إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (496)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله، وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: نعود مع بداية هذه الحلقة إلى رسالة المستمع أحمد عبد الله محمد علي جمعة من السودان، الأخ أحمد عرضنا بعض أسئلة له في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة يسأل، ويقول: رأيت بعض الناس يزورون القبب التي فيها مقابر الأولياء، ويطلبون منهم الرحمة والخير والعافية، ما حكم الإسلام في هؤلاء جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الله جل وعلا شرع لعباده ما فيه صلاحهم، وما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن كل ما يضرهم في الدنيا والآخرة، وبعث الرسل مبشرين ومنذرين عليهم الصلاة والسلام، مبشرين من أطاعهم واستقام على ما دعوا إليه؛ بالجنة والسعادة، والنصر في الدنيا والنجاة من الآخرة، ومنذرين من عصاهم بالذل في الدنيا والشقاء في الآخرة.

    وأعظم ما بعث الله به الرسل وأهمه وأفرضه، توحيد الله والإخلاص له، وصرف العبادة له جل وعلا، هذا أهم دعوة الرسل وهذا زبدتها، إخلاص العبادة لله وحده، كما قال جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] فهذه أعظم دعوة الرسل وأهمها وهذا أساسها، توحيد الله والإخلاص له، وألا يعبد معه سواه، لا نبي ولا ملك ولا شجر، ولا حجر، ولا صنم ولا غير ذلك.

    واتخاذ القباب على القبور، والمشاهد على القبور من وسائل الشرك، لأن هذا من تعظيم القبور، فإذا بني عليها القباب، وجعل عليها المساجد، عظمها العامة، ودعوها من دون الله، واستغاثوا بها، ونذروا لها، وهذا هو الشرك الأكبر، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم هذا هو الشرك الأكبر، هذا ضد دعوة الرسل، ضد التوحيد الذي بعث الله به الرسل.

    ولما بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، قال لقومه (يا قوم! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) ونهاهم أن يعبدوا مع الله سواه، نهاهم أن يعبدوا مع الله العزى، أو مناة، أو اللات، أو غير ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، وأنزل الله عليه في ذلك: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2-3]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    فالواجب عبادة الله وحده، ولا يجوز اتخاذ القباب على القبور، ولا المساجد عليها، بل يدفن الميت ويرفع قبره قدر شبر من الأرض حتى يعلم أنه ميت حتى لا يمتهن، ولا يجوز أن يدعى من دون الله، ولا أن يبنى عليه قبة ولا مسجد، ولكن يترك ضاحياً بارزاً كما كانت قبور الصحابة في المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، ولا يجوز أن يدعى الميت مع الله، ولا أن يستغاث به، ولا يقال: يا سيدي! يا فلان! أغثني، أو انصرني، أو أنا في حسبك أو جوارك، أو يطلب منه الرحمة، أو المغفرة، أو شيء من أمور الخير، كالرزق، أو الزواج، أو النجاة من النار، أو دخول الجنة، أو ما أشبه ذلك، كل هذا كفرٌ بالله، كله شرك أكبر، قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] معنى ليعبدون: ليوحدوني بالعبادة، يقصدوني بالعبادة، وحده سبحانه وتعالى، وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] يعني: أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36] وقال سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين، وقال سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، فسماهم كفاراً، وقال عز وجل: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:2-3]، فأمر سبحانه بعبادته وحده جل وعلا، وإخلاص العبادة له سبحانه وتعالى، وأخبر أن المشركين اتخذوا من دونه أولياء، يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] فهم يعبدون اللات، والعزى، والأصنام، ويدعونها، ويستغيثون بها، ويقولون: ما نقصد إلا أنهم يقربونا إلى الله زلفى، يشفعون لنا عند الله، كما في آية يونس، يقول سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]فكذبهم سبحانه بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18] وفي آية الزمر، يقول جل وعلا: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ [الزمر:3] يعني: يقولون: ما نعبدهم: إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فكذبهم سبحانه بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، فبين أنهم لا يقربونهم إلى الله، بل هم كفار بهذا كاذبون، فالقرب من الله بدعوته سبحانه، وعبادته وحده، وسؤاله، هذا هو الذي يقربهم إلى الله، وينجيهم بفضله سبحانه، يا رب! أغثني، يا رب! انصرني، يا رب! يسر لي الزواج من المرأة الصالحة، يا رب! اقض ديني، يا رب! أدخلني الجنة، يا رب! اغفر لي، يا رب! ارحمني، هذا هو الذي شرعه الله، وهذا هو العبادة لله وهذا هو التوحيد.

    أما أن تقول: يا سيدي البدوي ؛ ارحمني، أو أنا في جوارك، أو أغثني، هذا هو الشرك الأكبر، أو يا سيدي الحسين ! أو يا سيدي علي بن أبي طالب ! أو يا سيدي الحسن ! أو يا فاطمة ! أو ما أشبه ذلك، هذا هو الشرك الأكبر، هذا عبادة غير الله، التي أنكرها الرسل، وأنكرها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولما خطبهم صلى الله عليه وسلم في مكة في بعض الأيام، قال: (يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب ! اشتر نفسك من الله، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية ! عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً) فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه لا يغني عنهم من الله، بل لابد من شرائهم أنفسهم من الله بالتوحيد والإيمان والطاعة.

    هؤلاء أقرب الناس إليه، بنته، وعمه، وعمته، أخبرهم أنه لا يخلصهم من الله، ولا ينجيهم من عذاب الله، ولا يغني عنهم من الله شيئاً، إلا أن يوحدوا الله ويعبدوه وحده، حتى فاطمة بنته، قال: (سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً).

    فالواجب على الجميع عبادة الله وحده، وسؤاله وحده سبحانه، والاستغاثة به وحده، وأداء حقه من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وبر والدين، وصلة رحم، وصدق الحديث، وترك ما حرم الله من سائر المعاصي، كالزنا، وشرب الخمر، واللواط، والعقوق للوالدين، والقطيعة للرحم، وشهادة الزور، إلى غير هذا من المعاصي، يجب تركها طاعة لله، وتعظيماً لله، وتقرباً إليه سبحانه وتعالى.

    هذا هو الدين، وهذا الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وبعث به خاتم الرسل محمداً عليه الصلاة والسلام، بعثه الله يدعو الناس إلى توحيد الله، والإخلاص له، وإلى طاعة أوامره، التي أمر بها عباده، من صلاة، وصوم، وزكاة، وحج، وغير ذلك، وبعثه ينهاهم عما حرم الله عليهم، ولهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) فمن أطاع الرسول واتبع الشريعة، فله الجنة، ومن عصاه فله النار، نسأل الله العافية.

    فنصيحتي لكل من يخاف الله، لكل من يرجو الله، أن يعبد الله وحده، وأن يخصه بدعائه، واستغاثته، ونذره، وذبحه، وغير ذلك، كما يخصه بصلاته، وصومه، وسائر عباداته، لله وحده.

    هذا هو التوحيد، وهذا هو الإيمان، وهذا معنى قوله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، ومعنى قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] يعني: وحدوه، خصوه بالعبادة، بدعائكم، وخوفكم، ورجائكم، وذبحكم، ونذركم، وصلاتكم، وصومكم.

    أما من يأتي أصحاب القباب، يدعوهم مع الله، فهذا هو الشرك الأكبر، سواء كانوا أنبياء أو غيرهم، من يقول: يا رسول الله! أغثني هذا شرك أكبر، بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أما في حياته، يقول: أعطني كذا، أعطني من مال الله الذي عندك، ساعدني من كذا، لا بأس في حياته صلى الله عليه وسلم، كما يقال للملوك وغيرهم: ساعدونا في حياتهم، لكن بعد وفاته يقال: أغثنا يا رسول الله! أو انصرنا، أو اشفع لنا لا، يطلب من الله، يقول: يا رب! شفع في نبيك، يا رب! أغثني، يا رب! أنجني من النار.

    وهكذا لا يدعى عمر ، ولا الصديق ، ولا عثمان ، ولا علي ولا غيرهم، وهكذا من بعد الصحابة من باب أولى لا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم هذا حق الله، الأموات يترضى عنهم ويدعى لهم، والأنبياء يتبعون ويدعى لهم، لا يدعون مع الله، العبادة حق الله، وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار) يعني: شبيهاً، أو نظيراً، يدعوه مع الله ويستغيث به وينذر له، ويقول صلى الله عليه وسلم: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار).

    فالواجب الحذر من هذا الشرك، والواجب البصيرة والتفقه في الدين، هذا واجب على جميع المسلمين، في كل مكان، وعلى جميع المكلفين في كل مكان، في البلاد العربية وغيرها، في أوروبا، في أمريكا، في أفريقيا، في آسيا، في كل مكان، يجب على المكلفين أن يعبدوا الله وحده، يجب أن يخصوه بدعائهم، ونذرهم، واستغاثتهم ونحو ذلك، لأنهم لهذا خلقوا، خلقهم الله ليعبدوه، ليعظموه، ليخصوه بالعبادة وبه أمروا.

    وبهذا تعرف أيها السائل أن اتخاذ القباب منكر ومن وسائل الشرك، وهكذا بناء المساجد على القبور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يحذر ما صنعوا) متفق على صحته، وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي، يقول عليه السلام: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم في الصحيح، فبين صلى الله عليه وسلم أن السابقين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، يعظمونها ويصلون عندها، ويدعون عندها ويقرءون عندها، فنهاهم أن يفعلوا هذا الفعل، فوجب على العباد أن يتركوا هذا الفعل لأنه وسيلة للشرك، إذا بني عليها المسجد أو القبة، جاء الجاهل والعامي وقال: هذا ولي، وهذا ينفع، وهذا يشفع، فجعل يدعوه من دون الله، ويستغيث به، وهذا هو الشرك الأكبر نعوذ بالله.

    وهكذا البناء على القبور حتى غير المساجد، يقول جابر رضي الله عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) رواه مسلم في الصحيح، زاد الترمذي وغيره: (وأن يكتب عليه).

    فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور وعن البناء عليها، وهذا يشمل القباب وغير القباب لا يبنى عليها شيء، ونهى أن يجلس عليه أيضاً لأنه امتهان له، فلا يجلس عليه لأنه امتهان، ولا يبنى عليه ولا يجصص، لأن تجصيصه والبناء عليه من وسائل التعظيم، فإذا جصص أو بني عليه عظمه الناس حتى يقع الشرك، يدعونه من دون الله ويعظمونه.

    فالواجب أن يكون مكشوفاً كسائر القبور، ولو كان قبر نبي أو صالح، حتى لا يدعى من دون الله، وحتى لا يخص بشيء من العبادة، لكن لما خاف الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعى وأن يعبد دفنوه في حجرة عائشة في بيت عائشة، حمايةً له لئلا يعبد من دون الله، ولكن أهل الغلو ما تركوا ذلك، عبدوه خارج الحجرة، وفي كل مكان، يستغيثون به، وينذرون له، وهذا هو الشرك الأكبر الذي نهى عنه عليه الصلاة والسلام وحذر منه، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).

    فلا يجوز لأحد أن يغلو فيه بالدعاء فيدعوه من دون الله، أو ينذر له، أو يستغيث به، أو يذبح له، كل هذا شرك أكبر.

    وهكذا غيره من الأنبياء والصالحين، لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم؛ لأن ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى.

    فينبغي لك يا عبد الله! أن تكون على غاية من الحذر من هذا الشرك دقيقه وجليله، وقد عمت به البلوى في بلدان كثيرة، في البلاد العربية وغيرها كما لا يخفى على من له أدنى دراية بأحوال الناس، ما يقع عند قبر البدوي، والحسين ، والست زينب ، ونفيسة في مصر، وعند العيدروس في الجنوب اليمني، وعند قبر ابن علوان، وعند غيرها من القبور، وعند قبر ابن عربي في الشام، وعند قبورٍ كثيرة في العراق وفي غيرها، تدعى من دون الله، ويستغاث بها، فيجب الحذر.

    وهكذا من يأتي من بعض الحجاج عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو عند قبور البقيع من الصحابة، يدعوهم من دون الله، فهذا منكر وشرك أكبر يجب الحذر من ذلك، ويجب على أهل العلم أن يبينوا، يجب على العلماء في كل مكان وفقهم الله أن يبينوا للناس، لأن الناس قد يغلب عليهم الجهل يحسبونه ديناً، فوجب على العلماء وفقهم الله أن يوضحوا للناس أن الواجب عبادة الله وحده، وإخلاص العبادة لله وحده، وأن أصحاب القبور لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم، ولا يذبح لهم، ولا يبنى على قبورهم، ولا يتخذ عليها مساجد، فالناس في ذمة العلماء، فيجب على العلماء أن يبينوا، وأن يوضحوا للناس شرع الله، ولاسيما ما يتعلق بالتوحيد، فهو أعظم الأمور وأهمها، كما أن الشرك أعظم الذنوب، وليس عليهم إلا البلاغ، على العلماء البلاغ مثلما على الرسل والله يهدي من يشاء، وعلى ولاة الأمور التنفيذ على الحكام الرؤساء، الملوك، رؤساء الجمهوريات، ومن له قدرة على التنفيذ، أن يمنع العامة من الشرك بالله، ويدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، ويبين لهم أن هذا لا يجوز، وأن الواجب عبادة الله وحده، الذبح يكون لله، الاستغاثة تكون بالله وحده لا بالقبور، والنذر يكون لله وحده، لا لأهل القبور، أهل القبور يزارون للدعاء لهم، والترحم عليهم هم محتاجون للدعاء لهم، يزورهم، يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين) يدعو لهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور القبور ويدعو لهم عليه الصلاة والسلام، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين) وذكر ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زار قبور المدينة، قال: (السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) وكان يعلم أصحابه هذا عليه الصلاة والسلام، كما رواه مسلم في الصحيح، كان يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) وفي الحديث الآخر: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين).

    فالواجب على أهل الإسلام التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسير عليه، في زيارة القبور وفي غيرها، في جميع الأمور، كما قال الله سبحانه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54] فالهداية في طاعته عليه الصلاة والسلام، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54]، وقال سبحانه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، وقال عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] فالخير كله في طاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، واتباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه، وذلك بتعظيم كتاب الله -القرآن- والتمسك به والأخذ بما فيه، وتعظيم السنة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم، فإن الله أعطاه القرآن ومثله معه وهي السنة.

    فالواجب على أهل الإسلام التفقه في كتاب الله، والتفقه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمل بهما، في جميع الأحوال، ولاسيما في أصل التوحيد وأصل الدين وأساسه وهو أعظم الأمور وهو رأس المال، نسأل الله لجميع المسلمين ولنا التوفيق والهداية والفقه في الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم متابعة المأموم للإمام إذا زاد ركعة في الصلاة

    السؤال: المستمع: ناصر سعود شعيل الحربي، من القصيم الذيبية، بعث يسأل، ويقول: هل يقوم المأموم مع الإمام إذا زاد الإمام ركعة بالصلاة سهواً؟ إذا علم المأموم أن الصلاة تامة، وإذا قام المأموم مع الإمام في الركعة الزائدة والمأموم يعلم أنها زائدة، هل تصح صلاته أم لا؟

    الجواب: إذا علم المأموم أن الإمام قد زاد ركعة لا يقوم معه، يجلس ينبهه، يقول: سبحان الله، سبحان الله، وعلى الإمام أن يرجع إذا سبحوا به اثنان فأكثر، عليه أن يرجع، ويجلس ويقرأ التحيات ويسجد للسهو ثم يسلم، فإن أبى ولم يرجع لا يتابعونه يجلسون وينتظرونه، حتى المسبوق الذي سبق لا يتابعه، يجلس لأنه خطأ، وهم يعلمون أنه خطأ فلا يتابعونه، فإن تابعوه جاهلاً بالحكم الشرعي فإن صلاتهم صحيحة، ولو عرفوا أنها زائدة إذا جهلوا الحكم الشرعي يحسبون أنه يلزمهم المتابعة فالصلاة صحيحة.

    أما إن كانوا يعرفون الحكم الشرعي وأنه لا يجوز لهم ثم تابعوه تبطل صلاتهم، لأنهم تعمدوا الزيادة في الصلاة، أما إذا كانوا جهالاً ولو علموا أنها زائدة، مادام يظنون أنها تلزمهم المتابعة، فإن قيامهم معه لا يضرهم وصلاتهم صحيحة لأنهم جهال.

    أما من عرف أنها زائدة وعرف الحكم الشرعي وأنه لا يجوز له متابعة الإمام في الزيادة فإنه لا يقوم ولا يتابعه، وإذا تابعه بطلت صلاته.

    وهكذا في النقص لو جلس في الثالثة، في الظهر، والعصر، والعشاء ونبهوه ولم يقم يقومون ويخلونه، يقومون يكملون لأنفسهم، وهو إن كان في اعتقاده مصيباً فإن صلاته صحيحة، وإن كان ما عنده اعتقاد ولم يقم بطلت صلاته، لأن الواجب عليه المتابعة لمن نبهه إذا كانوا اثنين فأكثر، فإذا جلس ولم يكمل وقد بلغ النصاب، المنبهون بلغ النصاب فتكون صلاته باطلة حينئذ لأنه تعمد النقص، إلا أن يكون يعتقد أنه أصاب لنفسه وأنهم مخطئون فصلاته صحيحة وهم لهم اعتقادهم، صلاتهم صحيحة إذا اعتقدوا أنهم مصيبون، وصلاته صحيحة هو إذا اعتقد أنه هو المصيب.

    وعليهم جميعاً في مثل هذه المسائل أن ينتبهوا حتى لا يقعوا في الباطل، فإذا دخل في الصلاة يقبل عليها بقلبه وينتبه يخشع فيها حتى لا يقع السهو، فإذا وقع السهو عمل بشرع الله، إن كان الإمام نبهوه سبحان الله سبحان الله، إن كان في زيادة لم يتابعوه في الزيادة، وإن كان في نقص لم يتابعوه في النقص، إذا علموا أنه زاد أو نقص، فإذا علموا بالزيادة، يجلسون ينتظرونه، وإذا علموا بالنقص يقومون، إذا لم يتابعهم يقومون يكملون، وعليه هو سجود السهو إذا زاد أو نقص، ويتابعونه في السجود، إن كان زيادة ورجع لتنبيههم كمل الصلاة وسجد للسهو، وإن كان عن نقص قام وأتى بالنقص وسجد للسهو وسجدوا معه.

    1.   

    قسمة تركة من مات وله زوجة وأربعة أولاد وبنتان

    السؤال: المستمع: (أ. س) من الرياض، بعث بسؤال طويل بعض الشيء، يقول: رجل توفي وله زوجة وأربعة أولاد وبنتان، وترك مبلغاً من المال على صورة دين، وبعد وفاته تم تحصيل الدين، فقامت الزوجة باستثمار ذلك المبلغ، وأضافت إليه مبلغاً مما تحصل عليه من عملها في إحدى الدوائر النسوية، وكان ذلك الاستثمار على صورة ست قطع أرض، أعطت لكل واحد منهم واحدة، فكانت أربع قطع متصلة مع بعضها، واثنتان متفرقتان، سؤالي: هل إذا بيعت القطع الأربع المتصلة مع بعضها، هل يتم تقسيم قيمتها بحيث يكون نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين؟ وإذا كانت قيمة شراء الأرض جميعها فقط من راتب الزوجة وليس مضافاً إليها أي مبلغ من الإرث، فما الحكم؟

    الجواب: الواجب على الجميع أن يميزوا بين الإرث وبين مال المرأة، إلا إذا كانت وهبته لهم وجعلته كمال الميت، فيكون تبعاً لمال الميت، أما إذا كانت لم تهبه لهم فمالها لها، وما كان من راتبها لها، وأما مال الميت يوزع بينهم، للزوجتين الثمن، والباقي للأولاد أربعة أبناء وبنتين، يرجع لخمسة سهام، سهم للبنتين بينهما، وأربعة أسهم للأبناء الأربعة، للذكر مثل حظ الأنثيين.

    أما راتبها الذي خلطته، فهذا إن سمحت به وزع بينهم هكذا خمسة سهام، ولها الثمن قبل ذلك ينزع، وإن لم تسمح فراتبها لها إذا بيعت الأراضي يحسب لها ما أضافت من المال تعطى إياه، والباقي بينها وبين أولادها، وإن سمحت بذلك بالمال الذي من راتبها فهو لأولادها ولها معهم والحمد لله.

    الحاصل: أن الورث في مال الميت، أما مالها فهي بالخيار، إن أعطتهم إياه قسم بينهم بالعدالة مثل الإرث، لأنه ليس لها أن تخص بعضهم دون بعض، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) إذا كانوا أولادها، فتقسمه بينهم على قسمة الله مثل مال أبيهم.

    أما إن كانت لا، وضعته معهم من دون قصد الهبة، لكن إما على سبيل القرض، أو على سبيل أنها تنمي الجميع فلها مالها وللورثة مال أبيهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

    1.   

    حكم حج من ارتكب الكبائر بعد حجه

    السؤال: أحد الإخوة المستمعين صالح الشرقي المري، بعث يسأل، ويقول: لقد أديت فريضة الحج وأنا في سن العشرين ولم أتزوج بعد، وبعدما أديت الفريضة ارتكبت بعض المعاصي ومنها كبائر الذنوب -كما يقول- فهل بطل حجي؟

    الجواب: حجك صحيح والحمد لله، إذا كنت أديت ما شرع الله لك فإن حجك صحيح، والمعاصي ما تبطله بعد ذلك، حتى لو ارتد الإنسان وكفر ما يبطل حجه إلا إذا مات على الكفر، لو ارتد ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام بقي له عمله السابق، لأن الله شرط للردة أن يموت عليها، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]، أما إذا هداه الله ورجع إلى الإسلام، فإن أعماله تبقى له.

    وهكذا المعصية من باب أولى لا تحبط الحج، فلو حججت وصمت رمضان، وصليت الصلوات ثم بعد ذلك حصل منك زنا، أو شرب مسكر، أو عقوق لوالديك، أو أكل ربا، هذا لا يبطل أعمالك، المعصية فيها الإثم وعليك إثمها، ولكن لا تبطل بها الأعمال السابقة، الأعمال على حالها، لكن يضعف إيمانك، المعاصي تضعف الإيمان تنقص الإيمان، وتسبب غضب الله عز وجل، لكن ما تبطل طاعتك الماضية، ولكن تنقص أجورها وتضعفها.

    إلا من استحلها، استحل الزنا ورآه حلالاً وهو يعرف أنه حرام واستحله بين المسلمين يعرف أن الزنا حلال أو استحل الخمر يكون مرتداً عن الإسلام، فإذا مات على ذلك بطل حجه وعبادته كلها، كما قال سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5].

    فالذي يرتد عن دينه إذا مات على الردة بطلت أعماله، ومن ذلك من يستحل الزنا، أو الخمر، أو العقوق، يقول: إنه حلال وقد فهم السنة، وفهم الدليل، فهذا يكون كافراً ومرتداً عن الإسلام نعوذ بالله، إذا مات على هذا تبطل أعماله نسأل الله العافية.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لسماحته، وأنتم يا مستمعي الكرام! شكراً لحسن متابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.