إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (867)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    النهي عن غش الكافر وخيانته

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الأخ حامد محمد عيسى من رابغ، أخونا يسأل ويقول: حيث أنني عامل في بقالة لبيع المواد الغذائية، وقد لاحظت العديد من المظاهر التي اشمأزيت منها، وإنني أسأل هل يجوز الكذب على من أعرفه أنه لا يصلي ولا يصوم ويدعي أنه مسلم؟ وكذلك هل يجوز غشهم، أرجو أن ترشدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل حرم على عباده الخيانة والغش حيث قال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]، وقال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8] هذه من صفات أهل الإيمان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا).

    فليس لك أيها السائل أن تغش من يشتري منك ويعاملك، سواء كان كافراً أو مسلماً، سواء كان يصلي أو لا يصلي، الواجب عليك أن تؤدي الأمانة وأن تبيع بأمانة ونظافة وعدم غش وعدم خيانة، وإذا علمت أن أحداً لا يصلي أو أنه يفعل شيئاً من المنكر فعليك أن تنصحه إذا استطعت ذلك وأن تعلمه ما ينفعه، وأن ترشده إلى الخير، وأن تنكر عليه المنكر، كما قال الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) فانصح من ترى منه ما يخالف الشرع حسب طاقتك، أما الغش والخيانة فلا.

    1.   

    حكم التعامل مع الجزار التارك للصلاة والصوم

    السؤال: يسأل أخونا أيضاً ويقول: إذا كان الجزار لا يصلي ولا يصوم كيف يكون التعامل معه شرعاً؟

    الجواب: من كان لا يصلي ولا يصوم لا يجعل جزاراً، ولا تشترى منه الذبيحة ويمنع من الجزارة، وعلى ولاة الأمور أن يمنعوه، ولا يتولى الجزارة إلا مسلم معروف يؤدي الصلاة ويتباعد عن كل ما يخل بدينه، هذا هو الواجب على ولاة الأمور في كل بلد وألا يتولى الجزارة إلا مسلم معروف بديانته وأمانته وأدائه الصلاة، فلا يتولاها مشرك ولا يتولاها من يترك الصلاة؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر في أصح قولي العلماء، فالواجب على ولاة الأمور في كل بلد من بلاد المسلمين أن يتحروا فيمن يتولى الجزارة أن يكون مسلماً.

    1.   

    حكم الجنب إذا لم يجد ماء يكفيه للغسل من الجنابة

    السؤال: أرجو الاطلاع على مسألتي هذه والإجابة عليها حيث أنني أسأل عن الحكم فيما لو كان شخص في مكان لا يوجد به ماء كاف للغسل من الجنابة ووجد شيئاً قليلاً ما الحكم، أرجو إرشادي جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يقول الله سبحانه (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فإذا كان الإنسان في مكان ليس فيه إلا ماء قليل لا يكفي للغسل فإنه يغسل به ما أمكن من جسده ثم يتيمم للباقي؛ لأنه معذور كالذي في البرية أو في سجن لا يعطى ماء إلا لشربه، وليس عنده ماء يكفيه للغسل ولا يعطى ماء للغسل فإنه يغتسل بالذي عنده فيغسل بعض بدنه كرأسه وصدره ونحو ذلك ويستنجي منه ويتيمم للباقي، يعني: يضرب التراب بيديه بنية الطهارة ويمسح بهما وجهه وكفيه عن بقية بدنه ناوياً بذلك الطهارة من الجنابة، وإن نوى الطهارة من الجنابة وجميع الأحداث صح ذلك وصارت طهارته كاملة عن الحدث الأكبر والأصغر جميعاً عملاً بقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وإذا كان الماء الذي عنده يحتاجه للشرب ويخشى من العطش فإنه لا يغتسل به بل يتيمم عن الجميع ويبقى الماء عنده لحاجته عملاً بقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وعملاً بقوله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    1.   

    كيفية التخلص من الوساوس المتعلقة بالعبادة والطلاق

    السؤال: أخ لنا من قطر بعث برسالة ضمنها مجموعة من الأسئلة يقول (ع. س. ب) من الدوحة قطر، أخونا يقول: إنه تنتابه كثير من الهواجس أو الوساوس أو الشكوك حول أمور الطلاق والظهار والوضوء والصلاة، ويرجو من سماحة الشيخ أن يتفضل بإرشاده؟

    الجواب: لا شك أن هذا من الشيطان؛ لأن الله يقول جل وعلا: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36] ويقول سبحانه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] ويقول سبحانه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1-6].

    فالواجب عليك أن تحارب هذه الوساوس في جميع الأحوال.. في الوضوء والغسل والمعاملات وفي كل شيء، عليك أن تحاربها؛ لأنها من عدوك عدو الله، فالواجب عليك أن تحاربها وأن تستعيذ بالله من الشيطان وأن تكثر من ذكر الله سبحانه وأن تمضي في عملك ولا تلتفت إلى هذه الوساوس، فإذا توضأت فاعلم أنك توضأت وانتهيت، وهكذا إذا اغتسلت اعلم أنك اغتسلت فلا تعد لا وضوءاً ولا غسلاً وهكذا في صلاتك وهكذا في جميع الأحوال تعلم أنك فعلت ما فعلت وأن هذه الوساوس التي تخطر كلها من الشيطان فاطرحها ولا تلتفت إليها، هذا هو الواجب عليك حتى ترغم عدو الله وحتى تستريح من وساوسه مستقبلاً فإنه إذا رأى منك اللين في قبول الوساوس طمع فيك وزاد عليك في الوساوس، وإذا رأى منك القوة والمحاربة له يئس منك وابتعد.

    وهكذا يجب عليك أن تستعيذ بالله من شره حتى ولو في الصلاة، إذا خطر لك هذه الوساوس في الصلاة وتواترت عليك فانفث عن يسارك ثلاث مرات وقل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ثلاث مرات، وبهذا تسلم من عدو الله، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة إلى هذا فإن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! إن الشيطان لبس علي صلاتي؟ فقال له: انفث عن يسارك ثلاث مرات، وتعوذ بالله من الشيطان ثلاثاً) ففعل ذلك وعافاه الله من هذه الوساوس.

    1.   

    حكم زيارة المرأة للمقابر وبيان الحق فيما يتعلق بعلم الميت بزيارة أهله له ويطلع على أحوالهم

    السؤال: من العراق رسالة بعثت بها إحدى الأخوات من هناك وهي أم داود تسأل وتقول: هل الشخص المتوفى يعرف بما يدور في بيت أهله، وكذلك يرى أهله عند زيارتهم له في المقبرة، إنني والدة شهيد وأبكي كثيراً وأزوره كل يوم خميس في المقبرة وأطعم الفقراء ولا أعرف قراءة القرآن؛ لأني لا أعرف القراءة، ولكن أقرأ سورة الفاتحة وبعض السور القصار، ولا أصلي وأريد أن أرى ابني في الحلم ولا أستطيع فماذا أفعل؟

    الجواب: المشروع لك الدعاء له إذا كان قتل مسلماً .. الدعاء له والترحم عليه والصدقة عنه، هذا ينفعه كثيراً، أما الزيارة فليس لك الزيارة، الرسول صلى الله عليه وسلم منع النساء من زيارة القبور وقال عليه الصلاة والسلام: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) وأراد بذلك الرجال، أما النساء فقد ثبت عنه لعن زوارات القبور من النساء.

    فالواجب عليك ألا تزوريه في المقبرة ولكن تدعين له في بيتك وفي كل مكان بالمغفرة والرحمة وتتصدقين عنه إذا تيسر لك صدقة وأنت على خير إن شاء الله، وأما الزيارة فلا.

    وعليك أيضاً أن تصلي، عليك أن تتقي الله وأن تصلي فإن الصلاة عمود الإسلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) الصلاة عمود الإسلام وأمرها عظيم والله يقول فيها سبحانه في كتابه العظيم القرآن: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى يعني: العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] ويقول سبحانه في كتابه العظيم: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56].

    فالواجب عليك أن تقيمي الصلاة في وقتها، الظهر أربعاً.. العصر أربعاً.. المغرب ثلاث.. العشاء أربعاً.. الفجر ثنتين، هذا الواجب عليك وعلى كل مسلم، ومن تركها كفر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فالواجب عليك أن تتوبي إلى الله مما سلف وأن تستقبلي زمانك بالصلاة والمحافظة على دين الله وأن تسألي عما أشكل عليك من دينك أهل العلم أو من طريق هذا البرنامج بالمكاتبة وسوف تجدين إن شاء الله في هذا البرنامج ما يكفي ويشفي.

    وأما كون الميت يطلع على أحوال أهله ويعلم أخبارهم هذا لا دليل عليه، قد قاله بعض الناس في بعض مرائيهم وزعموا أنهم يرون بعض موتاهم وأنهم يخبرونهم ببعض ما قد يقع ولكن هذا لا يعول عليه، المرائي المنامية لا يعول عليها في أشياء من علم الغيب، ولكن على المؤمن أن يحرص على الإحسان إلى أمواته سواء عرفوا أو ما عرفوا عليه أن يحرص على الدعاء لهم والترحم عليهم وعلى الصدقة عنهم، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام قال له رجل (يا رسول الله! هل بقي من بري أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما قال: نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما -يعني: وصاياهما الشرعية- وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) فالدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه والصدقة عنه كل هذا ينفعه في حياته وبعد مماته، أما كونهم يعلمون بالزائر فهذا أيضاً محل نظر، فقد جاء في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يزور أخاً له كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) هكذا روى ابن عبد البر وابن أبي الدنيا بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل يزور أخاً له كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام).

    فالحاصل أنه سواء عرفك أو ما عرفك سواء عرف الزائر أو ما عرف الزائر المهم أنه يزوره ويدعو له، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فالمهم أنها تنفع الحي، وتعينه على ذكر الآخرة وذكر الموت حتى يستعد للقاء الله وتنفع الميت من جهة أن الزائر يدعو له ويترحم عليه، ففي الزيارة للقبور مصالح للحي والميت جميعاً، يزورهم ويسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف، لا يتمسح بقبورهم ولا يصلي عند قبورهم ولا يسأل الله بهم ولكن يدعو لهم يقول: (اللهم اغفر لهم اللهم ارحمهم) كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) وفي الحديث الآخر: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين) (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) يدعو لهم عليه الصلاة والسلام هكذا أمته تتأسى به، فتدعو للأموات وتسأل الله لهم المغفرة والعافية، وهذا هو المشروع، ويكفي هذا للمؤمن أن يفعل ما شرعه الله وأن يقف عند الحد الشرعي.

    1.   

    حكم كشف المرأة لوجهها وكفيها أمام الأجنبي

    السؤال: هنا رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول: أنا المستمع (د. ل. م) مصري أعمل في الخبر، أخونا يقول: للدكتور يوسف القرضاوي كتاب الحلال والحرام، باب إبداء المرأة للزينة الظاهرة، روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: (يا أسماء ! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) ولكني سمعت منكم أن كشف وجه المرأة حرام، أرجو أن ترشدوني، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: سبق أن نبهنا على هذا الحديث وبينا في حلقة سابقة بل في حلقات أن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ضعيف جداً من وجوه كثيرة، وأن الواجب على من يذكره في أي كتاب أن يبين ضعفه وأنه لا يصلح أن يحتج به؛ لأن في سنده انقطاعاً وضعفاً يوجب عدم الاحتجاج به وعدم الاعتماد عليه، فهو من رواية خالد بن دريك عن عائشة ولم يسمع منها، فهو منقطع، والمنقطع عند أهل العلم لا يحتج به؛ يسمى ضعيفاً، وفي إسناده رجل ضعيف يقال له: سعيد بن بشير لا يحتج به أيضاً، وفي إسناده قتادة عن خالد وهو مدلس وقد عنعن، هذه ثلاث علل، وعلة رابعة: وهي أن هذا الحديث لو صح لكان محمولاً على ما كان قبل الحجاب؛ لأن المرأة قبل الحجاب كانت تبدي وجهها وكفيها ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53]، وبقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]، وبقوله سبحانه في سورة النور: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ.. [النور:31] الآية، فليس لهن إبداء الزينة لغير المحارم، والوجه من أعظم الزينة.

    فعلم بذلك أن ذكر هذا الحديث من دون تنبيه على ضعفه وعلى أنه لو صح كان قبل نزول آية الحجاب غلط، ما كان ينبغي لمن ذكره إلا أن يبين ضعفه.

    وهناك علة خامسة: وهي أن مثل هذا العمل لا يظن بـأسماء رضي الله عنها فإنها امرأة صالحة فقيهة معروفة، وهي أخت عائشة الكبرى، وهي زوجة الزبير بن العوام حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، فلا يليق منها بعد الحجاب أن تدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في ثياب رقيقة أو مكشوفة الوجه واليدين، فهذا مما يبين عدم صحة هذا الحديث وأنه لا أساس له كما تقدم بيان ذلك وأنه معلول بعلل متعددة، والله المستعان.

    المقدم: إذاً الأفضل للمرأة والحالة هذه أن تستر وجهها؟

    الشيخ: هذا هو الواجب عليها، هذا الواجب عليها الواجب أنه حجاب؛ لأن الوجه هو عنوانها الدال على جمالها أو على دمامتها، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما سمعت صوت صفوان يسترجع لما رآها حين تخلفت عن الجيش قالت: فلما سمعت صوته خمرت وجهي وكان قد رآني قبل الحجاب، فعلم بهذا أنه قبل الحجاب كانوا يكشفون الوجوه أما بعد الحجاب فكانوا يسترونها.

    1.   

    الحث على الاقتصار على العمال المسلمين لمن أراد استقدام العمالة

    السؤال: أخونا يسأل ويقول: أرجو أن توجهوا أصحاب المؤسسات كيما يكثروا من العمال المسلمين؛ لأني ألاحظ أن معظم عمال المؤسسات من غير المسلمين بل ومن غير الكتابيين أيضاً، فهم يصلون إلى نسبة تسعين في المائة؟

    الجواب: قد سبق منا غير مرة التنبيه على هذا وأن الواجب على المؤسسات والشركات وعلى غيرهم ممن يستورد العمال ألا يستورد إلا المسلمين في هذه الجزيرة بوجه أخص؛ لأن هذه الجزيرة مهد الإسلام ومطلع شمس الرسالة ومرجع المسلمين وفيها الحرمان الشريفان، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج المشركين منها وأوصى بذلك عند وفاته أن يخرجوا من هذه الجزيرة سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو وثنيين أو شيوعيين.. جميع أنواع الكفرة يجب إخراجهم من هذه الجزيرة وأن لا يبقى فيها إلا مسلم ونهى أن يجتمع بها دينان، فلا يجوز بقاء دين آخر غير الإسلام في هذه الجزيرة، لا من العمال ولا من السكان بل يجب إخراجهم إلا من وردها لحاجة عارضة كالبريد والتاجر الذي يبيع حاجته وينصرف ونحو ذلك بصفة مؤقتة وأيام معدودة.

    فعلى المؤسسات والشركات والأفراد وعلى الدولة وفقها الله أن تعنى بهذا الأمر وأن تأخذ على أيدي الناس وأن تمنع من استيراد الكفار إلا عند الضرورة القصوى في مصلحة المسلمين فيما يتعلق بالدولة إذا احتيج إلى بعض الكفرة لمصلحة المسلمين ولم يتيسر من يقوم بعمله غيره، أما عموم الناس فالواجب منعهم من استيراد الكفرة وألا يستوردوا إلا مسلمين في عمل البناء وفي غير ذلك من الأعمال، هذا هو الواجب على المسلمين جميعاً وأن يعملوا بما أوصى به نبيهم عليه الصلاة والسلام من إخراج الكفار من هذه الجزيرة وعدم استيرادهم لها، لما في اختلاطهم بالمسلمين من الأضرار العظيمة والأخطار الكثيرة، نسأل الله أن يوفق المسلمين لما يرضيه وأن يوفق الدولة لتنفيذ أوامر الله ورسوله في كل شيء وأن يعينها على ذلك إنه خير مسئول.

    1.   

    حكم استقدام العمال من غير المسلمين

    السؤال: معي في المؤسسة عمال غير مسلمين ولا حتى من أهل الكتاب كلما علمتهم شيئاً استعملوه ضدي، فهل أمتنع عن تعليمهم أي شيء ويكون هذا حلالاً أم حراماً؟

    الجواب: الواجب عليك أن لا تستورد كفاراً وأن تبعدهم إلى بلادهم وأن تنهي عقودهم، وأن لا تخبرهم بشيء يضرك، وإنما تنصحهم وتدعوهم إلى الإسلام وتعلمهم ما ينفعهم، أما أن تعلمهم شيئاً يضرك فلا تعلمهم شيئاً يضرك، بل أبعدهم وانه عقودهم واتق الله واتبع رسوله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    واجب الأم تجاه ابنتها المتخلفة عقلياً وما يلزم تعليمها إياه من أمور الدين

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات المستمعات تقول أم ياسر من السعودية، أختنا تقول: إني أنجبت بنتين معوقتين وهما أختان من الأب والأم، البنت الأولى عمرها ثلاث عشرة سنة وهي تسمع وترى لكنها لا تعرف أن تتكلم أو أن تنطق اسمها، ولا تعرف حتى الليل من النهار، ودرست ست سنوات في المعهد الفكري في جدة ولم تستفد شيئاً ولا حتى حرفاً واحداً من القرآن الكريم، فبماذا تنصحوني يا فضيلة الشيخ ولاسيما في أمر الصلاة، ذلك أنها لا تعرف شيئاً عنها، وإنني احترت معها وأنا أعلمها هل علي إثم إذا تركتها، أرجو إرشادي جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا كانت تعقل بالإشارة فعلموها بالإشارة كيف تصلي وكيف تتطهر، وإذا كانت لا عقل فالحرج منتفي حينئذ ولا تكليف عليها حينئذ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المعتوه حتى يفيق).

    فهي الآن بين أمرين:

    إما أن تكون تعقل فعلموها ولو بالإشارة كيف تصلي، كيف تتوضأ، كيف تستنجي، علموها، فإذا تعلمت كفى والحمد لله وهي تصلي بقلبها ولو لم تنطق فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وأحسنوا إليها وأبشروا بالخير وارحموها يرحمكم الله.

    أما إن كانت لا تعقل ولا تفهم الإشارة ولا تستفيد فليس عليكم شيء والتكليف عنها مرفوع كالمجنون.. ونحوه، نسأل الله السلامة.

    1.   

    وجوب الكفارة على الأم في موت ابنتها إذا كانت مفرطة

    السؤال: أختنا تقول أيضاً: أما البنت الثانية فإنها ولدت وهي عمياء العينين وعاشت معي أربع سنوات وهي على حالتها المذكورة، وكل مرة كنت أرجعها من الخطر، فمثلاً كانت تريد أن ترمي بنفسها من فوق المنزل إلى الشارع وكنت أحافظ عليها، ولكن في يوم من الأيام قذفت بنفسها إلى الشارع من فوق أربعة أدوار ولبثت قليلاً وماتت، فهل أنا يا فضيلة الشيخ قصرت بحقها وكلما افتكرتها فإن ضميري يؤنبني، فهل علي إثم أو ذنب لأني تركتها أم أن هذا قضاء وقدر علي؟ وإذا كان علي إثم فهل ينبغي علي أن أصوم شهرين أم ماذا أعمل إذا كان علي إثم أو ذنب بحقها، والله الموفق وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا كنت تركتيها في السطح الأعلى وليس به حيا ولا مانعاً فقد فرطت وعليك الدية والكفارة، الدية للورثة وعليك الكفارة وهي عتق رقبة مؤمنة إن تيسر ذلك فإن عجزت فصيام شهرين متتابعين؛ لأن الواجب عليك حفظها وصيانتها وهي أمانة في الذمة، فإذا كنت لم تفرطي وكانت في السطح المصون الذي مثله لا تستطيع أن تسقط نفسها منه ولكنها تعبثت حتى صعدت على الجدار أو مع كوة أسقطت نفسها معها وهي مرتفعة عن الأرض ولكن حاولت بعبثها فليس عليك شيء إن شاء الله؛ لأنك لم تفرطي في مثل هذا، أما إذا كانت في محل يعرف أنها بإطلاقها فيه سوف تسقط لأنه ليس له حمى يحميها من السقوط فهذا تفريط يوجب الضمان، ونسأل الله أن يعوضك خيراً.

    المقدم: جزاكم الله خيراً. شيخنا! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا سعد هديب الهديب .

    شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.