إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (275)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم تقسيم البدعة على الأحكام الخمسة

    ====

    السؤال: أولى الرسائل وردت من جمهورية السودان من محمد أحمد عبد الحكم من منطقة الكاملين، يقول في رسالته هذه، والتي ضمنها عدداً من الأسئلة: فسر الشيخ النووي رحمه الله في شرحه موضوع البدعة إلى خمسة أقسام: الأول: بدعة واجبة ومثالها نظم أدلة المتكلمين على الملاحدة، الثاني: المندوبة مثالها تصنيف كتب العلم، الثالث: المباحة مثالها التبسط في ألوان الطعام، الرابع والخامس: الحرام والمكروه وهما واضحان، السؤال: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) أرجو توضيح ذلك مع ما يقصده الشيخ النووي رحمه الله، بارك الله فيكم؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فهذا الذي نقلته عن النووي في تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام قد ذكره جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن البدعة تنقسم إلى أقسام خمسة: واجبة، ومستحبة، ومباحة، ومحرمة، ومكروهة.

    وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن البدعة كلها ضلالة وليس فيها تقسيم، بل كلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ضلالة، قال عليه الصلاة والسلام: (كل بدعة ضلالة) هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، منها ما رواه مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فيقول في خطبته: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)، وجاء في هذا المعنى عدة أحاديث من حديث عائشة ومن حديث العرباض بن سارية وأحاديث أخرى، وهذا هو الصواب أنها لا تنقسم إلى هذه الأقسام التي ذكر النووي وغيره بل هي كلها ضلالة، والبدعة تكون في الدين لا في الأمور المباحة، فالتنوع في الطعام على وجه جديد لا يعرف في الزمن الأول لا يسمى بدعة من حيث الشرع، وإن كان بدعة من حيث اللغة؛ لأن البدعة في اللغة هو المحدث على غير مثال سابق كما قال عز وجل: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117] يعني مبتدعها وموجدها على غير مثال سابق، لكن لا يقال: بدعة إلا لما كان في التعبد في الأعمال الشرعية، فهذا كله يقال فيه: ضلالة، ما يقال فيه: إنها أقسام واجب وسنة إلى آخره، هذا هو الحق وهذا هو الصواب الذي ارتضاه جماعة من أهل العلم وقرروه وردوا على من خالف ذلك، وكذلك تأليف الكتب وتنظيم الأدلة للرد على الملحدين والخصوم ما يسمى بدعة، هذا مما أمر الله به ورسوله، فهو طاعة لله وليس ببدعة، فالكتاب العزيز جاء بالرد على الخصوم، لأعداء الله بآيات عظيمات، وجاءت السنة بذلك أيضاً للرد على خصوم الإسلام، وهكذا المسلمون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا اعتنوا بالرد على خصوم الإسلام بما ظهر لهم من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأوضحوا الأدلة ونوعوها، وكل هذا لا يسمى بدعة في الشرع بل هو قيام بالواجب وجهاد في سبيل الله وليس ببدعة في حكم الشرع، وهكذا بناء المدارس والربط والقناطر وغير هذا مما ينفع المسلمين لا يسمى بدعة من حيث الشرع، بل هو أمر مأمور به؛ لأن الشرع أمر بالتعليم، فالمدارس تعين على التعليم، وكذلك ما يتعلق بالربط للفقراء أمر بالإحسان إلى الفقراء والمساكين فإذا بني لهم مساكن تسمى الربط فهذا مما أمر الله به، وهكذا القناطر على الأنهار كل هذا مما ينفع المسلمين وليس ببدعة بل هو أمر مشروع، تسميته بدعة إنما يكون من جنس ما تقدم من حيث اللغة العربية، كما قال عمر رضي الله عنه في التراويح لما جمع الناس على إمام واحد يصلي بهم التراويح كل ليلة قال: نعمت البدعة. هذه يعني من حيث اللغة، وإلا فالتراويح سنة مؤكدة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليها ورغب فيها فليست بدعة بل هي سنة، ولكن سماها عمر بدعة من حيث اللغة، أنها فعلت على غير مثال سابق؛ لأنهم كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعاً في المسجد ليسوا على إمام واحد، هذا يصلي مع اثنين، وهذا يصلي مع ثلاثة، وهذا يصلي مع أكثر، وصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ليالٍ ثم ترك، وقال: (إني أخشى أن تفرض عليكم صلاة الليل) فتركها خوفاً على أمته من أن تفرض عليهم، فالحاصل أن قيام رمضان سنة مؤكدة وليس بدعة من حيث الشرع وإن سماه عمر رضي الله عنه بدعة من حيث اللغة.

    والخلاصة أن الصواب أن كل ما أحدثه الناس في الدين مما لم يشرعه الله فإنه يسمى بدعة وهي بدعة ضلالة ولا يجوز فعلها، ولا يجوز تقسيم البدع إلى واجب وإلى سنة وإلى مباح إلى آخره، هذا خلاف القاعدة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا خطر، كأن القائل يرد على النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة)، وهذا يقول: لا، بل هي أقسام، هذا خطر عظيم.

    فالواجب على أهل العلم أن يتأدبوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يحذروا الشيء الذي قد يخدش في حق من فعل ما يخالف السنة، وإن كان العلماء رحمة الله عليهم الذين قالوا ذلك لم يقصدوا الرد على الرسول صلى الله عليه وسلم، يحميهم الله من ذلك ما قصدوا هذا، ولكن قد يحتج بذلك عليهم من يظن بهم السوء من أعداء الله، وقد يظن ذلك بعض الجهلة.

    فالحاصل أن التقسيم إلى بدعة مستحبة وواجبة إلى آخره ليس هو الصواب بل الصواب خلافه.

    1.   

    الجمع بين حديث: (أبي وأبوك في النار) وبين ما ورد في أهل الفترة

    السؤال: صاحبنا محمد عبد الحكم يسأل أيضا ويقول: قال الله تعالى في كتابه الكريم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن والديه في النار، السؤال: ألم يكونا من أهل الفترة، وأن القرآن صريح بأنهم ناجون أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون، إنما قال الله جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحداً إلا بعد بعث الرسول، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة، أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة، والحجة قد تقوم عليهم حتى يوم القيامة كما جاء في السنة أنها تقام الحجة على أهل الفترات ويمتحنون يوم القيامة فمن أجاب وامتثل نجا ومن عصى دخل النار، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أبي وأباك في النار) لرجل سأله عن أبيه قال: (إن أباك في النار)، فلما رأى ما في وجهه من التغير قال: (إن أبي وأباك في النار) حتى يتسلى بذلك وأنه ليس خاصاً بأبيه، ولعل هذين بلغتهما الحجة، لعل أبا الرجل وأبا النبي صلى الله عليه وسلم بلغتهما الحجة، النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن أبي وأباك في النار) إنما قاله عن علم عليه الصلاة والسلام، هو لا ينطق عن الهوى، قال الله سبحانه:وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى *وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:2-3]، وإنما قال ذلك عن علم عن الله عز وجل، فلولا أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم قد قامت عليه الحجة لما قال في حقه النبي ما قال عليه الصلاة والسلام، فلعله بلغه ما يوجب عليه الحجة من جهة دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنهم كانوا على ملة إبراهيم حتى أحدث ما أحدث عمرو بن لحي الخزاعي ، وسرى في الناس ما أحدثه عمرو من بث الأصنام ودعوتها من دون الله، فلعل عبد الله كان قد بلغه ما يدل على أن هذا باطل وأن ما عليه قريش من عبادة الأصنام باطل فتابعهم؛ فلهذا قامت عليه الحجة، وهكذا ما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، فاستأذن أن يزورها فأذن له، فكونه لم يؤذن له أن يستغفر لأمه هو من هذا الباب؛ لعله لأنه بلغها ما يقيم عليها الحجة، أو لأن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في أحكام الدنيا فلا يدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم في ظاهر الكفر، ظاهرهم مع الكفرة فيعاملون معاملة الكفرة وأمرهم إلى الله في الآخرة، فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يمتحن يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فإذا علم أن أناساً كانوا في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا صاروا إلى الجنة، وإن عصوا صاروا إلى النار، وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم والأطفال يمتحنون -أطفال الكفار على الصحيح- لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عنهم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، فإن أجابوا جواباً صحيحاً نجوا وإلا صاروا مع الهالكين، فليس بحمد الله في حق أبوي النبي صلى الله عليه وسلم إشكال على من عرف السنة وقاعدة الشرع.

    1.   

    فضل تعلم القرآن والسنة

    السؤال: له سؤال ثالث أيضاً يقول فيه: وردت الأدلة على الأجر في قراءة القرآن الكريم، فهل هناك أجر في قراءة الأحاديث النبوية أفيدونا بارك الله فيكم؟

    الجواب: نعم، قراءة العلم كلها فيها أجر، تعلم العلم وطلب العلم من طريق القرآن من طريق السنة فيها أجر عظيم، فالعلم يؤخذ من الكتاب ويؤخذ من السنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وجاء في قراءة القرآن أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة) رواه مسلم ، وقال ذات يوم عليه الصلاة والسلام: (أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان -وادٍ في المدينة يقال له: بطحان- فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله! قال: لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين وثلاث خير من ثلاث، ومن أربع ومن أعدادهن من الإبل) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على فضل تعلم القرآن وقراءة القرآن، وحديث ابن مسعود : (من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها).

    هكذا السنة إذا تعلمها المؤمن، قرأ الأحاديث ودرسها يكون له أجر عظيم؛ لأن هذا من تعلم العلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فهذا يدل على أن دراسة العلم وحفظ الأحاديث والمذاكرة فيها من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، هكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه، فالتفقه في الدين يكون من طريق الكتاب ويكون من طريق السنة، فالتفقه في السنة من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيراً، كما أن التفقه في القرآن دليل على ذلك، والأدلة في هذا كثيرة والحمد لله.

    1.   

    حكم الغلو في الصالحين وبناء القباب على القبور

    السؤال: أخيراً يقول هذا السائل: عندنا من مشايخ الصوفية من يهتم بصنع القباب والأضرحة، والناس يعتقدون فيهم الصلاح والبركة، فإن كان هذا الأمر غير مشروع فما هي نصيحتكم لهم وهم قدوة في نظر السواد الأعظم من الناس، أفيدونا بارك الله فيكم؟

    الجواب: النصيحة لعلماء الصوفية ولغيرهم من أهل العلم أن يأخذوا بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يعلموا الناس ذلك، وأن يحذروا اتباع من قبلهم فيما يخالف ذلك، فليس الدين بتقليد المشايخ ولا غيرهم، وإنما الدين ما يؤخذ عن كتاب الله وعن سنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعما أجمع عليه أهل العلم، وعن الصحابة رضي الله عنهم، الدين هكذا يؤخذ لا عن تقليد زيد وعمرو، وقد دلت السنة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على أنه لا يجوز البناء على القبور ولا اتخاذ المساجد عليها، ولا اتخاذ القباب ولا أي بناء، كل ذلك محرم بنص الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا، وفي الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما أنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الذين يتخذون المساجد على القبور هم شرار الخلق، وهكذا من يتخذ عليها الصور لأنها دعاية للشرك، اتخاذ المساجد والصور على القبور والقباب دعاية إلى الشرك؛ لأن العامة إذا رأوا هذا عظموا المدفونين واستغاثوا بهم ونذروا لهم، ودعوهم من دون الله، وطلبوا منهم المدد والعون، وهذا هو الشرك الأكبر، وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه فيما خرجه مسلم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) هكذا رواه مسلم في الصحيح، فدل ذلك على فضل الصديق رضي الله عنه، وأنه أفضل الصحابة وخيرهم، وأنه لو ساغ للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ خليلاً لاتخذه خليلاً رضي الله عنه، ولكن الله جل وعلا منعه من ذلك حتى تتمحض محبته لربه سبحانه وتعالى فإن الخلة أعلى المحبة، وفي الحديث دلالة على تحريم البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها وعلى ذم من فعل ذلك، من جهات ثلاث:

    الأولى: ذمه من فعل ذلك.

    الثانية: قوله: (فلا تتخذوا القبور مساجد).

    الثالثة: قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك). فحذر من البناء على القبور من هذه الجهات الثلاث، يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يعني فلا تتبعوهم بهذا، لا تقتدوا بهم، ثم قال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد)، يعني لا تأسوا بهم، (فإني أنهاكم عن ذلك) هذا شيء صريح، والعلة والحكمة في ذلك كما قال أهل العلم أنه وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، إلى عبادة أهل القبور، فصرف الدعاء والاستغاثة والنذور والذبائح لهم وطلب منهم المدد والعون كما هو واقع الآن في بلدان كثيرة، عند السائل في السودان، وفي مصر، وفي الشام، وفي العراق، وفي بلدان كثيرة، يأتي الرجل العامي الجاهل فيقف على صاحب القبر المعروف عندهم فيطلبه المدد والعون والغوث كما يقع عند قبر البدوي والحسين والست نفيسة وزينب وغير ذلك في مصر، وكما يقع عندكم في السودان عند قبور كثيرة، وكما يقع في بلدان أخرى، وكما يقع من بعض الحجاج الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وعند قبور أهل البقيع، وعند قبر خديجة في مكة وقبور أخرى، يقع هذا من الجهال وهم يحتاجون إلى تبصير وإلى بيان وإلى عناية من أهل العلم.

    فالواجب على أهل العلم جميعاً سواء كانوا منسوبين للصوفية أو غيرهم، الواجب على العلماء جميعاً على علماء الشريعة أن يتقوا الله، وأن ينصحوا عباد الله، وأن يعلموهم دينهم، وأن يحذروهم من البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها أو القباب أو غير ذلك من أنواع البناء وأن يحذروهم من دعاء الموتى والاستغاثة بالموتى، الدعاء عبادة لله وحده، الله يقول: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، ويقول سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، يعني المشركين، ويقول صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العباد)، والنبي -أيضاً- يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، فالميت قد انقطع عمله مع الناس، فهو بحاجة إلى أن يدعى له إلى أن يستغفر له، إلى أن يترحم عليه لا يدعى من دون الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فكيف يدعى من دون الله؟ وهكذا الأصنام، وهكذا الأشجار والأحجار، وهكذا القمر والشمس والكواكب كلها لا تدعى من دون الله، كلها لا تدعى ولا يستغاث بها، فهكذا أصحاب القبور وإن كانوا أنبياء، وإن كانوا صالحين، هكذا الملائكة والجن لا يدعون مع الله، والله يقول سبحانه: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80]، فجعل اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً بالدعاء والاستغاثة كفراً، والله لا يأمر به سبحانه وتعالى، وفي حديث جابر عند مسلم يقول رضي الله عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، وعن القعود عليها، وعن البناء عليها)، هكذا رواه مسلم في الصحيح عن جابر (أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور، وعن القعود عليها، وعن البناء عليها) لماذا؟ لأن هذا وسيلة إلى الشرك، البناء عليها والتجصيص والكسوة والقباب كل هذا وسيلة إلى تعظيمها والغلو فيها ودعاء أهلها، أما القعود عليها فهو امتهان لا يجوز، أن يقعد عليها لا، فهي محترمة لا تمتهن، لا يقعد عليها، لا يبول عليها، لا يتغوط عليها، لا يستند إليها، لا يطؤها، هذا ممنوع، المسلم حياً وميتاً محترم، لا يجوز أن يداس قبره، ولا أن تكسر عظامه، ولا أن يقعد على قبره، ولا أن يبال عليه، ولا أن توضع عليه قمائم، كل هذا ممنوع، فالميت المسلم لا يمتهن ولا يدعى من دون الله، لا يغلى فيه ويدعى من دون الله ولا يمتهن ويداس وتوضع عليه القمائم والأبوال والقاذورات، لا هذا ولا هذا، الشريعة جاءت بالوسط، جاءت باحترام القبور والدعاء لأهلها بالمغفرة والرحمة وزيارتهم للدعاء لهم والاستغفار لهم، ونهت عن إيذائهم بالقمائم، بالبول، بالقعود عليهم إلى غير ذلك، ومن هذا ما جاء في الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، لا تجعل قبلة ولا يقعد عليها، فجمعت الشريعة الكاملة العظيمة بين الأمرين، بين تحريم الغلو في أهل القبور ودعائهم من دون الله، والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك، وهذا من الشرك الأكبر، وبين النهي عن إيذائهم وامتهانهم والجلوس على قبورهم أو الوطء عليها والاستناد إليها، أو وضع القاذورات عليها كل هذا ممنوع فلا هذا ولا هذا.

    وبهذا يعلم المؤمن ويعلم طالب الحق أن الشريعة جاءت بالوسط، لا بالشرك ولا بالإيذاء، فالميت المسلم النبي أو الصالح يدعى له، يستغفر له، يسلم عليه عند زيارته، أما أنه يدعى من دون الله فلا، فلا يقال: يا سيدي المدد المدد، أو انصرني أو اشف مريضي، أو أعني على كذا، لا هذا يطلب من الله، ولا يمتهن بأن توضع القمامة على قبره، يوطأ عليه، يجلس عليه، يبال، لا هذا ولا هذا.

    أما الحي فلا بأس أن يتعاون معه لأن له عملاً، الحي له عمل فلا بأس أن يتعاون معه فيما يجوز شرعاً من الأسباب الحسية، كما قال تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] في قصة موسى، فإن موسى حي والمستغيث حي، فاستغاثه على عدوه، وهكذا الإنسان مع إخوانه، مع أقاربه، يتعاونون في مزارعهم، في إصلاح بيوتهم، في إصلاح سياراتهم، في أشياء أخرى من حاجاتهم يتعاونون بالأسباب الحسية المقدورة لا بأس، وهكذا من طريق الهاتف التلفون، من طريق المكاتبة، من طريق الإبراق والتلكس كل هذا تعاون حسي لا بأس به في الأمور المقدورة، لكن ما يتعلق بالعبادة لا، لا يقال للحي ولو أنه حي، لا يقال للحي: اشف مريضي، ورد غائبي من طريق سر فيه أن له سراً، ولا يقال: انصرنا على عدو بسر، وانصرنا بالسلاح، وانصرنا بالقرض دراهم يقرضهم إياها حتى يستعينوا بها على شئون الحرب لا بأس، كذلك يأتي الطبيب يطلب منه العلاج لا بأس، أما يقول اشفني لأنه يعتقد فيه سراً، لأنه من شيوخ الصوفية أو من غيرهم، هذا كفر؛ لأن الإنسان ما يقدر، وليس له سر يقدر يتصرف في الكون، إنما أمور حسية، الطبيب يتصرف بالأدوية، كذلك الإنسان القادر الحي يتصرف بالأسباب الحسية، يعينك بيده، يبني معك، يعطيك مالاً قرضاً أو مساعدة تبني به، يعطيك قطع غيار لسيارتك، يساعدك في شفاعة لدى من يعينك هذه أمور حسية لا بأس بها لا تدخل في عبادة الأموات والاستغاثة بالأموات ونحو ذلك، وكثير من دعاة الشرك يشبهون بهذه الأمور، وهي أمور واضحة بينة لا تشتبه إلا على من هو من أجهل الناس، فالتعامل مع الأحياء شيء جائز بشروطه المعروفة، وسؤال الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم أمر معروف عند أهل العلم، شرك أكبر بإجماع أهل العلم، ليس فيه نزاع بين الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان وأهل البصيرة.

    والبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب كذلك منكر معلوم عند أهل العلم جاءت الشريعة بالنهي عنه فلا يجوز أن يلتبس هذا على أهل العلم.

    فالواجب على أهل العلم -مرة أخرى- أن يتقوا الله أينما كانوا، وأن ينصحوا لعباد الله، وأن يعلموا شريعة الله، وأن لا يجاملوا في ذلك زيداً ولا عمراً، بل يعلموا الأمير والصغير والكبير، ويحذروا الجميع مما حرم الله، ويرشدوهم إلى ما شرع الله، هذا هو الواجب على أهل العلم أينما كانوا عن طريق الكلام الشفهي، والكتابة، والتأليف، والخطابة في الجمع وغيرها، والهاتف، والتلكس، من أي الطرق التي وجدت الآن، يستعان بها على تبليغ دعوة الله وعلى نصح عباد الله، رزق الله الجميع التوفيق والهداية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    المقدم: أثابكم الله وبارك الله فيكم.

    أيها الإخوة المستمعون الكرام: بهذا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة والتي تفضل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بالإجابة على رسائلكم واستفساراتكم فيها، فله شكرنا ودعاؤنا بأن يثيبه الله تبارك وتعالى على ما تفضل به، وأن يرزقنا وإياكم الاستماع والعمل إنه على كل شيء قدير.

    ونشكر لكم حسن متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.