إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (909)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم التفريط في رمضان بالسهر ليلاً والنوم نهاراً وعدم التورع عن بعض المحرمات

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ: عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول المرسل: راشد بن عبد الله الخثران ، أخونا يصف بعض أحوال المسلمين في رمضان خاصة فيقول: إن البعض منهم يسهر حتى منتصف الليل، ثم يتناول الطعام وينام، فإذا ما أذن الفجر استيقظ وشرب ماءً وربما شرب شيئاً محرماً واتجه إلى الصلاة، والحال كذلك بالنسبة للإفطار، فهو يفطر على بعض المباحات وقد يخلطها ببعض المحرمات، ويرجو من سماحة الشيخ أن يتفضل بتنبيه المسلمين على الحال الأفضل الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا شك أن الله عز وجل، لا يرضى لعباده أن يتناولوا ما حرم عليهم بل قد حرم عليهم أشياء ونهاهم عن تناولها وأباح لهم أشياء وأمرهم بتناولها، فالواجب على المؤمن أن يتقي الله فيما يأتي ويذر، كما يشرع له أن يتحرى الأمر المشروع في صيامه وقيامه وسائر حركاته وسكناته، فالسنة للمؤمن أن يعمره بطاعة الله وأن يحفظ أوقاته بالمنافسة في الخير والمسارعة إلى الطاعات من الصلاة والصدقات وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار وعيادة المريض والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ونحو هذا من وجوه الخير، هكذا ينبغي للمؤمن أن يعمر هذه الأوقات الشريفة بطاعة الله والمنافسة فيما يرضيه سبحانه وتعالى، والحذر مما يجرح صومه من معاصي الله ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: (الصيام جنة)، يعني: ستر، يعني: سترة وحرز من النار يعني: لمن صان هذا الصيام وحفظه، ولهذا في اللفظ الآخر: (الصيام جنة أحدكم من النار كجنته من القتال)، (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، هذا يبين لنا أن المقصود حفظ الجوارح عن محارم الله من الغيبة والنميمة، والكذب، والأيمان الفاجرة، الدعاوى الباطلة، والسب والشتم.. وغير هذا من الأقوال الضالة، وهكذا الأفعال المحرمة من السرقة والخيانة والزنا.. وغير هذا مما حرم الله فيصون جوارحه ليلاً ونهاراً عن كل ما حرم الله، ويستعملها في طاعة الله ورسوله دائماً.. دائماً..

    ويشرع له أن يبادر بالإفطار إذا غابت الشمس لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الإفطار)، وقوله عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً)، والسنة أن يفطر على مباح لا على حرام، كالتمر والماء وسائر ما أباح الله، والأفضل على التمر، أو الرطب إن تيسر الرطب، فإن لم يتيسر فالتمر، فإن لم يتيسر فالماء، وليحذر كل الحذر أن يفطر على ما حرم الله من المسكرات أو التدخين أو القات ليحذر ما حرم الله، فليكن فطره على ما أباح الله وما شرع من الطعام الطيب، والشراب الطيب، أما إفطاره على ما حرم الله من المسكرات والمخدرات والتدخين والقات؛ هذا شيء يجب الحذر منه، ولا يختم صيامه بهذه القاذورات.

    وهكذا في السحور، السنة أن يؤخر السحور، لا يتسحر في وسط الليل، السنة أن يتأخر في السحور؛ اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يتسحر في آخر الليل قرب الأذان عليه الصلاة والسلام.

    في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فقال له أنس: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، وفي لفظ آخر: (كم كان بين السحور والصلاة قال: قدر خمسين آية)، والمعنى بين الأذان الذي هو دخول وقت الصلاة وبين السحور، يعني: بين السحور يعني: التسحر قدر خمسين آية، وهذا يقارب خمس دقائق أو عشر دقائق، هذا يدل على أن التخيير أفضل، وهو أقوى للصائم وأنشط له على العمل في النهار، فالسنة التبكير بالإفطار بعد غروب الشمس والتأخير في السحور، ولهذا في بعض الروايات عن سهل بن سعد رضي الله عنه : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور)، هكذا جاء مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول صلى الله عليه وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة)، متفق على صحته.

    والسحور -بالضم- هو التسحر هو الأكل في آخر الليل، والسحور -بالفتح- هو ما يؤكل يقال له: سحور من تمر أو طعام آخر، ويقول صلى الله عليه وسلم: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)، رواه مسلم في الصحيح، هذا يبين لنا أن الفصل بين صيام المسلمين وبين صيام اليهود والنصارى أكلة السحر، فالمعنى أن ترك ذلك يكون فيه مشابهة لليهود والنصارى، فالذي يأكل السحور في وسط الليل خالف السنة، وشابه أهل الكتاب، فالمؤمن لا يليق به ذلك، بل الواجب عليه أن يتحرى ما شرعه الله، وما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام في كل شيء، وأن يبتعد عما يخالف ذلك، ثم نومه بعد ذلك قد يكون وسيلة إلى نومه عن الصلاة -صلاة الفجر- ثم إذا قام عند الأذان قد يأكل بعد الأذان أو يشرب بعد الأذان فيعرض صومه للبطلان؛ لأنه قد يكون شربه بعدما طلع الفجر فيكون صومه باطلاً، فالواجب أن يحذر وأن يكون أكله قبل طلوع الفجر ولا يتساهل في هذه الأمور، والصواب أن من أكل بعد الفجر ثم بان له أنه أكل في النهار أنه يقضي، هذا هو المعتمد وهذا هو الأرجح، وهكذا لو أفطر قبل غروب الشمس، ثم عرف أنه أفطر قبل غروب الشمس عليه أن يقضي لكونه أفطر جزءاً من النهار من غير حق، فالحاصل أنه ينبغي للمؤمن أن يكون تسحره يعني: الأكل في آخر الليل قبيل الفجر حتى يكون نشيطاً يخرج إلى الصلاة ويصلي مع المسلمين وهو نشيط، ولا يعرض صومه للأكل بعد الصبح، ولا يعرض أيضاً صلاته للذهاب والفوات في وقتها أو مع الجماعة، ومع ذلك إذا أكل في آخر الليل شابه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم من مشابهة أهل الكتاب.

    نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

    المقدم: اللهم آمين، جزاكم الله خيراً. الواقع سماحة الشيخ كما ذكرت هذه الرسالة حياة الناس تنقلب رأساً على عقب في رمضان، فيتحول الليل إلى نهار، وتبقى الأسواق عامرة بالناس حتى الفجر، وفي النهار تكاد تخلو الشوارع من المارة، وهذا يجعل الناس في حياة متغيرة تماماً حتى إذا ما انقضى رمضان مضى عليهم فترة حتى يتكيفوا مع الحياة الجديدة العادية، لابد لسماحة الشيخ من توجيه، كيف يكون الناس في رمضان حتى تبقى حياتهم مستمرة؟

    الشيخ: السنة في رمضان في العشرين الأول أن ينام ويقوم يصلي ما تيسر وينام، أما السهر فلا وجه له، ما ينبغي السهر، ينبغي أن ينام ما تيسر حتى يتقوى بذلك على ما في النهار، وعلى حاجاته وعلى عمل وظيفته، ولا ينبغي السهر، بل المشروع أن ينام بعض الشيء في العشرين الأول ويقوم.

    أما في العشر الأخيرة السنة فيها إحياء الليل لمن قدر بالعبادة بالقراءة والصلاة كما كان النبي يفعل عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، (شد مئزره) يعني: شمر إلى العبادة، هذا هو الأفضل في العشر الأخيرة إحياء الليل بالعبادة بالقراءة بالصلاة بالذكر.

    أما العشرون الأول فالسنة فيها أن ينام ويقوم كفعل النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذا تصلح الأمور، وبهذا ينشط المؤمن على العمل في النهار، وتكون حياته شبيهة بحياته الأولى، بخلاف ما إذا سهر في الليل، فإنه إذا كان في النهار سقط في الغالب؛ لأن الإنسان ضعيف، يحتاج إلى النوم كما قال الله عز وجل: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]. والله المستعان.

    1.   

    الواجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا من رمضان

    السؤال: ننتقل إلى رسائل أخرى ومواضيع أخرى عبر هذه الرسائل، فهذه رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين ضمنها عدداً من الأسئلة ويبدو أن أخانا نسي أن يكتب اسمه، على أي حال الأسئلة يقول أولها:

    هل يجوز للحامل أو المرضع الإفطار في رمضان وعليهما الفدية فقط دون القضاء؟

    الجواب: هذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم:

    من أهل العلم من قال: إن عليهما الفدية فقط، ولهما أن تفطرا؛ لأن الحمل قد يتتابع، ورمضان قد يتتابع، فلا يكون عندهما فرصة للقضاء، وهذا مروي عن ابن عباس وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قاله جماعة من السلف.

    والقول الثاني: أنهما كالمريض إن شق عليهما الصيام أفطرتا وقضتا، فإن لم يشق عليهما صامتا، وهذا القول هو الأرجح وهو الأقوى دليلاً، وهو الذي جاء فيه الحديث الصحيح عن أنس بن مالك الكعبي ، غير أنس بن مالك الأنصاري أن الرسول عليه السلام قال: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، ووضع عن الحبلى والمرضع الصوم)، فهذا يدل على أنهما كالمسافر، فالمسافر في الصوم يفطر ويقضي وهما كذلك، والمسافر يختص بالقصر في الصلاة، فوضع الله عنه شطر الصلاة يعني: الرباعية، الظهر والعصر والعشاء، فليس في الدنيا من يقصر الصلاة سوى المسافر، فالمريض لا يقصر، والحبلى والمرضع لا تقصران، وإنما الذي يقصر المسافر يصلي الرباعية ركعتين، الظهر والعصر والعشاء فقط.

    بعض الناس قد يغلط ويظن أن المريض يقصر وهذا غلط، المريض لا يقصر يصلي أربعاً المريض، فالحبلى والمرضع الصواب فيهما أنهما كالمسافر والمريض تفطران وتقضيان وليس عليهما فدية، هذا هو الأرجح وهذا الصواب وهو الذي نفتي به، وهو الذي فيما يظهر، هو قول الأكثر من أهل العلم؛ لأنهما شبيهتان بالمريض، قد يشق عليهما الصوم من أجل الرضاع ومن أجل الحبل، وقد لا يشق عليهما كالمريض خفيف المرض فتصومان.

    1.   

    حكم الدعاء الجماعي بعد الفرائض استدلالاً بحديث: (لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ...)

    السؤال: يسأل أخونا ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله)، رواه الطبراني والحاكم والبيهقي . هل يمكن أن يكون هذا الحديث دليلاً على الدعاء بعد صلاة الجماعة وأعني: الدعاء الجماعي؟

    الجواب: هذا الحديث لا نعرف صحته؛ يحتاج إلى مراجعة سنده، فلو صح سنده يحمل على الحالات الأخرى التي لا تخالف ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، كالآيات يفسر بعضها بعضاً، ولو صح هذا فهو محمول على المواضع التي يدعى فيها، ويؤمن فيها، أما المواضع التي ليست محل دعاء جماعي، أو دعاء ترفع فيه الأيدي فيستثنى من هذا الحديث، ومن ذلك الدعاء بعد الفرائض.. الخمس، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يدعو بعدهما دعاءً جماعياً ولا دعاءً برفع الأيدي، كان يدعو بينه وبين نفسه، وهكذا يدعو المصلي، لا بأس أن يدعو في دبر الصلاة بعد الأذكار بما تيسر من الدعوات، لكن ليس دعاءً جماعياً وليس دعاءً ترفع فيه الأيدي؛ لأن هذا لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفرائض، لا في الظهر ولا في العصر ولا في المغرب ولا في العشاء ولا في الفجر، ولو كان وقع منه صلى الله عليه وسلم أو من الخلفاء الراشدين لنقل؛ لأن الصحابة نقلوا كل شيء رضي الله عنهم وأرضاهم ما تركوا شيئاً، بل قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل ما شاهدوه، وكل ما سمعوه رضي الله عنهم وأرضاهم مما ينفع المسلمين، فلو صح هذا الخبر فإنه يحمل على أحوال لا تخالف ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة.

    1.   

    حكم السترة في حق المصلي في المسجد الحرام والمسجد النبوي

    السؤال: يسأل أخونا سؤاله الأخير ويقول: هل للمسجد الحرام والمسجد النبوي خاصية بمرور الناس أمام المصلي اضطراراً ودفعاً للحرج؟

    الجواب: هذا للمسجد الحرام، الصواب في المسجد الحرام أنه لا تقطع فيه الصلاة، وأن من مر بين يدي أخيه لا يضره، فلا يمنع المار ولا يقطع المار الصلاة في المسجد الحرام؛ لأنه مظنة زحمة ومشقة الدفع، والحاجة ماسة إلى المرور بين يدي المصلين في المطاف وغير المطاف.

    فالصواب في ذلك: أن المصلي في المسجد الحرام لا يمنع ولو مر بين يديه امرأة لم تقطع صلاته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه في هذا شيء أنه يمنع المار أو أنها تقطع الصلاة فيه، بل جاء عنه في بعض الأحاديث وإن كان فيها ضعف أنه ما كان يمنع المار في المسجد الحرام، وأنه كان يصلي والناس يمرون بين يديه، لكن فيه ضعف، وثبت عن بعض الصحابة كـابن الزبير أنه كان يصلي والناس يمرون بين يديه؛ ولأن المسجد الحرام مظنة الزحام ولاسيما في أيام الحج، وأيام العمرة في رمضان، قد يصعب رد المار والتحرز من المار، وتلحق بقية أيامه بذلك.

    أما المسجد النبوي فلم يرد فيه ما ورد في المسجد الحرام، بل ثبت عن أبي سعيد رضي الله عنه: أنه كان يصلي في المسجد النبوي فأراد أحد أن يمر بين يديه فمنعه، فاشتكاه المار إلى مروان ، فدعا أبا سعيد فسأله فأخبره أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان)، فـأبو سعيد رأى أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مثل غيره يمنع المار فيه، وهذا والله أعلم عند إمكان ذلك، أما إذا كانت الزحمة الشديدة، فإنه في هذه الحالة يلحق بالمسجد الحرام، وهكذا في أي مكان يكون فيه الزحمة الشديدة، لا يمنع المار للضرورة في أي مكان، فإذا ازدحم الناس في أي مكان واحتاج المصلي لأن يصلي فريضته أو الراتبة، فإن المار لا يقطع في هذه الحالة ولا يمنع لعدم إمكان منع المار والتحرز منه، وقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، فالضرورات لها أحكامها، وهذا منها، والله أعلم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً يشيع عند عامة الناس سماحة الشيخ أن الذي يمر بين يدي المصلي أن صلاة المصلي تعتبر باطلة والحالة هذه، هل هذا الاعتقاد صحيح؟

    الشيخ: هذا فيه تفصيل: إن كان المار امرأة أو حماراً أو كلباً أسود قطع، كما ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي ذر ، وحديث أبي هريرة وابن عباس ، أما إن كان المار غير هذه الثلاث فإنه لا يقطع لكن ينقص، إذا أمكن رده ينقص الصلاة، أما إذا ما أمكن رده بل غلب المصلي فالإثم عليه لا على المصلي، وهذا في غير المسجد الحرام كما تقدم.

    1.   

    حكم اتخاذ التوابيت والأضرحة للموتى وحكم جعلها في المساجد

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول: حسين إسماعيل العيدروس من اليمن الديمقراطية - حضرموت - تاربة، أخونا له مجموعة من الأسئلة، يسأل في سؤاله الأول ويقول:

    هل التوابيت والقبور والأضرحة للأموات حرام، وإذا كانت في مسجد، فماذا نعمل أنفصلها أم نتركها ملتحمة بالمسجد؟ وجهونا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: السنة الدفن في الأرض لا في تابوت، ولا في غيره من الصناديق، ولا يجصص القبر ولا يزفلت، ولا يوضع فيه شيء آخر من الحديد أو الألواح أو غير ذلك، السنة أن يدفن الميت في الأرض كما دفن صلى الله عليه وسلم في الأرض ودفن الصحابة في الأرض، وهكذا غيرهم، يحفر لهم في الأرض ويلحد له، ويجعل في الأرض: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55]، لكن إذا كانت الأرض رخوة مائية ضعيفة فلا مانع من جعله في تابوت، أو جعل ألواح تحته حتى تمسكه لا تنهار الأرض به، أو حجارة.. أو نحو ذلك لا بأس بذلك عند الحاجة، أما إن كانت الأرض قوية فلا حاجة إلى شيء من ذلك.

    أما الدفن في المسجد فلا يجوز، يجب أن تكون القبور خارج المسجد؛ لأن دفن القبور في المساجد وسيلة إلى عبادة الأموات من دون الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، متفق على صحته، وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، رواه مسلم في الصحيح، عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

    هذا يدل على أنه لا يجوز اتخاذ القبور مساجد يصلى فيها، وإذا كان الأمر هكذا لم يجز أيضاً الدفن فيها؛ لأن الدفن فيها يجعل القبور مساجد، وإذا وجد في المسجد قبر وجب أن ينبش وتنقل رفاته إلى المقبرة، أما إن كان القبر هو القديم، وبني عليه مسجد وجب هدم المسجد، وأن لا يصلى فيه وأن لا يبقى، بل يهدم؛ لأنه بني على معصية الله، فلا يبقى بل تجب إزالته، ولا ينبغي أن يغتر بما وقع في بعض البلدان الإسلامية من البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها فإن هذا منكر، وإن فعله كثير من الناس فهو منكر تجب إزالته على ولاة الأمور، يجب على ولاة أمر المسلمين أن يزيلوا هذا المنكر، وأن لا يبنوا على القبور وأن لا يتخذوا عليها المساجد؛ لأن الرسول نهى عن هذا عليه الصلاة والسلام، وكذلك لا تجصص، ولا يبنى عليها قبة، ولا أي بناء، لما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من حديث جابر أنه: (نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها)، رواه مسلم في الصحيح.

    فالقبر لا يبنى عليه، لا قبة ولا غيرها ولا يجصص ولا يتخذ عليه قبة ولا مسجد، كل هذا منكر، وإن فعله بعض الناس كما قد يوجد في مصر والشام والعراق وغير ذلك، كله غلط.

    نسأل الله أن يوفق ولاة الأمور في كل مكان لإزالة هذه المساجد، وإبقاء القبور على الطريقة المحمدية التي درج عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام في مقابر مكشوفة لا يبنى عليها، لا مساجد ولا غيرها، ولا تجصص ولا تعظم بفعل بأي شيء، بل الواجب أن يدفن الموتى في الأرض كما كان الرسول يفعل عليه الصلاة والسلام في المدينة، وكما فعله المسلمون بعده، والبناء عليها واتخاذ القباب وسيلة إلى عبادتها من دون الله، وسؤالها والاستغاثة بها والنذر لها، والذبح لها، وهذا هو الشرك الأكبر، كما قد وقع، وقد يطاف بالقبور إذا وضعت في المساجد كما قد يفعل ذلك كثير من الناس في قبور معروفة.

    وبسبب هذا الغلو وقع الشرك في الناس لما بني على القبور وعظمت ظن العامة أنها تدعى من دون الله وأنه يستغاث بها وأنه يطاف بها ففعلوا، فوقع الشرك الأكبر والعياذ بالله.

    نسأل الله للجميع العافية والهداية.

    المقدم: اللهم آمين سماحة الشيخ! في الختام: أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: اللهم آمين.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم.. وإلى الملتقى..

    وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.