إسلام ويب

الرجاءللشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طريق الوصول إلى الله متمثل في ثلاثة أشياء: الخوف والرجاء والمحبة، فالمحبة رأس الطائر، والخوف والرجاء جناحاه، ولا يكون المؤمن متعبداً لله إلا بهذه الثلاثة، فمن تعبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن تعبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن تعبده بالخوف وحده فهو حروري.

    1.   

    معنى الرجاء، والفرق بينه وبين التمني

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    فإن كل شخص يظن أن الرجاء هو التمني، وكل واحد منا يأمل في رحمة الله، ولا يأملن إنسان أن يدخل الجنة بعمله، هذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).

    فهناك فرق بين الرجاء والتمني، فالتمني: رجاء مع الكسل، والرجاء: تمن مع العمل، فالطالب الذي يلعب طوال السنة ثم إذا جاء وقت الامتحان تمنى أن يكون من الأوائل صاحب أماني، ومن الصعب أن تتحقق أمنيته، وأما الطالب الذي يجتهد طوال السنة ثم يتمنى أن يكون من الأوائل فإن أمنيته من الممكن جداً أن تتحقق، فالأول صاحب تمني، والثاني صاحب رجاء، وهذا هو الفرق بين التمني والرجاء.

    كذلك الفلاح الذي يهتم بزرعه فيسقيه ويسمده وينميه ثم يأمل أن يأتي المحصول جيداً هذا العام، فهذا من باب الرجاء، وأما المتمني فقط فهو الذي يغرس زرعاً ثم لا يعبأ به ولا يهتم به، ثم يتمنى أن ينبت له الزرع، ويجمع المحصول.

    1.   

    أنواع الرجاء، وبيان المحمود منها والمذموم

    والرجاء أنواع ثلاثة:

    رجاءان محمودان، ورجاء مذموم:

    فالرجاء الأول: رجاء إنسان مسلم أو مسلمة يعمل الصالحات ويبتعد عن المحرمات، فيرجو عفو الله تعالى ورحمته، فهذا رجاء محمود.

    والرجاء الثاني: رجاء مسلم أو مسلمة مذنب قد تلطخ بالمعاصي، لكنه يتوب ويئوب ويرجع دائماً إلى رب العباد جل جلاله، فهذا يرجو الله أن يغفر له وأن يتقبل توبته، فهذا رجاء محمود أيضاً.

    أما الرجاء الثالث: فهو رجاء إنسان مقيم على المعاصي مصر عليها في عفو الله ورحمته ومغفرته، فهذا الرجاء المذموم.

    طرق التوصل إلى الله جل وعلا

    والخوف والرجاء كجناحي الطائر، ورأسه محبة الملك عز وجل، يقول تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، ويقول: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119]، ويقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96]، وقد وصف الله تعالى حشر المؤمنين إلى الجنة بأنهم كالوفود، فقال: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم:85].

    وهم في اللغة: علية القوم، فيساق أهل الجنة إلى الجنة كالزعماء والملوك، والحشر في الآية دال على كثرة من يدخل الجنة من المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (لكظيظهم) يعني: ازدحامهم، أي: أمته، قال: (لكظيظهم على أبواب الجنة أحب إلي من شفاعتي).

    وقد بشر النبي أمته بأنهم أكثر أهل الجنة فقال: (كيف بكم وأنتم ربع أهل الجنة! فكبر الصحابة)، وهذا إكرام الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (كيف بكم وأنتم ثلث أهل الجنة! فكبر الصحابة) وفي هذا دليل على أن الصحابة كانوا عندما يعجبهم الشيء يكبرون ولا يصفقون، فإنما جعل التصفيق للنساء، حتى إن الإمام إذا أخطأ في الصلاة أو سها سبح الرجال وصفقت النساء.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (كيف بكم وأنتم شطر أهل الجنة! فكبر الصحابة)، وقد حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة وثلاثة عشر ألفاً من المؤمنين.

    قال صلى الله عليه وسلم: (كيف بكم وأنتم ثلثا أهل الجنة)، وقال في حديث آخر: (أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، أمتي ثمانون منها)، وانظر إلى حب رسول الله لأمته، أخرج الإمام الترمذي وصححه الدارقطني ، قال: (يا محمد! أأجعل إليك حساب أمتك؟ قال: لا يا رب! أنت أرحم بهم مني) فصدق من سماك الرءوف الرحيم؛ لأن الله يقول: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فأرحم الناس بهذه الأمة هو رسولها صلى الله عليه وسلم.

    قال صلى الله عليه وسلم: (يا رب! أنت أرحم بهم مني)، هذا بالنسبة لحشر المتقين، أما حال المجرمين فقد قال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم:86]، السوق عادة ما يطلق على الأنعام، تقول: ساق فلان الحمير أو الغنم أمامه.

    فيوم القيامة يكشف فيه عن المستور، فلا يستطيع أحد أن ينكر شيئاً مما عمله في الدنيا، ولن يستطيع الظالم أن يغطي على ظلمه بالرشاوي ونحوها، بل في يوم ينتصر المظلوم انتصاراً مؤزراً، والله تعالى قد تكفل أن يعطيه حقه كاملاً، فقال على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

    ثم ينبغي للمظلوم ألا يدعو على ظالمه، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (عبدي! أنت قد ظلمت وتدعو على من ظلمك، وظلمت آخر فهو يدعو عليك، فإن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإلا أخرتكما حتى يسعكما عفوي يوم القيامة).

    فينبغي للمسلم ألا يشاحن أو يباغض إخوانه المسلمين، بل يجب عليه أن يكون كلامه وفعله برداً وسلاماً على إخوانه، وألا يكون هو الشعلة والوقود للمشاحنة والمباغضة، يقول الشاعر:

    لا تكن عود ثقاب في حريق ولكن كن دلو ماء في هذا الحريق

    وسيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما قاتله عكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد وصناديد قريش في أحد سمع جماعة من الصحابة يتحسرون لأنهم لم يقتلوا خالداً أو عمرو بن العاص، فتبسم تبسم المنشرح صلى الله عليه وسلم وهو الذي أوذي في أحد، وكسرت رباعيته، وشج رأسه، بل إن خالداً كان من أسباب هزيمة المسلمين يوم أحد، فكان النبي يدعو لقومه بالمغفرة والهداية، ولم يدع عليهم كما فعل نوح عندما قال: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [نوح:28].

    إذاً: فطريق الوصول إلى الله يكون عبر هذه الطرق الثلاثة: الخوف، والرجاء، والمحبة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963619248

    عدد مرات الحفظ

    708508180