إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (347)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الذبيحة عند وضع عتبات البيت

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: نعود مع مطلع هذه الحلقة إلى رسالة المستمع أحمد منَّ الله با بكر من قوات دوكا في السودان، أخونا عرضنا له سؤالاً واحداً في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة له بعض الأسئلة، فيسأل في أحدها ويقول: في قريتنا عادات أنا أشك كثيراً في صحتها شرعاً، فمثلاً: عندما يبني الرجل منزلاً جديداً وحين وضع العتب لابد أن يذبح ذبيحة يجعلونها كشيء واجب، ويقولون: الليلة يوم العتب، والعتب هو عبارة عن الأعواد التي توضع للشبابيك والأبواب، فهل هناك شيء إذا لم أقم بهذا العمل من الناحية الشرعية؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فهذا العمل منكر ولا يجوز، وكثير من الناس في بلدان كثيرة يقصد به الذبح للجن والسلامة من شرهم، ويقول: إن هذا يتقى به شر الجن، فلا يجوز فعل ذلك، ولو زعم صاحبه أنه ما قصد الجن؛ لأن تعاطي هذا الأمر على هذا الوجه عند التأسيس يدل على قصد سيئ، فالواجب الحذر من ذلك وترك ذلك، ولكن يستعين بالله ويسأله التوفيق ويدع العادات الجاهلية التي يفعلها أهل الجهل، وكانت هذه عادة قديمة في الذبح عند تأسيس البيوت للجن، يتقون بهذا شرهم بزعمهم، فإذا كان قصد الجن فهذا شرك أكبر وعبادة لغير الله نعوذ بالله، أما إذا كان فعله تقليداً لغيره ولم يقصد الجن فهذا بدعة ومنكر، لا يجوز.

    1.   

    كتابة أسماء الأولياء على العربات

    السؤال: ما هو رأي الشرع في الذين يكتبون على جنبات عرباتهم بعض العبارات، وما أكثرهم في بلدي مثل أن يقولوا: يا الشيخ التوم ودمباقا يا الشيخ الياقوت يا الشيخ المكاشفي ، علماً بأن هؤلاء كما يقولون أولياء الله وهم ميتون، وقبورهم عليها قباب وتزار للتبرك على حد زعمهم، وجهونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا العمل لا يجوز بل هو منكر بل هو شرك؛ لأن قصدهم التوجه إلى هؤلاء ليحفظوا سياراتهم وليحفظوا ركابهم، ولهذا يكتبون عليها: يا فلان يا فلان أو يا رسول الله أو يا علي أو ما أشبه ذلك، وكل هذا لا يجوز وكله من الشرك الأكبر؛ لأنه استغاثة بغير الله ولجأ إلى غير الله، ودعاء لغير الله، يقصدون من هذا أن يمدهم بما يسبب سلامة رحلتهم وسيرهم في الداخل أو في الخارج، فلا يجوز مثل هذا العمل.

    1.   

    علامات معرفة من هم أولياء الله

    السؤال: جزاكم الله خيراً أرجو تعريفاً كاملاً لأولياء الله ومن هم، وهل عندهم علامات مميزة، وهل تصح زيارتهم للتبرك وقضاء الحوائج سواءً كانوا أحياءً أم أموات، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أولياء الله هم أهل التقوى والإيمان، هم أهل الصلاح والاستقامة على دين الله، هم على ما جاء به رسوله عليه الصلاة والسلام، هؤلاء هم أولياء الله، وهم أهل التقوى وهم أهل الإيمان، كما قال الله سبحانه: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] ثم فسرهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] هؤلاء هم أولياء الله، هكذا في سورة يونس، وقال في سورة الأنفال: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34].

    فأولياء الله هم أهل التقوى هم أهل الإيمان هم الذين أطاعوا الله ورسوله واستقاموا على دين الله، وتركوا الشرك والمعاصي، هؤلاء هم أولياء الله، يجب حبهم في الله، ولكن لا يجوز دعاؤهم من دون الله ولا الاستغاثة بهم ولا البناء على قبورهم، هذا منكر، ولا البناء على قبور الأنبياء أيضاً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن من كان قبلكم -يعني: من الأمم- كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، رواه مسلم في الصحيح، فنهر الناس عن اتخاذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وحذرهم من ذلك، ولعن من فعل هذا، وروى مسلم في الصحيح عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه).

    فلا يبنى عليه قبة ولا غرفة ولا مسجداً بل يجب الحذر من ذلك، تترك القبور بارزة شامسة كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في البقيع، وفي غيره في الأرض الواضحة التي ليس فيها بناء يكون القبر بارزاً على الأرض قدر شبر ونحوه؛ حتى يعرف أنه قبر ولا يبنى عليه ولا يجصص، ولا يجعل عليه قبة ولا مسجد، كل هذا لا يجوز، وهذه القباب والمساجد التي توضع على القبور من أسباب الشرك، إذا رآها العامي معظمة بالقباب والمساجد وربما فرشوها وربما طيبوها، صار هذا من أسباب الشرك، بدعة يترتب عليها شرك أكبر نسأل الله العافية، فإن العامة إذا رأوا هذا العمل دعوها من دون الله واستغاثوا بها، وتمسحوا بها إلى غير ذلك.

    أما زيارة المؤمن ليسلم على أخيه، يعني: على قبره إذا كان ظاهراً بارزاً ليس فيه قبة ولا مسجد فلا بأس بل سنة، والنبي عليه السلام قال: (زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة)، فإن زار القبور ليسلم عليهم ويدعو لهم فهذا مشكور وهذه سنة، أما أن يزورهم ليدعوهم من دون الله أو يستغيث بهم أو يطلبهم المدد، فهذا شرك أكبر لا يجوز، كالذي يقول لصاحب القبر: المدد المدد، أو يا سيدي فلان! أغثني أو انصرني، أو اشف مريضي، أو أنا في جوارك، أو أنا في حسبك، هذا دعاء لغير الله وشرك بالله سبحانه وتعالى، فهذا من جنس عمل الجاهلية الأولى، أبي جهل وأشباهه.

    فالواجب على المسلمين أن يحذروا هذه الأمور وأن يتواصوا ويتناصحوا بتركها أينما كانوا، وأما الأحياء منهم إذا زارهم يسلم عليهم لحبهم في الله، فلا بأس يزورهم لحبهم في الله، لا للتبرك بهم، ولكن يزورهم .. يسلم عليهم ويعرف أحوالهم ويتذاكر معهم في الخير أو في العلم، كل هذا طيب، أو ليدعوا له ليستغفروا له لا بأس أيضاً. فإذا قال: استغفروا لي أو ادعوا لي لا بأس، أما أن يزوره لأجل الاعتقاد فيه أنه يدعى من دون الله، أو أنه يصلح أن يعبد من دون الله حياً وميتاً؛ لأنه ينفع أو يضر، أو لأنه يتصرف في الكون أو ما أشبه ذلك من اعتقاد الجهلة فهذا لا يجوز، يقول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188].

    فإذا كان صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وأفضل الخلق لا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً، ولا يعلم الغيب فكيف بغيره من الناس، فعلم الغيب إلى الله سبحانه وتعالى، وهو النافع الضار المعطي المانع جل وعلا، فليس لأحد أن يدعو غير الله بالأموات أو الغائبين أو الأشجار والأحجار أو الجن أو الملائكة، بل هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    وليس له أن يعتقد في أحد من المخلوقات أنه ينفع ويضر دون الله، أو أنه يصلح أن يعبد من دون الله ويدعى من دون الله، كل هذا اعتقاد باطل وكفر نسأل الله العافية، أما الحي الحاضر القادر يقول: يا أخي أعني على كذا لا بأس، حي حاضر تقول له: ساعدني على إصلاح سيارتي، على عمارة بيتي، على مزرعتي وهو قادر يسمعك ويستطيع أن يساعدك بما يسر الله لا بأس، هذه أمور جائزة فيما بين الناس، قال تعالى في قصة موسى : فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]؛ لأنه حي يسمع كلامه وموسى يقدر أن يغيثه، فلا بأس بهذا.

    أما دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات أو الغائبين، بأن يعتقد فيهم أنهم يسمعون دعاءه وينفعون أو يضرون، هذا هو الشرك الأكبر، وهذا عمل الجاهلية الأولى نسأل الله العافية، ولو قال: إني ما قصدت أنهم ينفعون أو يضرون، ولو قال: أقصد أنهم شفعاء عند الله، هذا شرك المشركين، المشركون ما قصدوا أنهم ينفعون ويضرون، بل أرادوهم شفعاء عند الله، وأرادوهم أن يقربوهم إلى الله، كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] قال الله سبحانه: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18] فسماه: شركاً، وقال سبحانه وتعالى في سورة الزمر: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] ما قالوا: إلا أنهم ينفعون أو يضرون لا قالوا: (ليقربونا إلى الله زلفى) هذه عقيدتهم يعلمون أن النافع والضار هو الله وحده، ولكنهم يطلبون من الأولياء أو من الأنبياء أو من الملائكة الشفاعة إلى الله ليعطيهم مطالبهم، ويزعمون أنهم شفعاء وأنهم يقربون إلى الله ولا يعتقدون أنهم يتصرفون في الكون أو ينفعون أو يضرون ليس هذا من اعتقاد الجاهلية، ومع هذا كفرهم الله وقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على شركهم هذا.

    فالواجب على كل من يدعي الإسلام أن يتبصر ويتفقه في دينه، وأن يحذر التعلق بأهل القبور، ودعاءهم من دون الله، والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم، وأن هذا هو شرك الجاهلية، كما يفعل هذا بعض الناس عند قبر السيد البدوي أو السيد الحسين أو الشيخ عبد القادر في العراق أو غيرهم، كل هذا شرك بالله لا يجوز، لا مع الحسين ولا مع البدوي ، ولا مع الشيخ عبد القادر الجيلاني ولا مع غيرهم من الناس، ولا مع ابن عربي في الشام ولا مع غيرهم.

    الواجب الإخلاص لله في العبادة؛ لأنه حقه سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] يعني: أمر وأوصى أن لا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، وقال جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] هذا أصل الدين وأساس الملة، وهذا أعظم واجب وأهم واجب أن تعبد الله وحده، بدعائك ونذرك وذبحك وصلاتك وصومك وغير ذلك.

    وقال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] والنسك: يطلق على الذبح وعلى العبادة، فكما أن الصلاة لله، هكذا الذبح لله، فالذي يذبح للجن أو يتقرب لأصحاب القبور أو الأشجار والأصنام بالذبائح هذا شرك بالله عز وجل، وهكذا دعاؤهم والاستغاثة بهم وطلب المدد مثل يقف على قبره: المدد المدد، أو يدعوه من قريب: يا سيدي البدوي أو يا سيدي الحسين المدد المدد ، أو يا سيدي عبد القادر المدد المدد، هذا الشرك الأكبر، هذا شرك بالله عز وجل وعبادة لغيره، قال سبحانه وتعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] و(أحداً) عام يعم الأنبياء وغيرهم، نكرة في سياق النهي تعم الأنبياء والملائكة والجن والإنس.

    وقال سبحانه وتعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين، وقال سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117] فسمى دعاة غير الله: كفاراً، ولو قالوا: ما نسميه إلهاً، ولو قالوا: نسميهم سادة أو نسميهم أولياء متى دعوهم واستغاثوا بهم فقد جعلوهم آلهة وإن لم يسموهم آلهة، فلا عبرة بالأسماء إنما العبرة بالحقائق، فالذي يعبده من دون الله ويستغيث به قد جعله إلهاً وإن لم يسمه إلهاً، وإن قال: هو السيد أو هو الولي أو هو كذا أو كذا بأسماء أخرى، والاعتبار في الأمور بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ.

    نسأل الله أن يهدي إخواننا .. جميع المسلمين، نسأل الله أن يرشد الجاهل إلى الحق والهدى وأن يكثر في المسلمين علماء الحق وعلماء الهدى؛ حتى يبصروا الناس وحتى يرشدوهم إلى توحيد الله، وإلى الحق الذي بعث الله به نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام.

    ونسأل الله أن يهدي الجاهل إلى أن يتعلم ويسأل ويتبصر ولا يرضى بالتقليد الأعمى، نصيحتي لجميع من يتصل بالقبور أو يدعو القبور أو يجهل أحكام الله، نصيحتي للجميع أن يسألوا علماء الحق علماء السنة أهل البصيرة يسألوهم مثل: أنصار السنة في مصر، مثل: شيخ الأزهر، مثل: علماء السنة في الشام في الأردن في أي مكان، علماء الحق المعروفين بالسنة والتوحيد والإخلاص والبصيرة، وهكذا في كل مكان في أفريقيا وفي أوروبا وفي أمريكا في كل مكان.

    الواجب على من جهل الحكم أن يسأل ولا يقدم على شيء على غير بصيرة، والله سبحانه يقول في كتابه العظيم: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] ويروى عنه عليه السلام أنه قال لقوم أفتوا بغير علم: (ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال)، وكان الصحابة يسألونه عليه الصلاة والسلام ويعلمهم ويجيبهم، حتى النساء يسألونه ويجيبهم، وقال له بعض النساء: (يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا يوماً نسألك ونتحدث إليك، فوعدهم وجمعهم في مكان وأتاهم وسألوه عن حاجاتهم) فالواجب على العلماء أن ينبسطوا للجهلة حتى يعلموهم، وأن يعتنوا بالكتاب والسنة وأن تكون الفتاوى من الكتاب والسنة لا من التقليد الأعمى، بل من كتاب الله العظيم وسنة رسوله الأمين، على العالم أن يتبصر من طريق الكتاب والسنة، وأن يعلم الناس على ضوء الكتاب والسنة، وأن يرشدهم إلى أحكام الله التي دل عليها كتابه العظيم وسنة رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام، وأن يحذر التساهل في هذه الأمور.

    رزق الله الجميع الهداية والتوفيق.

    1.   

    حكم التزوج ببنت رضعت أمها مع أخي الكبير

    السؤال: سنعود إلى رسالة أخينا في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى لنستكمل ما تبقى من أسئلتها، فننتقل الآن إلى رسالة وصلت إلى البرنامج من العراق وباعثها أحد الإخوة من هناك يقول: أنا عبد الكريم حسن مهدي من العراق، لي من الإخوان أربعة رجال وأربع نساء وأنا التاسع فيهم والصغير منهم، بنت عمي رضعت مع أخي الكبير وتزوجت شخصاً آخر وأنجبت بنتاً، هل يحق لي الزواج من هذه البنت أم لا، علماً بأن الناس يقولون: إذا كانت الرضاعة تمت عليهما سوياً فهما اللذان لا يحق لهما الزواج من بعضهما، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا كانت رضعت من أمك مع أخيك خمس رضعات أو أكثر في الحولين ولو في مجلس واحد أو في يوم واحد، فإنها تكون أختكم ولو أنها مع أخيك الكبير، تكون أختكم جميعاً، وليس لك أن تنكح ابنتها؛ لأنك خالها، أنت خال أولادها جميعاً وإن نزلوا خال أولادها وأولاد أولادها، إذا كانت هذه المرأة رضعت من أمك خمس رضعات أو أكثر، فإنها تكون أختاً لكم ولجميع أولاد أمك ولجميع أولاد أبيك صاحب اللبن، تكون أختاً لكم جميعاً إذا كانت رضعت خمس رضعات أو أكثر في الحولين، حال كونها طفلة في الحولين، وأولادها لا يجوز لك نكاح بنت منهم أنت خال أولادها الذكور والإناث جميعاً؛ لأنها صارت أختك من الرضاعة وصار أولادها أولاد أختك، وأنت خالهم، فليس لك أن تنكح من بناتها شيئاً، ولا من بنات بناتها ولا بنات أولادها وإن نزلوا، فأنت خالهم جميعاً وإن نزلوا.

    1.   

    الدجال.. فتنته ولغته حين خروجه

    السؤال: المستمعة (ع. ع. د. أ) من الرياض بعثت برسالة تسأل فيها عن المسيح الدجال عندما يظهر في آخر الزمان، هل هو يتكلم؟ وإذا كان يتكلم فبأي لغة، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: يكون في آخر الزمان وهو من بني آدم ويتكلم باللغة العربية على ظاهر الأحاديث الواردة في حقه أنه يتكلم بالعربية، ومعه خوارق تفتن الناس، معه نهر يزعم أنه نار ومعه نهر آخر يزعم أنه جنة، ويجرى على أيديه خوارق كثيرة ابتلاء وامتحاناً، ولهذا شرع الله لنا أن نتعوذ من فتنته في آخر كل صلاة، شرع لنا أن نقول: (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) وهو أعور العين اليمنى، مكتوب بين عينيه: (ك) و (ف) و (ر)، كافر يقرؤها كل مؤمن يكرهه، سواء كان عامياً أو قارئاً، وهذا من رحمة الله أن جعل علامة يعرفها المؤمن حتى لا يخدع به، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال)، فتنته عظيمة.

    فالواجب على من أدركه أن يحذره وأن لا يغتر به وأن يكذبه.

    1.   

    حكم من كان على أبيه دين ولم يعرف صاحبه ولا مقداره

    السؤال: المستمع (م. ن. س) من الصومال، ويعمل في المملكة، بعث برسالة يقول فيها: توفي والدي وأنا صغير السن، وبعد أن كبرت سمعت أن عليه ديناً، ولا أعلم مقدار هذا الدين ولا من هو صاحب الدين، كما أن الذي أخبرني عن هذا الدين توفي إلى رحمة الله تعالى دون أن أعرف منه صاحب الدين، فكيف أعمل لأبرئ ذمة والدي من هذا الدين الذي لا أعرف مقداره، ولا من هو صاحبه، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: لا يلزمك شيء يا أخي! ما دمت لا تعلم أهل الدين ولم يطالبك أحد، فلا يلزمك شيء والحمد لله، إلا إذا علمت ديناً بالبينة الشرعية ولوالدك تركة توفي من التركة، وإن كنت أوفيت من مالك جزاك الله خيراً، أما ما دام الأمر هكذا لا تعلم الدين ولا أهل الدين ولم يطالبك أحد فلا شيء عليك، والحمد لله.

    1.   

    حكم من وعد طفلاً بهدية فكبر الطفل ولم يعطه

    السؤال: يسأل أيضاً ويقول: عندما كنت أدرس القرآن على يد أحد المشايخ في بلدنا، وعدت ابنه وعمره خمس سنوات أن أحضر له دبابة، ثم سافرت إلى المملكة وانشغلت بالعمل وطالت المدة دون أن أفي بهذا الوعد، وكبر الطفل الموعود حتى أصبح رجلاً، فهل يجب علي الوفاء بهذا الوعد؟ وهل يكون كما وعدت كما نص عليه الوعد، أم بما يعادل قيمته من السلع التي تناسب سنه، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا أوفيت بالوعد يكون حسناً وطيباً، وإلا فالقواعد الشرعية في مثل هذا أنه لا يلزمك؛ لأن محله هو وقت الطفولة، والعادة في مثل هذا التسامح بين الناس، وإذا كان ما تيسر لك وقت الطفولة فلا حرج عليك والحمد لله، لكن إن أعطيته شيئاً وكتبت له وراسلته وأعطيته شيئاً في مقابل هذا الوعد فهذا حسن، من باب مكارم الأخلاق.

    1.   

    حكم إقامة صلاة الجمعة بأقل من أربعين شخصاً

    السؤال: رسالة بعث بها المستمع يسلم سالم عبودان الجابري من حضرموت يقول في أحد أسئلته: يوجد في قريتنا مسجد يتسع لحوالي أربعين شخصاً، وعدد سكان القرية لا يزيد عن اثني عشر شخصاً، ولهذا فنحن لا نصلي صلاة الجمعة في هذا المسجد، وإنما نذهب إلى مسجد آخر يبعد عنا بضعة كيلو مترات، والسبب هو عدم توفر أربعين شخصاً لقيام صلاة الجمعة، فهل يجوز قيام صلاة الجمعة بهذا العدد القليل وهو اثنا عشر شخصاً، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم يجوز في أصح أقوال العلماء، ينبغي لكم أن تقيموا الجمعة في محلكم، إذا كان عندكم إمام يصلح لذلك والحمد لله، إذا كان المسجد الذي يجمع فيه بعيداً عنكم وفيه مشقة، يعني: يبعد عنكم عدة كيلوهات تقيموا في قريتكم الجمعة والحمد لله، ولو كانوا خمسة ولو ستة وأقل ذلك ثلاثة، إذا كانوا ثلاثة مستوطنين أحرار مقيمين في القرية جاز لهم أن يجمعوا ولو أنهم ثلاثة أو أربعة، أما اشتراط أربعين فليس بصحيح بل هو قول ضعيف ومرجوح عند أهل العلم، فلا بأس ولا حرج عليكم أن تجمعوا في قريتكم وإن كنتم اثني عشر أو أقل من ذلك، ما لم تنقصوا عن ثلاثة هذا هو الصواب.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث...)

    السؤال: يسأل ويقول: يقول الله تعالى في كتابه الكريم وفي سورة الزمر: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ [الزمر:6] ما معنى الآية الكريمة؟ وما المقصود بالظلمات؟ جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: المراد كما قال أهل العلم: أنه يطورهم سبحانه خلقاً بعد خلق أطواراً، كما قال: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14] فهم ينقلون من طور إلى طور، من طور النطفة في الأربعين الأولى، إلى طور العلقة في الأربعين الثانية، إلى طور المضغة في الأربعين الثالثة، إلى حيوان يتحرك في بطن أمه وينمو، ثم بعد ذلك تلده إنساناً تاماً، ثم ينمو وهكذا.

    فالحاصل أنهم أطوار في الرحم، من نطفة إلى علقة إلى مضغة، ثم بعد المضغة تخليق سمع وبصر وأيدي وأرجل إلى غير ذلك، حتى يتم خلقه ثم تلده بإذن الله.

    والظلمات الثلاث بينها أهل العلم: ظلمة البطن هذه واحدة.

    وظلمة الرحم الذي فيه الجنين ثانية، وظلمة المشيمة وهي كساء يكون فيه الطفل تسمى: المشيمة، هذه ثلاث ظلمات، هو في كيس ثم في الرحم ثم في البطن ثلاثة أشياء ظلمة بعد ظلمة.

    1.   

    حكم العزاء بقراءة القرآن في المسجد وفي البيت وإهداء الفاتحة

    السؤال: يسأل الأخ ويقول: في بعض قرى ومدن محافظة حضرموت إذا مات شخص يقوم أقرب الناس له أو أسرته بعقد عزاء على روحه، وهو قراءة القرآن لمدة يوم أو ثلاثة أيام في المسجد للرجال، وفي البيت للنساء، ويتم الختام بقراءة الفاتحة إلى روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أجمعين، وإلى روح الأموات الذين لهم صلة قرابة بالمتوفى، كما يتم خلال ذلك توزيع القهوة والدخون على كل الحاضرين لهذا العزاء، ما حكم عملهم هذا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذا العمل بدعة وليس بمشروع أن تجمعهم بيوم أو ثلاثة أيام على هذه القراءة، ثم يختموا بالفاتحة للنبي صلى الله عليه وسلم، كل هذا لا أصل له، ولكن ليأتي المؤمن ويعزيهم ويدعو لميتهم بالمغفرة ولهم بالصبر والاحتساب والأجر ويكفي هذا، ولو صبوا له قهوة وطيبوه فلا بأس، أما التجمع الخاص في يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر، فيه قراءة خاصة ثم ختم بالفاتحة، كل هذا لا أصل له، ما كان يفعل في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه، بل نص أهل العلم على أن مثل هذا بدعة.

    فالمشروع للمؤمن في مثل هذا أن يأتي أخاه في البيت أو في الطريق أو في المسجد، ويقول: أحسن الله عزاءك وجبر الله مصيبتك، وغفر الله لميتك، والآخر يقول: جزاك الله خيراً، تقبل الله منك ونحو لك، ويكفي هذا والحمد لله.

    1.   

    حكم بقاء الزوجة عند زوج يصلي بعض الأوقات ويتركها أحياناً أخرى

    السؤال: المستمعة (م. م. ط) من الرياض، بعثت تسأل وتقول: زوجي يحافظ على الصلاة في بعض الأوقات، ويهملها في بعض الأوقات، وإذا خالط تاركي الصلاة تركها معهم، هل يجوز لي العيش معه؟ وكيف أعمل، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا كان زوجك يفعل هذا العمل فهو كافر نسأل الله العافية، الذي ما يصلي كافر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، والصلاة عمود الإسلام، من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ويقول في الصلاة عليه الصلاة والسلام: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون و هامان و قارون و أبي بن خلف) نسأل الله العافية، هؤلاء من كبار الكفار وصناديدهم نسأل الله العافية؛ لأنه إذا ضيعها من أجل الرياسة صار شبيهاً بفرعون، وإن ضيعها من أجل الوزارة صار شبيهاً بوزيره هامان ، وإن ضيعها بأسباب المال والشهوات وجلساء السوء صار شبيهاً بـقارون الذي خسف الله به وبداره الأرض، وإن ضيعها بأسباب التجارة والبيع والشراء صار شبيهاً بـأبي بن خلف تاجر أهل مكة الكفار فيحشر معه يوم القيامة.

    فالواجب عليك مغادرة البيت والذهاب إلى أهلك، ومعك أولادك وأنت أولى بأولادك؛ لأنه بهذا يكفر، لكن إن تاب ورجع وأناب فالحمد لله. والواجب الذي عليه هو أن يتوب إلى الله وأن يبادر بالتوبة، وأن يحذر جلساء السوء، لأن شرهم عظيم، فالواجب الحذر من مجالسة أهل السوء تراكي الصلاة، أو أصحاب الخمور والمعاصي، الواجب الحذر منهم، وعليه أن يبادر بالتوبة إلى الله، فيحافظ على الصلوات في الجماعة، ويتوب مما سلف منه وليس عليه قضاء ما سلف، عليه التوبة والندم والإقلاع والعزم الصادق أن لا يعود ويكفي هذا، وأنت زوجته، لكن إذا أبى التوبة ولم يرجع عن ما هو عليه من الباطل، فأنت تمتنعين منه حتى يتوب أو تذهبين إلى أهلك، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء.

    وقد حكاه التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي عن الصحابة جميعاً قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة، فالصلاة أمرها عظيم وهي عمود الإسلام، وقال عليه الصلاة والسلام: (من ترك صلاة العصر حبط عمله)، هذا مثال لترك صلاة العصر مع أن الناس قد يشغلون عنها بمجيئهم من أعمال ونحو ذلك، ومع هذا إذا تركها حبط عمله، فكيف بغيرها؟!

    فالمقصود أن تارك الصلاة ولو بعض الأحيان يكفر، وعليه التوبة إلى الله والرجوع إلى الله، ومن تاب تاب الله عليه.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.