إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (628)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    كرامات الصوفية في الميزان

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز !

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول حسن محمود حمدان سوداني يعمل بمنطقة المدينة المنورة، أخونا حسن له سؤال طويل بعض الشيء يقول فيه: قرأت كتاباً عنوانه: (كتاب الطبقات) للشيخ: محمد بن ضيف الله ، ويشتمل هذا الكتاب على قصص أصحاب الطرق الصوفية ومشائخها، وقرأت بهذا الكتاب قصة غريبة، وهي أن أحد المشايخ قد توفي عند وقت العصر، وحينما أراد الحاضرون أن يذهبوا به إلى المقبرة وكان بينهم وبينها البحر، وعندما وصلوا إلى شاطئ البحر كادت الشمس أن تغرب، وفكروا في أن يرجعوا بالجنازة ويصبرونها حتى الصبح، وحين تشاورهم في ذلك الأمر فإذا بالشمس ترجع إلى المشرق حتى ذهبوا بالجنازة وقطعوا بها البحر ودفنوها، أسأل عن مثل هذا القصص، هل يقع لأولياء الله؟ أفتونا عظم الله مثوبتكم.

    الجواب: بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فهذه قصة من موضوعات الصوفية وكذبهم الكثير، فلا ينبغي أن يغتر بهم، ولا نعلم هذا وقع لأحد من الأولياء، وإنما وقع ليوشع بن نون فتى موسى، وهو نبي من الأنبياء لما حاصر الجبارين، فالمقصود أن هذا لم يقع لأحد من الأولياء فيما نعلم، والصوفية يكذبون كثيراً، ولا ينبغي أن يغتر بما يقولون، ولا يعتمد على ما ينقلون من الوقائع، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284]، لكن لا نعلم لهذا أصلاً، وهو سبحانه وتعالى القادر على كل شيء ولم يقع هذا لأحد فيما نعلم فيما صحت به السنة سوى ما علم من قصة يوشع بن نون. فتى موسى.

    1.   

    معنى حديث: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خط خطاً مستقيماً ...)

    السؤال: سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وقال: هذا طريق الحق، وخط خطوطاً عديدة، وقال: هذه السبل، على رأس كل منها شيطان يزينها لسالكيها) هذا معنى ما سمعت، أرجو أن توضحوا لي معنى ذلكم الحديث؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: هذا الحديث صحيح رواه الدارمي وغيره وهو من تفسير قوله جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] وفي الحديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم خط خطاً مستقيماً فقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وشماله فقال: هذه السبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم قرأ الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] الآية).

    والمعنى: أن صراط الله طريق واضح، يوصل من سلكه إلى الجنة والكرامة.

    أما الطرق التي عن يمينه وشماله فهي البدع والشبهات والشهوات المحرمة التي يسلكها أكثر الخلق، فهي توصل من سلكها إلى النار نعوذ بالله من ذلك.

    فالواجب على كل مسلم أن يسلك الطريق السوي، وهو صراط الله الذي دل عليه كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، عن إخلاص لله، وعن إيمان به ومحبة له سبحانه وتعالى، وعن موافقة لما شرعه رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا هو صراط الله، وهذا هو سبيله.

    أما ما خالف ذلك من المعاصي والبدع فهي السبل التي نهى عنها الرب عز وجل وحذر منها.

    1.   

    حكم سب الدين

    السؤال: المستمع موسى كريم الأسود من جمهورية مصر العربية بعث يسأل ويقول: ما كفارة سب الدين؟ أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    الجواب: سب الدين الواجب فيه القتل؛ هي ردة عظيمة ردة غليظة، فمن سب الدين وثبت عليه ذلك وجب أن يقتل نصرة لدين الله وحماية له من سب السابين وإلحاد الملحدين، فإن ثبت لدى الحاكم الشرعي وجب عليه الحكم بقتله غيرة لله، وحمأة لدينه، ولا تقبل توبته في الحكم الشرعي، أما فيما بينه وبين الله فإن كان صادقاً توبته تقبل عند الله عز وجل إذا تاب توبة صادقة، وأما في الحكم الشرعي فلا تقبل بل يجب قتله إذا ثبت لدى القاضي بالبينة الشرعية أنه سب الدين سباً واضحاً أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقتل قتل ردة (من بدل دينه فاقتلوه) هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ولا سيما بالسب لله ولرسوله.

    أما لو تاب فيما بينه وبين الله وندم فيما بينه وبين الله فهذا إلى الله سبحانه وتعالى، لكن لو تاب قبل القدرة عليه، لو تاب ورجع إلى الله قبل أن نقدر عليه لا يجوز قتله حينئذٍ، إذا جاءنا تائباً نادماً مستغفراً يقول: جرى مني كذا وكذا، فإنه لا يقتل، أما توبته بعد إمساكه وبعد إقامة الحجة عليه والبينة عليه قد تبت فإنها لا تقبل بل يجب قتله إذا ثبت لدى الحاكم الشرعي أنه سب الدين أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يقتل ويحكم بردته ولا تقبل منه التوبة بعد القدرة عليه، كما قال الله عز وجل في حق المحاربين: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:34] أول الآية يقول سبحانه: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:33-34].

    والذي يسب الدين أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم الناس محاربة لله ولرسوله، ومن أعظم الناس فساداً في الأرض فلا تقبل توبته بعد القدرة عليه، بل يجب تنفيذ حكم الله فيه وهو القتل حتى لا يتجرأ الناس على سب الدين أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقد صنف أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاباً جليلاً في هذا المعنى سماه: الصارم المسلول على شاتم الرسول عليه الصلاة والسلام، وذكر الأدلة في ذلك وكلام أهل العلم، وذكر حكم ساب الله ورسوله، فينبغي أن يراجع فإنه مفيد جداً.

    1.   

    حكم قراءة الفاتحة للمأموم

    السؤال: حدثونا لو تكرمتم بقول واضح عن حكم قراءة الفاتحة بالنسبة للمأموم؟

    الجواب: الصواب أن المأموم تلزمه قراءة الفاتحة ولكنها في حقه دون وجوبها على الإمام والمنفرد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أنها لا تجب على المأموم ولكن تستحب في السرية وفي سكتات الإمام، ولكن الصحيح أنها تلزمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فهو عام، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لعلكم تقرءون خلف الإمام؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) فهذا صريح في أن على المأموم أن يقرأ، وأنه لا صلاة إلا بذلك، لكن لو تركها ناسياً أو جاهلاً بالحكم الشرعي، فإن صلاته صحيحة؛ لأن وجوبها في حقه ليس كوجوبها في حق الإمام والمنفرد، والدليل على هذا أن الذي أدرك الإمام راكعاً تجزئه الصلاة، كما في حديث أبي بكرة الثقفي عند البخاري رحمه الله، فإنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم دخل في الصف ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، فدل على أنها أجزأته الركعة لأنه لم يدرك الوقوف ولا قراءة الفاتحة فعفي عنه، فالذي نسيها أو جهل الحكم الشرعي وقلد من لا يوجبها من باب أولى أن يسقط عنه ذلك، كما سقطت الفاتحة عمن أدرك الإمام راكعاً؛ لأنه لم يدرك الوقوف.

    أما من أدرك الوقوف وتمكن من قراءة الفاتحة وهو يعلم الحكم الشرعي فإنه يلزمه أن يقرأها عملاً بالأدلة الشرعية، وخروجاً من خلاف العلماء رحمهم الله.

    1.   

    حكم من وجد ضالة إبل

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع نوري أحمد محمد ، الأخ نوري يقول: أنا كنت مقيم بصحراء لرعي الأغنام، ووجدت جمل أنا وأحد زملاء المهنة، وتركت هذا الجمل مع زميلي وهو الذي كان يقوم برعايته، وبعد ذلك بعناه بمبلغ ثلاثمائة جنيه، أخذت أنا مائة والباقي لزميلي، ما حكم ما فعلنا؟ جزاكم الله خيراً.

    علماً بأنا عرفنا بلد ذلك الجمل لكنا لا نعرف صاحبه بالضبط.

    الجواب: على كل حال قد أخطأتما في أخذ الجمل، والواجب ترك الجمل وعدم أخذه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ضالة الإبل قال للسائل: (دعها فإن معها حذاءها وسقائها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) وغضب عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن ضالة الإبل لا يجوز أخذها بل تترك؛ لأنها دابة قوية تمنع صغار السباع عنها، وتعيش على الرعي والشرب من المياه التي تحصلها في البراري وهي لها صبر على الظمأ، وقوة على المشي، فلا يجوز أخذها، بل يجب تركها.

    إلا إذا كانت في محل خطير مسبعة للأسود والنمور ونحو ذلك مما يفترسها، أو في بلاد يأكل أهلها الضوال، فإن من وجدها من المحسنين يأخذها ويسلمها لولي الأمر، ولي أمر المسلمين، حتى يحفظها لصاحبها في رعايا المسلمين أو يبيعها ويحفظ صفاتها حتى يجدها ربها ويسأل عنه في مظان محاله، أو يجعلها عند من يرعاها حسب ما يراه مصلحة في ذلك.

    أما الواجد فليس له أن يجعلها مع إبله، وليس له أن يبيعها، وليس له أن يأكل ثمنها، بل عليه أن يسلمها لولي الأمر حتى يحفظها ولي الأمر مع رعايا المسلمين مع إبل المسلمين، أو مع راع خاص أو يبيعها على حسب ما يراه هو مما هو أصلح لصاحب الناقة، مع حفظ صفاتها ووسامها وسنها حتى يعرف ربها.

    أما أنتما فعليكما السؤال عن صاحب الضالة في محله الذي تعرفون، فإن عرف سلم له المال مع التوبة إلى الله والندم على ما فعلتما، وإن لم يعرف فعليكما الصدقة بالثمن للفقراء والمساكين بالنية عن صاحب الجمل، عليكم أن تتصدقوا بالمال، ولا يحل لكم السكوت ولا أكل المال، بل الواجب الصدقة به بالنية عن صاحب الجمل عن مالكه، والله يأجره عليه وتصله الصدقة حياً أو ميتاً.

    1.   

    حكم العقيقة عن المولود وحكم العاجز عن العق عن ولده

    السؤال: المستمع عثمان موسى محمد آدم بعث برسالة يقول فيها: لي مجموعة من الأولاد لم أعمل لهم العقيقة، وسمعت حديثاً يقول: (كل مولود رهين بعقيقته حتى تعطى عنه) أرجو أن توجهوني؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: نعم الحديث صحيح، وعليك أن تعق عن أولادك، ثم هي سنة مؤكدة، فإذا استطعت أن تعق عنهم عن كل واحد شاتان إذا كان ذكراً وعن كل أنثى شاة، تذبح وتأكل منها أنت وأهلك وتوزع على جيرانك والفقراء، أو تذبحها وتوزعها على الفقراء أو تجمع عليها بعض جيرانك وأقاربك مع الصدقة على بعض الفقراء كله حسن إن شاء الله، وهي سنة مؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، فالواجب العناية بهذه السنة، وأن تنفذ كما شرعها الله، والأفضل أن تكون يوم السابع إذا تيسر ذلك، فإن لم يتيسر ففي أربعة عشر، فإن لم يتيسر ففي إحدى وعشرين كما جاء ذلك عن عائشة رضي الله عنها، فإذا لم يتيسر ففي أي وقت، وتقدم أنها سنة مؤكدة وليست بواجبة وجوب الفرائض ولكنها مؤكدة، هذا هو المختار فيها.

    فالواجب أن تؤدى على الوجه الشرعي، يؤديها المؤمن على الوجه الشرعي، عن الذكر ثنتان وعن الأنثى شاه، وإذا عجز صار يعجز عن ثنتين ذبح واحدة: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] هذا هو الأفضل، ليس آثماً لو ترك لا يأثم بذلك؛ لأنها ليست فرضاً وإنما سنة مؤكدة.

    1.   

    حكم صوم يومي الإثنين والخميس

    السؤال: إحدى الأخوات المستمعات بعثت برسالة هي سامية محمد تقول: قرأت في كتابين قولاً مختلفاً عن صوم يومي الإثنين والخميس، وجهوني حول هذا الموضوع؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: صوم الإثنين والخميس سنة، كان النبي يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام، وسئل عن ذلك فقال: (إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) فالسنة للمؤمن والمؤمنة صومهما إذا تيسر ذلك، لكن ليس ذلك بواجب إنما هو مستحب، وهكذا صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصيام أيام البيض -وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر- كله سنة، فإذا صام أيام البيض أو صام ثلاثة أيام من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره أو فرقها كل ذلك سنة، أو صام الإثنين والخميس كله سنة.

    1.   

    أصح صيغ التشهد

    السؤال: تسأل أختنا وتقول: قرأت صيغاً مختلفة للتشهد أيها أصح؟ لو تكرمتم.

    الجواب: أصحها ما ثبت في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الصحابة أن يقولوا في التشهد في نهاية الصلاة: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك -أيها النبي- ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) هذا هو أصح ما ورد في ذلك، ثم يشرع لهم بعد هذا أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد).

    ثم يشرع له التعوذ من أربع يقول: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال).

    ثم يدعو بما حب من خير الدنيا والآخرة، ويسأل الله خير الدنيا والآخرة، وإذا تشهد بأنواع أخرى مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس كله طيب وكله مجزي.

    ومنها حديث ابن عباس عند مسلم في الصحيح: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ..) إلى آخره.

    1.   

    حكم من فاتته صلاة الظهر والعصر وأراد قضاءها جمعاً وقصراً

    السؤال: المستمع (س. ف. ع) من العراق يسأل ويقول: فاتتني صلاة الظهر والعصر هل لي أن أقضيهما جمعاً وقصراً؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: إن كنت في السفر وقضيتها في السفر تقضيهما قصراً ثنتين ثنتين إن كنت في السفر، تركتها في السفر وقضيتها في السفر نفسه، فأنت تقضيهما قصراً ولك أن تجمع بينهما ولك أن تفرق.

    أما إن كنت تركتهما في الحضر أو في السفر ثم أتيت الحضر محل الإقامة فإنك تقضيهما أربعاً أربعاً ولا تجمع بينهما، وهكذا إذا تركتهما في الحضر وقضيتهما في السفر أو في الحضر فإنك تقضيهما أربعاًَ كما شرع الله عز وجل، وإنما تقضيهما قصراً إذا كنت تركتهما في السفر وقضيتهما في السفر، ولك أن تجمع بينهما أيضاً في السفر، إذا كنت تركتهما في السفر وقضيتهما في السفر جميعاً.

    1.   

    معنى حديث: (لم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث..)

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع (س. ح. ن) يسأل جمعاً من الأسئلة ويقول: ما معنى هذا الحديث الشريف: عن أم كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الزوجين لبعضهما) اشرحوا لنا هذا لو تكرمتم؟

    الجواب: الحديث صحيح رواه الشيخان من حديث أم كلثوم رضي الله عنها بنت عقبة بن أبي معيط أنها سمعت النبي يقول صلى الله عليه وسلم: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً وينوي خيراً، قالت : ولم أسمعه يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وفي حديث الرجل لامرأته والمرأة لزوجها) رواه مسلم بهذه الزيادة.

    فهذا يدل على أن المصلح بين الناس ليس بكذاب، الذي يصلح بين الناس: بين القبيلتين أو بين الأسرتين أو بين شخصين تنازعا فأصلح بينهما وكذب فإن هذا لا يضره؛ لأنه أراد الإصلاح فإذا أتى إحدى القبيلتين أو إحدى الأسرتين أو أحد الشخصين فقال له قولاً طيباً عن صاحبه، وأنه يرغب في الصلح وأنه يثني عليك وأنه يحب مصالحتك، ثم جاء الآخر وقال له كلاماً طيباً حتى أصلح بينهما فهذا طيب؛ لأنه لا يضر أحداً بذلك، ينفع المتنازعين ولا يضر أحداً، وهكذا إذا جاء الأسرة وقال عن الأسرة الثانية إنها تثني عليك وإنها تدعو لك وإنها تحب المصالحة معك، ولم يقع هذا ولكن هو كذب هذا الشيء ليصلح بينهما، هو مأجور في هذا ولا شيء عليه، وهكذا بين القبيلتين جاء القبيلة وقال: إن القبيلة الفلانية تثني عليكم وتدعو لكم وترغب الإصلاح، ثم أتى الأخرى وقال لها مثل ذلك حتى سعى بينهما بالصلح وإزالة الشحناء هو مأجور بذلك، إذا كان كذبه لا يضر أحداً غيرهم، لا يضر أحداً من الناس وإنما ينفعهم ويجمعهم، ويزيل الشحناء بينهم فهو مأجور وليس بكذاب كذباً يضره أو يأثم به.

    الخصلة الثانية في الحرب إذا كان في الحرب بأن قال للغزاة: إنا قافلون غداً؛ لينظر، قافلون: يعني منصرفون راجعون لينظر ماذا عند العدو إذا سمع خبر القفول لعله يخرج من حصونه، لعله يتبين له شيء يعينه على الجهاد، ولينظر ما عند الجيش من النشاط والهمة العالية، أو عدم النشاط في الحرب، فإذا كذب لمصلحة فلا بأس بذلك في الحرب؛ لأنه يفيد، الحرب خدعة.

    وهكذا لو قفل راجعاً وقال: إنا راجعون، حتى يخرج العدو من حصونه، ومن مترساته حتى يبرز ثم يكر عليهم المسلمون ويقاتلونهم إذا برزوا هذا أيضاً لا بأس به، كذب فيه مصلحة للمسلمين، فلا يضر ذلك.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها حتى يهجم على العدو وهو على غرة إذا أراد الشمال مثلاً، قال: إنا سوف نغزو الجنوب ونغزو جهة الغرب جهة الشرق حتى لا يستعد له العدو، حتى يهجم عليهم على غرة إذا كانوا قد بلغوا ودعوا إلى الله وأصروا فلا بأس أن يهاجموا على غرة.

    أما الثالثة فهي: حديث الرجل امرأته والمرأة زوجها لا بأس بذلك، فإن الرجل مع زوجته قد يحصل بينهما مشاكل ونزاع عند ملابس أو طعام أو زيارة أو ما أشبه ذلك، فيقول لها: سوف أفعل كذا وكذا، سوف أشتري لك كذا، وسوف أفعل كذا مما يرضيها، حتى يزول النزاع وحتى تزول الشحناء، أو تقول هي كذلك: سوف أفعل كذا سوف لا أخرج إلا بإذنك وهي عازمة أنها سوف تخالفه لكن تريد أن يرضى، أو سوف أنفذ ما قلته في كذا وكذا وكذا، وإن كان في اعتقادها وفي عزمها ألا تنفذ، لكن تريد أن تكسب رضاه حتى تزول الشحناء والعداوة فلا بأس بهذا، لأن هذا كذب لمصلحتهما لا يضر غيرهما، فإذا كان كذبهما في مصلحتهما ولا يضر غيرهما فلا حرج فيه كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إصلاح محض ليس فيه مضرة على أحد.

    1.   

    أيام الست من شوال وحكم صيامها

    السؤال: أيضاً تكرموا واشرحوا لنا هذا الحديث: عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) أرجو أن تتفضلوا ببيان هذه الأيام، هل هي في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره؟

    الجواب: الحديث صحيح رواه مسلم في الصحيح وله شواهد، كلها تدل على أنه يستحب للمؤمن والمؤمنة صيام ست أيام من شوال، إذا أفطر من رمضان يستحب له أن يصوم ستاً من شوال، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد هل تكون في أوله أو في آخره أو في وسطه، فدل ذلك على أن الأمر واسع ولا حرج في صومها في أوله أو في وسطه أو في آخره، ولا حرج أيضاً في صومها متتابعة أو متفرقة كل ذلك واسع، والحمد لله.

    لكن إذا بادر بها خشية القواطع والعوائق فهو حسن، كما قال الله جل وعلا: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84]، قال سبحانه: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21] الآية، قال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] فإذا سابق إليها الإنسان وصامها من أول الشهر متتابعة خشية أن يعوق عائق أو يحدث ما يمنعه فهذا من باب الحيطة ومن باب المسابقة إلى الخير ومن باب الحزم في فعل الخيرات، وإن أخرها في وسط الشهر أو في آخر الشهر فلا حرج، أو صامها متفرقة صام وأفطر حتى كمل الست فلا حرج في ذلك كله، والحمد لله.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    من أفطر لعذر سماحة الشيخ! هل يبدأ بقضاء ما فاته من صيام رمضان أو يبدأ بصيام الست؟

    الشيخ: الأفضل أن يبدأ بالصيام الذي قضاء الذي عليه؛ لأنه هو الفرض، والناس اختلفوا في هذا، بعض أهل العلم قال: لابد من البدأة بالقضاء، وبعض أهل العلم قال: يجوز تأخير القضاء وفعل المستحبات، وبعضهم أجاز تقديم المستحبات لكن فضل القضاء، وهذا هو الذي ينبغي يفضل القضاء، يعني ينبغي له أن يبدأ بالقضاء، لكن لو صام مثل يوم عرفة وعليه قضاء أو صام يوم عاشوراء وعليه قضاء أو صام ثلاثة أيام من كل شهر وعليه قضاء فإنه يجزئه إن شاء الله وله أجر، لكن لا ينبغي له ذلك، ينبغي له أن يبدأ بالقضاء؛ لأنه هو الفرض ولأنه أحوط لحقه قد يعوقه عائق، قد يهجم عليه الأجل، فينبغي له أن يبدأ بالقضاء، فالقول بالبداءة بالقضاء أولى وأحوط؛ حيطة للدين وحرصاً على براءة الذمة.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: اللهم آمين. مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم وإلى الملتقى..

    وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.