إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (300)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الذكر بالسبحة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: نعود مع مطلع هذه الحلقة إلى رسالة وصلت إلينا من -السودان- الخرطوم وباعثها مستمع من هناك رمز إلى اسمه بالحروف (خ. ع. ص. ب)، أخونا عرضنا جمعاً من أسئلته وبقي له في هذه الحلقة بعض الأسئلة في أحدها يقول:

    أنا أسبح بالسبحة في غير أوقات الصلاة، ليس لأنني أعتقد أن لها فضلاً على اليد إنما لأنها تجذبني وتجعلني أذكر الله بكثرة، مثلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر) فلا أستطيع حساب ذلك إلا بالسبحة وجهوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالتسبيح بالأصابع أفضل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعد التسبيح والتحميد والتكبير بأصابعه عليه الصلاة والسلام، وكان يأمر أن تعد هذه الأذكار بالأنامل عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الأفضل للمؤمن والمؤمنة أن يعد الأذكار بالأصابع، وإن عدها بالنوى أو بالحجر أو بغير ذلك أو بالسبحة فلا بأس، قد روي عن كثير من السلف أنهم كانوا يعدون بالنوى وبغير ذلك من أنواع ما يعد به، فلا حرج في ذلك ولكن الأفضل أن يكون العد بالأصابع وإذا فعل هذا في بيته بالنوى أو بالسبحة أو غير ذلك فلا حرج في ذلك، ولكن في المساجد وبين الناس الأفضل له والمتأكد في حقه أن يعد بالأصابع، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم،ولأن هذه المسبحة معه في المساجد وغيرها قد يفضي إلى الرياء.

    فينبغي له ترك ذلك، وأن تكون المسبحة وغيرها مما يعد به في البيت، تعينه على الذكر لا حرج في ذلك، ولكن مهما كان فعده بالأصابع أفضل، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وأوصي إخواني بالعناية بالذكر صباح ومساء فإن الأمر عظيم والفائدة كبيرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب -يعني: يعتقها- وكتب الله له مائة حسنة، ومحا عنه مائة سيئة، وكان في حرز من الشيطان في يومه ذاك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجلاً عمل أكثر من عمله).

    هذا فضل عظيم، فأنا أوصي كل مؤمن وكل مؤمنة بأن يأتي بهذا الذكر كل يوم وإذا كان في أول الصباح كان أفضل حتى يحصل له هذا الخير العظيم في جميع النهار، يقول صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) جاء في رواية أخرى: (يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة، ومحا عنه مائة سيئة، وكان في حرز من الشيطان في يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجلاً عمل أكثر من عمله) متفق على صحته.

    وقال: (من قال: سبحان الله مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) متفق عليه.

    وفي رواية مسلم : (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة) وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح (سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر).

    هذا فضل عظيم، فينبغي للمؤمن أن يحرص على هذا سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة صباحاً ومساء، يأتي بلا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة في النهار، في أول النهار أو في أثنائه كله خير، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام (من قال: لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) متفق على صحته.

    هذا فضل عظيم، ينبغي للمؤمن أن يكثر من هذه الأذكار العظيمة لما فيها من الفائدة، وقال عليه الصلاة والسلام (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) متفق على صحته.

    فهاتان الكلمتان لهما شأن عظيم، فينبغي الإكثار منهما في ليلك ونهارك وفي الطريق وفي كل وقت.

    ودخل يوماً على بعض أزواجه عليه الصلاة والسلام، وهي في مصلاها بعد صلاة الفجر دخل عليها الضحى فقال: (مازلت في مصلاك من اليوم قالت: نعم، قال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته).

    هذه الكلمات الأربع يكررها الإنسان ثلاث مرات أو في الليل أو في النهار في الطريق في أي وقت، يقول صلى الله عليه وسلم لإحدى زوجاته: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم يعني: من الصباح إلى ارتفاع الضحى لوزنتهن).

    سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه -هذه واحدة- سبحان الله رضا نفسه -ثنتين- سبحان الله زنة عرشه -ثلاث- سبحان الله مداد كلماته -أربع هذه الرابعة -.

    ينبغي للمؤمن والمؤمنة تكرار هذا والإتيان به: (سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته)، فضل عظيم وخير كثير، نسأل الله للجميع التوفيق.

    1.   

    حكم إعفاء اللحية وقص الشارب

    السؤال: يسأل أخونا سؤالاً مطولاً حول سنة إعفاء اللحية، فيقول: سماحة الشيخ! هل ثبت عن رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى) وهل معنى هذا أن نترك اللحية تنمو وتكبر ولا نحلق أو نقص منها أي شيء، فإن كان ذلك هو الحال فإنها ستصبح غزيرة لدرجة كبيرة، وحدثونا عن الشارب هل يقص من الأطراف أم من الوسط أم من جميع أجزائه أم يترك، وما هو الحال بالنسبة للمنطقة الوسطى التي بين الشارب واللحية؟

    الجواب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في البخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد القرآن، هذان الصحيحان صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل ثبت فيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين) من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين)، وفي اللفظ الآخر: (قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين)، وفي الآخر: (أحفوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين).

    وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس) فهذه الأحاديث الصحيحة كلها تدل على وجوب إعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها وعدم قصها أو حلقها، ولو طالت، الواجب علينا السمع والطاعة لنبينا عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54] عليه الصلاة والسلام.

    ويقول الله جل وعلا: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] ويقول سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] يعني: المخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في خطر عظيم، وذلك أن المخالف قد يصاب بالفتنة وهي الشرك -والعياذ بالله- أو بعذاب أليم في الدنيا أو في الآخرة بسبب المخالفة، وقال جل وعلا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] وقال جل وعلا: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14].

    وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله! من يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان - البخاري ومسلم -: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني) يعني: في المعروف، الأمير يطاع في المعروف لا في المعصية، كما في الأحاديث الأخرى: (إنما الطاعة في المعروف) والشوارب تقص: (قصوا الشوارب) وتحف: (أحفوا الشوارب) جميعها أطرافها ووسطها، فالواجب قصها جميعها أو حفها جميعها ما هو بالأطراف فقط يخلي الوسط أو الوسط ويخلي الأطراف كفعل المجوس، الواجب قصها.

    قال أبو محمد بن حزم -في كتابه المحلى المعروف-: اتفق العلماء على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، يعني: واجب على المسلمين، حكى إجماع العلماء على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض؛ لأن الأوامر جاءت بذلك، فالواجب على المؤمن أن يمتثل.

    أما العنفقة التي تحت الشفة السفلى فهذه تبع اللحية، العنفقة، يقال لها: العنفقة، الشعيرات التي تحت الشفة السفلى هذه تابعة للحية، وأما الشارب فهو كل ما كان على الشفة العليا هذا يقال له: شارب.

    والواجب إحفاؤه أو قصه كما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يحلق، الأفضل أن لا يحلق يقص قصاً، وفق الله الجميع.

    1.   

    حكم الغيبة بالقلب دون اللسان

    السؤال: نعود إلى رسالة إحدى الأخوات من مكة المكرمة وقد رمزت إلى اسمها بالحروف (أ. م. د) أختنا عرضنا بعض أسئلتها في حلقة مضت وفي هذه الحلقة تسأل: عن حكم الغيبة بالقلب؟

    الجواب: القلب لا يترتب عليه شيء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم) فما كان في القلب من كونه يهوجس إن فلان كذا فلان بخيل فلانة سيئة الأخلاق، فلانة بخيلة ما يضر في القلب، وإذا تركها لله كتب الله له حسنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا هم العبد بالسيئة ثم تركها من أجل الله كتبها الله له حسنة)، فإن تركها غفلة عنها أو شغلاً عنها لم تكتب عليه، مجرد الهم لا يكتب عليه؛ لأنه من عمل القلب، لكن متى هم وعمل سيئة كتبها الله سيئة، فإن هم ولم يعمل لم تكتب عليه، فإن تركها من أجل الله كتبها الله له حسنة، وهذا فضله سبحانه وتعالى وجوده وكرمه.

    1.   

    الخشوع في الصلاة

    السؤال: تقول: إنني ولله الحمد أصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، ولكني في أغلب الأحيان لا أشعر بخشوع وخضوع في الصلاة، فبماذا تنصحوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أنصحك بأن تجتهدي في طلب الخشوع، يقول الله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] فعليك أن تجتهدي في طلب الخشوع باستحضار عظمة الله وأنك بين يديه، وأن هذه الصلاة عمود الإسلام وأن الخشوع من كمالها وتمامها، فاستحضري هذا عند دخولك في الصلاة، استحضري أنك بين يدي الله، بين يدي الرب العظيم الذي خلقك من العدم وغذاك بالنعم، وأوجب عليك الصلاة، استحضري هذا الرب العظيم، وأن الواجب الخضوع له وأن تؤدى هذه العبادة في غاية من الكمال والتمام الذي أمر الله به، حتى تخشعي حتى يخضع قلبك حتى يطمئن، حتى يخشع لله، حتى يبكي من خشيته، استحضري عظمة الله وكبرياءه وأنه ربك وإلهك وأن هذه الصلاة عمود الإسلام، وأنك كلما خشعت فيها زاد أجرك وزاد ثوابك ومتى جاهدت نفسك حصل الخير كله ولكن لا يضر الصلاة صحيحة، ولو كان فيها بعض النقص بسبب عدم الخشوع الكامل، لكن لا يضر الصلاة، الصلاة صحيحة إنما ينقص الأجر كلما زاد الخشوع زاد الأجر، وكلما ضعف الخشوع ضعف الأجر، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليقوم في الصلاة لا يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ثمنها إلا تسعها إلا عشرها).

    بسبب الخشوع وعدمه، كلما زاد الخشوع زاد الأجر، وكلما نقص الخشوع نقص الأجر، والصلاة مجزئة وفق الله الجميع.

    المقدم: اللهم أمين جزاكم الله خيراً.

    1.   

    حكم دخول الحائض والجنب المسجد

    السؤال: تسأل وتقول: هل يجوز للحائض دخول المسجد وإذا كان الدم قد انقطع عنها ولكنها لم تغتسل بعد فما الحكم؟

    الجواب: إذا كان الدخول لحاجة كأن تأخذ حاجة من المسجد، تأخذ سجادة أو عصا أو نعلين أو أي حاجة من المسجد لا بأس، أما الجلوس فيه لا تجلس؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة : (ناوليني الخمرة - الحصير الذي يصلي عليه سجادة- قالت: يا رسول الله! إني حائض قال: إن حيضتك ليست في يدك) فأمرها بالدخول وأخذ الخمرة يعني: الحصير وهي حائض، وقال الله جل وعلا في هذا المعنى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] فالجنب كالحائض لا يدخل المسجد إلا عابر سبيل لا يجلس، فأذن الله في عابر السبيل الذي يمر مروراً ويأخذ حاجة ويمر، سواءً من الجنب أو حائض أو نفساء، أما الجلوس لا، جاء في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) يعني: الجلوس فيه، ولهذا قال سبحانه: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43].

    1.   

    أهمية مبادرة الآباء بتزويج البنات والأبناء

    السؤال: تسأل وتقول: بعض الآباء إذا تقدم لبناتهم خاطب لا يزوجونه بحجة أن الفتاة لا تزال صغيرة، أو لأنها لا تحسن أعمال المنزل، فهل من كلمة إلى مثل هؤلاء الآباء؟

    الجواب: نعم وصيتي للآباء ولجميع الأولياء من إخوة وبني إخوة وأعمام نوصي الجميع بأن يتقوا الله في مولياتهم من البنات والأخوات وبنات الأخ وبنات العم، نوصي الجميع بأن يتقوا الله فيهن وأن يحرصوا على تزويجهن متى جاء الخاطب الكفء، ولو كانت غير متعلمة تتعلم عند زوجها ما دامت أهلاً للزواج وتتحمل الزواج، بنت خمسة عشر.. بنت ستة عشر.. بنت سبعة عشر فأكثر تتحمل وتقوى على الزواج، فالواجب أن يجاب الخاطب بمشورتها ورضاها، تستشار وإذا سكتت وهي بكر كفى ذلك، النبي عليه السلام قال: (إذنها سكوتها)، أما إن كانت ثيبا -يعني: قد تزوجت- فلابد من الإذن اللفظي تقول: نعم، لا بأس.

    والواجب على الولي أن يتقي الله وأن يحرص على تزويج الفتاة فإن جلوسها بدون زوج فيه خطر عليها، فلا يجوز التساهل في هذا الأمر، والواجب على الآباء أيضاً الحرص على تزويج الأبناء إذا قدروا على ذلك، لأن جلوس الولد بغير زواج فيه خطر عظيم، فالواجب على الأب أن يزوجه وأن يجتهد في تزويجه ولو تساهل الولد يلزمه بالزواج يجاهده حتى يتزوج حتى يسلم من الفتنة؛ لأن الزواج برحمة الله وبفضله من أسباب السلامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج -يعني: المئونة- فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) فأمر صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج وقال: إنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وهذا يعم الفتاة والذكر، يعم الشباب من الذكور والإناث.

    فالواجب على الآباء وغيرهم أن يعتنوا بتزويج بنيهم وإخوتهم إذا تأهلوا للزواج وقدروا على تزويجهم من أموالهم أو من أموال المزوجين، بحيث لا يتساهلون بهذا، إن كان ابنه غنياً جاهده حتى يتزوج، وإن كان فقيراً زوجه من ماله إذا كان الولي غنياً، وهكذا البنت إذا خطبها الكفء زوجها، وإذا تيسر يخطب لها هو يلتمس، هذا طيب كونه يلتمس هو من الشباب الطيبين يقول: يا فلان! أنا عندي بنت أحب أن أزوجك إياها، أو عندي أخت فإذا وافق الحمد لله، عمر وهو أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وبعد نبي الله بعد الأنبياء وبعد الصديق خطب لبنته حفصة لما خرجت من عدة زوجها الذي مات عنها، عرضها على عثمان وعرضها على الصديق لفضلهما، فـعثمان اعتذر والصديق سكت لأنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم له رغبة فيها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حفصة ، فكون الإنسان يخطب لابنته أو لأخته ليس فيه نقص بل هو مشكور ومأجور إذا التمس لها الزوج الصالح، فإذا جاء الزوج الصالح وخطب فالواجب البدار إلى إجابته ولا يؤخر ذلك، لأن البنت كذا أو لأنه فقير أو وظيفته ما هي بكبيرة، فالرزق عند الله، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

    ولا سيما في عصرنا هذا عصر الفتن وعصر الانحراف، فالواجب الحذر من التساهل والواجب البدار بتزويج البنين والبنات إذا خطب البنات الأكفاء وتيسر الكفء ولو أن تخطب أنت لها، ولو أن تلتمس لها أنت، وهكذا بنوك وإخوتك وبنو أخيك تحرص على تزويجهم بالكلام والمشورة والنصيحة، وبالمال إذا كانوا فقراء حسب طاقتك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) متفق على صحته.

    حديث عظيم يقول صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) فإذا كنت في حاجة أخيك في الزواج أو أختك أو بنتك فأنت على خير عظيم، أو أخيك أو ابن أخيك، ويقول جل وعلا: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] فالتعاون على الزواج من التعاون على البر والتقوى، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    التعريف بكتاب رياض الصالحين

    السؤال: تسأل أختنا مع من يسأل عن كتاب رياض الصالحين؟

    الجواب: رياض الصالحين كتاب عظيم نفع الله به الأمة، والظاهر -والله أعلم- أن مؤلفه ألفه عن نية صالحة رحمة الله عليه، وعن قصد صالح ولعله سأل الله عز وجل فأجاب الله دعوته أن ينفع به العباد فنفع الله به العباد، فكل بلاد تستعمل هذا الكتاب فيما بلغنا يدرسونه في البيوت وفي المساجد وينتفع به الناس، فهو كتاب عظيم والحديث الضعيف فيه قليل، فهو كتاب ننصح بقرءاته في المساجد وفي المجالس لما فيه من الفائدة الكبيرة، نسأل الله أن يعفو عن مؤلفه وأن يضاعف مثوبته وأن ينفع بهذا الكتاب المسلمين كما نفع به سابقاً.

    1.   

    التعريف بكتاب الدعاء المستجاب

    السؤال: أيضاً تسأل عن كتاب الدعاء المستجاب ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: كتاب الدعاء المستجاب كتاب فيه أحاديث ضعيفة وموضوعة لا ننصح به، بل ننصح بتركه وعدم الاعتماد عليه.

    1.   

    حكم قول القائل: الزواج قسمة ونصيب

    السؤال: أحد الإخوة من جمهورية مصر العربية بعث برسالة يسأل فيها عن قول الناس: إن الزواج قسمة ونصيب، هل هناك مجال للاختيار سماحة الشيخ، وبم توجهون الناس الذين يقولون مثل هذا الكلام؟

    الجواب: كل الأشياء قسمة ونصيب، كلها بأمر الله، كلها بإذن الله، كلها مقدرة، قدر الله الزواج وقدر الأولاد وقدر كل شيء من أعمال العباد، يقول جل وعلا: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء) سبحانه وتعالى، كل شيء مقدر، ولكن لا يمنع من تعاطي الأسباب، أنت مأمور بالأسباب، مأمور بأن تتزوج وتلتمس الفتاة الصالحة، تلتمس الأسباب، أسباب الرزق من زراعة من تجارة من نجارة حدادة خياطة غير ذلك، أنت مأمور بالأسباب وكله بقدر، إذا زرعت الأرض فهو بقدر، إذا تزوجت فهو بقدر، إذا جاء لك ولد فهو بقدر، إذا كنت تستعمل النجارة فهو بقدر، الحدادة بقدر، كونك بناء عاملاً بقدر، كل شيء بقدر، فعليك أن تعمل الأسباب وتحرص تجتهد في طلب الرزق وفي فعل الخيرات والله جل وعلا هو الموفق الهادي، تسأل ربك الإعانة والتوفيق، فإذا صليت مع الجماعة فهو بقدر وإذا تعلمت القرآن وحفظته فهو بقدر، وإذا تعلمت العلم فهو بقدر، وإذا سلمت على فلان فهو بقدر، وإذا رددت السلام عليه فهو بقدر، وإذا زرت أخاك في الله فهو بقدر، وإذا عدت المريض فهو بقدر وهكذا كل شيء بقدر، لكن أنت مأمور بتعاطي الأسباب النافعة، والحذر من الأسباب الضارة، أنت مأمور بهذا والله الموفق والهادي سبحانه وتعالى.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نسأل الله ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، شكراً لسماحته، وأنتم يا مستمعي الكرام! شكراً لحسن متابعتكم وإلى الملتقى وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.