إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (896)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الاعتداء في الدعاء

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب. رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: [ما حكم الاعتداء في الدعاء وكيف يكون]؟

    الجواب: الظلم منكر ومحرم مطلقاً فكيف مع الدعاء؟

    المقصود أن بعض الناس قد يعتدي في الدعاء بأن يأتي بأسلوب لم يشرعه الله؛ توسلات غير شرعية بجاه فلان أو بحق فلان أو بطريقة أخرى ليست مشروعة كأن يتوسل بأسماء الشياطين أو بطلاسم لا تعرف، أو ما أشبه ذلك مما لا يقره الشرع، فهذا اعتداء في الدعاء، أو يدعو على من لا يستحق الدعاء، كرحمه يدعو عليهم أو أخيه المسلم بغير حق فهذا اعتداء في الدعاء، وقال بعض أهل العلم: إن من الاعتداء أن يجهر في الدعاء بدون حاجة، فمن الدعاء الشرعي ومن السنة في الدعاء خفض الصوت وأن يكون بينك وبين الله عز وجل، هذا هو الأفضل كما قال الله جل وعلا: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، فالخفية مطلوبة في الدعاء وأن يكون سراً بينك وبين الله عز وجل إلا ما شرع الله رفعه وبيانه كالدعاء في قنوت الوتر وقنوت النوازل هذا لا بأس بالجهر به، شرع الله الجهر به.

    وهكذا الدعاء الذي يعقب الصلاة مثل الاستغفار: أستغفر الله أستغفر الله؛ لأن الرسول كان يجهر به عليه الصلاة والسلام حتى يعلم الناس هذا الدعاء الذي شرعه الله، وشرع الجهر به مستثنى من ذلك غير داخل في الاعتداء، أما بقية الدعوات التي لم يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشرع الجهر بها للناس فالسنة للمؤمن أن يدعو بها سراً بينه وبين ربه ولا يشرع له الجهر بها، هكذا ينبغي للمؤمن ويخشى عليه إذا جهر بها أن يكون من الاعتداء إلا إذا كانت الدعوات مما جهر فيه النبي عليه الصلاة والسلام مثل ما تقدم كدعاء القنوت في الوتر ودعاء القنوت في النوازل، والدعاء الذي يقوله إذا سلم: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله إذا سلم من الفريضة، هذا شيء كان يجهر به النبي عليه الصلاة والسلام، كذلك (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، إذا قالها بعد السلام، هذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً فهو تبع الذكر، إذا جهر به ليعرفه من حوله وليذكر به من حوله فلا بأس بذلك.

    1.   

    حكم البناء على القبور

    السؤال: أخونا يسأل أيضاً ويقول: كثير من الناس يبنون على القبور بالطابون والبناء لا يكون مرتفعاً بل يكون ارتفاعه شبرين أو ثلاثة أشبار، هل هذا البناء محرماً؟

    الجواب: نعم.. نعم الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور ونهى عن اتخاذ المساجد عليها؛ لأنه وسيلة إلى الغلو فيها والشرك وتعظيمها فلا يجوز للمسلم أن يبني على القبور لا مسجداً ولا غيره، ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، وروى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم في الصحيح، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وأخبر أنه من عمل الماضين الذين ذمهم الله وعابهم، وأخبر أنه ينهى عن هذا عليه الصلاة والسلام، وقد وقع في الناس الشرك بسبب هذه الأبنية وهذه المساجد ولهذا لعن صلى الله عليه وسلم من اتخذها؛ لأنها وسيلة للشرك وعبادة المخلوقين من دون الله، وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه وعن أبيه، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه)، فأخبر جابر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها، وهذا صريح في تحريم ذلك، فالبناء على القبر محرم وهكذا القعود عليه وهكذا تجصيصه؛ لأنه وسيلة إلى الغلو فيه ثم إلى عبادته من دون الله ولا حول ولا قوة إلا بالله كما جرى لليهود والنصارى، وكما جرى للغلاة من هذه الأمة الذين بنوا على القبور وعظموها حتى عبدت من دون الله وحتى صارت آلهة تعبد مع الله، كما قد وقع مثل ذلك عند قبر الحسين بن علي رضي الله عنه في مصر وعند قبر البدوي وعند قبر الجيلاني في العراق، وعند قبور كثيرة حتى فعله بعض الجهلة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لجهلهم لما رأوا أنه مبني عليه وعليه قبة ظنوا أن هذا مما يسبب لهم الدعاء، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما دفن في حجرته في بيت عائشة لم يبن عليه إنما دفن في بيت عائشة في حجرتها رضي الله عنها خوفاً أن يغلو فيه الناس إذا جعل في البقيع بارز عند الناس فدفن في بيتها رضي الله عنها وأرضاها ثم وضع القبة على الحجرة بعض الأمراء المتأخرين في المدينة قبل الدولة السعودية.

    فالحاصل أن البناء على القبور لا يجوز وهو من وسائل الشرك، سواء كان البناء مسجداً أو غير مسجد أو قبة تبنى عليه كل ذلك لا يجوز، والواجب أن تكون القبور ضاحية بارزة في المقابر كما كان الحال على ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم في البقيع وفي غير البقيع.

    1.   

    كيفية التوبة من عقوق الوالد بعد وفاته

    السؤال: أخ لنا يقول: المرسل ولدكم المعذب -كما يصف نفسه- عبد الله بن علي المعيطب من الرياض: والدي سماحة الشيخ عبد العزيز أفتوني عن أمر ضاق به صدري وحالتي الصحية تأثرت به كثيراً إنني عصيت والدي كثيراً، وفي يوم من الأيام حصلت لي قضية وقام والدي بالمتابعة لها وأثناء هذا حدثت له حادثة سيارة وتعذب كثيراً في المستشفى ثم توفي وهو غير راض عني، وفي بعض الأوقات يقول أهلي: إنني أنا الذي قتلته وأنا الذي تسببت في هذا الحادث، وهذه الكلمات تجرح قلبي، وفي بعض الأوقات أفكر -كما يقول شيخ عبد العزيز - في الانتحار بسبب تلكم الكلمات، أنا الآن أدعو لوالدي وأقرأ له القرآن إلا أن حالتي الصحية في تأثر كيف أكفر عما فعلت تجاه والدي وبماذا تنصحونني وتنصحون أهلي، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أما أنت فننصحك بأن تلزم التوبة النصوح التي تشتمل على الندم على ما فعلت مع والدك من الإساءة والعزم الصادق أنك لا تعود إلى أمثال ذلك من العقوق والقطيعة، وعليك مع ذلك أن تتبع هذا بالعمل الصالح كما قال الله عز وجل في كتابه العظيم: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]، قال سبحانه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، فنصيحتي لك أن تلزم التوبة والندم على ما مضى منك وتكثر الاستغفار والعمل الصالح من صلاة وصدقات وغير ذلك، وتسبيح وتهليل وتحميد وتكبير وتكثر من قراءة القرآن وغير هذا من العمل الصالح مع الدعاء لوالدك بالمغفرة والرحمة ورفيع الدرجة في الجنة، وتتصدق عنه بما تستطيع؛ الصدقات تنفع والدك، أما قراءة القرآن عنه فليس عليها دليل وإن قال بها جمع من أهل العلم لكن الأفضل أن تجعل بدل القراءة له الدعاء؛ لأنه لم يرد دليل واضح على أنه يقرأ عن الأموات، وإنما الدعاء هو المشروع الدعاء له والصدقة عنه والحج عنه والعمرة عنه كل هذا أمر ينفعه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، كن أنت ولداً صالحاً وأكثر من الدعاء والاستغفار لأبيك مع توبتك الصادقة عما جرى منك سابقاً وأبشر بالخير، والتوبة تجب ما قبلها والحمد لله، وإياك والوساوس وإياك وطاعة من يقول لك: إنك فعلت وإنك فعلت.. التوبة تهدم ما كان قبلها وتجب ما قبلها الحمد لله، أعظم من العقوق الشرك وإذا تاب المشرك تاب الله عليه فالعقوق دون الشرك فالتوبة تجب ما قبلها.

    ونصيحتي لأهلك أن يتقوا الله فيك، وأن لا يتعرضوا لهذا الأمر وأن يبشروك بالخير؛ لأنك تبت والتوبة تجب ما قبلها فلا يجوز لهم أبداً أن يذكروك بما جرى منك مما يضرك ويسبب ضيق صدرك وتحرجك بل ينبغي لهم أن يسلوك عن هذا، وأن يقولوا لك: احمد لله لما تاب عليك وليس لك في هذا الحادث ما يوجب تأثرك، فالأمر بيد الله سبحانه وتعالى هو الذي قضى ما قضى ويرجى له الخير ولعله يكون شهيداً بسبب الحادث.

    فالحاصل أن الواجب عليك التوبة فقط ولزومها، ويشرع لك الدعاء لأبيك والإكثار من ذلك والصدقة كما تقدم إذا تيسرت ولو بالقليل، والحج إذا تيسر عن والدك والعمرة كذلك، كل هذا طيب وأبشر بالخير وإياك وسوء الظن بالله وإياك وسوء الظن بالله من تاب أفلح من تاب أفلح، يقول سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (التوبة تهدم ما كان قبلها)، ويقول: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، فاتق الله وأحسن الظن بمولاك واستقم على طاعته جل وعلا ولا تلتفت إلى من يلومك أو يقول لك بعد هذا فهم مخطئون وغالطون في كونهم يؤذونك وقد تبت إلى الله، بل الواجب عليهم أن يبشروك وأن يفرحوك وأن يعينوك على الفرح وحسن الظن بالله فالتائب لا يؤذى، التائب يبشر ويعان.

    1.   

    أهمية بر الوالدين

    السؤال: شيخ عبد العزيز مناسبة يهتبلها البرنامج تلكم هي الحديث عن بر الوالدين، كيف يعين الأب أبناءه على البر به؟ وكيف يكون الأبناء تجاه الوالدين لو تكرمتم؟

    الجواب: بر الوالدين من أهم الواجبات ومن أعظم الفرائض، وقد قرن الله حق الوالدين بحقه سبحانه بالتوحيد حيث قال جل وعلا في كتابه العظيم: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، (قضى) معنى: أمر وأوصى، فأوصى سبحانه عباده أن لا يعبدوا إلا إياه أن يخصوه بالعبادة، ثم قال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، فجعل حق الوالدين مع حقه سبحانه وتعالى، ومعلوم أن حقه هو أعظم الفرائض وهو التوحيد، فدل ذلك على أن بر الوالدين من أهم الفرائض، وقال عز وجل: َأنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، فجعل شكر الوالدين مع شكره سبحانه وتعالى، فدل ذلك على عظم حقهما، وقال في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ -ثلاث مرات- قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) متفق على صحته، فجعل العقوق قرين الشرك كما أن البر قرين التوحيد ثم جعل بعد ذلك شهادة الزور هي أكبر الكبائر بعد الشرك والعقوق، فالواجب على الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً أن يتقوا الله وأن يخلصوا لله العبادة وأن يستقيموا على طاعته سبحانه وأن يبروا والديهم أحياء أو أمواتاً بالكلام الطيب.. بالدعاء.. بالصدقة عنهم.. إلى غير هذا، وفي حياتهم بالسمع والطاعة في المعروف والقيام بحقهم.. إلى غير هذا مما يجب لهم في الحياة من النفقة إن كانوا محاويج وكف الأذى وعدم السب والشتم وعدم أي أذى، هذا هو الواجب على الولد مع والديه، وقد سئل صلى الله عليه وسلم قيل: (يا رسول الله! هل بقي من بر والدي شيء أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال له: نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)، أخبر صلى الله عليه وسلم عن خمسة أمور كلها من بر الوالدين بعد وفاة الوالدين:

    فالأول والثاني: (الصلاة عليهما والاستغفار) كونه يصلي عليهما؛ يعني: يدعو لهما يترحم عليهما ويكثر من الاستغفار لهما، ويدخل في ذلك صلاة الجنازة كونه يصلي عليهما صلاة الجنازة.

    الثالث: (إنفاذ عهدهما من بعدهما) يعني: الوصية التي يوصيان بها ينفذها الولد إذا كانت شرعية، عليه أن ينفذها إذا كانت مما يوافق الشرع المطهر كوصية الوالد أو الوالدة بالصدقة على الفقراء.. بضحية.. بحجة.. بتعمير مسجد.. بغير هذا مما شرعه الله إذا كان ذلك يخرج من الثلث، أما إذا كان زائد على الثلث فلابد من أن يجعل ميراثاً لكن ما دامت الوصية بالثلث فأقل فالواجب تنفيذها والحرص على إنجاز ذلك؛ لأن هذا من إنفاذ عهدهما من بعدهما، وهكذا كل وصية تنفعهما ولا تخالف الشرع المطهر فمن برهما إنفاذها كما لو أوصيا بأن يجتهد أبناؤهما الكبار في الإحسان إلى أبنائهم الصغار أبنائهما أو بناتهما، أو أوصيا بإكرام أخيهما أو أختهما أو إخوتهما أو أخواتهما، أو أوصيا بإكرام فلان أو فلانة من أجل الصداقة التي بينهما وبينه ونحو ذلك.

    المقدم: سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.