إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (667)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم القبة الخضراء التي على قبر الرسول عليه الصلاة والسلام

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. أيها المستمعون الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في لقائنا هذا الذي نعرض فيه ما وردنا منكم من أسئلة واستفسارات على فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    فضيلة الشيخ عبد العزيز ! بين يدينا رسائل السادة المستمعين، ولعلنا نتمكن من عرض رسائل الأخ (ع. خ) من المدينة المنورة، يسأل عن القبة الخضراء في مسجد المدينة، والمستمع علي السعيد من سوريا محافظة حلب من قرية الأحمدي.

    ====السؤال: أما المستمع (ع. خ) من المدينة المنورة فيقول بعد أن طلب العمر المديد لفضيلة الشيخ عبد العزيز وأن يكون هذا العمر معموراً بطاعة الله وفائدة المسلمين عامة، يقول: قد عرفنا من كلام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أن البناء والقباب على القبور لا يجوز، فما حكم القبة الخضراء على قبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فلا ريب أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن البناء على القبور ولعن اليهود والنصارى على اتخاذ المساجد عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه مسلم في الصحيح عن جابر (أنه نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها)، وفي رواية للترمذي وغيره: (والكتابة عليها)، فالبناء على القبور واتخاذ مساجد عليها من المحرمات التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام وتلقاها أهل العلم، تلقى أهل العلم ما قاله صلى الله عليه وسلم في ذلك بالقبول، ونهى أهل العلم عن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها تنفيذاً للسنة المطهرة وعملاً بها، ومع ذلك فقد وجد في الكثير من الدول والبلدان البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها واتخاذ القباب عليها أيضاً، وهذا كله مخالف لما جاءت به السنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من أعظم الوسائل لوقوع الشرك والغلو في أصحاب القبور، فلا ينبغي لعاقل ولا ينبغي لأي مسلم أن يغتر بهؤلاء وأن يتأسى بهم فيما فعلوا؛ لأن أعمال الناس تعرض على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة أو وافق أحدهما قبل وإلا رد على من أحدثه كما قال الله سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، وقال عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] الآية.

    أما ما يتعلق بالقبة الخضراء التي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فهذا شيء أحدثه بعض الأمراء في المدينة في القرون المتأخرة في القرن التاسع وما حوله، ولاشك أنه غلط منه وجهل منه، ولم يكن هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه ولا في عهد القرون المفضلة وإنما حدث في القرون المتأخرة التي كثر فيها الجهل وقل فيها العلم وكثرت فيها البدع، فلا ينبغي أن يغتر بذلك ولا أن يقتدى بذلك، ولعل من تولى المدينة من الملوك والأمراء المسلمين تركوا ذلك خشية الفتنة من بعض العامة فتركوا ذلك وأعرضوا عن ذلك؛ حسماً لمادة الفتن؛ لأن بعض الناس ليس عنده بصيرة، فقد يقول: غيروا وفعلوا بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كذا وهذا كذا فيثير فتناً لا حاجة إلى إثارتها وقد تضر إثارتها.

    فالأظهر والله أعلم أنها تركت لهذا المعنى خشية من رواج فتنة يثيرها بعض الجهلة ويرمي من أزال القبة بأنه يستهين بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بأنه لا يرى حرمته عليه الصلاة والسلام، هكذا يدعي عباد القبور وأصحاب الغلو إذا رأوا من يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك والبدع رموه بأنواع المعايب واتهموه بأنه يبغض النبي عليه الصلاة والسلام أو بأنه يبغض الأولياء، أو لا يرى حرمته صلى الله عليه وسلم، أو ما أشبه هذه الأقاويل الفاسدة الباطلة، وإلا فلا شك أن الذي عملها قد أخطأ وأتى بدعة وخالف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها، وأما البناء الأول فهو بيت عائشة كان دفن عليه السلام في بيت عائشة ، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم خافوا من دفنه في البقيع من الفتنة فجعلوه في بيت عائشة ثم دفنوا معه صاحبيه الصديق و عمر رضي الله عنهما، ولم يكن في المسجد بل كان في بيت عائشة ، ثم لما وسع المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في التوسعة فظن بعض الناس الذين لا يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفن في المسجد وليس الأمر كذلك بل هو عليه الصلاة والسلام دفن في بيت عائشة في خارج المسجد ولم يدفن في المسجد، فليس لأحد الحجة في ذلك أن يدفن في المساجد بل يجب أن تكون المساجد خالية من القبور، ويجب أن لا يبنى أي مسجد على قبر لكون الرسول حذر من ذلك عليه الصلاة والسلام فقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، وروى مسلم في صحيحه رحمه الله عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول قبل أن يموت بخمس يقول: (إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) فذم من اتخذ المساجد قبور ونهى عن ذلك بصيغتين:

    إحداهما: قوله: (فلا تتخذوا القبور مساجد).

    والثانية قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك)، وهذه مبالغة في النهي والتحذير منه عليه الصلاة والسلام من وجوه ثلاثة:

    الوجه الأول: ذماً لمن اتخذ المساجد قبور على قبور الأنبياء والصالحين ممن قبلنا.

    والثاني: أنه نهى عن ذلك بصيغة: (لا تتخذوا).

    والثالث: أنه نهى عنه بصيغة: (فإني أنهاكم عن ذلك).

    وهذه مبالغة في التحذير، وسبق في حديث عائشة أنه نهى عنه باللعن قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) هذا يبين لنا ويبين لكل مسلم ولكل ذي فهم أن البناء على القبور واتخاذ القباب عليها والمساجد أنه مخالف لشريعة الله التي جاء بها نبيه عليه الصلاة والسلام، وأنه منكر وبدعة في الدين، وأنه من وسائل الشرك، ولهذا لما رأى العامة والجهلة هذه القبور المعظمة المساجد والقباب وغير ذلك والفرش ظنوا أنها تنفعهم وأنها تجيب دعاءهم وأنها ترد عليهم غائبهم وتشفي مريضهم فدعوها واستغاثوا بها ونذروا لها ووقعوا في الشرك بسبب ذلك.

    فالواجب على أهل العلم والإيمان أينما كانوا أن يحذروا الناس من هذه الشرور، وأن يبينوا لهم أن البناء على القبور من البدع المنكرة، وهكذا اتخاذ القباب والمساجد عليها من البدع المنكرة وأنها من وسائل الشرك حتى يحذر العامة ذلك، وحتى يعلم الخاص والعام أن هذه الأشياء حدثت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد أصحابه رضي الله عنهم وبعد القرون المفضلة حتى يحذروها وحتى يبتعدوا عنها.

    والزيارة الشرعية للقبور هي أن يزوروها للسلام عليهم والدعاء لهم والترحم عليهم لا لدعائهم وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكروب فإن هذا شرك بالله ولا يجوز إلا مع الله سبحانه وتعالى، ولكن الجهلة والمشركين بدلوا الزيارة الشرعية بالزيارة المنكرة الشركية جهلاً وضلالاً، ومن أسباب هذا التبديل ومن أسباب هذا الشرك والبدع وجود هذه البنايات والقباب والمساجد على القبور، ومن أسباب ذلك سكوت الكثير من العلماء عن ذلك إما للجهل بالحكم الشرعي في ذلك من بعضهم، وإما ليأسه من قبول العامة وعدم الفائدة من كلامه معهم لما رأى من إقبالهم عليها وإنكارهم على من أنكر عليهم، وإما لأسباب أخرى.

    فالواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يوضحوا للناس ما حرم الله عليهم وأن يبينوا لهم ما أوجب الله عليهم، وأن يحذروهم من الشرك وأسبابه ووسائله، فإن العامة في ذمتهم والله أوجب عليهم البلاغ والبيان وحرم عليهم الكتمان.

    1.   

    حكم استخدام المرأة لأدوات التجميل على شفتيها وأظافرها

    السؤال: سؤال آخر من المستمع (ع. خ) من المدينة المنورة يقول: هل يجوز للمرأة أن تلون شفتيها وأظافرها أفيدونا جزاكم الله عنا خيراً؟

    الجواب: لا نعلم بأساً في ذلك أن تجعل في شفتيها شيئاً من الصبغ المناسب مما يفعلونه للجمال لكن فيما يتعلق بزوجها والنساء فقط، وليس لها أن تبدي ذلك للرجال الأجانب بل هذا حرام؛ لأن الواجب عليها ستر وجهها وستر زينتها، فإذا كان هذا مع النساء ومع الزوج فلا نعلم شيئاً في ذلك، مثلما تتخذ الحناء في يديها أو في رجليها وتتخذ أنواع الطيب لزوجها كل هذا لا بأس به، ومع النساء لا يضر إذا كانت في محل ليس فيه إلا النساء وليس فيه اختلاط بالرجال فهذا لا حرج فيه، والواجب عليها البعد عن أسباب الفتنة مع الرجال.

    1.   

    السنن الرواتب وكيفية أدائها

    السؤال: وردتنا رسالة من سوريا محافظة حلب من المستمع علي السعيد يقول فيها: صلاة سنة العشاء والعصر والظهر أربع ركعات، شاهدت بعض الناس في المسجد يصلون سنة العشاء والعصر والظهر أربع ركعات أولاً يصلون ركعتين ثم يتمون ويسلمون ويمشون خطوة نحو اليمين أو اليسار أو الخلف ويصلون الركعتين الباقيتين، هل هذه الصلاة صحيحة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعلها أم لا؟

    الجواب: أما الظهر فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعاً قبل الظهر) رواه البخاري في الصحيح، وجاء أيضاً في حديث أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها عند الترمذي أنه ذكر عليه الصلاة والسلام من صلى ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة وذكر منها أربعاً قبل الظهر، فأربع قبل الظهر مستحبة، والأفضل أن تكون ركعتين ركعتين؛ للحديث الصحيح: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى).

    أما التقدم والتأخر عن اليمين والشمال فهذا جاء في بعض الأحاديث الضعيفة، ولا أعلم في الباب ما يدل على السنية وإنما جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أن يتقدم أو يتأخر أو يأخذ يمينه أو شماله، قال بعض أهل العلم: لأجل شهادة البقاع بهذه العبادة، ولكن لا أعلم أنه ثبت في هذا شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا صلى الراتبة والعبادة في محل واحد فلا بأس بهذا، ولا أعلم دليلاً يدل على استحباب التحول من مكانه للركعتين الأخريين، لا عن يمين ولا عن شمال ولا أمام ولا خلف، فإن فعل فلا حرج إن فعل فلا حرج ولا أعلم بأساً في ذلك لكن لا أعلم دليلاً يدل على أن هذا مستحب وأنه قربة.

    وهكذا الصلوات الأخرى إذا صلى أربعاً قبل العصر فهي سنة؛ لأنه ثبت عنه عليه السلام أنه قال: (رحم الله امرأ صلى أربعاً قبل العصر) خرجه أحمد رحمه الله والترمذي وجماعة ولا بأس بإسناده.

    أما المغرب فالسنة بعدها ركعتان فقط هذا السنة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعدها ركعتين، وهكذا العشاء السنة بعدها ركعتين راتبة، ومن صلى زيادة فلا بأس، من صلى كثيراً بعد المغرب فهي محل صلاة، لو صلى عشراً أو عشرين أو أكثر لا حرج في ذلك، لكن السنة الراتبة التي كان يحافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم ركعتان فقط بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، هذا المحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام والذي كان يحافظ عليه.

    وهكذا الفجر ركعتان قبل الفجر كان يركعهما في بيته ثم يخرج إلى الصلاة عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة تطوعاً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه مسلم في الصحيح، ورواه الترمذي وزاد: (أربعاً قبل الظهر، وثنتين بعدها، وثنتين بعد المغرب، وثنتين بعد العشاء، وثنتين قبل صلاة الصبح)، وهذه تسمى: الرواتب، رواها ابن عمر عشراً وذكر قبل الظهر ركعتين، وذكرت عائشة وغيرها ما يدل على أنها ثنتا عشرة ركعة وأن قبل الظهر أربع، وبهذا تكون الرواتب ثنتي عشر ركعة.

    ولعل وجه الجمع بين الحديثين: أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما صلى قبل الظهر ركعتين كما قال ابن عمر فتكون الرواتب عشراً، وربما صلى قبلها أربعاً كما قالت عائشة وغيرها فلا منافاة بين الحديثين ولا خلف في الحقيقة.

    المقدم: شكراً أثابكم الله.

    أيها السادة المستمعون إلى هنا نأتي إلى نهاية لقائنا هذا الذي عرضنا فيه رسائل السادة (ع. خ) من المدينة المنورة يسأل عن القبة الخضراء في مسجد المدينة، وعلي السعيد من سوريا محافظة حلب من قرية الأحمدي.

    عرضنا الأسئلة والاستفسارات التي وردت في رسائلهم على فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لفضيلة الشيخ عبد العزيز ، وشكراً لكم أيها السادة، وإلى أن نلتقي بحضراتكم إن شاء الله نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.