إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (860)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم قراءة القرآن وإهداء ثواب الأعمال إلى الميت

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ: عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع: عبد الله أحمد نايل سوداني، أخونا يسأل ويقول: في رد لسماحتكم مجيبين عن السؤال الآتي: هل يجوز تلاوة القرآن على المتوفى أو إهداء ثوابه له، علمت من ردكم أن هناك خلافاً بين العلماء في هذا الأمر، وكما قلتم: إنه ليس هناك دليل من الشارع على هذه المسألة أرجو من فضيلة مولانا المزيد من الإيضاح في تعليقه على هذه الملاحظات، إذا جاز لنا أن نحج عن المتوفى وأن نتصدق له ألا يعني هذا أن من يحج عن المتوفى أن يؤدي مناسك الحج جميعها المفروضة منها والمسنون، فإذا قام -مثلاً- لصلاة ركعتين عند المقام والسنة، ألا يهدي ثواب هذه الصلاة للمتوفى، وبالتالي: ألا يكون ما قرأه من القرآن في صلاته كان مهداه للمتوفى كسائر أعمال الحج، فضيلة مولانا الدعاء على المتوفى جائز، أليس الدعاء مخ العبادة، وإذا كان القرآن رحمة وشفاء للمؤمنين ألا يكون المتوفى أحوج لهذه الرحمة وأن القرآن يحتوي على الكثير من آيات الدعاء.

    والخلاصة: إذا كانت تلاوة القرآن لا تجوز على المتوفى هذا يعني: ألا نتلو الآيات الشاملة على الترحم له، أرجو إلقاء المزيد من الضوء على هذا الدرب، وجزاكم الله عن الأحياء والأموات خيراً، أخوكم: عبد الله أحمد نايل .

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإني أشكر للسائل عنايته واهتمامه بهذه الأمور الشرعية العظيمة وأسأل الله لنا وله المزيد من كل خير، أيها الأخ السائل: إن أمور العبادات ليست محل القياس، والعبادات توقيفية كما قال أهل العلم، لا يقال فيها بالرأي المجرد والقياس من عبادة على عبادة، ولكن يتلقى أمر العبادة عن الشارع -عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام- ولا نقيس شيئاً على شيء بدون حجة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أقر الحج عن الميت وأذن فيه، وعن العاجز أيضاً -كالشيخ الكبير العاجز- يحج عنه، والصلاة التي يصليها الطائف تبعاً للطواف، يكون ثوابها وثواب الطواف للميت، من غير حاجة إلى أن يهدي الصلاة أو يهدي القراءة؛ لأنه صلى تبعاً للطواف، وهذه الصلاة جازت تبعاً لا استقالاً، ولا يشرع لأحد أن يصلي عن ميت أو يصوم عنه تنفلاً؛ لأن هذا لم يرد في الشرع، والعبادات مثل ما تقدم توقيفية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ويقول الله عز وجل في ذلك ما هو أعم من هذا: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا -يعني: في ديننا وفي شرعنا- ما ليس منه فهو رد)، يعني: فهو مردود.

    فالواجب على أهل الإسلام الاتباع لما جاء به نبيهم -عليه الصلاة والسلام- وليس لهم أن يبتدعوا فالحج بأعماله الواجبة والمشروعة جاءت عن الشارع فإذا حج عن الميت أو عن العاجز صار الأجر للمحجوج عنه عن النفل والفرض جميعاً حسب ما جاء عن الشارع، ولا نقيس على ذلك فنقول: كما جازت الصلاة تبع الطواف للميت المحجوج عنه نقول: لنا أن نصلي عن الموتى ونصوم عنهم؟! لا، هذا قياس.

    الحج عبادة مستقلة، فلا يقاس عليها أن نصوم عنه نافلة أو نصلي عنه نافلة، بل علينا أن نتبع ونقف عند الشرع ، وهكذا التلاوة، التلاوة التي يقرأها الإنسان في الصلاة على الميت، والتلاوة في ركعتي الطواف، والتلاوة في الطواف كل هذه تبع، فلا يقاس عليها التلاوة المستقلة كونه يقرأ على الميت فيجعل الثواب للميت، أو يقرأ على القبر أو يقرأ خارج ذلك في أي مكان وينويه للميت، هذا يحتاج إلى دليل، وإن كان جملة من أهل العلم ذهبوا إلى جواز ذلك وأنه لا بأس به، وقاسوه على الحج، والدعاء والصدقة، لكن مثل ما تقدم، القاعدة الشرعية، عدم القياس وأن علينا أن نتبع ولا نخترع ولا نبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وإذا فتح هذا الباب دخل الناس في البدع ولم يقفوا عند حد، فلهذا قلت سابقاً وأقول الآن: إن الأرجح عدم تثويب التلاوة للميت وعدم الصلاة عنه، وعدم الصوم عنه، إلا إذا كان عليه دين، عليه صوم واجب من رمضان، أو من كفارة أو من نذر فلا مانع من الصوم عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).

    وسئل غير مرة عمن مات وعليه صيام فأفتى المستفتي بأن يصوم عن ميته، هكذا نقول مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام يصام عنه)، هذا مشروع بأمر النبي عليه الصلاة والسلام حتى رمضان على الصحيح، إذا مات وعليه صيام ولم يقضه من دون عذر شرع لأوليائه أن يصوموا عنه، كما يصوموا عنه الكفارات والنذور، وبعض أهل العلم خص ذلك بالنذر، والصواب: أنه لا يخص النذر بل يعم، لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: (من مات -هذا عموم- وعليه صيام، صام عنه وليه)، فيعم من مات وعليه صوم رمضان، أو صوم كفارة أو صوم نذر.

    ومن زعم تخصيص ذلك بالنذر فلا دليل عليه، وليس معه حجة يحسن الاعتماد عليها، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: من مات وعليه صلاة صلى عنه وليه! ولم يقل: من مات فيقرأ عنه وليه! لكن الدعاء نعم، شرع لنا أن ندعو للأموات ونصلي وندعو لهم، والله يقول سبحانه وتعالى في كتابه العظيم مثنياً على عباده الصالحين بقوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10].

    فالدعاء أمر مطلوب للميت والحي جميعاً، ولهذا شرع الله صلاة الجنازة لما فيها من الدعاء للميت، فأرجو يا أخي! ألا يشتبه عليك الأمر وأن تطمئن إلى أن السنة أن تلزم ما جاءت به الشريعة وألا تحيد عنه، وألا تزيد عليه في العبادات لأنها توقيفية، والله ولي التوفيق.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    شيخ عبد العزيز ! يكثر بعض إخواننا من كلمة (مولانا)، وقد علقتم ذات مرة في إجابة في حلقة مضت على هذه الكلمة؟

    الشيخ: كذلك ينبغي ألا يستعمل هذا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقولوا مولانا فإن مولاكم الله)، هكذا رواه مسلم في الصحيح، فينبغي للمؤمن تركها، وقد أجازها بعض أهل العلم، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حق العبد (وليقل: سيدي ومولاي)، قالوا: هذا دليل على جوازها، لما جازت في حق العبد أن يقولها لسيده، فالأولى في هذا ألا نقيس على العبد، بل هذا خاص بالعبد يقوله لسيده، أما غيره فينبغي له أن يتأدب بالأدب الشرعي فيقول: يا فلان، يا أخي، يا أبا فلان، يا شيخ فلان، ويكفي هذا، ويحتاط لدينه ويبتعد عن الشيء الذي فيه شبهة.

    1.   

    حكم من يقول: إن المجتمعات اليوم جاهلية

    السؤال: من السودان أيضاً هذه رسالة وفيها شيء من المناقشة وبعثت بها إحدى الأخوات تقول: سلوى أحمد عثمان ، لقد تعرفت خلال دراستي الجامعية بجامعة الخرطوم على فتاة تقول: إن المجتمعات الآن كلها مجتمعات جاهلية أي: كافرة، وتستدل بالآتي:

    إن هذه المجتمعات تحكم بغير ما أنزل الله، وقد قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وتقول: إن قول ابن عباس في هذه الآية، كان مربوطاً بحادثة معينة، ولا يجب أن يأخذ به الآن في الحكم على حكام هذا الزمان، إنهم يتحاكمون إلى غير شريعة الله، أي: يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60] وأيضاً تستدل بقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، فهل هذا الكلام صحيح، وأنه كل من تحاكم إلى قوانين المحاكم الوضعية التي توجد ببلده يصبح كافراً خارجاً من ملة الإسلام تحت جميع الظروف وأنه لا عذر له أمام الله، أتمنى يا سماحة الشيخ! أن تجيب على هذا الموضوع الذي يقلقني بتفصيل شديد جداً، وأن تعطيني الأدلة الكافية، لإقناع أي إنسان يحمل مثل هذا الفكر، وأنا أشعر أن تكفير المجتمع كله غير صحيح، وأحب أن أهدي صديقتي هذه إلى الطريق القويم، ويا حبذا لو تمكنتم ودللتموني على بعض الكتب التي تفيدني في مثل هذا الموضوع؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: لا شك أن هذا الإطلاق من هذه الفتاة ليس بصحيح، فليست المجتمعات كلها جاهلية، بل فيها بحمد الله من أهل الخير والعلم والصلاح، والاستقامة ما فيها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله)، فالطائفة موجودة والحمد لله، وموجودة بكثرة في محلات كثيرة، فلا يجوز أن يقال: الجميع -المجتمعات في الشرق والغرب- كلها جاهلية وليس فيها إسلام، هذا غلط ومنكر، نعم الأغلب جاهلي، الأكثر والأغلب جاهلية على خلاف الشرع، لكن يوجد بحمد الله طائفة منصورة، يوجد من هو على الحق، وإن كانوا لم يحصروا في مكان معين، لكنهم بحمد الله موجودون، وإن خلا منهم بعض الأمكنة وبعض البلاد، لكنهم بحمد الله موجودون في دول كثيرة، وفي بلدان كثيرة، ولا سيما بحمد الله في هذا العصر، في أول هذا القرن، وآخر القرن الماضي، فقد اتسعت الدعوة إلى الله، وكثر الدعاة إلى الله، ونشط الشباب للإسلام في كل مكان إلا ما شاء الله في الدعوة إلى الله، والترغيب في الخير والدلالة على الخير والعناية بالقرآن والسنة، فالإطلاق هذا الذي قالته الفتاة غير صحيح، وعليها التوبة إلى الله من ذلك والرجوع إليه، وأن تخاف الله وتراقبه سبحانه وتعالى.

    أما وجود التحكيم بغير الشريعة فهذا إثمه على من فعل ذلك ورضي به، أما من كرهه ولم يرض به، فليس عليه إثم منه، الله يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، فمن حكم غير الشريعة من الدول وأعوانهم ورضوا بذلك فهم الآثمون، أما من لم يرض بهذا من الرعية من رجال ونساء في أي بلد فليس مأخوذاً بعمل غيره، ولا آثماً بعمل غيره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجني الجاني إلا على نفسه)، وهذا معنى قوله سبحانه: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    فالواجب التثبت في الأمور وعدم إطلاق الأحكام جزافاً على غير بصيرة، ولا ريب أن الحكم بغير ما أنزل الله منكر عظيم ومن أنواع الكفر، كما بينه الله سبحانه وتعالى، وهو من حكم الجاهلية، كما قال سبحانه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50]، وليس لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله، بل هذا منكر عظيم، وجريمة شنيعة، أما كونه كفراً مخرجاً من الملة هذا هو محل التفصيل عند أهل العلم، فمن فعل الحكم بغير ما أنزل الله، يستجيزه ويرى أنه لا بأس به، أو يرى أنه مثل حكم الله، أو يرى ما هو أشنع من ذلك: أن الشريعة ما تناسب اليوم وأن القوانين أنسب منها وأصلح هذا كله كفر أكبر على جميع الأحوال الثلاث، من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكمه أو مثل حكمه في أي وقت كان أو أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله ولو قال: إن الشريعة أفضل وأحسن، ففي هذه الأحوال الثلاث يكون قائل ذلك كافراً، وهكذا معتقد ذلك، من اعتقد أن حكم غير الله جائز أو مماثل لحكم الله، أو أفضل من حكم الله فهو مرتد عند جميع أهل الإسلام، أما من فعل ذلك لغرض من الأغراض وهو يعلم أنه مخطئ وأنه مجرم ولكن فعل ذلك لغرض: لرشوة أو مجاملة قوم، أو لأسباب أخرى، والله يعلم من قلبه أنه ينكر هذا وأنه يرى أنه باطل، وأنه معصية فهذا لا يكفر بذلك، يكون عاصياً، ويكون كافراً كفراً دون كفر، وظالماً ظلماً دون ظلم، وفاسقاً فسقاً دون فسق، كما قال ابن عباس رحمه الله ومجاهد بن جبر وجماعة آخرون ، وهو المعروف عند أهل العلم.

    وإن أطلق من أطلق كفره فمراده كفر دون كفر.

    أما من اعتقد جواز حكم غير الله، ولو قال: إن الشريعة أفضل، أو قال: إنه مماثل لحكم الله، أو قال: إنه أفضل من حكم الله ففي هذه الأحوال الثلاث يكون كافراً -نسأل الله العافية- كما تقدم.

    وأرشدك في هذا إلى مراجعة تفسير ابن كثير رحمه الله وابن جرير والبغوي وغيرهم على آيات المائدة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، وإلى مراجعة كلام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين وفي الطرق الحكمية، ومراجعة شيخ الإسلام ابن تيمية ، كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه في فتاواه وغيرها، وهكذا مراجعة كلام أهل العلم في مذهب الشافعي والمالكي والحنفي وغيرهم من أهل العلم، حتى تعلمي الحكم الشرعي، ومن أنسب ما يكون في هذا: باب حكم المرتد، فإنهم بينوا فيه كل شيء، في جميع المذاهب الأربعة وفي غيرها من كلام أهل العلم، وأوضحوا التفصيل للحكم بغير ما أنزل الله، ولعلك بهذا والفتاة التي نقلت عنها لعله يحصل لها بذلك الطمأنينة، والرجوع إلى الحق وترك التعميم الذي يخالف الشرع المطهر، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

    1.   

    حكم من طلق زوجته ثلاثاً ثم ثلاثاً في مجلسين

    السؤال: من العراق -الموصل- جامعة الموصل رسالة بعث بها أخونا عبد الحميد محمد أبو الهوى يقول: إنني قد خرج مني لفظ بالطلاق لزوجتي ثلاثاً، وكان هذا بسبب خلافات عائلية بالمنزل، وبعد هذه الألفاظ بالطلاق أخذتها إلى منزل أهلها، وبعد مدة ألح أهلي علي برجوع الزوجة إلي، وفي نفس الوقت كنت غاضباً، فكررت ألفاظ الطلاق إنها طالق طالق طالق، فعندما وجدت نفسي منهاراً فكرت بالسفر لكي أبتعد عن المشاكل التي واجهتني، وبعد سفري بشهرين جاءني خطاب من أهلي بأن زوجتك أعدناها في المنزل، حيث أنها حامل في شهرها الرابع، ومعها طفلان آخران وهم أولادي هل من الممكن الرجوع إليها بأطفالها الثلاثة وهم أطفالي إنهم زينة الحياة الدنيا؟ الرجاء الرد الواضح جزاكم الله خيراً.

    الجواب: نوصيك بالرجوع إلى المفتي لديكم لينظر في الأمر، وفيما يراه الكفاية إن شاء الله، تحضر أنت والمرأة ووليها عنده حتى يعلم ما صدر منك، ويفتيك إن شاء الله في ذلك، وإن كتب إلي في ذلك نظرت في الكتابة؛ لأن هذا إليه؛ هو المسئول.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، إذاً: لا ترون أن يقال له شيء في هذا الموضوع يا سماحة الشيخ!

    الشيخ: لا، نرى أن يراجع المفتي عندهم وفيه بركة إن شاء الله، وإن رأى المفتي يكتب إلي أو إلى غيري من أهل العلم، فهذا إليه إذا أشكل عليه.

    1.   

    حكم استخدام الطلاق كأسلوب تهديد وترهيب للزوجة

    السؤال: أيضاً عن موضوع الطلاق رسالة بعث بها أخونا عبد الله محمد هلال مصري، ومقيم في جدة، أخونا يقول: في لحظة غضب وانفعال ومشادة مع زوجتي قلت لها: علي الطلاق ما أنت ذاهبة إلى المدرسة باكر، وكررت ذلك ثلاث مرات من شدة غضبي، وكان هدفي من ذلك هو منعها من الذهاب إلى المدرسة حيث تعمل مدرسة ولا أقصد الطلاق أبداً؛ لأنني أبغضه ولا أعرف أحكامه، في صباح اليوم التالي ألحت علي زوجتي بأن من الضروري ذهابها إلى المدرسة؛ لأن ذلك هو أول يوم في العام الدراسي، فقمت بتوصيلها إلى المدرسة منذ ذلك الوقت وأنا أعيش في قلق نفسي وخوف من الله سبحانه وتعالى لذا أرجو الإفادة عن حكم هذا اليمين، هل هو حلف بغير الله، أم يمين طلاق تحرم بموجبه زوجتي عليه أرجو إيضاح ذلك، علماً بأنني ندمت ندماً شديداً، وعزمت على ألا أعود إلى ذلك أبداً، جزاكم الله خيراً.

    الجواب: إذا كان الواقع هو ما ذكره السائل، فهذا الطلاق له حكم اليمين، وعليك كفارتها، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة فإن عجزت تصوم ثلاثة أيام، والإطعام يكون نصف صاع لكل واحد، كيلو ونص لكل واحد من التمر أو الأرز أو الحنطة، أو تعشيه أو تغديه، عشرة، أو تكسو العشرة كسوة إزار ورداء أو قميص هكذا يجب ولا طلاق عليك، لا يقع الطلاق؛ لأنك لم ترد الطلاق، وإنما أردت منعها كما قلت، وما كان بهذه المثابة، فله حكم اليمين في أصح قولي العلماء، ونوصيك بالحذر من العود إلى ذلك، والتوبة مما حصل والصبر، وفق الله الجميع.

    1.   

    معنى حديث: (من ستر على مسلم ستر الله عليه)

    السؤال: رسالة المستمعة ( لولوة . ج. ل) من القصيم - بريدة عرضنا بعض أسئلتها في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة تسأل وتقول: هل هذا معنى حديث: (من ستر على مسلم ستر الله عليه)، أي: إذا فعل إنسان شيئاً منكراً أو فاحشة وسترت عليه، ستر الله علي أرجو أن توضحوا لي هذا؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: نعم، هذا حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة).

    هذا هو المشروع إذا رأى الإنسان من أخيه في الله أو أخته في الله عورة -يعني: معصية- فلا يفضحه ولا ينشرها بين الناس، بل يستر عليه وينصحه، ويوجهه إلى الخير، ويدعوه إلى التوبة إلى الله من ذلك، ولا يفضحه بين الناس، ومن فعل هذا وستر على أخيه ستره الله في الدنيا والآخرة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أما الذين يظهرون المعاصي ولا يستحون ويظهرونها بين الناس فهؤلاء فضحوا أنفسهم فليسوا محلاً للستر كالذي يشرب الخمر بين الناس في الأسواق وفي المحلات والاجتماعات هذا قد فضح نفسه -نسأل الله العافية- وهكذا من يعمل المعاصي الأخرى جهرة ولا يبالي، هذا يرفع بأمره إلى ولاة الأمور إذا كانوا يردعون مثله ويقيمون عليه الحد، يرفع في أمره، وليس محل الستر من أظهر فاحشته وأعلنها نسأل الله العافية.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء: أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من الإذاعة الخارجية سجلها لكم أخونا أحمد الغامدي .

    شكراً لكم جميعاً..

    وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.