إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (875)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم قراءة القرآن عند القبور

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج (نور على الدرب)، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله، وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع: محمد (أ. س. د. ع)، أخونا يناقش في قضية استمع إليها عبر حلقات هذا البرنامج فيقول: أرجو عرض هذه المسألة على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، استمعت في إحدى حلقات (نور على الدرب) عن القراءة والصلاة والدعاء عند القبور، حيث أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بأن قراءة القرآن عند القبور لا تجوز، وطالب الشيخ بالدليل لمن يقول بجواز قراءة القرآن عند القبر، وقد اطلعت على كتاب الروح لـابن قيم الجوزية ، حيث وجدت الحديث التالي: قال الخلال ، وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقا قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا! إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لـأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله! ما تقول في مبشر الحلبي ؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم، فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد : ارجع وقل للرجل يقرأ. انتهى.

    وقال الحسن الزعفراني : سألت الشافعي عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا بأس بها. انتهى.

    وقد نقلت هذين النصين حرفياً من كتاب الروح لـابن قيم ، وهناك أقوال كثيرة في هذا الكتاب تجيز القراءة والصلاة عند القبر، أرجو من سماحة الشيخ توضيح هذه المسألة مأجورين بإذن الله تعالى، وفقكم الله، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فقد اطلعت على ما ذكره السائل وما نقله عن كتاب الروح، قد اطلعت عليه في كتاب الروح، ولكن ينبغي أن يعلم السائل أن الأدلة الشرعية منحصرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي إجماع أهل العلم، أما ما يتعلق بأقوال أفراد الصحابة فهي تعرض على الكتاب والسنة، والعبادات توقيفية، لا يجوز منها إلا ما أجازه الشرع، ولم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا عن خلفائه الراشدين أنهم كانوا يقرءون عند القبور، ولا يصلون عند القبور.

    أما ما فعله ابن عمر هذا اجتهاد منه رضي الله عنه، وهكذا من فعله بعده من بعض السلف من باب الاجتهاد، والاجتهاد يخطئ ويصيب، والواجب هو عرض ما تنازع فيه الناس على كتاب الله، وعلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعلى ما أجمع عليه أهل العلم، ومعلوم أن القراءة محلها البيوت، والمساجد، وليس محلها المقابر، المقابر إنما تزار ويدعى لأهلها، وهكذا الصلاة ليس محلها المقابر، وإنما محلها المساجد والبيوت، فكما أنه لا يصلى عند القبور، كذلك لا تتخذ محلاً للقراءة، لا عند الدفن، ولا بعد الدفن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)، فدل ذلك على أن القبور ليست محلاً للصلاة، قال: (لا تتخذوها قبوراً) يعني: بترك الصلاة فيها، قال: (صلوا في بيوتكم)، وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)، وكلها أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة).

    فالمقصود؛ أن المساجد والبيوت هي محل القراءة، وهي محل الصلاة، وليست المقابر محل صلاة ولا محل قراءة، وإنما تزار للدعاء لأهلها، ولتذكر الآخرة، والزهد في الدنيا، وتذكر الموت، وكان عليه الصلاة والسلام إذا زار القبور يدعو لأهلها، يسلم عليهم ويدعو لهم، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)، ولم يعلمهم أن يقرءوا عندها القرآن، وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان عليه الصلاة والسلام إذا زار القبور يقول: السلام عليكم دار قوم المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).

    فلم يكن عليه الصلاة والسلام يقرأ عند القبور، ولم يكن يصلي عند القبور عليه الصلاة والسلام، والخير كله في اتباعه والسير على منهاجه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال جل وعلا في كتابه العظيم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، ولم يكن خلفاؤه الراشدون يفعلون ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)، وابن عمر له اجتهادات خالف فيها السنة، فمن ذلك: أنه كان يغسل داخل عينيه، وهذا خلاف السنة، وهذا من اجتهاده رضي الله عنه، ومن ذلك: أنه كان إذا حج أو اعتمر يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة، وهذا خلاف السنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين)، خرجه البخاري في صحيحه، وقال عليه الصلاة والسلام: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين)، متفق على صحته، وكان يأخذ ماءً لأذنيه، والسنة أن تمسح الأذنان بماء الرأس.

    فالحاصل أنه له اجتهادات رضي الله عنه، لا يوافق عليها من جهة السنة، فهكذا ما يروى عنه من القراءة عند القبر، وقت الدفن، هذا شيء اجتهد فيه رضي الله عنه، والسنة بخلافه، والإمام أحمد رحمه الله لما بلغه ذلك كان لاجتهاده رضي الله عنه ورحمه رأى أن يوافق ابن عمر ، وأن يقر الكفيف على قراءته بعدما قال له: إنها بدعة، فقوله الأول هو الصواب، قول أحمد الأول هو الصواب، وهو الذي يوافق الأدلة الصحيحة الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولأن القراءة عندها، والصلاة عندها وسيلة إلى عبادتها من دون الله، فالناس قد يظنون أن القراءة عندها لها مزية، ولها ثواب زائد، وهكذا الصلاة عندها، فيجرهم هذا إلى اتخاذها مساجد، وإلى دعاء أهلها، والاستغاثة بأهلها، والتوسل بأهلها، فيقع الشرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    الموقف من اجتهادات أهل العلم

    السؤال: شيخ عبد العزيز تضعون مدرسة ينبغي أن ينهل منها طلاب العلم، ذلكم أنكم كثيراً ما تقدرون لـابن تيمية ، ولـابن القيم بالذات اجتهاداتهم، وأنتم هنا تدعون إلى الرجوع إلى كتاب الله، وسنة رسوله عندما يكون هناك خلاف بين العلماء، أطمع في كلمة في هذه المناسبة لو تكرمتم؟

    الجواب: نعم، نعم، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، والإمام الشافعي ، والإمام مالك ، والإمام أبو حنيفة ، والإمام أحمد رحمة الله على الجميع، والإمام الثوري ، والإمام إسحاق بن راهويه ، والإمام الأوزاعي ، وغيرهم من الأئمة، كلهم لهم المنزلة العظيمة عندنا وعند غيرنا من أهل العلم، يعرفون لهم فضلهم، واجتهادهم، وعلمهم، لا شك في هذا، ولكن لا يلزم -من كوننا نعظمهم ونعرف لهم أقدارهم- أن نوافق على ما قد يقع من خطأ من بعضهم؛ لأن كل إمام تقع له بعض الأخطاء، وبعض الأغلاط، وكل إمام يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن قوله هو الحق، كما قال مالك رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر، يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لأحد من الناس، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، حكاه إجماعاً لأهل العلم، وهذا صحيح، فإن الواجب على الأمة كلها تقديم ما قاله الله ورسوله، في مسائل النزاع، وفي مسائل الإجماع، فكما أن مسائل الإجماع يجب أن تحترم، وأن يؤخذ بها، وأن لا يلتفت إلى من خالفها، فهكذا من باب أولى الكتاب والسنة، يجب تعظيمهما، والأخذ بهما، وترك ما خالفهما من أقوال الناس.

    1.   

    حكم صلاة التسبيح

    السؤال: رسالة أخرى وصلت إلى البرنامج من أبها، وبعثت بها إحدى الأخوات من هناك تقول: أختكم السائلة (م.ع)، سألت في حلقة مضت بعضاً من الأسئلة، وفي هذه الحلقة تسأل وتقول: قرأت في كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة صلاة التسبيح، وهي أربع ركعات، ويقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة صغيرة، ثم يسبح في الركعة الأولى خمساً وسبعين تسبيحة في القيام وفي الركوع والسجود، وفي الركعة الثانية هكذا، وفي الأربع الركعات ثلاثمائة تسبيحة، هل هذا حديث صحيح؟ وما رأيكم فيما أورده صاحب ذلكم الكتاب؟

    الجواب: صلاة التسبيح مشهورة عند أهل العلم، وقد تنازع العلماء في صحتها، فمن أهل العلم من عمل بها وصححها؛ لما في ذلك من الأجر العظيم الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وغفران السيئات، ومن أهل العلم من ضعف الرواية ولم يصححها، وذكر أنها رواية شاذة، وحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، وهذا القول الثاني هو أصح، أن صلاة التسبيح حديثها شاذ غير صحيح، وأن المعتمد قول من قال: إنها غير صحيحة، وأنها موضوعة لا أساس لها من الصحة، وأسانيدها كلها معلولة، ومتنها شاذ منكر مخالف للأدلة الشرعية الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن صلاته في الليل والنهار محفوظة عليه الصلاة والسلام، وقد رواها الثقات والأثبات في الصحيحين وغيرهما، ولم يحفظ عنه عليه الصلاة والسلام أن صلى هذه الصلاة؛ فوجب على أهل الإيمان أن يردوا ما خالف الأدلة المعروفة إلى الأدلة المعروفة، فالأدلة المعروفة الثابتة دالة على صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، وأن ليس فيها هذه التسبيحات المذكورة، بل هذه انفردت بها هذه الرواية، فالصواب أنها شاذة المتن ضعيفة الأسانيد؛ فلا ينبغي التعويل عليها ولا العمل بها، وإن صححها بعض المتقدمين وبعض المتأخرين، لكن العمدة في هذا أن كل متن يخالف الأحاديث الصحيحة -وإن صح سنده- فإنه يعتبر شاذاً، فكيف إذا كان الإسناد معلولاً، قد قال الأئمة في مصطلح الحديث: إن الأحاديث المختلفة يرجع فيها أولاً إلى الجمع -إذا تيسر الجمع- فإذا أمكن الجمع جمع بينها، وقبلت كلها، فإن لم يتيسر الجمع ولم تتوافر شروطه؛ رجع إلى النسخ إذا علم النسخ، إذا علم الناسخ إذا علم الأخير من المتقدم؛ صار الأخير ناسخاً للمتقدم عند تعذر الجمع، فإذا لم يعلم المتأخر من المتقدم ولم تتوافر شروط النسخ ولا شروط الجمع؛ انتقل إلى أمر ثالث وهو الترجيح، وهذه الصلاة ليس فيها ما يدل على التأريخ وأنها متأخرة عن غيرها، وليس فيها ما يدل على أنها سنة استعملها النبي صلى الله عليه وسلم سابقاً ولاحقاً، وليس فيها ما يقتضي الجمع بينها وبين غيرها؛ فتعين الأمر الثالث وهو: أنها غير صحيحة، وأنها شاذة مخالفة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لسنته المعروفة عنه عليه الصلاة والسلام في ليله ونهاره مدة حياته عليه الصلاة والسلام، فلم يحفظ عنه أنه فعلها مرة واحدة عليه الصلاة والسلام، ولم يعرف عنه عليه الصلاة والسلام ما يدل على أنها سنة متبعة في أحاديث صحيحة؛ فعلم بذلك أنها شاذة وأنها مختلقة، وأنه لا أساس لها في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حكم صلاة النصف من شعبان

    السؤال: أختنا تسأل وتقول: هل صلاة الخامس عشر من شعبان مائة ركعة، ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشر مرات، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وتكون ألف مرة في المائة ركعة، أو اثني عشرة ركعة، في كل ركعة ثلاثون مرة، هل هي جائزة أو صحيحة، وما رأيكم في ذلك، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذه أيضاً صلاة لا أساس لها من الصحة بل هي بدعة.

    1.   

    حكم ظهور باطن قدم المرأة أثناء الصلاة

    السؤال: ماذا عن كشف باطن القدم عند المرأة أثناء الصلاة؟

    الجواب: إذا كان ثوبها ساتراً، يستر أقدامها في قيامها، وركوعها، وسجودها، فظهور بطن القدم لا يضر في ظاهر السنة، ولا يبطل صلاتها؛ لأن في حديث أم سلمة لما سئلت عن ذلك! قيل لها: يا أم المؤمنين أتصلي المرأة في درعٍ وخمار؟ فقالت رضي الله عنها: إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها، وقد روي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الراجح عند الأئمة وقفه على أم سلمة رضي الله عنها، فظاهره أن البطون لا يجب سترها، عند السجود مثلاً، والغالب أنها تستتر؛ لأن ثيابها الساترة إذا سجدت تكون وراءها ساترة، لكن لو فرض أن شيئاً من بطن القدم ظهر في بعض الأحيان عند ركوعها أو كذا، لا يضر ذلك، لقول أم سلمة: إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها، فإذا كان ملابسها سابغة؛ كفى ذلك.

    1.   

    حكم اكتفاء المرأة بتخليل شعرها دون صب الماء أثناء الغسل

    السؤال: هل يجوز للمرأة تخليل شعرها بالماء سبع مرات أثناء الغسل من الجنابة دون أن تصب الماء على شعرها؟

    الجواب: لا يكفي ذلك، لابد من صب الماء على شعرها ثلاثاً، النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن تحثي عليه ثلاث حثيات، أما إذا كانت واحدة، لكن عمت الرأس؛ أجزأت، تعمه، أما مجرد التخليل بدون صب الماء فلا يكفي، لابد من صب الماء، لابد من جريان الماء على الرأس، أما مجرد تخليله بأصابع فيها رطوبة تخلل ولكن من غير صب الماء، لا، لابد من صب الماء ولو مرة، لكن السنة ثلاث؛ لأن في حديث أم سلمة قالت: (يا رسول الله! إني أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ -وفي رواية: والحيضة؟ عند مسلم رحمه الله- قال: يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء؛ فتطهرين)، فبين لها صلى الله عليه وسلم أنه يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حثيات، فلو أنها روته بالماء من دون ثلاث حثيات، صبت عليه الماء؛ كفى، لكن ثلاث هو الأفضل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وأكمل في الإبلاغ.

    1.   

    الاهتمام بحلقات نور على الدرب وتسجيلها

    السؤال: أخت تقول: المرسلة: (ن. م)، تسأل سؤالين، في سؤالها الأول تقول: إنني ممن يستمعون لبرنامجكم هذا والحمد لله، وأقوم بتسجيل كل حلقة على شريط؛ لكي يكون مرجعاً لي ولمن يريد حل مشكلة قد تعرض لها، أو حكم يتمنوه، فهل هذا العمل أستمر عليه أم لا؟ علماً بأنني أنظم تسجيل الحلقات؛ لكي لا يكون اختلاط في الحروف؟

    الجواب: هذا عمل طيب، وأنت مأجورة، شكر الله لك سعيك؛ لأن هذا من باب تحصيل العلم، ومن باب حفظ العلم لك ولغيرك، تسجيل مثل هذه البرامج فيه خير كثير، وفيه فائدة كثيرة، فاستمري على هذا، وأبشري بالخير.

    1.   

    حكم مصاحبة تارك الصلاة

    السؤال: تقول أختنا: إنها تعرف إحدى النساء واكتشفت أنها لا تصلي إلا في رمضان، وتسأل: هل تستمر معها كصديقة لها، أو تقاطعها؟

    الجواب: الواجب نصيحتها، وتعليمها ما ينفعها، وإفهامها أن الصلاة فرض دائماً، في رمضان وفي غيره، وأنها عمود الإسلام، وأنها واجبة على المرأة المكلفة أن تصليها، وأن تحافظ عليها كالرجل، في رمضان أو في غيره، وأن تركها للصلاة في غير رمضان كفر أكبر -نعوذ بالله- كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، فالصلاة عمود الإسلام، وأعظم أركانه بعد الشهادتين، فالتي لا تصلي كالرجل الذي لا يصلي سواءً بسواء، كلاهما كافر، حتى يتوبا إلى الله ويرجعا من عملهما السيئ، فإن هداها الله، واستجابت لك؛ وتابت إلى الله، فلا مانع من اتخاذها صديقة والبقاء على صحبتها، أما إن أصرت على ترك الصلاة فهي كافرة؛ ويجب عليك أن تعاديها في الله، وأن تقاطعيها، وأن لا تقربيها بالكلية، لا تجيبي دعوتها، ولا تدعيها إلى زيارتك، ولو زارتك لا تقابليها، ولا تسلمي عليها، حتى ترجع عما هي عليه من الباطل، وحتى تتوب إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن عملها عظيم، عظيم النكارة، عظيم الشر ، عملها كفر -نسأل الله العافية والسلامة- والمسلم واجبه النصيحة لإخوانه في الله، وأخواته في الله، فإذا كانت لا تقبل النصيحة، ولا تنتفع بالنصيحة؛ وجبت المقاطعة، نسأل الله لنا ولها الهداية، ونسأل الله لك التوفيق في نصيحتها.

    1.   

    إثبات العلو لله على عرشه فوق السماوات

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد المستمعين بدأها بقوله: نحمد الله سبحانه وتعالى على أن من علينا ببرنامج (نور على الدرب)، ونشكر علماءنا الأفاضل، وندعو لهم بالتوفيق والسداد في تبصير الأمة المسلمة بأمور دينها ودنياها، نرجو أن يجيب على هذه الأسئلة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، مقدم الأسئلة: أبو مؤمن خلف الله علي مصري يعمل باليمن، أخونا يسأل في سؤاله الأول ويقول: سألني أخ مسلم: أين الله؟ فقلت له: في السماء، فقال لي: فما رأيك في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، وذكر آيات كثيرة، ثم قال: لو زعمنا أن الله في السماء؛ لحددنا جهة معينة، فما رأي سماحتكم في ذلك؟ وهل هذه الأسئلة من الأمور التي نهينا عن السؤال عنها؟

    الجواب: قد أصبت في جوابك، وهذا الجواب الذي أجبت به هو الجواب الذي أجاب به النبي عليه الصلاة والسلام، فالله جل وعلا في السماء، في العلو سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17]، وقال جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، فهو سبحانه وتعالى فوق العرش في جهة العلو، فوق جميع الخلق، عند جميع أهل العلم من أهل السنة، قد أجمع أهل السنة والجماعة رحمة الله عليهم على أن الله في السماء فوق العرش فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، وهذا هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي الله عنهم، وعن أتباعهم بإحسان، كما أنه موجود في كتاب الله القرآن، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم جارية جاء بها سيدها ليعتقها، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، رواه مسلم في الصحيح، فالرسول صلى الله عليه وسلم أقر هذه الجارية على الجواب، الذي قلته أنت، قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)؛ وما ذاك إلا لأن إيمانها بأن الله في السماء يدل على إخلاصها لله، وتوحيدها لله، وأنها مؤمنة به سبحانه، وبعلوه فوق جميع خلقه، وبرسوله محمد عليه الصلاة والسلام حيث قالت: (أنت رسول الله).

    أما قوله جل وعلا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] هذا لا ينافي ذلك، الكرسي فوق السماوات، والعرش فوق الكرسي، والله فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، وتحديد الجهة لا مانع منه جهة العلو، بأن الله في العلو، وإنما يشبه بهذا بعض المتكلمين وبعض المبتدعة، ويقولون: ليس في جهة، وهذا كلام فيه تفصيل، فإن أرادوا: ليس في جهة مخلوقة، وأنه ليس في داخل السماوات وليس في داخل الأرض، ونحو هذا صحيح، أما إن أرادوا أنه ليس في العلو، هذا باطل، وهذا خلاف ما دل عليه كتاب الله، وما دلت عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما دل عليه إجماع سلف الأمة، فقد أجمع علماء الإسلام أن الله في السماء فوق العرش، فوق جميع الخلق، والجهة التي هو فيها جهة العلو وهي ما فوق جميع الخلق، وهذه الأسئلة ليست بدعة، ولم ننه عنها، بل هذه الأسئلة مأمور بها نعلمها الناس، كما سأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أين الله) وسأله أبو رزين قال: أين ربنا؟ فأخبره أنه في العلو سبحانه وتعالى، فالله عز وجل في العلو في جهة العلو فوق السماوات، فوق العرش، فوق جميع الخلق، وليس في الأرض، ولا في داخل الأرض، ولا في داخل السماوات، ومن قال: إن الله في الأرض، وأن الله في كل مكان كـالجهمية والمعتزلة ونحوهم فهو كافر عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه مكذب لله ولرسوله في إخبارهما بأنه سبحانه في السماء فوق العرش جل وعلا، فلابد من الإيمان بأن الله فوق العرش، فوق جميع الخلق، وأنه في السماء، يعني: في العلو، معنى السماء يعني: العلو، فالسماء يطلق على معنيين:

    أحدهما: السماوات المبنية، يقال لها: سماء.

    والثاني: العلو، يقال له: سماء، فالله سبحانه في العلو، في جهة العلو فوق جميع الخلق، وإذا أريد: السماء المبينة المعنى هو: عليها، في يعني: على، في السماء يعني: على السماء وفوقها، كما قال الله سبحانه: فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [آل عمران:137]، سيروا في الأرض يعني: عليها فوقها، وكما قال الله عز وجل عن فرعون أنه قال: لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، يعني: على جذوع النخل، فلا منافاة بين قول من قال: في السماء يعني: على السماء، وبين من قال: إنه في العلو؛ لأن السماء المراد به العلو، فالله في العلو، فوق السماوات فوق جميع الخلق، وفوق العرش سبحانه وتعالى، ومن قال: معنى في: على، يعني: أنه فوق السماوات المبنية فوقها، ولاشك أنه فوقها، فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، فأنت على عقيدة صالحة، وأبشر بالخير، والحمد لله الذي هداك لذلك، ولا تلتفت إلى أقوال المشبهين والملبسين؛ فإنهم في ضلال، وأنت بحمد الله ومن معك على هذه العقيدة أنتم على الحق في إيمانكم بأن الله في السماء، فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، وعلمه في كل مكان جل وعلا، ولا يشابه الخلق في شيء من صفاته سبحانه وتعالى، وليس في حاجة إلى العرش، ولا إلى السماء، بل هو غني عن كل شيء سبحانه وتعالى، والسماوات مفتقرة إليه، والعرش مفتقر أيضاً، وهو الذي أقام العرش، وهو الذي أقام الكرسي، وهو الذي أقام السماوات، وهو الذي أمسكها سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم:25]، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر:41]، فالله الذي أمسك السماوات، وأمسك العرش، وأمسك هذه المخلوقات، فلولا إمساكه لها، وإقامته لها؛ لاندك بعضها على بعض، ولكنه جل وعلا هو الذي أقامها وأمسكها حتى يأتي أمر القيامة، فإذا جاء يوم القيامة صار لها حال أخرى.

    فهو سبحانه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وهو العالي فوق جميع خلقه، وصفاته كلها علا، وأسماؤه كلها حسنى، فالواجب على أهل العلم والإيمان أن يصفوا الله سبحانه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل مع الإيمان بأنه سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل -بعد شكر الله سبحانه وتعالى- على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: إن شاء الله، نرجو ذلك. نعم.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، والدعوة والإرشاد.

    شكراً لكم مستمعي الكرام، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.