إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (819)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    أحكام النذر

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة المستمعون الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله إلى لقاء جديد.

    أيها الإخوة! يسعدنا أن يكون ضيف حلقتنا هذه فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    ====السؤال: وأول رسالة تطالعنا نعرضها على فضيلته وردت إلينا من المستمع الطالب (محمد . س. ن) من الجمهورية العراقية محافظة بابل يقول: هل النذر الذي يعود أجره للأئمة حلال أم حرام، وصفته: أن يقول صاحب النذر عند تأديته له يقول: النذر لله وثوابه للإمام الفلاني -مثلاً- ؟ تفضل طال عمرك.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    هذا السؤال فيه إجمال، والنذور قسمان: قسم شرعي وقربة إلى الله عز وجل، وإن كان أصله ينهى عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) لكن جنس النذر ينبغي أن يدعه المؤمن، لقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل عن النذور قال: (لا تنذروا فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل) متفق على صحته، وفي لفظ آخر من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل).

    هذا يدل على أن جنس النذر لا ينبغي، لأن فيه إلزاماً وقد يشق على المسلم أداؤه فينبغي له أن يدع النذر، لكن متى نذر نذر طاعة وجب عليه الوفاء؛ لأن الله سبحانه مدح الموفين بالنذر، فقال عز وجل: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7] قال سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] وقال عليه الصلاة والسلام (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فإذا قال: لله عليه أن يصوم ثلاثة أيام، أو يصوم شهر شعبان أو يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس من كل أسبوع أو ما أشبه ذلك فهذا كله نذر طاعة يجب عليه الوفاء، أو قال: لله عليه أن يصلي الضحى أو هذه الليلة ركعتين أو أربع ركعات أو ما أشبه ذلك هذا نذر طاعة، أو قال: لله عليه أن يتصدق بكذا وكذا على الفقراء والمساكين، هذا نذر طاعة، وإذا كان نوى بذلك أن هذا النذر صدقة عن أبيه أو أمه أو نفسه فهو على ما نوى من نيته، أو نواه عن الإمام مالك، أو عن فلان، أو فلان من أهل العلم فهو على نيته.

    لكن هنا أمر آخر ينبغي التنبه له، وهو أنه قد يقصد بالنذر غير الله والتقرب إلى غير الله كما يفعله بعض عباد القبور وعباد الأموات، فيقول: إن شفى الله مريضي فللشيخ البدوي كذا من الطعام، فللشيخ عبد القادر الجيلاني كذا وكذا من النقود أو من الشمع، هذا شرك بالله؛ لأن هذا نذر لمخلوق والنذر عبادة والعبادة لله وحده: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فالنذر للمشايخ وأصحاب القبور أو للجن أو للكواكب والتقرب إليهم هذا من عبادة غير الله فلا يجوز، بل نص العلماء أنه من الشرك بالله عز وجل لأنه تقرب بهذه العبادة إلى غير الله من الأموات، أو من الجن، أو من المشايخ الأموات، أو غيرهم ممن يتقرب إليهم بالنذور فهذا لا يجوز، أما إذا تقرب به لله قال: لله علي كذا وكذا صدقة بكذا دراهم بكذا من الطعام ينويها عن نفسه أو عن أبيه أو عن أمه أو بعض أحبائه صدقة لله يتقرب إلى الله وحده سبحانه وتعالى فهذا لا بأس به، ولكن تركه أولى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر فينبغي تركه ويكره النذر مع كونه لله يكره، أما إذا أراد به النذر لغير الله إذ يعتقد أن هذا الشيخ يشفي المريض يرد الغائب بما أعطاه الله من الولاية أو من الكرامة فلهذا ينذر له، ينذر للبدوي طعاماً.. ينذر له عجلاً.. ينذر له شاة، أو للشيخ عبد القادر الجيلاني أو للدسوقي ، أو لفلان أو لفلان ممن يغلو فيهم الصوفية وغيرهم، هذا كله يكون من الشرك بالله عز وجل، أو ينذر للجن، أو يسألهم ويستغيث بهم ويستعيذ بهم، أو يستغيث بالأموات يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو اشف مريضي، أو رد غائبي، أو أنا في حسبك، أو أنا في جوارك، أو ما أشبهه، كما يفعله عباد الأموات وعباد القبور وهذا لا يجوز، هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    ومن النذور الباطلة أيضاً التي تحرم أن ينذر أن يشرب الخمر، أو يزني، أو يعامل بالربا هذه نذور معصية، والنبي عليه السلام قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) واختلف العلماء هل فيه كفارة أم لا؟ على قولين، والأرجح أن نذر المعصية فيه كفارة، فلا يعصي ولكن عليه كفارة يمين؛ لأنه جاء في بعض الروايات: (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين).

    فينبغي لمن فعل ذلك أن يتوب إلى الله وعليه كفارة يمين، إذا قال: لله عليه أن يشرب الخمر، أو يزني، أو يسرق، أو يضرب فلاناً بغير حق، هذا نذر باطل ومنكر ومعصية ولا يجوز له فعله، وعليه كفارة يمين على الصحيح.

    1.   

    حكم أكل الناظر على الوقف من الوقف

    السؤال: هذا سؤال بعث به المستمع نعام حويمد السلمي من قرية المتناه بوادي سايه، يقول: يوجد لدي أغنام أخرجها والدي سبيلاً عن أمه وقد توفي، والآن أنا في مقامه، فهل يحل لنا أن نأكل منها ونشرب من لبنها ونتصرف بها مثلما نتصرف بأملاكنا أم لا، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الأوقاف قربة إلى الله صدقة جارية، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) خرجه مسلم في الصحيح.

    فالصدقات الجارية مثل الأوقاف، كونه يوقف غنماً أو إبلاً، أو يوقف بيتاً، أو أرضاً تزرع حتى يتصدق بثمرة الأرض، أو بنسل الإبل والبقر والغنم، أو أجور البيوت، هذه صدقة جارية فيها فضل وأجر، والناظر عليها عليه أن يتقي الله وينفذ ما أوصى به أو وقفه الموقف على وجه الشرع إذا كان وقفاً شرعياً ما فيه ما يخالف شرع الله فإنه ينفذه الوكيل الناظر فيما قاله الموصي أو الواقف، وإذا كان الناظر ضعيفاً وفقيراً جاز له أن يأكل من ذلك، كما قال عمر في وقفه: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف فإذا كان الولي يعني: الناظر فقيراً جاز له الأكل بالمعروف هو وأهل بيته من غير إسراف ولا تبذير، وإن اتصل بقاضي البلد واتفق معه على أجر معلوم كان هذا حسناً حتى يحتاط لدينه، وحتى لا يتوسع في الأكل من الوقف، إذا ضرب له القاضي شيئاً معلوماً وحد له حداً محدوداً عن تعبه فلا بأس، وإن أكل من دون مراجعة القاضي بالمعروف من غير إسراف ولا تبذير من ثمرة الوقف في مقابل تعبه ولكونه من أولى الناس بهذا الوقف لكونه وقف أبيه أو جده أو نحو ذلك هذا كله لا بأس به إن شاء الله ولا حرج.

    المقدم: بالنسبة لهذه الحيوانات هل ينطبق هذا الحكم أيضاً على سلالتها؟

    الشيخ: هي نفسها لا يأكل منها شيئاً هي نفسها تبقى وقفاً لكن أولادها وصوفها ووبرها، وما يكون من دهن منها كل هذا من ريعها وغلتها يأكل منها ويتصدق.

    1.   

    صفة الرضاع المحرم وما يترتب عليه

    السؤال: هذا سؤال بعثت به الأخت إنعام سلمان من بغداد بالعراق تقول: لي أخت أكبر مني سناً، وقد وضعت ولداً ولا زلت أنا في سن الرضاع، فكانت أختي تأتي إلينا في البيت، فتقوم أمي بإرضاع ابنها معي -ابن أختها- وزوجة خالي تحضر أحياناً إلى أختي فتقوم بإرضاع ابنها الذي هو ابن خالي مع ولدها مع ولد أختها.

    ففي هذه الحالة هل يكون جميع أبناء خالي إخوة لي ويحرمون علي، أم يحل لي الزواج ممن عدا الذي رضع معي من أختي؟ وهل أصبح أختاً لجميع أولاد أختي؟

    الجواب: إذا كانت والدة السائلة أرضعت ابن أختها رضاعاً تاماً خمس رضعات أو أكثر في الحولين فإن هذا الرضيع من الأخت يكون أخاً للسائلة، لأن جميع من أرضعته أمها يكون أخاً لها، جميع أولاد أختها الذين أرضعتهم أمها معها حين رضاعها أو مع غيرها من أولاد أمها يكونون إخوة للسائلة، فابن أختها الذي رضع من أمها رضاعاً تاماً خمس رضعات أو أكثر يكون ابن أختها وهي خالته، ويكون أخاً لها من جهة الرضاع محرماً لها، وهكذا أولاد خالها إذا كانت زوجة خالها معها أولاد أرضعتهم أمها، فإذا كانت أمها أرضعتهم فهم إخوة لها من أولاد خالها، ويختص ذلك بمن أرضعته أمها فقط، أما بقية أولاد خالها الذين ما رضعوا هم حلال لها تتزوج منهم لا بأس، لكن نفس الأولاد الذين رضعوا من أمها معها، أو مع أولاد قبلها أو بعدها، هؤلاء يكونون إخوة لها، وما كان من أولاد خالها لم يرضعوا فإنهم حل أن يتزوجوها لعدم الرضاع المحرم، فإن كانت أمها أرضعت أولاد خالها فهم إخوة لها، وكذا ولد أختها الذي أرضعته أمها يكون أخاً لها، وإن كانت أختها أرضعت أولاد خالها فهي خالتهم لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس مرات فأكثر.

    المقدم: وفي الحولين.

    الشيخ: وفي الحولين، والذين لم يرضعوا لا من أختها ولا من أمها هؤلاء ليسوا محارم، لها أن تتزوج من أولاد خالها الذين ما رضعوا من أختها ولا رضعوا من أمها.

    1.   

    حكم قراءة الفاتحة للمأموم

    السؤال: هذا سؤال من الأخ (م. م) من بلاد بلقرن من قرية الحنيك يقول: ما حكم قراءة المأموم الفاتحة أثناء قراءة الإمام، وماذا يعمل إذا شرع الإمام في قراءة السورة التي بعد الفاتحة، هل تجب عليه قراءة الفاتحة أثناء قراءة الإمام أم ينصت للإمام وتكفي قراءة الإمام للفاتحة عن قراءته هو؟

    الجواب: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم على أقوال ثلاثة:

    من أهل العلم من قال: إن الإمام يتحمل الفاتحة ولا يلزم المأموم القراءة مطلقا لا في السرية ولا في الجهرية.

    وقول ثان: أن على المأموم أن يقرأ مطلقاً في السرية والجهرية.

    قول ثالث: أنه يقرأ في السرية دون الجهرية، والأرجح من الأقوال الثلاثة أنه يقرأ مطلقاً لا في السرية ولا في الجهرية يقرأ فيهما جميعاً، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) هذا يدلنا على أن المأموم يقرأ في الجهرية والسرية جميعاً، وإذا شرع الإمام في القراءة وهو لم يقرأ فإنه يقرأ سراً ثم ينصت ولو كان إمامه يقرأ، أو قرأ بعض الفاتحة ثم شرع إمامه في السورة فإنه يكمل قراءة الفاتحة ثم ينصت لإمامه.

    فالحاصل أن المأموم يقرأ الفاتحة مع إمامه أو قبله أو بعده، لكن إذا كان الإمام له سكتة فإن المأموم يقرؤها في السكتة حتى ينتهز فرصة ذلك ليستمع لقراءة إمامه، ولا يدع القراءة بل يقرأ ولابد، ثم ينصت لبقية القراءة وهذا مستثنى من قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا قرأ الإمام فأنصتوا) ومن عموم قوله جل وعلا: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204] هذا مستثنى منه الفاتحة.

    1.   

    حكم زيارة النساء للمقابر

    السؤال: هذا سؤال من سائلة من قضاء الشرقاط من العراق تقول: والدتي تذهب كل يوم خميس إلى قبر والدي، فهل يجوز هذا أم لا؟

    الجواب: الصحيح من أقوال العلماء أن الزيارة تختص بالرجال، وأن النساء لا يزرن القبور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور، كان أولاً نهى عن زيارة القبور مطلقاً للرجال والنساء، ثم رخص للجميع عليه الصلاة والسلام لما في زيارتها من ذكرى الآخرة، ولما في ذلك من الإحسان للموتى بالدعاء لهم، ثم استقرت الشريعة على منع النساء وعلى شرعيتها للرجال، وقال عليه الصلاة والسلام (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) وفي لفظ (تذكركم الموت) فالزيارة فيها مصالح من تذكير الآخرة، تذكير الموت، والزهد في الدنيا، والدعاء للأموات والترحم عليهم، لكن هذا في حق الرجال، وأما النساء فلا يزرن القبور، هذا هو الصحيح وهذا هو الصواب، لا يزرن القبور للنهي الأخير ولعنه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، ولأن في زيارتهن خطراً لأنهن فتنة وربما سبب ذلك فتنة للزوار من الرجال، وربما أيضاً سبب ذلك فتنة لها هي لشدة جزعها وقلة صبرها إلا من رحم الله.

    فالمقصود أن الزيارة للقبور مختصة بالرجال دون النساء في أصح قولي العلماء، فلا ينبغي لأم السائلة أن تزور قبر أبيها ولا غيره، بل تدعو له في بيتها، وفي كل مكان تدعو له بالمغفرة والرحمة إذا كان مات على الإسلام والحمد لله يكفي، تدعو له بالمغفرة والرحمة، تتصدق عنه هذا كله طيب، أما أنها تزور قبره لا، لأن الرسول نهى النساء عن ذلك عليه الصلاة والسلام.

    المقدم: جزاكم الله خير الجزاء.

    أيها الإخوة الكرام! كان ضيف حلقتنا هذا اليوم فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    وقد تفضل بالإجابة على أسئلة الإخوة المستمعين الطالب (محمد . س. ن) من العراق من محافظة بابل، والأخ نعام حويمد السلمي من قرية المتناه بوادي سايه، والأخت إنعام سلمان من بغداد بالعراق، والأخ (م. م) من بلاد بلقرن من قرية الحنيك والأخت السائلة من قضاء الشرقاط من العراق.

    إخوتنا الكرام إلى لقاء قادم إن شاء الله تعالى، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.