إسلام ويب

الإحسانللشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على أهل الإحسان في العمل، وجعلهم من أعلى المراتب، فهي منزلة لا يبلغها إلا المقربون؛ ولذا كان لمن أراد أن يبلغ هذه المرتبة شروط لابد من معرفتها وتطبيقها؛ حتى يبلغ العبد مرتبة الإحسان في الأعمال والأحوال والأوقات.

    1.   

    شروط الإحسان في العمل

    موافقة العمل للكتاب والسنة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فإننا نعلم جميعاً ما سأله جبريل للحبيب المعصوم صلى الله عليه وسلم: (ما هو الإحسان يا محمد؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    نستطيع أن نفهم كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوايا ثلاث: الإحسان في الأعمال، والإحسان في الأقوال، والإحسان في الأوقات.

    فالإحسان في الأعمال فيه خمسة شروط:

    الشرط الأول: ألا يكون العمل خارجاً عن الكتاب أو السنة:

    فلو أن شخصاً أتى وهو متعب بعد سفر وجاء من أسوان، فقلت له: إلى أين أنت ذاهب يا هذا؟ قال: سأذهب لأزور الحسين ، فيدخل عند الضريح ويطوف سبعاً أو يطوف حتى مرة، فهذا الطواف لا ينفع إلا حول الكعبة، إذاً: هذا عمل ليس على مقتضى السنة.

    يصعد الإمام على المنبر يوم الجمعة، ويؤذن المؤذن بين يدي الإمام، وعند: حي على الصلاة! حي على الفلاح! ترى الآباء الكبار يحب أحدهم أطراف أنامله ويمسح على عينيه: يا قرة عيني! يا حبيبي يا رسول الله! ما هذا الكلام؟ أيها الأب الفاضل من أين أتيت بهذا؟ أنت مخطئ! فهذا عمل على غير منهج الكتاب والسنة.

    وعندما يقف المؤذن، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن (سيدنا) محمداً رسول الله! يا رجل! أذن مثلما كان يؤذن بلال بين يدي رسول الله، يعني: هل رسول الله أحب إليك منه إلى بلال ؟ هل يعقل أننا أشد حباً للرسول من صحابة رسول الله؟ فتقول له: لا داعي لهذه الكلمة لكنه يقلق ويغضب، ولو فتحنا المجال لقلنا: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، وأن علياً ولي الله، وأن آل البيت أهل الله؛ فيكون هذا من التلاعب بالدين، وكأنه فاعله لم يعجبه الكتاب والسنة، فالعمل الخارج عن حدود الكتاب والسنة ليس فيه إحسان.

    كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: اللهم إني أسألك من العمل أخلصه وأصوبه، قالوا: ما أخلصه وما أصوبه يا أمير المؤمنين؟ قال رضي الله عنه: أخلصه ما كان خالصاً لوجه الله عز وجل، وأصوبه ما كان على الكتاب والسنة، أي يمكن أن يكون العمل خالصاً، ولكن ليس صواباً، ويمكن أن يكون صواباً ولكن ليس خالصاً.

    إذاً: العمل لابد فيه من شروط:

    أولاً: أن يكون على منهاج الكتاب والسنة، وهنالك أناس يحبون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لكنهم لا يحسنون العمل، يعني: هناك أناس يحبون أن يجتمعوا كل ليلة جمعة في مسجد من المساجد ويصلون صلاة التراويح أو القيام في غير رمضان هل يصلح هذا الفعل؟ لا يصلح هذا الفعل؛ لأن هذا على غير منهج الكتاب والسنة، يعني: إذا كان الرسول لم يصنعها إلا في رمضان ثلاثة أيام، ثم أصبحت سنة مؤكدة بعد ذلك، وأحياها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم زاد فيها عثمان فجعلها ستاً وثلاثين ركعة، والبعض يقول: إنها عشرون ركعة، والبعض يقول ثمان ركعات، ولم يجتمع الصحابة على نافلة إلا في رمضان، فعندما تنكر عليه يقول لك: لو صليت سأدخل النار؟!

    فأقول: النار والجنة هذه ليست إلينا، نحن لدينا كتاب وسنة، فلو وجدت هذه الصلاة في الكتاب والسنة فنحن سنأتي ونصلي معكم، ونصلي بكم، وليس هنالك مشكلة، لكنها صلاة على غير منهاج الكتاب والسنة، ومخالفة لمنهاج صحابة الحبيب المصطفى الذين نقلوا لنا كل حركة من حياة رسول الله.

    وأنا أتخيل منذ أن نزل على رسول الله.. اقْرَأْ إلى نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] أو: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] والدين محفوظ مثل شريط الفيديو صوت وصورة، يعني: كل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حركته وسكنته.. في بيته.. في المسجد.. في الشارع.. في الحرب.. في السلم.. في السفر، في الحضر.. في كل خطوة من ليل أو نهار مسجل تماماً عن رسول الله، فمن زاد في الدين شيئاً كان كمن نقص منه شيئاً.

    يعني: أنت لو زدت في الدين شيئاً اتهمت الرسول صلى الله عليه وسلم بالتقصير في أنه لم يبلغنا هذا الأمر، فعندما تزيد في الدين تكون قد اتهمت رسول الله أنه نسي شيئاً، وأنك بحذاقتك وعلمك أكملتها، وإن نقصت من الدين شيئاً رأيت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا طاقة لك به، فحذفت من الدين تلك الزيادة بحسب تعبيرك.

    قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ [المائدة:3]، والإكمال أفضل من الإتمام: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (وتركتكم على المحجة البيضاء)، والمحجة: هي الطريق الواضح الممهد، (ليلها كنهارها) يعني: مضيئة واضحة.

    أن يكون العمل خالصاً لوجه الله

    الشرط الثاني: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله:

    (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنهأبو موسى الأشعري عندما سلم من الصلاة وجد الحبيب صلى الله عليه وسلم جالساً وراءه وهو يصلي تحية المسجد، قال: أوسمعتني يا رسول الله! قال: (منذ أن بدأت يا أبا موسى ، والذي بعثني بالحق نبياً لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، أي: صوتك طيب وجميل! حتى المصريون ينتقون شخصاً صوته جيد معقول ليصلي بهم، والمؤذن يكون صوته جيداً حتى لا ينفر الناس!

    (اسمع القرآن ممن إذا سمعته قلت: إنه يخشى الله)، فلا تنكرون عليه قراءته، من أنه لم يقف هنا في هذا الموطن، وأخطأ هنا، هذا ليس مجلس عرض للقرآن، يا أخي إن الله امتن عليهم بحفظ كثير من القرآن والسنن فلا تكن معولاً في هدم البناء، وكن حجراً في إعلاء البناء، يعني: سددوا وقاربوا من أجل أن الله يسد الخلل علينا يوم القيامة، يستمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلاوة أبي موسى فيقول: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لو أعلم أنك تسمعني لحبرته لك تحبيراً)، أي: لكنت جملت وحسنت صوتي، فالرسول يسمع.

    أنت إذا ذهبت إلى الإذاعة تجد أن المقرئ عندما يذهب للامتحان يكون في اللجنة واحد من معهد الموسيقى؛ من أجل أن يرى مقامات الأصوات، المهم أنه لابد أن يكون عضواً في اللجنة، سواء يصلي أو لا يصلي، المهم أن يأتي يسمع صوت هذا الشخص، وكأنه -سبحان الله- كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) يعني: بالكاد أن القرآن يخرج من اللسان فقط دون العمل بما فيه.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن القرآن نزل بحزن، فاقرءوه بحزن، ولا تقرءوه بلحن أهل العشق ......) أي: لا يمكث طوال الوقت يغني بالقرآن، فيقول آخر: يا سلام عليك يا شيخ.. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف:100] يا سلام! الله يفتح عليك: ثانية ثاني! ماذا الله يعرض جهنم! يعرض جهنم يا شيخ! لا إله إلا الله، نسأل الله السلامة! انظر إلى الصحابة كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قرأ عليهم القرآن كأن على رءوسهم الطير!

    إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار والعكس

    الشرط الثالث في الإحسان في العمل: أن الله عز وجل له عمل بالليل لا يقبله بالنهار، وله عمل بالنهار لا يقبله بالليل، مثلما أوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما في وصيته، يعني: هل ينفع أن شخصاً يصوم في رمضان بالليل ويفطر بالنهار؟ هل يصح أن أحداً يصلي الصبح بعد صلاة العصر؟

    إذاً: ربنا له عمل محدد، الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، الزكاة لا تخرج صدقة، والصدقة لا تحسب زكاة، والصدقة الجارية شيء، وكفارة الأيمان شيء آخر، والنذر شيء ثالث، وزكاة الفطر شيء رابع..

    إذاً كل هذه الأشياء لها حدود وقانون، وأنا أقول لك دائماً: الذي جعل للكرة قانوناً فهل الدين ليس له قانون؟ أليست الكرة لها ملعب خاص بها، ولها مرمى طوله كذا.. وارتفاعه كذا.. فهذه مواصفات عالمية يا كابتن! يعني: الكابتن له مواصفات عالمية، وتلعب بالدين وتقول: أنا قلبي أبيض؟ نعم أبيض، ولكن هذه قوانين، فإذا كانت الكرة فيها قانون أليس لدين الله قانون من باب أولى؟! إذاً: اسأل الحكم أليس كذلك؟ يأتون بحكم من الخارج، أما نحن فالحمد لله العلماء بين أظهرنا فلا نحتاج أن نستورد علماء من الخارج.

    يجب أن نعلم أن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار وأن له عملاً بالنهار لا يقبله بالليل.

    مراقبة الله تعالى عند القيام بالعمل

    الشرط الرابع في الإحسان في العمل: أن يعتقد العبد وهو يعمل أن الله يراه:

    فعندما يستشعر العبد أن الله سبحانه وتعالى ينظر إليه يكون عمله متقناً، بل وخالصاً لله.

    الرجل الذي يقف يصلي بخشوع في المسجد والناس ينظرون إليه، يقولون: ما شاء الله، هذه الصلاة ليست مثل صلاتنا المستعجلة، فنتعلم من هذا الرجل كيف نصلي، انظروا إليه له عشر دقائق وحتى الآن لم يركع! وهذا الرجل عندما يسمع هذا يعجبه فيحاول أن يحسن من الصلاة ويتقنها!

    للأسف كلنا هذا الرجل، نسمع المدح فنرضى، وعندما ينتقدك أحدهم تحزن، ولكن الذي ينتقد لو نوى نية صادقة لما حزن الذي ينقد، فلو نويت النصح من داخلك لوجه الله فالذي أمامك لن يحزن، لكن أنت نويت أن تجرحه، وتشعره بالهوان والصغر بأنه لا يفهم ولا يعرف.

    اسمعوا إلى هذه القصة البسيطة التي كلنا نعلمها أولادنا، الحسن والحسين لما رأيا رجلاً كبير السن لا يحسن الوضوء.. كانا صغيرين عمرهما تسع سنين أو عشر سنين، فلو قالوا للرجل كبير السن: أنت مخطئ لربما غضب؛ لكن الحسن والحسين قالا له: يا عماه! اختلفت أنا وأخي في كيفية الوضوء، فتعال فاحكم بيننا، فتوضأ الاثنان الوضوء الذي رأيا جدهما صلى الله عليه وسلم يتوضؤه، فقال لهما: يا أبنائي! أنتما المصيبان وأنا المخطئ، أنا الذي لا أستطيع أن أتوضأ.

    هذه هي طريقة التعليم، وانظروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كيف علم الرجل الرحمة، وعلم الصحابة كيف تكون الدعوة إلى الله، الأعرابي الذي دخل المسجد -الذي لا يختلف عن الشارع في ذلك الوقت، الشارع فيه رمل وحصى، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فيه حصير ولا موكيت ولا سجاد ولا كهرباء- فلقي منطقة فارغة في مؤخرة المسجد فأراد أن يتبول، فذهب إلى ركن المسجد ثم شمر، والصحابة جروا خلف الرجل يريدون أن يفتكوا به، فقبل أن يصلوا إليه حجزهم رسول الله، وقال: (لا تزرموه)، يعني: لا تقطعوا عليه بوله، (وبعدما انتهى الرجل، قال صلى الله عليه وسلم: أهريقوا على بول أخيكم سجلاً من ماء).

    أخذوا الماء ونظفوا المكان الذي بال فيه (ووضع يده على كتف الرجل، حتى قال: فما وجدت أحن وأرحم من رسول الله) وضع يده عليه بحنان ولم يدفعه ويقول له: أنت عمرك لن تفهم! بل قال له: (يا أخا الإسلام! هذا مكان لا يصلح لما صنعت) ولم يقل له: أنت جاهل، أو ستذهب في داهية، وإنما قال: هذا المكان لا يصلح للذي عملته، هذا مكان للصلاة والعبادة.

    نظر الرجل وتعجب فرفع إلى السماء وقال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً) فالرسول صلى الله عليه وسلم كان من الممكن أن يسكت عنه، لكن الرسول كلمه مرة أخرى وقال: (لقد حجرت واسعاً) أنت ضيقت الأمر الواسع قل: (اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم) انظر إلى طريقة التعليم سبحان الله! انظروا كيف يكون التعليم!

    عندما ركب عبد الله بن عباس خلف النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره إحدى عشرة سنة، يعلمه ويقول له: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله)، يعني: عندما يسأل عن سؤال يجيب عنه بسؤال آخر، من أجل أن يخرج المعلومة من الذي أمامه، ثم بعد ذلك إما أن يؤكد هذه المعلومة له، وإما أن يلغيها، وإما أن يكملها له إن كانت ناقصة، أو يرفع الزيادة إن كان هناك شيء زائد، هكذا كان معلماً صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مفهوم الإحسان في الأحوال

    إن للعبد في العمل أمرين: فرض ونفل، فهنالك أناس يكتفون بالفرض، (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد، ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق).

    إذاً: الرجل عنده إيجابيات وليس عنده سلبيات، لكن نحن عندنا سلبيات وعندنا قليل من الإيجابيات، وقد شبهنا الفرض والنفل بالبيت الذي له حديقة محيطة به، فالذي يريد أن يدخل البيت لابد أن يدخل أولاً على باب الحديقة، ثم بعد ذلك يدخل على الممر، ثم يصل إلى الباب الأساسي للبيت، ولابد أن يفتح الباب وإن قفز من الجدار إما أن يكون الحرس قد رأوه، أو أصحاب البيت، أو كلب الحراسة، أو جهاز الإنذار أو.. إلى آخره، فليس بالسهولة أن يدخل مباشرة.

    هذا مثال الفرض والنفل، الفرض: هو البيت، والنفل: هو الحديقة، فيأتي الشيطان يريد الدخول، يدخل أولاً على الحديقة أي: على النفل، يأتي وأنت تصلي ركعتي العشاء، فيقول لك: أنت متعب هذا النهار لا داعي لهاتين الركعتين، أو الأفضل أن تجعلها قبل الفجر، أصلي الشفع والوتر يقول: لا داعي للشفع والوتر أنت اليوم متعب، لكن لو أنك صليت العشاء فقط، ماذا يقول لك: إنك طوال الليل مرهق فنم وقبل الفجر تصليها.

    إذاً دخل لك مباشرة على الفرض نفسه.

    إذاً: يريد منك الشرع أن تحوط الفرض بالحديقة، وهذه الحديقة هي النوافل التي تصليها، وبالعكس تجده في حالات يسمع آية من كتاب الله يخر بكاءً فينفعل في البكاء، ويسمع نفس الآية في اليوم الثاني فلا يتحرك له ساكن أبداً، وتجده كذلك عندما يجلس في مجلس علم من باب أنه يشغل وقت الفراغ، تعود على أنه يذهب إلى هذا الدرس، ويعجبه ذلك الرجل الذي يتكلم، لكن في حالات أخرى يجلس في مجلس العلم منصتاً بكل جوارحه، متشوقاً إلى المعرفة، يتمنى ألا ينتهي هذا المجلس، ويريد أن يستمر، يقول: يا ليت أني لا أخرج من هنا، مرة ثانية، يجد نفسه تواقة إلى الشهادة في سبيل الله، يقول: يا لله! لو أنهم فتحوا باب الجهاد حتى نضمن الجنة، ونضمن أن تغفر ذنوبنا، ونضمن أن الله جل وعلا يمسح لنا الصفحات السود الماضية! ولحظات أخرى ينظر فيها إلى الأولاد والزوجة والأموال والمنصب، فيقول: أنا لو مت سأترك هذا كله؟! هانحن نجاهد أنفسنا على لقمة العيش، ونجاهد في قيمة السيارة، وكل واحد على قدر استطاعته! هكذا الإنسان لا يبقى على حال واحد، يعني: سبحان الله يكون حاله مثل المرتفعات والمنخفضات، يصعد فوق وينزل تحت، وهكذا الحالات الإيمانية!

    حتى في المنام ترى أحياناً رؤى جميلة طيبة، فتنظر الجنة وما فيها من نعيم وتنظر إلى مجلس العلم وربما تنظر سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتنظر الصحابة، وفي حالات تنظر إلى كوابيس، فترى البيت أنه حصل له إخلاء إداري، والشارع حصل له كذا وكذا.. والدرجة الوظيفة التي ستأتي لك من الوزارة أخذها صاحبك! فتقوم مكتئباً.

    لحظات أخرى تجد -سبحان الله العظيم- زوجتك نفسها معك في الدنيا صالحة مستقيمة ومطيعة تقول: حاضر يا حاج! ربنا يبارك لنا فيك، ربنا يخليك، وتجدها في بعض أيام تقول: اغرب عن وجهي! الله يجازي الذي كان السبب في هذه الزواجة السوء، وهي نفسها الحالات التي تكون عندك أيضاً، مرة تكون راضياً عنها تقول: كثر الله خيرها، متحملة لتصرفاتي، ومتحملة أتعابي أنا وأولادي، وصابرة وساكتة! وسبحان الله! وهاهي محبوسة في البيت شغالة، طباخة، وكناسة، وتهدئ الأولاد، وتعطف على الصغير، وتحن على الكبير، الله يعينها ويقويها.. وهكذا.

    فالعبد لا يبقى على حال، وأنا لا أتكلم على رجل آخر، وكلنا هذا الرجل، وكلنا يحصل لنا هذه الأحوال، لابد أن نرصد حركة الإيمان داخل القلب، ولابد للمؤمن أن يكون له نظرة يحاسب نفسه فيها، يقول: لماذا هذا..؟ لماذا؟ لماذا؟ لا يكون الإنسان على وتيرة واحدة، ما الذي جعل الصحابة أنهم دائماً يطمحون إلى الأعلى، ونحن نصعد درجة وننزل عشرين درجة، نصعد ثلاث درجات وننزل خمسين درجة، لماذا؟ ما الذي يحصل؟

    قلنا من قبل: إن البيئة المحيطة لها أثر على حالة العبد الإيمانية هذا أولاً.

    يعني: لو عدت من صلاة التراويح إلى البيت منفعلاً، وتبكي على قضية إخواننا في فلسطين، وتتخيل لو أننا نصلي الفجر ثلاثة أو أربعة صفوف منا فقتلوا بأيدي كفار ماذا كنت تصنع؟ وماذا يجب عليك أن تعمل؟ وتخيل الآن أن لك أقارب في طنطا أو الإسكندرية أو في أصوان أو في أي بلد سبحان الله، وبلغك أن إخوانك -يعني: أولاد أمك وأبوك- دخل عليهم مسلم فقتلهم، ماذا يكون شعورك؟!

    فمن أجل أنهم نزعوا الإخوة منا أصبحنا لا نشعر بالمشكلة، وتصير الحياة أمراً عادياً يقول لك: يا عم! الله يرحمهم هذا مكتوب لهم، ويريد ألا يسمع عنهم شيئاً، ولا يريد أن يتحمل مسئولية، ولا أن يتحمل هم الدعوة، ولا هم الرسالة، ولا هم الإسلام سبحان الله.

    فالبيئة المحيطة لها أثر على العبد، يرجع من المسجد يفتح التلفاز، إذاً الناس في عالم آخر، يدخل النادي، يمشي في الشارع الله.. الله.. الله.. ما هذا الكلام الذي يقوله الشيخ عمر؟! فإن الناس نائمون ليس في العسل فحسب، يا ليتهم في العسل! الذي ينام في العسل ينام على شيء جميل، لا، هؤلاء نائمون في مجار والله، ينام أحدهم في رائحة عفنة؛ لأن الإيمان قد تبخر، فكانت البيئة الإيمانية للصحابة تشجع على التقوى والقرب من الله، كان سيدنا عمر يمسك بيد أبي موسى الأشعري ويقول: يا أبا موسى اجلس نؤمن بالله ساعة، عجيب! وهل كان عمر ليس مؤمناً قبل ذلك؟! كلا، وإنما مراده: يزيد إيماننا بالذكر وبالعلم.. إلى غير ذلك، يعني: يريد من يأخذ بيده إلى الخير.

    هل كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى من يقرأ عليه القرآن؟ كلا، ولكن قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، من أجل أن يسمع صلى الله عليه وسلم ويبكي عندما يسمع كتاب الله، انظر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام يقوم طوال الليل بآية واحدة يقرؤها ويبكي، وهي قوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] تخنقه العبرات صلى الله عليه وسلم، ويعيدها مرة أخرى ويبكي، ويعيدها مرة أخرى حتى يؤذن بلال لصلاة الفجر، وهو مشغول بالله عز وجل، وأنت تسمع أزيزاً لصدر رسول الله -وهو يقرأ القرآن- كأزيز المرجل، انظر إلى الوعاء عندما يغلي عليه الماء وقد وضع فيه الخضار أو اللحم وهو على النار.

    هكذا كان صدره صلى الله عليه وسلم من بكائه لله، يقول: (أنا أقربكم إلى ربي، ولكني أشدكم خشية)؛ لأنه قريب إلى رب العباد سبحانه وتعالى، بل ربما في بعض الأوقات يخرج إلى البقيع وإلى شهداء أحد، فيبكي ويقول: (كم وددت أن أوارى معهم في بطن هذا الجبل)، يا ليتني رزقت الشهادة مع إخواني! وكان له حنان حتى على الجبل الأصم، يقول: (أحد جبل يحبنا ونحبه) مع أنك تكره المكان الذي قتل فيه أخوك ولا تحبه.

    فالرسول عنده حنان؛ لأن الجبل يعتبر وسيلة إلى وصول صحابته صلى الله عليه وسلم إلى جنة الرضوان، فالرسول يحب الجبل، وشعر أن الجبل يبادله نفس الحب صلى الله عليه وسلم، فكان في توافق ما بينه وبين الطبيعة من حوله، والطبيعة متوافقة مع خلقة وطبيعة ومع إيمان عظيم موجود في قلب الرسول الرءوف الرحيم بالأمة صلى الله عليه وسلم.

    فالأحوال التي يتقلب فيها الإنسان والبيئة لها أثر في ذلك، وهل نترك أنفسنا إلى البيئة؟! إذا انتشر الوباء فما هو الحل؟ الحل هو: أنني آخذ مصلاً ولقاحاً مضاداً لهذا الوباء، أو أنني لا آخذ أي نوع من العلاج وما يجري على الناس يجري علي! ما الذي سيحصل عندئذ؟ يهلك الشخص ويموت، فإذاً: عندما يحصل الوباء يبدأ الإنسان يقوي جرعته الإيمانية، التي تستطيع أن ترد كيد الميكروبات أو الجراثيم أو الفيروسات التي تتكثف في هذا الجسد، وهكذا الجسد الإيماني أو الطبيعة الإيمانية في قلب العبد كوباء محيط بها، كل شيء مما حولك يريد أن يصل بك الأرض، سواء كان والداً أو زوجة أو جاراً أو كان في العمل، أو في البيئة أو في التلفاز، أو كان في المجلة.. سبحان الله! يعني: البيئة المحيطة كلها عبارة عن وباء، وأنت قد تصاب بها؛ لأن الإيمان مهزوز، فلابد من تقوية جانب الإيمان؛ كي تتغلب على هذه الأوبئة، لابد من التغلب عليها بتقوية الجسد، فكان العلماء الصالحون يعلموننا، ويقولون: يا ربنا! لا نسألك رفع البلاء، ولكن نسألك تقوية الظهر، يعني: البلاء موجود موجود، ولكننا يا ربنا لا نقول لك: أزل البلاء؛ لأن البلاء هو واقع بنا لا محالة، ولكننا نسألك أن تقوي ظهرنا، وتشرح صدورنا وتقوي إيماننا، اللهم قو إيماننا يا رب العالمين!

    ثانياً: كما قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه:

    إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي

    إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي

    أبو بكر يقول: تجمع علي إبليس ودنياي وهواي ونفسي، فإذا كان أبو بكر قد اجتمع عليه هؤلاء الأربع، فنحن من الذي اجتمع علينا؟!

    فعند أن هجم على أبي بكر هؤلاء الأربعة تقوى بطاعة الله عز وجل، فهزمهم، فماذا صنعنا نحن للأربعة التي هجمت علينا؟ سبحان الله، فإذا كان هؤلاء الأربعة ضد الصديق ، فكيف بضدنا نحن وهم أربعمائة.. أربعة آلاف.. أربعون ألفاً؟ أنا أكاد أجزم أنهم أكثر من أربعين مليون، فعلى هذا قلت: إنني أذهب لأصلي الفجر وأسمع درس الصبح، أقسم بالله أنني كنت مناطاً للاستهزاء، درس الفجر! والناس كلهم نائمون! وأنت لم تر الفيلم؟! لا، لم أره، لماذا؟ فماذا يكون الجواب لهذا؟ فإذا كنت يسخر منك الملايين من البيئة المحيطة بك، فهل سخرية الملايين تجعلك تتنازل عن الحق؟ وتجعلك تقول: لا، إنني مخطئ، ويجب علي مراجعة حساباتي.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله)، لابد أن هنالك طائفة تظل قائمة على أمر الله، لا يضرها من ضل، لا تنحني أبداً، إنما تسير على منهج الله عز وجل.

    إذاً: ما معنى الإحسان في الأحوال؟ في بعض الأيام تجد نفسك نشاطاً لقراءة القرآن، تظل تقرأ وترتل، ولا تريد أن تضيع وقتك، وفي أيام أخرى يفتح الله عليك فإذا بك تصلي نوافل، في أيام أخرى يفتح عليك في الصدقات، كلما تحصل على جنيه تتصدق به، وكلما تحصل على خمسة جنيه تتصدق بثلاثة جنيه، وكلما تحصل على عشرة جنيهات تتصدق بسبعة جنيهات، وفي أيام تجد عندك حنيناً إلى زيارة أبيك الله يرحمه؛ عمتك، وعمك، وابن عمك، وابنة عمك فتذهب لزيارتهم سبحان الله، وفي أحيان أخرى تجد الشفافية ورقة القلب في العزلة فتجلس بمفردك وتتأمل.. وتتأمل.

    إذاً: أريد أن أقول: إن الأحوال هي عبارة عن مفاتيح تفتح بها أبواب الطاعة، فعند أن يفتح لك باب الخير لا تتوانى؛ لاحتمال عدم فتح هذا الباب مرة أخرى، هذا هو الإحسان في الأحوال.

    ما هو الإحسان في الأوقات؟ الأوقات التي هي عمري الذي سيحاسبني الله عليه سواء شباباً أو شيبة، كل وقت له عمل، يعني: الأوقات لها أنواع من العبادات: إن لله عبادة بالنهار لا يقبلها بالليل، وله عبادة بالليل لا يقبلها بالنهار، فالوقت -وهو رأس مال الإنسان- لا يجوز أبداً أن يضيع.