إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (455)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    جماعة التبليغ.. وطريقتهم في الدعوة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين، يقول: المرسل أبو الحارث علي بن عطا المنان ، يقول: لدينا جماعة تأمر الناس بالخروج في سبيل الله، ويترتب على هذا الخروج أن يذهبوا إلى مسجد في أي حي، وبعد ذلك يقضون في المسجد ثلاثة أيام يقرءون في رياض الصالحين بدون شرح أو أي تعليق على الأحاديث، ثم بعد ذلك يخرجون في العصر يطرقون الأبواب ويقولون لأهلها: تعالوا في المسجد اسمعوا كلام الخير والإيمان، هل أثر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

    فالاجتماع على الخير ومدارسة العلم والتفقه في الدين أمر مطلوب، ينبغي للشباب والشيب والرجال والنساء بذل المستطاع في طلب العلم والتفقه في الدين، من طريق الكتاب العظيم وهو القرآن والسنة المطهرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق على صحته، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله -يعني: مسجد من مساجد الله- يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).

    هؤلاء الجماعة الذين يخرجون في سبيل الله للدعوة إلى الله والتعليم ويجتمعون في بعض المساجد لدراسة رياض الصالحين أو غيره من كتب العلم، هذا شيء لا بأس به وهو طيب، لأجل التعاون على طلب العلم والتفقه في الدين، وهكذا إذا خرجوا إلى قرية من القرى أو قبيلة من القبائل يدعونهم إلى الله ويرشدونهم إلى الخير فهو أمر مطلوب، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الدعاة إلى القبائل للإرشاد والتعليم، وبعث مرة سبعين من القراء إلى بعض القبائل للتعليم والدعوة، فابتعاث طلبة العلم إلى القرى والقبائل والمدن للدعوة إلى الله، وتعليم الناس العقيدة الصحيحة وتعليمهم ما أوجب الله عليهم، ويحرموا ما حرم الله عليهم أمر مطلوب، لكن ضرب الأبواب على الناس هذا محل نظر ولا أعلم له أصلاً، لكن إذا نبههم الإمام في المسجد فيه محاضرة الليلة أو ليلة كذا أو ندوة هذا طيب، حتى يجتمعوا ويحضروا للفائدة، من باب التعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، فالأولى عندي أن لا يضربوا أبواب الناس وأن لا يذهبوا إلى الأبواب، ولكن إمام المسجد يخبر عنهم أن هناك محاضرة أن هناك ندوة في مسجد كذا بعد صلاة كذا، وهذا يكفي والحمد لله.

    1.   

    تحديد جماعة التبليغ مدة الخروج في الدعوة إلى الله

    السؤال: هؤلاء الجماعة يقولون: على كل مسلم أن يخرج في سبيل الله في العمر أربعة أشهر، وفي السنة أربعين يوماً، وفي الشهر ثلاثة أيام، ويقول العلماء: هم الذين قالوا كذا، فهل من علماء السلف من قال ذلك؟

    الجواب: هذا الكلام لا أصل له، الخروج في سبيل الله على أهل العلم ما هو على كل مسلم، على طلبة العلم الذين عندهم بصيرة وعندهم علم يخرجون، وليس فيه حد محدود، إذا خرجوا في السنة بعض الوقت أو في السنتين، أو جلسوا في بلادهم للدعوة ما فيه حد محدود، إنما هذا يرجع إلى اجتهادهم، فإذا رأى العالم أن يخرج إلى بعض القرى أو بعض القبائل للدعوة إلى الله شهراً أو أسبوعاً أو أقل أو أكثر فهذا إليه، يرجو ما عند الله من المثوبة، وهكذا إذا رأى ولي الأمر كالملك أو رئيس الجمهورية أو أمير القرية، إذا رأوا إرسال بعض الدعاة إلى بعض القبائل أو بعض القرى المحتاجة؛ ليدعوهم إلى الله وليوجههم إلى الخير ويرشدهم إلى أسباب النجاة وينبههم على ما قد يخفى عليهم، هذا أمر مطلوب وليس فيه حد محدود، لا شهر ولا أسبوع ولا أقل ولا أكثر، على حسب ما يراه طالب العلم أو ولي الأمر يحدد لهم ما يرى، أما أربعة أشهر في العمر وأربعين في السنة فهذا لا أصل له، هذا من اجتهاد من فعله وليس له أصل، ولا ينبغي أن يعول عليه، بل ينبغي للعالم أن يذهب إلى القرية أو القبيلة المدة التي يرى أو التي يستطيعها ولو يوماً واحداً للدعوة إلى الله عز وجل، وهكذا السلطان وهكذا رئيس الجمهورية وهكذا أمير البلد وهكذا شيخ القبيلة يوزع الدعاة على حسب اجتهاده، هذه القبيلة يمر عليها يوماً أو يومين أو ثلاثاً، والقبيلة الثانية يمر عليها ثلاثاً أو أربعاً على حسب أحوال القبيلة، كثرتها وقلتها، وهكذا القرى، أما التحديد بأربعة أشهر أو بأربعين يوماً هذا لا أصل له، ولكن لا مانع إذا كان جماعة أرادوا أن يذهبوا إلى قرية أو إلى دولة يحددون لهم أياماً معلومة حتى يأخذوا الوقت المناسب ويستعدوا لهذا الغرض، وحتى يعرفوا أن مدتهم شهراً أو عشرين يوماً يأخذون لها الوقت المناسب، أما أن يحددوا الدعوة بأربعة أشهر أو ثلاثة أشهر أو شهرين فهذا لا أصل له، فالتحديد يكون من أجل الاستعداد لحمل المتاع الذي يحتاجون إليه، لا بأس من هذه الحيثية.

    1.   

    حكم شمول الأخوة من الرضاع للمتقدم والمتأخر

    السؤال: من المنطقة الجنوبية المستمع (ن. س. ح) بعث برسالة في الرضاع مطولة بعض الشيء، يقول فيها: والدتي أرضعت بنت عمتي وكان الرضاع مع أختي التي هي أصغر مني وترتيبها بين إخواني الرابعة، وكذلك أرضعت عمتي أختي المذكورة مع بنتها، فصار هناك رضاع بين الطرفين، هل بنت عمتي التي رضعت مع أختي أخت لنا من الرضاعة والتي أرضعتها أمي؟ وهل أختي التي أرضعتها عمتي أخت لأولاد عمتي، نرجو أن تفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم، التي أرضعتها أمك ابنة عمتك إذا أرضعتها أمك خمس رضعات أو أكثر حال كونها في الحولين تكون أختاً لكم جميعاً، والرضعة كونها تمسك الثدي وتمص اللبن حتى يذهب إلى بطنها ثم تطلق الثدي ثم تعيدها وترضعها مرة ثانية وهكذا حتى تكمل خمس رضعات في يوم أو في أيام، تكون أختاً لكم جميعاً، التي قبلها والتي بعدها، وهكذا أختك التي أرضعتها عمتك إذا أرضعتها رضاعاً شرعياً خمس مرات أو أكثر، تكون وحدها أختاً لأولادها وحدها فقط، أختاً لأولاد عمتك؛ لأنها صارت بنتاً لعمتك وأختاً لأولادها وأولاد الزوج الذي هو صاحب اللبن تكون بنتاً له وأختاً لأولاده، إذا كان الرضاع في الحولين وكان خمس رضعات أو أكثر كما تقدم.

    1.   

    حكم تزوج الشخص بأخت أخته من الرضاعة

    السؤال: أيضاً يذيل الرسالة بسؤال يقول فيه: هل يصح لي الزواج من بنت عمتي التي هي أصغر من التي أرضعتها أمي مع أختي، مع العلم أنه لم يحصل بين إخواني وبين بنت عمتي الثانية رضاع، وإذا كان يجوز لي الزواج فأرجو توضيح ذلك، وإذا كان لا يجوز فأرجو التوضيح، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بنت عمتك التي لم ترضع من أمك لا بأس أن تتزوجها أنت أو أحد إخوانك إذا كنتم لم ترضعوا من أمها وهي لم ترضع من أمكم، فالرضاع يختص بالتي رضعت من أمك، أما أخواتها اللاتي لم يرضعن من أمك فهن حل لكم؛ لأنهن بنات عمة، حلال، إذا كنتم لم ترضعوا أنتم من أمها فلا حرج في الزواج منها، وإنما المحرم عليكم التي رضعت من أمكم خاصة.

    1.   

    مكان إحرام أهل جدة ورابغ

    السؤال: من ينبع البحر المستمع سعيد بن سعيد بن علي بعث برسالة ضمنها جمعاً من الأسئلة، يقول: هل أهل جدة كلهم من داخل الميقات أو من خارجه؟ ومن أين يحرمون، وكذلك أهل رابغ؟

    الجواب: أهل جدة كلهم من داخل الميقات، داخل الميقات الذي هو رابغ وما وراءه، وأهل ذي الحليفة هم داخل الميقات فأهلها يحرمون من مكانهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما وقت المواقيت: (ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)، فالذين في جدة أو في الشرايع أو في بحرة أو في أم السلم هؤلاء ميقاتهم بلدهم، يحرمون من مكانهم، إن أرادوا عمرة أو حجاً يحرمون من مكانهم، والذي في رابغ يحرم من رابغ وهي ميقات، الآن هي الجحفة، والذي فوق الجحفة يحرم من مكانه؛ لأنه دون ذي الحليفة.

    فالحاصل أن المواقيت خمسة:

    ذو الحليفة: ميقات أهل المدينة.

    الجحفة: ميقات أهل الشام ومصر ونحوهم ممن يأتي من جهة الساحل، والآن يحرمون من رابغ، ورابغ قبل الجحفة بقليل من باب الاحتياط.

    الثالث: يلملم ميقات لأهل اليمن.

    الرابع: قرن المنازل، ويقال له: السيل، ميقات لأهل نجد وأهل الشرق.

    الخامس: ذات عرق ويسمى: الضريبة ميقات لأهل العراق.

    فالذي يأتي قبل هذه المواقيت يحرم منها، الذي يأتي من طريق المدينة يحرم من ذي الحليفة، والذي يأتي من طريق الساحل من مصر أو الشام أو غيرها من طريق البحر يحرم من الجحفة رابغ، والذي يأتي من طريق اليمن جيزان واليمن يحرم من يلملم، والذي يأتي من العراق وما حولها يحرم من الضريبة، يعني: من ذات عرق، والذي يأتي من نجد أو غيرها من جهة الشرق يحرم من السيل من وادي قرن، وإذا كان دون هذه المواقيت كأهل جدة وأهل الشرايع وأهل بحرة وأشباههم يحرمون من محلهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) أهل مكة يعني في الحج، أما في العمرة فهم يحرمون من خارج مكة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تحرم بالعمرة من خارج مكة من التنعيم، وهكذا من الجعرانة ومن عرفات، يعني: خارج الحرم، من أراد العمرة وهو في مكة يخرج إلى الحل ويلبي من هناك بالعمرة بعدما يغتسل في بيته ويستعد.

    1.   

    حكم من نزل بالطائرة في جدة ولم يحرم مع محاذاة الميقات

    السؤال: يقول: شخص قادم من لندن بالطائرة ونزل في جدة ولم يحرم قبل بدء سفره، ولم ينبهه أصحاب الطائرة عند المرور من الميقات، فكيف يحرم؟ وإذا نزل بجدة بدون إحرام فماذا يلزمه؟

    الجواب: إذا كان جاء من طريق الساحل من طريق البحر يرجع إلى رابغ ويحرم من رابغ، أما إن كان جاء من طريق المدينة فليرجع إلى ميقات المدينة، وأما إذا كان ما يعلم محاذاة أي ميقات، الطريق الذي جاء من جهة الغرب لا يعلم أنه حاذى لا ميقات رابغ ولا غيره فيحرم من جدة، ولكن إذا كانت الطائرة تحاذي رابغ.. تحاذي الجحفة فإحرامه من رابغ يرجع إليها على السيارات ويحرم من رابغ، وهكذا من جاء من طريق البحر إذا حاذى رابغ يحرم من رابغ وهو في البحر، وهكذا في الجو إذا حاذى رابغ في الجو أو حاذى الحليفة إن كان من طريق المدينة يحرم من محاذاته في الجو، وإذا كان ملاح الطائرة يعلم أنه ما حاذى رابغ ولا حاذى ميقاتاً آخر إنما جاء من طريق غرب صامد ما حاذى شيئاً فميقاته جدة، إذا لم يحاذ ميقاتاً قبل ذلك.

    المقدم: بارك الله فيكم، الواقع هذه معلومة جديدة سماحة الشيخ جزاكم الله خيراً؛ لأن هناك كثيراً من الناس يقولون: لماذا يحرم البعض من جدة؟ إذاً يحرم من جدة؟

    الشيخ: من لم يحاذ ميقاتاً قبل وصوله إليها في الجو.

    1.   

    حكم دخول مكة لزيارة أقارب أو حاجة دون إحرام

    السؤال: المستمع عبده علي محمد واصل من ينبع البحر المنطقة الصناعية، بعث برسالة ضمنها جمعاً من الأسئلة، يقول في أحدها: هل يجوز دخول مكة بدون إحرام لسبب غير هام أو لمجرد الطواف؟ وإذا كان لا يجوز ذلك فمن هم الذين يجوز لهم الدخول في مكة من غير إحرام؟

    الجواب: إذا أراد مكة للطواف أو لزيارة بعض أقاربه أو أصدقائه أو لحاجة أخرى لا يلزمه إحرام ولا حرج عليه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما وقت مواقيت قال-: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة)، هذا شرط، فلا يلزمه الإحرام إلا إذا أراد حجاً أو عمرة، أما من جاء إلى مكة للتجارة أو لزيارة بعض أقاربه أو أصدقائه أو لمجرد أن يصلي في المسجد الحرام ويطوف فلا إحرام عليه، ولا حرج عليه في ذلك والحمد لله.

    1.   

    حكم لزوم نفقة حج الوالدة على الولد وعندها مال

    السؤال: يقول: والدتي تحتاج إلى مال تحج به وعندها مال، هل يلزمني نفقة حجها، أو يلزم والدتي؟

    الجواب: لا تلزمك النفقة ما دام عندها مال، فعليها أن تنفق من مالها هذا إذا كان حجها فريضة، أما إذا كان حجها نافلة فليس عليها شيء، الحج مرة في العمر كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما زاد فهو تطوع، فإذا كانت قد حجت فالحمد لله، إن أرادت تطوعاً تنفق من مالها وأنت تساعدها وتذهب معها إلى مكة، وإن أنفقت من مالك براً بها وإحساناً إليها ورغبة في تشجيعها على الخير فأنت مأجور، فإذا كنت تستطيع فالأحسن أنك لا تحاسبها، تنفق من مالك وهذه نعمة من الله عليك أن تنفق عليها وأن تحسن إليها، فأبشر بالخير، ولا تحاسبها ولا تناقشها في هذا إذا كنت تستطيع، أنفق وأحسن وأبشر بالخير، وساعدها على الحج ولو نافلة وأنت على خير عظيم وأجر كبير، وما دام عندها مال لا يلزمك، لكن من برك بها وإحسانك إليها ومن مراعاة خاطرها حتى لا يكون في خاطرها شيء، عليك أن تنفق من مالك، وأن تحسن إليها وأن تفرح بأن تنفق عليها وأن تحج بها.

    1.   

    حكم الطهارة واستقبال القبلة لسجود التلاوة

    السؤال: يقول: حدثونا عن سجود التلاوة، وهل يشترط له الطهارة والقبلة؟

    الجواب: سجود التلاوة سنة وقربة، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بالسجدة سجد، وليس صلاة، فلا يشترط لها الطهارة ولا قبلة، ولكن أفضل كونه يسجد إلى القبلة وكونه على طهارة، ولهذا ذهب الأكثرون إلى أنه لابد من طهارة ولابد من القبلة، لكن الصحيح أنه لا يلزم، فهو خضوع لله من جنس الذكر، من جنس سبحان الله والحمد لله والله أكبر، فالإنسان يذكر الله إلى جهة القبلة وإلى غيرها، ويخضع له سبحانه وتعالى بذكره لله وبدعائه ولا يشترط له القبلة ولا الطهارة، لكن لو تطهر وسجد إلى القبلة كان هذا أكمل وأفضل، وفيه خروج من خلاف العلماء، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بين أصحابه، فإذا مر بالسجدة سجد وسجدوا معه، ولم يقل لهم: من ليس على طهارة لا يسجد، والمجالس تجمع من هو على طهارة ومن هو على غير طهارة، فلو كانت الطهارة شرطاً لنبههم عليه الصلاة والسلام، والأصل عدم اشتراط الطهارة ولأنها ليست صلاة، مجرد سجود، والطهارة إنما تجب للصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور)، وهذه ليست صلاة ولكنها جزء من صلاة، وهكذا القراءة عن ظهر قلب ليست صلاة، فلا يشترط لها الطهارة، وهكذا سبحان الله والحمد لله وسائر الذكر لا يشترط لها الطهارة، فسجود التلاوة من جنس ذلك، وهكذا سجود الشكر من جنسه، لو بشر بولد أو بفتح للمسلمين ونصر لهم على عدوهم وسجد شكراً لله فلا حرج عليه وهو مأجور، ولو كان على غير طهارة، لكن الأفضل أن يكون إلى القبلة خروجاً من الخلاف، ولأن القبلة أولى من غيرها، فيسجد إلى القبلة ويتحرى ما هو الأكمل والأفضل وإلا فليس بشرط.

    1.   

    حكم صيام من غش في الاختبار وهو صائم

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع عبد الله برجس ، يقول فيها: أفطرت العام الماضي في رمضان المبارك يوماً واحداً بعذر شرعي وهو السفر، وقضيت ذلك اليوم والحمد لله وكان ذلك اليوم مصادفاً ليوم من أيام الدراسة، حاولت الغش بل غشيت فقرة من سؤال واحد أثناء الاختبار، علماً بأن هذا الاختبار اختبار شهري، هل تأثر صيامي بما فعلت؟

    الجواب: الصيام صحيح، لكن ينقص بالمعصية، لأن المعاصي تنقص الصيام وتنقص العبادات وتنقص الإيمان، المعاصي كلها تنقص الإيمان وتضعف الإيمان، ولكن لا يبطل الصوم بها، فلو صام وحصل منه معصية من غش أو غيبة أو كذبة فإن صيامه صحيح، لكن يكون ناقصاً ليس من جنس صيام من عافاه الله من هذه المعصية.

    1.   

    حكم ترك الصيام في رمضان بحجة الأعمال الشاقة فيه

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من الأخ المستمع نور الدين آدم من الجمهورية العربية السورية محافظة الحسكة قرية هلالية، يقول في رسالته: أنا شاب في السابعة عشرة من العمر، أصلي وأقرأ القرآن وأبتعد عما هو شر وآثام، ولكن مشكلتي عندما يحين وقت رمضان لا أصوم الشهر؛ وذلك لأنني أعمل أعمالاً شاقة ولا سيما في أيام الصيف، فهل يجوز لي أن أصوم في أوقات أخرى؟ أو ماذا علي أن أفعل، أرشدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: عليك القضاء مع التوبة، تقضي الصيام وتتوب إلى الله جل وعلا, وفي المستقبل تصوم مع الناس وتترك العمل الذي يشق عليك، تعمل أعمالاً لا تشق عليك مع الصوم، فإذا كنت لا تستطيع إلا بترك العمل فاترك العمل وادخر لرمضان ما يكفيك في رمضان من أعمالك التي في شعبان وقبله، ادخر من نقودك وأجورك التي تحصل لك في شعبان ورجب وما قبلهما، ادخر منها ما يعينك على صيام رمضان، أو رتب نفسك على عمل لا يشق عليك وتمكن معه من الصيام، أما التساهل والحرص على الدنيا والأعمال الشاقة وتترك الصوم هذا لا يجوز لك، فاتق الله ما استطعت، اعمل عملاً قليلاً إذا كنت محتاجاً إليه ليس فيه ما يمنعك من الصوم، وإلا فادخر من أعمالك التي قبل رمضان، ادخر من أجورها ما يعينك على الفراغ للصيام مع المسلمين، نسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق.

    المقدم: اللهم آمين، جزاكم الله خيراً! سماحة الشيخ الذين يفتون العمال والذين يعملون أعمالاً شاقة بجواز الفطر في رمضان، هل هم على حق؟

    الشيخ: لا نعلم لهذا أصلاً والواجب أنهم يعملون بقدر الطاقة، وإذا كان لابد من عمل فليؤجلوا العمل إلى بعد رمضان، ويدخروا من أعمالهم السابقة ما يعينهم على صيام رمضان، فالتساهل في هذا شره عظيم وعاقبته وخيمة، فالواجب عدم التساهل في هذا الأمر، ولكن إذا تيسر له عمل يستطيع معه الصوم فلا حرج في العمل في رمضان ويصوم، أما إذا كان لابد من الفطر فليترك العمل الذي يلجئه إلى الفطر وليستعن بالله على صومه بما عنده من المال السابق.

    1.   

    حكم من حلف على ترك المعصية ففعلها

    السؤال: يقول: إنني حلفت بالله سبحانه وتعالى على أن لا أرتكب معصية من المعاصي، لكني عدت وفعلت، ماذا علي أرشدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: عليك التوبة إلى الله والندم والإقلاع من المعصية والحذر من العود إليها والتصميم أن لا تعود إليها، عليك التوبة إلى الله جل وعلا، وعليك كفارة اليمين؛ لأنك حانث، فعليك كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فمن عجز صام ثلاثة أيام، وعليك مع ذلك التوبة إلى الله والندم والإقلاع وعدم العود إلى هذه المعصية، العزم الصادق أن لا تعود إليها، ومن يستعين بالله يعينه الله جل وعلا، فاتق الله وراقب الله واحذر هواك وشيطانك، والزم التوبة من هذه المعصية وغيرها، وعليك كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين تعشيهم أو تغديهم، أو تعطي كل واحد نصف صاع من التمر أو من الأرز أو من البر، نصف صاع كيلو ونصف تقريباً لكل واحد، أو تعشيهم أو تغديهم ولو متفرقين، ليس من اللازم أن تجمعهم ولو متفرقين، أو تكسوهم كسوة على قميص قميص، كل واحد كسوة تجزئه في الصلاة، قميص أو إزار ورداء، أو تعتق رقبة إذا وجدت شيئاً، فإن عجزت عن هذا كله فقير ما تستطيع لا إطعام ولا تستطيع الكسوة ولا عتق، عند ذلك تصوم ثلاثة أيام.

    1.   

    حكم الاحتجاج بالقدر في المعاصي

    السؤال: رسالة مطولة بعض الشيء من إحدى الأخوات المستمعات تقول أم خالد من مكة المكرمة، الرسالة فيها شيء من المعاناة سماحة الشيخ، وإن كانت مطولة أستأذنكم بعض الشيء، تقول: إنها امرأة متزوجة منذ عشرين سنة تقريباً، ومعها الآن سبعة عيال أكبرهم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وأصغرهم يبلغ الرابعة من عمره، ومن يوم زواجنا وزوجي لا يصلي، وفي بداية زواجنا صام ثلاثة رمضانات وصلى فيها فقط، وبعد ذلك الوقت لا يصلي ولا يصوم، وأنا امرأة أصلي وأصوم وأخاف الله، وكثير من المرات قلت له أن يصلي ولكنه كان يقول: إذا كان هو من قبضة اليمين فسوف يدخل الجنة، وإذا كان من قبضة الشمال فسوف يدخل النار، فإذاً صلاته أو عدمها لا فائدة منها، وفي هذه الأشهر القريبة سمعت من برنامجكم أن المرأة التي تصوم وتصلي لا تجوز للرجل الذي لا يصلي ولا يصوم، فتكلمت معه بهذا الخصوص وحصلت مشاكل، وبعد ذلك ومنذ أشهر قليلة أصبح يصلي مرة ولا يصلي أخرى، ويؤخر صلاة العصر والعشاء ولا يذهب إلى المسجد، مع أننا نسمع الأذان ونحن في البيت، أرجو أن توجهوني كيف أتصرف.

    الجواب: نسأل الله لنا وله الهداية هذا قوله: إن كنت من قبضة اليمين دخلت الجنة إلى آخره هذا غلط، لا يحتج بالقدر، الرسول صلى الله عليه وسلم: (لما قال لهم: ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار، قال الصحابة: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10]).

    فلا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر، بل على كل إنسان من رجل وامرأة أن يتقي الله وأن يعمل بطاعة الله من صلاة وصوم وحج وزكاة وغير ذلك، وعليه أن يحذر معاصي الله، الله أعطاه عقلاً وأعطاه سمعاً وأعطاه بصراً لابد أن يستعمل ما أعطاه الله من النعم، ولا يجوز له أن يحتج بالقدر، وهل يمكنه أن يحتج بالقدر فيجلس ولا يأكل ولا يشرب إن كان صادقاً؟! ليجلس لا يأكل ولا يشرب ويقول: إن كتب الله لي أني أحيا حييت! هو يكذب لا يستطيع أن يبقى، بل لابد أن يأكل ويشرب، فالمقصود أن هذا الاحتجاج بالقدر أمر باطل، فلا يجوز أن يحتج بالقدر لا في أكله وشربه ولا في جماعه لزوجته ولا في طلبه للولد ولا في بره لوالديه ولا في طلبه للتجارة ولا في أسفاره ولا في مزرعته ولا غير هذا، فهكذا في صلاته، هكذا في صومه، هكذا في أعماله الأخرى، ليس له أن يحتج بالقدر، بل يجب أن يعمل بما أوجب الله وأن يدع ما حرم الله، كما يجب عليه أن يطلب الرزق ويتسبب في طلب الرزق الذي يعينه على طاعة الله ويغنيه عن الناس، بالبيع والشراء أو بطريق الزراعة أو النجارة أو الحدادة أو الخياطة أو غير هذا من الأسباب، وليس له أن يحتج بالقدر، ويقول: أجلس في بيتي ولا أفعل الأسباب والرزق يأتيني! هذا غلط ما يقوله عاقل، فهكذا في الصلاة والعبادة لا يجوز أن يترك الصلاة، ويقول: أنا إن كنت من أهل السعادة دخلت الجنة وإلا فأنا من أهل النار، هذا كله باطل، ولا يجوز الاحتجاج بالقدر أبداً، وهذه حجة المشركين: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148]، ولم يعذرهم الله سبحانه وتعالى، فالواجب على زوجك أن يتقي الله وأن يراقب الله وأن يصلي مع المسلمين في المساجد وأن يحافظ على ذلك، وأن يصوم رمضان، وأن يؤدي زكاة ماله إن كان عنده مال، وأن يحج البيت الحج الواجب الفريضة وهو مرة في العمر، وأن يبر والديه، وأن يقوم بحق زوجته إلى غير ذلك، والواجب عليك أنت أن تمتنعي منه ولا تمكنيه من نفسك حتى يتوب إلى الله توبة صادقة، حتى يصلي جميع الأوقات، ما دام لا يصلي فهو كافر، وليس لك أن تمكنيه من نفسك، هذا هو الحق وهذا هو الصواب من قولي العلماء: أن من تركها كفر وإن لم يجحد وجوبها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) في أحاديث أخرى كثيرة تدل على كفر تارك الصلاة، فاتقي الله أنت واحذري شره وابتعدي عنه عند أهلك حتى يتوب إلى الله، وإن أبى فارفعي الأمر إلى المحكمة والمحكمة تنظر في الأمر، ولا تتساهلي في هذا أبداً، نسأل الله لنا وله الهداية.

    المقدم: اللهم آمين، سنعود إلى رسالتك يا أم خالد في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.