إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (603)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الجهر بالصلاة للمنفرد في الصلوات الجهرية

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الأخوين عبد الله حسن الشهراني و عبد الرحمن مرضي الدوسري من مدينة الدمام، الأخوان يسألان مجموعة من الأسئلة من بينها سؤال يقول: هل يجهر في الصلاة إذا صلاها الإنسان منفرداً مثل صلاة المغرب والعشاء والفجر أو يجعلها سراً؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    السنة في صلاة المغرب والعشاء والفجر الجهر، سواء كان المصلي إماماً أو منفرداً، هكذا كان النبي يفعل عليه الصلاة والسلام، فإذا فاتت العشاء عن الصلاة مع الجماعة صلاها بالجهر المغرب والعشاء والفجر كما كان يصليها لو كان إماماً، لكن إذا كان حوله من قد يتأذى بالجهر من نوام أو قراء خفض قليلاً حتى لا يؤذي أحداً.

    1.   

    مدى ضرر الوساوس على الصلاة وكيفية التخلص منها

    السؤال: إذا وسوس الشيطان للعبد في صلاته ماذا يفعل؟ وهل صلاته صحيحة؟

    الجواب: الصلاة صحيحة إذا أداها كما أمر الله بأركانها وواجباتها فالوسوسة لا تبطلها ولكن تضعف الثواب، فليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وأقبل عليه وخشع فيه لربه عز وجل، كما في الحديث: (إن العبد ليصلي وليس له من صلاته إلا نصفها إلا ثلثها ..) إلى آخره.

    فينبغي للمؤمن أن يقبل على صلاته -وهكذا المؤمنة- بخشوع وحضور قلب وطمأنينة حتى يكون ثوابه أكثر، والوسوسة إنما تأتي من الشيطان، فإذا أحضر قلبه بين يدي الله واستحضر أنه قائم بين يديه وجاهد نفسه لله فإن الوساوس تقل بتوفيق الله، وإذا دعت الحاجة إلى التعوذ بالله من الشيطان لبقاء الوسوسة فإنه يستعيذ بالله من الشيطان ينفث عن يساره ثلاث مرات ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قد قال عثمان بن أبي العاص الثقفي الصحابي الجليل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إن الشيطان قد لبس علي صلاتي، فأمره أن يستعيذ بالله من الشيطان في الصلاة إذا وقع له ذلك، ففعل فأذهب الله عنه تلك الوسوسة).

    فالمشروع للمؤمن والمؤمنة عند وجود هذه الوسوسة أن يستعيذ بالله من الشيطان وينفث عن يساره ولو في الصلاة ثلاثاً ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن ذهبت الوسوسة بإقباله على الله وحضور قلبه بين يدي الله كفى ذلك والحمد لله وإلا استعاذ بالله من الشيطان نافثاً عن يساره يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ثلاث مرات ويزول بإذن الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فويل للمصلين ...)

    السؤال: الأخوان يطلبون من سماحتكم تفسير قول الحق تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]؟

    الجواب: الآية على ظاهرها، والويل إشارة إلى شدة العذاب، والله سبحانه يتوعد المصلين الموصوفين بهذه الصفات التي ذكرها سبحانه، وهي قوله: عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:5-7] ليس السهو بمعنى الترك فإن الترك كفر أكبر نسأل الله العافية ولكنه نوع من التساهل كتأخيرها عن أدائها في الجماعة والتهاون في بعض مكملاتها التي يجب أن تفعل.. ونحو ذلك مما يتعلق بالنقص فيها فهذا فيه الوعيد، أما إذا تركها عمداً فهذا يكون كافراً كفراً أكبر وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)خرجه الإمام مسلم في صحيحه.

    فهذان الحديثان وما جاء في معناهما حجة قائمة وهو برهان ساطع في كفر تارك الصلاة نعوذ بالله وإن لم يجحد وجوبها، لكن إذا تساهل فيها بأن تساهل في أدائها ولم يؤدها كما يجب أو تأخر عن أدائها في الجماعة فهذا يعتبر من السهو عنها، أما السهو فيها فهذا ليس به شيء وليس فيه وعيد فقد سها النبي صلى الله عليه وسلم وسها المسلمون، السهو يقع من المؤمن في الصلاة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أحكامه، ولكن المقصود السهو عنها وذلك بالتساهل والتهاون في أدائها كما أوجب الله، وأعظم من ذلك وأدهى أمر الرياء نسأل الله العافية كعمل المنافقين، فإن المنافق كفره أشد من كفر الكافر، فإذا صلاها رياءً لا عن إيمان بأنها فرض عليه فإنه يكون كافراً وصلاته باطلة، فإن صلاها رياءً نافلة بطلت أيضاً، فالواجب أن يصلي المؤمن لله وحده يريد وجهه الكريم ويريد الثواب عنده سبحانه وتعالى، ولعلمه بأن الله فرض عليه الصلوات الخمس فيؤديها إخلاصاً لله، وطاعة لله، وتعظيماً له، وطلباً لمرضاته سبحانه وتعالى.

    ومن صفاتهم أنهم يمنعون الماعون، الماعون فسر بالزكاة وأنهم يمنعون الزكاة؛ لأن الزكاة قرينة الصلاة كما قال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5] قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وقال قوم آخرون من أهل العلم: إنه العارية التي يحتاجها الناس ويضطرون إليها، كالدلو لجلب الماء، والميزان للحاجة، والقدر للحاجة ونحو ذلك ولكن منع الزكاة أعظم وأكبر، فينبغي للمؤمن أن يكون حريصاً على أداء ما أوجب الله وعلى مساعدة إخوانه عند الحاجة بالعارية؛ لأنها تنفع إخوانه وتنفعه أيضاً ولا تضره، فينبغي له أن يساعد بالماعون الذي يحتاجه جيرانه وإخوانه من قدر أو ميزان أو دلو أو غير هذا مما يحتاجه الجيران، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم صلاة من وجد في ثوبه نجاسة

    السؤال: يسأل الأخوان هذا السؤال: إذا اكتشف الإنسان أن في ملابسه شيئاً من النجاسة وقد صلى به بعض الفروض، فهل تبطل تلك الصلوات؟

    الجواب: إذا صلى وهو جاهل بالنجاسة أو ناسياً لها فليس عليه شيء، إذا فرغ من الصلاة وقد وجد في ثوبه نجاسة فإن صلاته صحيحة سواء كان ناسياً لها قد علمها قبل ثم نسي أو كان جاهلاً لها بالكلية فإن الصواب أن صلاته صحيحة وليس عليه إعادة؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه ذات يوم صلى في نعليه فنبهه جبرائيل أن فيهما قذراً فخلعهما) ولم يستأنف بل أكمل صلاته عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن من صلى في شيء فيه نجاسة ولم يعلم فإن صلاته صحيحة، ولكن متى علم يخلع، إذا علم وهو في الصلاة كالنعل خلعها، وكالغترة والعمامة يخلعها أو البشت يخلعه وهو في الصلاة ولا يضره، أما إن كان لا يمكنه خلعه لأنه ليس عليه إلا ثوب واحد يستر عورته وبان فيه نجاسة فإنه يقطع الصلاة لأجل إزالة النجاسة بالغسل أو بإبدال الثوب.

    1.   

    حكم الوضوء في الحمام

    السؤال: هل يصح الوضوء في الحمام؟

    الجواب: نعم، لا حرج أن يتوضأ في الحمام ويسمي في أول الوضوء عند أول ما يبدأ الوضوء بالمضمضة والاستنشاق، أو عند غسل الكفين ثلاثاً يقول: بسم الله. ويبدأ؛ لأن الكراهة التي ذكرها العلماء في كراهة ذكر الله في الحمام تزول عند الحاجة، وهو محتاج إلى أن يسمي الله في أول وضوئه، وقد أوجب ذلك بعض أهل العلم فحينئذ تزول الكراهة ويسمي الله عند بدء وضوئه، فإن تيسر أن يكون ذلك خارج الحمام فهذا أفضل وأتم.

    1.   

    حكم قول: (صدق الله العظيم) عند الانتهاء من قراءة القرآن الكريم

    السؤال: من الزلفي هذه رسالة بعث بها أحد الإخوة من هناك هو المستمع (أ. خ. س) مدرسة تحفيظ القرآن الكريم، أخونا يقول: إنني كثيراً ما أسمع أن قول: صدق الله العظيم عند الانتهاء من قراءة القرآن الكريم بدعة، وقال لي بعض الناس: إنها جائزة، واستدلوا بقوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران:95]، وكذلك قال لي بعض المثقفين: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يوقف القارئ قال: حسبك ولا يقول: صدق الله العظيم، وسؤالي هو: هل قول: صدق الله العظيم جائز عند الانتهاء من قراءة القرآن الكريم؟ أرجو أن تتفضلوا بالتفصيل في هذا وفقكم الله وسدد خطاكم.

    الجواب: اعتياد الناس أن يأتوا بصدق الله العظيم بعد الفراغ من القراءة شيء لا أصل له ولا ينبغي اعتياده، بل هو على القاعدة الشرعية من قبيل البدع إذا اعتقد أحد أنه سنة، فينبغي ترك ذلك وأن لا يعتاد ذلك.

    وأما الآية الكريمة: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:95]، فليست في هذا الشأن وإنما أمره الله أن يبين لهم صدق الله فيما بين في كتبه العظيمة من التوراة وغيرها وأنه صادق فيما بين لعباده في التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، كما أنه صادق سبحانه فيما بينه لعباده في كتابه العظيم القرآن، ولكن ليس هذا دليلاً على أنه يستحب لأحد أن يقول ذلك بعد قراءة القرآن أو بعد قراءة آيات أو سورة، وليس هذا ثابتاً ولا معروفاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. (ولما قرأ ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم أول سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] قال له النبي صلى الله عليه وسلم: حسبك، قال ابن مسعود : فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام) يعني يبكي لما تذكر هذا المقام العظيم يوم القيامة، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ [النساء:41] يعني: يا محمد عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] يعني: على أمته عليه الصلاة والسلام.

    فالمقصود أن اعتياد كلمة صدق الله العظيم ليس له أصل في الشرع، أما لو فعله الإنسان بعض الأحيان من غير قصد لا يضر؛ الله صادق سبحانه وتعالى، لكن اعتياد ذلك بعد كل قراءة كما يفعل كثير من الناس اليوم هذا ليس له أصل، والآية: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] ليس فيها العظيم قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:95].

    1.   

    حكم الحلف بالذمة أو بالصلاة

    السؤال: يسأل أخونا من الزلفي فيقول: هل يجوز التذميم بقوله لأخيه: بذمتك أو بصلاتك أو بقوله: بحرج إن فعلت كذا، فمثل هذه العادات منتشرة عند النساء والأطفال، نرجو التوجيه جزاكم الله خيراً.

    الجواب: لا يجوز الحلف لا بالصلاة ولا بالذمة ولا بالحرج ولا بغير ذلك من المخلوقات، الحلف يكون بالله وحده، فلا يقول: بذمتي ما فعلت كذا، ولا بذمة فلان، ولا بحياتي ولا بصلاتي، ولا أن يطالب يقال قل: بذمتي ولا قل: بصلاتي، ولا قل: بزكاتي، كل هذا لا أصل له ولا يجوز؛ لأن الصلاة فعل العباد، والزكاة فعل العباد، وأفعال العباد لا يحلف بها وإنما الحلف بالله وحده سبحانه وتعالى، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من حلف بشيء دون الله فقد أشرك) خرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه، وخرج أبو داود و الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) وقال عليه الصلاة والسلام: (من حلف بالأمانة فليس منا).

    فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يحذر ذلك وأن لا يحلف إلا بالله وحده سبحانه وتعالى يقول: بالله ما فعلت كذا، والله ما فعلت كذا، إذا دعت الحاجة، والمشروع أن يحفظ يمينه ولا يحلف إلا عند الحاجة قال تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، لكن إذا دعت الحاجة يحلف يقول: والله ما فعلت كذا إذا كان صادقاً، والله ما ذهبت إلى فلان، بالله ما فعلت كذا، تالله ما فعلت كذا، إذا كان صادقاً هذا يمين بالله سبحانه وتعالى، أما الحلف بغير ذلك: بالأمانة أو بالنبي أو بالكعبة أو بحياة فلان أو شرف فلان أو صلاتي أو ذمتي فلا يجوز.

    أما إذا قال: في ذمتي فليس بيمين؛ لأن في ذمتي يعني: هذا الشيء في ذمتي أمانة، أو ما أخون فيه أو ما أشبه ذلك هذا ليس يميناً، أما إذا قال بذمتي أو بصلاتي أو بزكاتي أو حياتي أو حياة والدي هذا ما يجوز، هذا من الحلف بغير الله سبحانه وتعالى، نسأل الله للجميع الهداية.

    1.   

    حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكيفيته

    السؤال: المستمع (ن. ن. ن) بعث بعدد من الأسئلة يسأل في أحد أسئلته عن الكيفية الصحيحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما هي الحكمة المقصودة في مثل هذا المقام؟

    الجواب: هذا سؤال عظيم وجدير بالعناية؛ لأن الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر من أهم الواجبات ومن فرائض الإسلام، ولأن القيام بذلك من أهل العلم والإيمان والبصيرة من أعظم الأسباب في صلاح المجتمع وسلامته من عقاب الله سبحانه واستقامته على الصراط المستقيم.

    ولهذا يقول سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] فجعلهم خير أمة بسبب هذه الأعمال الطيبة، وقال سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، وصفهم بالفلاح لهذا الأمر العظيم، لدعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فجعلهم مفلحين بعملهم الطيب، والفلاح: هو الحصول على كل خير، الحصول على أسباب السعادة، وقال عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71] فوعدهم الرحمة على أعمالهم الطيبة التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وهذا يدل على أن هذا هو الواجب على المؤمنين والمؤمنات ليس خاصاً بأحد دون أحد، بل هذا هو الواجب على المؤمنين والمؤمنات وهو من صفاتهم العظيمة وأخلاقهم الكريمة لكن يكون بالحكمة، يكون بالعلم لا بالجهل ولا بالعنف والشدة ولكن بالعلم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عن علم وعن بصيرة بما أمر الله به وما نهى الله عنه، فالمعروف هو ما أمر الله به ورسوله، والمنكر هو ما نهى الله عنه ورسوله.

    فالواجب على الآمر الناهي أن يكون ذا بصيرة، أن يكون على علم، سواء كان رجلاً أو امرأة لابد أن يكون على علم وإلا فليمسك حتى لا يأمر بالمنكر أو ينهى عن المعروف، قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] يعني: على علم، ويقول سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] والدعوة إلى الله من جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه بيان الحق وإظهاره للناس، فالآمر كذلك يدعو إلى الله والناهي كذلك إلا أن الآمر والناهي قد يكون عنده من السلطة ما يردع المنكر ويلزم بالمعروف، والداعي إلى الله أوسع من ذلك يبين للناس ويرشدهم إلى الحق وقد لا تكون عنده سلطة للإلزام.

    فالحاصل أن الواجب على الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون على علم وأن يكون على بينة وعلى بصيرة حتى لا يأمر بما يخالف الشرع، وحتى لا ينهى عما هو موافق للشرع، والواجب أيضاً أن يكون برفق وعدم عنف وعدم كلمات بذيئة بل يكون بكلام طيب وأسلوب حسن ورفق كما قال الله عز وجل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وقال سبحانه لموسى وهارون لما بعثهم إلى فرعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] فالآمر الناهي يرفق بالناس، ويأمر بالألفاظ الحسنة، وينهاهم بالألفاظ الحسنة حتى يكون ذلك أقرب إلى قبول أمره ونهيه والاستفادة من ذلك إلا من ظلم وتعدى وأبى فهذا له أسلوب آخر من التعنيف والتأديب إذا لم يلتزم بالأمر بالمعروف ولم ينته عن المنكر، أما في أول الأمر فإنه يخاطبهم بالتي هي أحسن ويرشدهم وينصحهم حتى يلتزموا الحق، فمن عاند وأبى فله حال أخرى من جهة إجراء ما يستحق من تعنيف ومن تشديد وتأديب أو سجن أو غير ذلك مما يقتضيه الشرع المطهر، والله المستعان.

    1.   

    أوقات إجابة الدعاء

    السؤال: شيخ عبد العزيز يسأل أخونا أيضاً عن الأوقات التي فيها ساعات الاستجابة؟

    الجواب: أوقات الإجابة عديدة جاء في السنة بيانها؛ منها: ما بين الأذان والإقامة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد) ، ومنها: جوف الليل وآخر الليل، فالليل فيه ساعة لا يرد فيها سائل، وأحراها جوف الليل وآخر الليل في الثلث الأخير، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفر فأغفر له حتى ينفجر الفجر).

    فينبغي للمؤمن والمؤمنة تحري هذه الأوقات والحرص على الدعوة الطيبة الجامعة في وسط الليل.. في آخر الليل.. في جميع ساعات الليل، لكن الثلث الأخير وجوف الليل أحرى بالإجابة مع سؤال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجيب الدعوة مع الإلحاح وتكرار الدعاء والإلحاح في ذلك وحسن الظن بالله وعدم اليأس بل يلح، يرجو من ربه الإجابة، ويكثر من توسله بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.

    وكذلك في السجود ترجى فيه الإجابة، يقول عليه الصلاة السلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) ويقول صلى الله عليه وسلم: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) يعني: فحري أن يستجاب لكم. رواهما مسلم في صحيحه.

    وكذلك حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر للخطبة فهو محل إجابة في صلاة الجمعة وقبل السلام منها، وهكذا آخر كل صلاة قبل السلام محل دعاء ترجى فيه الإجابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علمهم التشهد قال: (ثم ليختر من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) يعني: في آخر الصلاة قبل أن يسلم، وهكذا آخر نهار الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس أيضاً كذلك هو وقت إجابة، فينبغي الإكثار من الدعاء بين صلاة العصر إلى غروب الشمس يوم الجمعة، وأن يكون جالساً ينتظر الصلاة؛ لأن المنتظر في حكم المصلي، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في يوم الجمعة: (إن فيها ساعة لا يرد فيها سائل) وأشار إلى أنها قليلة، فيها (لا يسأل الله وهو قائم يصلي) قال العلماء: يعني: ينتظر الصلاة، فإن المنتظر له حكم المصلي؛ لأن وقت العصر ليس وقت صلاة.

    فالحاصل أن المنتظر لصلاة المغرب في حكم المصلي فينبغي أن يكثر من الدعاء قبل غروب الشمس إن كان في المسجد وإن كانت امرأة أو مريض في بيته ينتظر الصلاة ويدعو، هذه الأوقات المذكورة كلها أوقات إجابة ينبغي فيها تحري الدعاء والإكثار منه مع الإخلاص لله والضراعة والانكسار بين يديه والافتقار بين يديه سبحانه وتعالى، والإكثار من الثناء عليه، وأن يبدأ الدعاء بالحمد لله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن البداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الإجابة، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    كتب ينصح بقراءتها لطلبة المرحلة المتوسطة

    السؤال: أخيراً يسأل الأخ عن الكتب التي تنصحون طلبة المتوسطة بقراءتها من كتب السنة؟

    الجواب: نوصي طلبة المرحلة المتوسطة بالعناية بمقرراتهم والإقبال عليها والحرص على الاستفادة منها؛ لأنهم مشغولون بها ولينجحوا فيها أيضاً ولأنها مفيدة، المقررات الدراسية فيما يتعلق بالتوحيد والعبادات مهمة ومفيدة، فإذا كان عنده وقت فنوصيه بمثل كتاب التوحيد يدرسه ومثل كشف الشبهات يحفظه ويتأمل هذين الكتابين فهما مفيدان، ومثل الأربعين النووية يحفظها، هي خمسون حديثاً، منها اثنان وأربعون للنووي وثمانية للحافظ ابن رجب خمسون حديثاً من جوامع الكلم يحفظها، فهذه الكتب في هذه المرحلة جيدة يحفظها وفي هذا كفاية حتى ينتقل للثانوي إن شاء الله.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.