، وافتدي نفسك بمالك. فغضب هارون لما وصله الكتاب فمزق الكتاب وكتب في ظهره: من هارون ملك العرب إلى نقفور كلب الروم أما بعد: يا ابن الكافرة! فالجواب ما ترى لا ما تسمع والسلام.

    وسار بنفسه على رأس الجيش حتى اضطر نقفور إلى دفع جزية قدرها 400000 دينار سنوياً.

    وافتدى هارون الرشيد أسارى المسلمين في بلاد الروم وكان عددهم 3700 أسيراً حتى لم يبق أسيراً واحداً في بلاد الروم. ثم جاء من بعده المعتصم

    رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

    لامست أسماعنا لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

    فبمجرد أن صاحت امرأة في بلاد الروم وامعتصماه، ويسمع المعتصم قصتها وهو يدعو بالشراب لأن يشرب فيقول لساقيه: دع هذا الشراب حتى أفرغ من قتالهم، ثم قال: أي مدنهم أكثر أمناً؟ قالوا: عمورية، فساق الجيش إليها وانتصر واضطر ملك الروم إلى دفع الجزية مرة ثانية.

    يقول الشاعر:

    أما سمعت بأرض الروم مسلمة تشكو لمعتصم ظلم المغيرينا

    فتسبق الخيل أصوات استغاثتها وتملأ الكون صيحات الملبينا

    وتصرخ اليوم آلاف مؤلفة فهل سمعت سوى أحزان باكينا

    ونحن نسمع أصوات استغاثتها وليس نسمعها إلا أغانينا

    خضر مرابعنا بيض صنائعنا سود وقائعنا حمر ليالينا

    ويذبح الطهر طهر البكر في دمه ونحن نسبح في أحلام ماضينا

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    وكان في المغرب أيام حكم الخليفة العباسي المستعصم فارس يسمى: ابن فتحون، وقد بلغ من ذعر الروم منه أن الرجل كان إذا أراد أن يسقي فرسه الماء فتمتنع عن الشرب فيقول لها: اشربي أم أنك رأيت صورة ابن فتحون في الماء؟ ولك أن تتخيل مدى ذعر الروم من هذا القائد.

    وخرج علج رومي ودعا المسلمين للمبارزة، فقتل من المسلمين ثلاثة، ثم نادى في المسلمين أيها المسلمون! رجل لثلاثة منكم، فشق ذلك على الخليفة فقال: علي بـأبي الوليد بن فتحون فلما أتي به، قال له الخليفة: أما تسمع؟ قال: أسمع، وماذا تريد؟ قال: أن تأتيني به الساعة. قال: لك هذا، ثم دعا بسوط، فقيل له: أما تخرج إليه بالسيف؟ قال: لا والله ثم دعا بسوط -والسوط هو الذي تؤدب به الكلاب- وعقد فيه عقدة وجعل لها خية في طرف السوط -يدخل فيها عنق فارس- ثم خرج وسط دهشة الرجل الصليبي فظل يصاوله فضربه الرومي على السرج ضربة قاتلة وفي لمح البصر نزل عن سرجه وتعلق برقبة فرسه، وقبل أن يصل ابن فتحون إلى الأرض علا مرة ثانية فوق السرج ثم ضرب هذا الفارس بالسوط ولف السوط على عنقه حتى دخلت الخية في عنق هذا الرجل وشدها إليه، ثم اقتلعه من على سرجه وأتى به إلى وسط صفوف المسلمين. فكم نحتاج إلى مثل هؤلاء.

    1.   

    أبطال في الأندلس وأسبانيا

    نأتي بعد ذلك إلى محمد بن عبد الرحمن بن الحكم أمير المؤمنين في الأندلس، صاحب معركة سليط التي قتل فيها 300000 من جيوش أوروبا، ومن بعده أتى عبد الرحمن الناصر فأدب ملك ليون أوردنيو وشانسو ملك ناصار في غزوة موبش واستمر الحريق عشرة أيام، وكان يغزو وربما مكث في غزوته أربعة أشهر، ودخل عاصمة ملك ناصار واستولى عليها.

    ومن أبطال المسلمين أيضاً: الحاجب المنصور ملك المسلمين في أسبانيا، وقد بلغ عدد الغزوات التي غزاها 50 غزوة، وكانت له غزوة في الصيف وغزوة في الشتاء، وأراد أن يعبر جبال برينيه -التي هي جبال البرانس- إلى فرنسا، وكان أكثر جنود هذا الملك من السبي الذين اعتنقوا الإسلام بعد ذلك.

    وقد غزا الغزوات الكثيرة واستولى على برشلونة، وغزا زامورا حتى دخل في عاصمة المملكة التي كانت تسمى (ليون) أقوى مملكة نصرانية في ذلك الوقت، ووصل إلى شانتياقو ثاني مدينة عندهم -يعني: بعد مدينة بيت المقدس-، ويذكر عنه أنه كان يجمع غبار الحروب لتصنع منه لبنات توضع معه في قبره، وفي مرة من المرات سار بجيشه وسط جبلين وكان الممر الذي سلكه ضيقاً، ففوجئ أن الغزاة قد اجتمعوا خلفه وسدوا الممر بين الجبلين فظل يبني المدن والقرى ويعسكر هو وجنودهـ وهم ينظرون خروجه فلما أطال أخذوا يرسلون إليه: أن عد، واخرج من غير غنائم ولا أسرى. فرد عليهم: لا، ثم أرسل إليهم: إنا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، ولذا سنظل ها هنا إلى وقت الغزوة الثانية فإذا غزونا عدنا.

    وظل يحرق في بلادهم ويقتل ويسبي حتى قالوا له: إذاً فعد ومعك غنائمك، قال: لا أحمل الغنائم على دواب وإنما تحملونها أنتم على دوابكم، وتدفعون إلي المال والطعام حتى أصل إلى بلادي، وتنحون جيف قتلاكم عن الطريق.

    فكان له ما أراد.

    ولما مات الحاجب المنصور استولى ألفونسو ملك أسبانيا على المملكة ونصب سرير ملكه على قبر المنصور، وقال لزوجته: أما ترين أني ملكت ملك ملك العرب، ونصبت سرير ملكي على قبره؟ فقال له أحد العرب ممن كانوا في جواره: لو تنفس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه. فهم أن يبطش به، فقالت له المرأة: والله إنه لحق.

    1.   

    أبطال دولة المرابطين في المغرب وغيرها

    ومن أبطال المسلمين: يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، خاض يوم الجمعة 12 رجب سنة 479 هجرية هو والمعتمد بن عباد معركة من أكبر معارك المسلمين في الأندلس اسمها: معركة الزلاقة، اجتمع له ألفونسو ملك قشتالة وملك أرجون وقوات من كل دول أوروبا بأمر من البابا، فكانت المعركة بين 200000 صليبي أمام 48000 يقودهم يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد .

    وقبل بداية المعركة أرسل يوسف بن تاشفين -وكان خاض البحر من المغرب العربي حتى ينصر المعتمد بن عباد في أسبانيا- إلى ألفونسو : بلغنا أنك دعوت للاجتماع بك وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر البحر إلينا عليها فقد جزناه إليك، وجمع الله بيننا وبينك في هذه العرصة وسترى عاقبة دعائك وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:14].

    وقد انتهت المعركة بقتل وأسر 180600 وفر فقط 400، ثم جمع أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين رءوس هذه الجثث وجعلها على هيئة هرم وأذن المؤذن فوقها بأذان النصر وصلوا المغرب.

    وهناك معركة أخرى هي معركة: الأرك كانت بعدها خاضها يعقوب بن يوسف أمام ألفونسو الثامن، وكان الملك الرومي قد كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إلى النصرانية، فمزق الكتاب وكتب إليه في ورقة صغيرة: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:37].

    وكان النصر في هذه المعركة أيضاً للمسلمين، وكان عدد القتلى 146000 قتيل من الصليبيين، وبلغ عدد الأسرى 30000 أسير، والخيام 150000 خيمة، وبلغ عدد الخيول 80000، و100000 من البغال، و400000 من الحمير، و60000 درع، وكانت الفتاة تباع بدرهم.

    ومن أبطال المسلمين الظاهر بيبرس الذي أكمل ما بدأه صلاح الدين الأيوبي، ففتح قلعة أرصوف، ودمر ثلث الفرسان المدافعين عنها، حتى قال شاعر صليبي في قصيدة له:

    المسيح أصبح فيما يظهر مسروراً لما حل بالمسيحيين من مذلة وهوان، وقد هزم الظاهر بيبرس الأرمن وقتل ابن ملكهم وأسر الابن الآخر، ودخل عاصمة ملكهم وأخذ 40000 أسير، وهو الذي حرر يافا، وأخذ قلعة الشقيف، ودمر أنطاكية، وقتل ملكها سيمون وما من جندي من المسلمين إلا وأصبح له أسير من الفرنجة، وأرسل الملك الظاهر بيبرس سفيرهم محيي الدين إلى ملك عكا، فأراد ملك عكا أن يستعرض قواته أمامه، فقال له السفير: إن كل هذا الجيش لا يضارع أسرى الفرنجة عندنا في القاهرة، وسقطت قلعة الحصن -قلعة الأكراد- التي ما استطاع صلاح الدين أن يسقطها على يد الملك البطل الظاهر بيبرس.

    ثم أتى من بعده السلطان محمد بن قلاوون فحرر اللاذقية وطرابلس، ثم أتى الملك أشرف خليل ففتح عكا، وهو الملك المسلم الوحيد الذي استطاع أن يدخل عكا؛ لأن صلاح الدين بعد أن استرجعها أخذها النصارى منه مرة أخرى، ولكن الملك الذي استطاع أن يبقي عكا في أيدي المسلمين إلى الأبد هو الملك أشرف خليل حيث دخل عكا سنة 690 هجرية.

    ودخل المسلمون في عصره إلى قبرص في رمضان، وأتوا بملكها إلى الإسكندرية مأسوراً وكان يردد: قبرص .. قبرص .. قبرص وربما رددها في منامه، إذ كان شغله الشاغل بعد فتح عكا أن يفتح قبرص، وكان قبلها أن أرسل ملك قبرص بعض فرسانه وبعض البحرية فدخلوا مدينة الإسكندرية واستولوا عليها، وذبحوا من المسلمين ما ذبحوا، فنذر أشرف خليل أن يأسر هذا الملك، وتم أسره، فغزا المسلمون قبرص ودارت معركة لمدة سبعة أيام في رمضان، ثم عاد المسلمون بملك قبرص أسيراً.

    ومن أبطال المسلمين الملك ألب أرسلان من السلاجقة، وقد خاض سنة 643 هجرية معركة ملاذكرد، وكان عدد جنوده 15000 أمام ملك الروم أرمانوس وكان عدد الروم في هذه المعركة 600000، وقبل بدء المعركة لبس الملك ألب أرسلان كفنه وتحنط بحنوطه وقال للناس: لا أمير لكم اليوم ولا سلطان لكم اليوم، من أراد أن يرجع ويبكي نفسه فليرجع، فلبس جيشه عن بكرة أبيه الأكفان وعرف هذا الجيش في التاريخ باسم جيش الأكفان، فكان النصر بإذن الله، فقد هزم الـ 15000 جيش الروم وعدده 600000 ووقع أرمانوس في الأسر، ونودي عليه في آخر النهار: من يشتري الكلب؟ فصاح أسير من المسلمين: لا نشتري الكلب إلا بكلب، فوضعوا رباط الكلب في عنقه وجروه إلى بلاده، فلما رآه الرومان على هذه الحال سملوا عينيه.

    أما في الهند! وأحوال المسلمين فيها فإن السلطان فتح علي خان المشهور بجهاده للإنجليز، قيل له: سيقتلك الإنجليز، فقال: يوم من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى.

    وأما سلطان المسلمين في الفلبين فإنه لما قدم ماجلان إلى الفلبين قال: إنني باسم المسيح أطلب منكم التسليم، ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد، فتقدم منه سلطان المسلمين في الفلبين لابولابو وقاتله في معركة حتى ذبحه.

    وأما الأتراك فإن السلطان العثماني مراد بن أورخان بلغ من ملكه أنه دخل صوفية عاصمة بلغاريا ودخل بيزنطة، فتجهز إمبراطور القسطنطينية وملك الصرب والبلغار والمجر ليلتقوا معه في معركة تسمى: معركة مارتيزا، فينتصر عليهم ويضطرهم إلى دفع جزية سنوية.

    وفي سنة 791 هجرية يفتح جميع بلاد البلغار ويأخذ ملكهم شيمان أسيراً، ثم عاد ليؤدب ملك الصرب لازار في معركة قوصوه حتى يغدر به الصرب ويقتلونه غيلة في هذه المعركة بعد أن انتصر، وكان يدعو قبيلها في صلاة التهجد يقول: إلهي ومولاي إن كان في استشهادي نجاة لأحد من المسلمين فلا تحرمني الشهادة في سبيلك؛ لأنعم بجوارك، ونعم الجوار جوارك، إلهي ومولاي لقد شرفتني بأن هديتني إلى طريق الجهاد في سبيلك فزدني تشريفاً بالموت في سبيلك، وكان له ما أراد.

    ومن بعده السلطان العثماني بايزيد الصاعقة الذي انتصر على لازار ملك الصرب وأمراء النمسا وألمانيا وفرسان القديس يوحنا، وفرسان البابا في معركة سنة 798 هجرية.

    ومن بعده السلطان مراد الثاني والد السلطان محمد الفاتح الذي استولى على الحكم وسنه حينها 18 سنة، ويهزم المجر وبولندا وفرنسا وألمانيا والزنادقة في معركة فارانا في 28 رجب سنة 848 هجرية ويقتل ملك المجر والكاردينال مندوب البابا في معركة كوسوفا سنة 852 هجرية.

    وأتى بعده سليمان القانوني ليفتح بلغراد في رمضان سنة 927 هجرية، ثم يؤدب ملك المجر ويقتله سنة 923 هجرية في معركة موهاس، ويقف بأربعة مليون جندي أمام فيينا عاصمة النمسا، ويصل إلى الميدان الرئيسي فيها.

    ثم جاء بعده خير الدين بربروس ليؤدب أساطيل الدولة الأسبانية، وكان أمير البحار في الدولة العثمانية خير الدين بربروس وأخوه عروب الدين بربروس هما اللذان أقاما دولة الجزائر.

    ويليه ملك المغرب مولاي عبد الملك الذي انتصر في معركة وادي المخازن سنة 986 هجرية على البرتغال وأسبانيا والفاتيكان والنمسا، وقتل في هذه المعركة ملك البرتغال، ثم مات هذا القائد لمرض ألم به، وقد كان يقود المعركة وهو على محفة من شدة المرض.

    ومن الحبشة ظهر بطل مسلم وكان ابن قسيس ثم أسلم بعد ذلك، واستطاع أن يوحد جهود المسلمين ومن ثم ينتصر على جيوش الصليبيين سنة 935 هجرية، وهو يقول: الجهاد بغيتنا ومنانا، ولا نزال نصبر لهم على الضرب والطعن حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، ويؤسس مملكة للمسلمين في الحبشة.

    فأين نحن من هذا كله؟ إنه لا سبيل إلى النصر إلا أن يعود المسلمون إلى الله عز وجل، وحينها تعود لنا العزة والشرف والكرامة والسؤدد، فإن يوماً من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى أو كما قال السلطان فتح علي خان .

    اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، اللهم احم المسلمين المستضعفين في كل مكان، واحم أعراض المسلمين ودماء المسلمين في بلاد أوروبا وأمريكا.

    اللهم انصر المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم احم إخواننا في فلسطين، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك بالصليبيين، اللهم وحد صفوف المسلمين، وهيئ لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    ربنا احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين، واجعل خير أيامنا يوم لقياك، وارزقنا لذة العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك.

    رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، فبك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا.

    اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم صل على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، وارزقنا الصدق في معاملتك، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.