إسلام ويب

الفرار إلى اللهللشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدنيا مليئة بالأحزان والأكدار، والضيق والضنك، فلا سعيد فيها إلا من فر منها إلى خالقها، فيفر المؤمن من شهواتها وزخارفها وتضليلها إلى الله سبحانه. وأما الشقي فيفر من الله، ومن مظان رحمته وعفوه، إلى حبائل الدنيا وشياطينها. فشتان ما بين الفرارين، وما أعظم البون بين الطائفتين!

    1.   

    معنى الفرار إلى الله وأنواعه

    أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما بعد:

    فمن مراتب الهداية ودرجاتها: الفرار، وهو على نوعين:

    فرار السعداء، وفرار الأشقياء، أما فرار السعداء فهو فرار الذين يفرون من كل شيء إلى خالق كل شيء، وهذا فرار أهل السعادة، فيفرون من الدنيا ومن بلاياها ومن الناس ومن كل شيء إلى الله عز وجل، ففروا إلى الله جميعاً.

    إذاً: فالفرار إلى الله هو فرار السعداء، وهناك -والعياذ بالله- فرار الأشقياء، وهو فرار الذين يفرون من الله ومن الهداية، ومن أهل الخير، ومن أصحاب الحق، ويرون بعين البصر المحدد غير المنطلق من أنوار الوحي، فيرون أن السعادة فيما يتخيله الواحد منهم لا فيما حدده الشرع الحنيف.

    وكل واحد من هؤلاء يفكر أن الكتاب والسنة يضعان عليه قيوداً، فيقول لك: يا أخي! كل مرة يذهبون للصلاة، ويجلسون في الدرس، وفي كل حين أوامر ونواه، وحديث عن الجنة والنار، وسلوكيات مطلوبة، ثم يقول لك: في الانحراف توسيع على الناس، وفيه انطلاق وحرية، فأنا بالخيار آكل ما أريد، وأصلي أو لا أصلي، وأشرب الخمر، وأنظر إلى ما أشاء، وأسمع أي كلام أشاء مما يريحني!

    فهذا حال من سخط الله عز وجل عليه، فالمعصية عنده لها حلاوة، والطاعة عنده لها مرارة، فلذلك يرى المعصية جميلة، فالمرأة التي ترتدي الحجاب عنده مستنكرة؛ لأنها غطت الجميل الناعم السايح، أفمعقول هذا تغطيه؟! ولماذا خلقه الله؟ فنقول: هو مخلوق للمحارم كالزوج فقط، فهو قطاع خاص لا عام، لكن الجهلة مصممون على القطاع العام!

    والجاهلة تظن بعقلها المحدود أن الدين هذا قيد عليها وعلى الناس، مع أن الدين يفك قيد الإنسان، أي: يفك قيده من المعصية، ومن الجهل، ومن الانحراف، ويفك قيده من ضيق الدنيا ليعطيه سعة الآخرة، ويفك قيد الكبت والاكتئاب إلى الرضا والتوكل على رب العباد سبحانه وتعالى.

    1.   

    صفة الفار إلى الله

    إن كل من يفر إلى الله فهو كريم؛ لأنه يفر إلى الكريم، فيأخذ من صفة الكرم التي لله عز وجل، وليس الكرم أن يعطي أو يبذل المال، وإنما الكرم في خلق المسلم كله، فالكرم في معاملاتك، فإن أساءت إليك زوجتك تكون كريماً معها، فترد الإساءة بالإحسان، وهكذا إن أساء إليك جارك.

    وسيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم ليس هناك أكرم منه إلا ربه، فكان اليهودي يأتي كل ليلة قبل الفجر في المدينة ويضع القاذورات على بيت الحبيب المصطفى، ولو كان مثل حالتي وحالتك لربما كان يقوم أحدنا فيقتله! لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك.

    وبعد صلاة الفجر طرق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على اليهودي، والعربي بطبيعته كان ينهض في الصباح، لكن العرب هذه الأيام لا ينهضون الصباح، المهم: أن العرب كان النوم عندهم ساعة الفجر نوماً غير شرعي، المسلم وغير المسلم، فكان يوم العربي قبل الإسلام يبدأ عند البكور، فجاء الإسلام وأقر ذلك، يقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (بورك لأمتي في بكورها) فمثلاً: أنت عندما تأتي المسجد في الصبح لا يحصل لك إغماء ولا غيره، بل بالعكس فالذي يحصل لك هو انشراح الصدر طوال اليوم.

    واليوم الذي تنام فيه بعد الفجر -والمتعود على الفجر يعرف هذا- تجد صدرك ضيقاً طوال اليوم، وتقول: ما الذي حصل ما لي ضائق هكذا وليس هناك خبر سيئ؟ ولما تبحث عن السر تجد أنك استيقظت بعد أن أشرقت الشمس؛ لأن الشيطان قد بال في فمك وأذنيك، فأكثر الشعب صار دورة مياه للشيطان، فلا بورك في هذا الشعب إذا كان بهذا الشكل، لكن بورك في شعب استيقظ عند الصباح.

    يقول امرؤ القيس الشاعر العربي:

    وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل

    يعني: أنه يخرج الصبح وما زالت الطيور في أعشاشها، فهذا زمن خروجه للعمل.

    إذاً: فالإنسان الذي يفر إلى الله إنسان كريم، فليس الكرم في بذل المال فحسب، ولكن للأسف نحن كل حدودنا في البخل والكرم في مسألة المال، وكل تفكيرنا فيه، وإن كان مهماً واقعاً، فمن ذلك: رجل بخيل قال لخادمه: هناك شخص يضيق علي في المسجد كل يوم ويقول لي: ألا تؤكلني عندك؟ فاليوم سآتي به، وسأقول لك: يا غلام! ائتنا بالطعام، فتأتي بالدجاجة مسلوقة وجاهزة، ولكن تأتي بها باردة، وسأقول لك: يا بني سخنها، فتذهب لتسخنها فتغيب حتى يضيق الضيف فيذهب.

    فالرجل البخيل يقول للضيف: تعال يا أخي! فأخذه معه، وقد اتفق سلفاً مع الغلام كما تقدم، فقال: يا غلام! ائتنا بالطعام، فأتى بدجاجة مثلجة، فقال له: يا بني! هذه باردة سخنها، فذهب الولد فغاب حتى العصر، وقرب موعد الأذان والانتظار من الظهر، فقال المضيف: نذهب نصلي العصر، وبعد ذلك بقي البخيل يتسكع في الجامع ويقول: أنا عندي جزء قرآن أقرؤه، أو سنحضر درس العلم، فحضرا، وبقي الضيف معه إلى صلاة العشاء، فالرجل البخيل لم يجد مفراً من أخذه معه، فقال: يا غلام! والغلام لم يتفق على هذا الموضع مع سيده، فقال سيده: ائتنا بالطعام، فأتى بالفرخة أيضاً، فقال سيده: يا بني! هذه باردة من أجل أن يفهم الغلام، فذهب الغلام للداخل، والضيف أصابه الغيض، فقال: أدجاجتكم هذه من آل فرعون تعرض على النار غدواً وعشياً؟! سنأكلها باردة.

    ففي الناس من الكرم طبيعته، وهناك أناس -والعياذ بالله- بخلاء، وأحسبكم من أهل الكرم؛ لأن الكريم قريب من الله، وقريب من الجنة ومن الناس، وبعيد عن النار، وأما البخيل فهو بعيد عن الله، وبعيد عن الجنة وبعيد من الناس، قريب إلى النار، والعياذ بالله رب العالمين.

    لذلك قال أهل العلم: إن الذي يسألك إذا شكيت فيه: هل يستحق أو لا يستحق؟ ولو أعطيته فاحتمال أني جعلت الصدقة في غير موضعها، لكن لو منعته فيمكن أنه يستحق، فأعطه ولو القليل، ثمن إراقة ماء الوجه، هكذا قال أهل العلم، ولك الخيار.

    أما مسألة: أن الصدقة للسائل ولو راكباً على الحصان فهذا لم يقله الرسول ولا الصحابة، وإنما هو من اختراع المصريين، فصاحب الحصان يبيعه أولاً، ثم عندما يفقد ثمنه، نعطي له حاجته، وليس هناك شيء يجوز للراكب على الحصان، فمثلاً شخص راكب سيارة بمائة ألف جنيه، أفأضع يدي في جيبي وأعطي له صدقة؟! ليس هذا من المعقول، فليبع السيارة، وعندما تنتهي المائة ألف -أي: ثمن السيارة- نعطي له.

    1.   

    أقسام فرار السعداء

    فرار العامة

    فرار السعداء ثلاثة أقسام:

    فرار العامة، وفرار الخاصة، وفرار خاصة الخاصة.

    أما العامة الذين مثلنا فيفرون من الجهل إلى العلم، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الشك إلى اليقين، ومن الضيق إلى السعة، فهذا فرار العامة، وإن قال قائل: وهل نحن نستطيع أن نفر الفرار الذي ذكرته هذا؟! أي: أن ننتقل من الجهل إلى العلم ونحوه؟ فتقول: نعم يدرك هذا أصحاب العزائم والصدق مع الله، فيفرون من الجهل إلى العلم، ومن الضيق -أي: ضيق الدنيا- إلى سعة الآخرة، ولا تظن أن الدنيا فيها سعة أبداً، فالله عز وجل يأتي يوم القيامة بأبأس أهل الأرض، يعني: يأتي بشخص فقير دوماً لم ير يوماً يهنأ فيه أبداً، ولكنه اتقى الله، يعني: كان الرجل يصلي ويصوم، ويده ليست طويلة إلى الحرام، فهذا يغمس في الجنة غمسة فقط، فيخرج كالقمر ليلة التمام، فيقول الله له: عبدي! هل رأيت بؤساً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أنا في النعيم منذ أن خلقتني، فغمسة واحدة أنسته بلايا الدنيا.

    ويؤتى بأنعم أهل الأرض ولكنه لم يتق الله، فيغمس في النار غمسة، فيخرج كالفحمة السوداء، فيقول الله له: عبدي! هل رأيت نعيماً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أنا في الشقاء منذ أن خلقتني، فانظر أخي! غمسة واحدة في الجنة، وأخرى في النار ماذا صنعت!

    ولذلك العبد الصالح عندما يأخذه الناس على أعناقهم بعد موته يرى عمله أمامه، وعندما يمشون به يقول: علام تبطئون بي؟ لو تعلمون ما ينتظرني من الخير لأسرعتم بجنازتي، إذاً: فهو يرى الذي أمامه.

    والآخر -أي: العاصي- يقول: علام تسرعون بي؟ ولذلك سيدنا عمر قال: عندما تحملوني فاجروا بالجنازة جرياً، قالوا: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إن كان خيراً فقد قدمتموني إليه، وإن كان شراً فقد سرحتموه من فوق أعناقكم.

    فهذا فرار العامة من الجهل للعلم، ومن الضيق للسعة، ومن الشك لليقين، أي: لا يكون المؤمن قلقاً من غد، لكن عنده يقين تام، فما دام غداً من عمري فسيأتيني رزقي.

    لو أن لي قرشين في الحكومة، أو في القطاع الخاص أو في أي مكان قد كتبها الله لي، وأنها من رزقي، فستأتيني، ولو أصدرت الأمم المتحدة قراراً بمنع الصرف لك فسيصرف لك، فلو أن من في الأرض جميعاً اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، وكذلك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف، وفي رواية: (رفعت الأقلام، وطويت الصحف)، وهذه أبلغ؛ لأنها تعني: أن الصحف قد حفظت بعد الكتابة.

    فرار الخاصة

    أما فرار الخاصة: فهم يفرون من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، مثلاً: عندما يخرج الجنيه في سبيل الله فهو قد وضع في ذهنه أن هذا الجنيه يقع في كف الرحمن، كما كانت عائشة تصنع، أي: كانت تعطر الدرهم وتعطيه للفقير، قالت: أعلم أنه لا يقع في كف الفقير، ولكن يقع في كف الرحمن.

    والفقير يدعو لها: جزاك الله خيراً يا أم المؤمنين! وتقول: بل جزاك أنت؛ لأنك حملت زادنا إلى الآخرة، ويقال لها: يا أم المؤمنين! هذا هو الذي ينبغي أن يدعو؛ فهو الذي يأخذ، فتقول: دعوة بدعوة؛ ليضل لنا الثواب كاملاً عند الله يوم القيامة.

    أي: هو يدعو لنا دعوة فنرد عليه بدعوة، فتكون الحسنة صافية، فيمكن أن تضيع مقابل دعوته، فهي خائفة على حسنتها!

    و الحسن البصري رضي الله عنه يقول: أدعو الله عز وجل، فأرى يد الله تكتب لي الإجابة.

    إذاً: فهذا فرار الخاصة: أن يرى يد ربنا تكتب له الإجابة.

    ويقول سيدنا عمر: أنا لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء.

    ونحن نحمل هم الإجابة لا هم الدعاء للأسف، أما سيدنا عمر فيحمل هم الدعاء، أي: لو كان الدعاء صادقاً صاعداً من لسان طاهر، ومن قلب نقي، وفي وقت من الأوقات التي يستجيب ربنا سبحانه وتعالى فيها الدعاء، مثل: قبل صلاة الفجر وبعدها، وما بين العصر والمغرب، وعند السجود، وعند إفطار الصائم، وعند زحف الصفوف على العدو، وبين الأذان والإقامة، وعند هطول المطر، وعند سفر المسافر، فكل الدعوات في هذه الأوقات مظنة الاستجابة من الله رب العالمين.

    لذلك فأهل الجنة عندما يجمعهم ربنا -اللهم اجمعنا معهم يا رب- يتذاكرون أحوالهم في الدنيا، فيقول أحدهم: أنت متى غفر الله لك؟ ثم يقول: أتذكر يوم كذا؟ في ذلك اليوم غفر لنا فيه.

    فرار خاصة الخاصة

    وهناك فرار خاصة الخاصة، وهو فرار مما دون الحق، فكل شيء لله عز وجل، فكل حياته لله سبحانه، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم.

    والفرار درجة من درجات الهداية التي بينها لنا العلماء .

    اللهم اجعلنا من الفارين إليك يا رب العالمين.