إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (258)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الوسائل المشروعة لإبطال السحر

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وأهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد من لقاءات نور على الدرب، يسرنا أن نكون فيه بصحبة سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، ليتفضل مشكوراً بالإجابة على رسائلكم واستفساراتكم في هذه الحلقة.

    ====

    السؤال: أولى الرسائل وردت من المستمعة مهدية بنت صدام من العراق، تقول في رسالتها: ما هو العمل لإبطال السحر بارك الله فيكم؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فعلاج السحر يكون بشيئين:

    أحدهما: الرقى الشرعية.

    والثاني: الأدوية المباحة التي جربت في علاجه.

    ومن أنجع العلاج وأنفع العلاج الرقى الشرعية، فقد ثبت أن الرقية يرفع الله بها السحر، ويبطل بها السحر.

    وهناك نوع ثالث وهو: العثور على ما فعله الساحر من عقد أو غيرها وإتلافها فهذا كذلك من أسباب زوال السحر وإبطاله.

    فمن الرقى التي تستعمل أن يرقى المسحور بفاتحة الكتاب وآية الكرسي، وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، مع آيات السحر التي جاءت في سورة الأعراف وسورة يونس وسورة طه.

    وهي في سورة الأعراف قوله سبحانه: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف:117-119].

    وفي سورة يونس يقول سبحانه: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [يونس:79-82].

    وفي سورة طه يقول سبحانه: قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:65-69].

    فهذه الآيات الكريمات العظيمات ينفث بها في الماء، ثم بعد ذلك يصب هذا الماء الذي قرئ فيه على ماء أكثر، ثم يغتسل به المسحور، ويشرب منه بعض الشيء كثلاث حسوات يشربها منه، ويزول السحر بإذن الله ويبطل، ويعافى من أصيب بذلك، وهذا مجرب مع المسحورين، جربناه نحن وغيرنا ونفع الله به من أصابه شيء من ذلك.

    وقد يوضع في الماء سبع ورقات من السدر تدق وتلقى في الماء الذي يقرأ فيه أيضاً ولا بأس، قد ينفع الله بذلك أيضاً، سبع ورق سدر وهي شجر النبق، تدق وهي خضر رطبة ثم توضع في الماء الذي يقرأ فيه، ويشرب منه ما تيسر ويغتسل المسحور بالباقي، هذا من الدواء النافع والرقية النافعة.

    وهناك أدوية لمن يتعاطى هذا الشيء.. ويعالج بهذا الشيء أدوية مباحة قد يستفاد منها في علاج السحر وإزالته، كما أشار إلى هذا العلامة ابن القيم رحمه الله في بيان النشرة المشروعة، وقد ذكر ذلك أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتابه فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد في باب ما جاء في النشرة.

    أما ما يتعلق بإتيان الكهان أو السحرة أو المشعوذين هذا لا يجوز، وإنما الطريق الشرعي هو ما ذكرنا من القراءة على المسحور، أو القراءة في ماء ويشربه ويغتسل منه، وإن وضع فيه سبع ورقات من السدر الأخضر الرطبة ودقت فهذا أيضاً قد ينفع بإذن الله مع القراءة، وهذا شيء مجرب.

    والغالب على من استعمل هذا مع إخلاصه لله وتوجهه إلى الله في طلب الشفاء أنه يعافى بإذن الله، وعلى المسحور أن يضرع إلى الله وأن يسأله كثيراً أن يشفيه ويعافيه، وأن يصدق في طلبه، وأن يعلم أن ربه هو الذي يشفي، وهو الذي بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع، ليس بيد غيره سبحانه وتعالى.

    المقدم: بارك الله فيكم، ما أدري رأي سماحتكم في مقولة يتناقلها كثير ممن يرتادون أماكن السحرة يقولون: لا يحل السحر إلا ساحر، وبعضهم يقول: أذهب إلى الساحر ليدلني على مكان العقد حتى أحلها بعد ذلك؟

    الجواب: السحرة والكهنة لا يؤتون، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إتيانهم وعن سؤالهم قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) وقال: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام).

    والسحرة كفرة، لا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم.

    وأما هذه العبارة: لا يحل السحر إلا ساحر، فهذا يروى عن الحسن البصري التابعي الجليل أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر، والنبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا، سئل عن النشرة يعني: حل السحر عن المسحور، قال: (هي من عمل الشيطان) يعني: الذي يتعاطى حله بالسحر، قال صلى الله عليه وسلم: (هي من عمل الشيطان) يعني: النشرة بالسحر وأنواعه، هذا هو من عمل الشيطان، رواه الإمام أحمد رحمه الله وأبو داود رحمه الله بإسناد جيد، وهذا الحديث موجود في باب النشرة.

    فالمقصود: أن حل السحر بالنشرة الشيطانية التي يتعاطاها السحرة هذا مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هي من عمل الشيطان) هكذا قاله المصطفى عليه الصلاة والسلام: (هي من عمل الشيطان) فلا يجوز حلها بطريق السحرة، يعني لا يجوز حل السحر بطريق السحرة وذلك يسمى النشرة، ولكن يحل بطريق القراءة والأدوية المباحة.

    1.   

    وقت صلاة الجمعة وحكمها على المرأة

    السؤال: لنفس السائلة من العراق تقول: متى يكون وقت صلاة الجمعة بالنسبة للرجال والنساء؟ وهل هناك سور مخصصة تقرأ في الجمعة أفيدونا بارك الله فيكم؟

    الجواب: صلاة الجمعة يدخل وقتها بعد الزوال، هو وقت صلاة الظهر، وقتها وقت صلاة الظهر، والمرأة ليس عليها جمعة، إنما عليها ظهر، تصلي ظهراً لكن لو صلت مع الناس الجمعة أجزأت، لو صلت مع الناس الجمعة ركعتين أجزأتها عن الظهر، كالمريض العاجز والمسافر إذا صلوا مع المقيمين ومع الأصحاء، صلى المريض مع الأصحاء وصبر على المشقة أجزأته عن الظهر، وإن صلى وحده صلى ظهراً، وهكذا المسافر إذا صلى مع الناس أجزأته الجمعة عن الظهر، وإن صلى وحده صلى ظهراً، فهكذا المرأة ليس عليها جمعة ولكن لو صلت مع الرجال أجزأتها عن الظهر.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجمعة وقتها أوسع، وأنه يدخل وقتها قبل الظهر.. في الساعة السادسة قبل زوال الشمس.

    وذهب آخرون إلى أن وقت الجمعة أوسع من هذا كله، وأنه يدخل بارتفاع الشمس قيد رمح إلى خروج وقت الظهر، وإلى هذا ذهب أحمد رحمه الله وجماعة من السلف واحتجوا بأدلة جيدة فمن صلاها قبل الزوال صحت، ولكن الأفضل أن يكون بعد الزوال خروجاً من خلاف العلماء وعملاً بالأدلة كلها.

    لكن المرأة ليس عليها جمعة كما تقدم، بل تصلي في بيتها ظهراً وهو أفضل لها، وإن صلت مع الناس لأجل سماع الخطبة وسماع الفائدة فلا بأس تصلي معهم جمعة وتجزئها والحمد لله.

    1.   

    بدعة الفراش وضرب الدفوف في العزاء

    السؤال: هذه رسالة وردتنا من السائل أبو سلمان من الخرطوم يقول في رسالته: يوجد عندنا طريقة وهي أنه إذا مات الإنسان يعملون شيئاً يسمى بالفراش، فيجلس كثير من الناس في هذا الفراش سبعة أيام أو أربعين يوماً، ويأتون بالنوبات والطارات ويرقصون ويصفقون، فما حكم الشرع في ذلك؟

    الجواب: هذا العمل منكر، ومن البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالفراش والجلوس عليه أيام معدودة أو الرقص أو الغناء أو النياحة كل هذا منكر.

    ولكن المشروع بعد الموت الصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء له بالمغفرة والرحمة، وصنع الطعام لأهله، يقوم جيرانهم أو أقاربهم يصنعون لهم طعاماً لأنهم مشغولون بالمصيبة؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه نعي جعفر ابن عمه لما قتل يوم مؤتة وجاء خبره، أمر صلى الله عليه وسلم أهله أن يصنعوا لأهل جعفر طعاماً قال: (لأنه قد أتاهم ما يشغلهم) فإذا صنع الجيران أو الأقارب طعاماً لأهل الميت حتى يكفوهم مئونة الطعام من أجل المصيبة فلا بأس.

    أما أن ينوحوا عليه أو يتخذوا الفراش المذكور يتناوبون عليه بالجلوس أو بالقراءة أو بغير ذلك أو بضرب الطيران والطبول أو ما أشبه ذلك كل هذا من البدع المنكرة.

    1.   

    حكم من يقوم بالفرائض لكنه يدعو غير الله ويستغيث به

    السؤال: يسأل أيضاً ويقول: ما رأيكم فيمن يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض ويحج لكنه يدعو غير الله أو يستعين بغير الله أو يحلف بغير الله؟

    الجواب: الإسلام أصله توحيد الله، وتخصيصه بالعبادة، وهذا هو معنى شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا أصل الدين وأساس الملة، وهذا هو الركن الأول من أركان الإسلام قبل الصلاة والصيام والزكاة، الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، عن علم وعن عمل وعن صدق وعن إخلاص وعن محبة وعن قبول للحق.

    فإذا كان يعبد الله وحده صحت صلاته وصيامه وحجه وزكاته.

    وإذا كان يدعو الأموات ويستغيث بالأموات بطلت أعماله وصار مشركاً نعوذ بالله.

    فمن يدعو الأموات ويستغيث بهم وينذر لهم ويقول: المدد المدد! يا سيدي فلان! أو يا سيدي فلان! يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أو من المرغني أو من الحسين أو من البدوي أو من الشيخ عبد القادر أو من غيرهم يكون هذا شركاً أكبر؛ لأن الله يقول سبحانه: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] ويقول سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين.

    ويقول سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13-14] سمى دعاءهم إياه شركاً بالله سبحانه وتعالى.

    وقال عز وجل: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117] فسماهم كفرة بالدعاء، والمدعو من دون الله يسمى إلهاً، ويسمى نداً، فالذي يدعو مع الله صنماً أو ولياً أو نبياً أو قمراً أو كوكباً أو غير ذلك أو جنياً، يكون قد اتخذه نداً لله وجعله إلهاً مع الله، فهذا العمل شرك أكبر، تبطل معه الصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك، قال الله سبحانه في كتابه العظيم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم وهو معصوم من هذا، لكن ليعلم الأمة أن هذا الأمر عظيم، وقال جل وعلا: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فالشرك لا يغفر لمن مات عليه.

    فالواجب الحذر من هذا الأمر، دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات أو بالأصنام أو الأشجار والأحجار، وطلبهم المدد كل هذا شرك بالله، يبطل الأعمال.

    فالواجب البدار بالتوبة من هذا الأمر والحذر منه، والعزم الصادق أن لا يعود فيه من فعله، وبهذا يصح إسلامه، أما مادام يعبد القبور والأموات ويستغيث بهم وينذر لهم فقد أبطل أصل إسلامه وأبطل الشهادة، مثل الذي يتوضأ ثم يحدث، إذا توضأ الإنسان ثم خرج منه البول أو الريح بطل وضوءه، فهكذا الذي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم يدعو الأموات ويستغيث بالأموات أو الأصنام أو الجن وينذر لهم أبطل توحيده، مثلما أبطل طهارته بالريح أو بالبول.

    وهكذا لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قال -بعد ذلك-: إن مسيلمة نبي، مسيلمة الكذاب قال: إنه نبي، أو قال: إن الأسود العنسي نبي، أو قال: إن طليحة الأسدي نبي، أو قال: فلان أو فلان ممن ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يكون كافراً ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولو قال: أشهد أن محمداً رسول الله؛ لأنه كذب الله في قوله في محمد صلى الله عليه وسلم (وخاتم النبيين): مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

    وهكذا لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قال: الصلاة غير واجبة كفر، ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أو ترك الصلاة عمداً على القول الصحيح كفر أيضاً، أو قال: الزكاة ما هي بواجبة، أو صوم رمضان ما هو بواجب ولو صام، أو قال: الحج ما هو بواجب مع الاستطاعة كفر ولو حج؛ لأنه كذب الله ورسوله.

    وهكذا لو أن إنساناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي ويصوم ويتصدق، ولكنه يسب الرسول صلى الله عليه وسلم أو يسب الله أو يسب الإسلام كفر بهذا السب، ولم تنفعه هذه الشهادة وهذا الصوم وهذه الصلاة؛ لأنه أتى بناقض من نواقض الإسلام.

    فلا بد في حق المسلم وبقاء الإسلام عنده أن يبتعد عن نواقض الإسلام، وعن أسباب الردة وهكذا لو أن إنساناً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي ويصوم ويزكي ويحج، ولكنه يستهين بالمصحف، يطؤه برجله، أو يجلس عليه إهانة له، أو يلطخه بالنجاسة كفر إجماعاً؛ بعمله مع المصحف؛ لأن هذا يدل على استخفاف بكلام الله، وسب لله بإهانة كلامه، فيكون كافراً عند جميع العلماء، ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولو صلى ولو زكى ولو صام ولو حج.

    فينبغي للمسلم التنبه لهذه الأمور، وأن الإسلام إنما يبقى مع السلامة من نواقض الإسلام، ومع البعد عما ينقض الإسلام.

    نسأل الله للجميع الهداية والعافية.

    1.   

    الرد على من يقول بفناء النار

    السؤال: هذه رسالة وردت من عبد الرحمن من العراق يقول فيها: قرأت في كتاب الشفاء العليل لـابن القيم رحمه الله يقول: بعد الملايين من السنين من العذاب المقيم في النار يمحو الله النار، ويستند على آيات من القرآن منها قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأنعام:128] وبقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا [الأنعام:128] فيقول: الخلود هو الاستقرار مدة معينة من الزمن، ولو كانوا خالدين فيها أبداً لقال تعالى: (خالدين فيها أبداً)، يقول السائل: ولكن هناك آية واحدة في القرآن في سورة الجن يقول الله تعالى فيها: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23].

    يقول: فلا أدري أعالم مثل ابن القيم تفوته هذه الآية، وما مدى صحة ما قال بارك الله فيكم؟

    الجواب: هذا القول قول لبعض السلف، يروى عن بعض السلف وعن بعض الصحابة، وذكره ابن القيم وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وذكره آخرون.

    ولكنه قول مرجوح عند أهل السنة، قول ضعيف، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة وهو قول جمهورهم أن النار تبقى أبد الآباد، وأن أهلها يبقون فيها أبد الآباد وهم الكفرة، كما قال جل وعلا: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36] وقال سبحانه في حقهم: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] يعني: مستمر نسأل الله العافية.

    وقال سبحانه: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167] فالذي عليه أهل السنة والجماعة إلا النادر والقليل، أن عذاب النار مؤبد أبداً ليس له نهاية، فهم مستمرون فيها، باقون فيها أبد الآباد، وهي باقية أبد الآباد.

    وقد رجع ابن القيم إلى هذا وأوضحه في كتاب الوابل الصيب، وقال: إن النار تبقى أبد الآباد، وإنما يخرج منها أهل التوحيد، هم الذين يخرجون منها، الذين ماتوا على توحيد الله ولكن لهم معاصي دخلوا بها النار، وهذا حق، فإن أهل السنة والجماعة يقولون: إن العصاة لا يخلدون في النار، من مات على الإسلام ولكنه دخل النار بالمعاصي إما بالزنا وإما بشرب الخمر وإما بالربا وإما بعقوق الوالدين، أو بغير هذا من المعاصي هؤلاء لا يخلدون، الله سبحانه يدخل النار من العصاة من شاء سبحانه، ممن لم يعف عنهم سبحانه وتعالى، ويبقون فيها ما شاء الله، على قدر أعمالهم الخبيثة، فإذا طهروا ونقوا وزال خبثهم أخرجهم الله من النار إلى نهر يقال له: نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة، ويشفع فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويشفع فيهم الملائكة والمؤمنون والأنبياء والأفراط، هذا جاءت به السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) وفي اللفظ الآخر: (مثقال ذرة من إيمان).

    فأهل التوحيد الذين ماتوا على التوحيد على الإسلام، ولكنهم دخلوا النار بمعاصيهم هؤلاء لا يخلدون، بل يخرجهم الله من النار إلى الجنة، هذا قول أهل الحق من أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج وخلافاً للمعتزلة ومن كان على شاكلتهم، الذين يقولون: إن العصاة مخلدون في النار، هذا قول باطل، قول الخوارج وقول المعتزلة في تخليد العصاة في النار قول باطل، خلاف ما جاءت به النصوص الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي متواترة وثابتة.

    أما الكفار فإنهم يخلدون فيها أبد الآباد، هذا هو الحق الذي عليه جمهور أهل السنة وهو الذي قامت عليه الأدلة الشرعية.

    فينبغي لك أيها السائل! أن تلتزم بهذا، وأن لا تلتفت إلى غيره، والله ولي التوفيق.

    1.   

    توجيه حديث عائشة: (عصفور من عصافير الجنة ...)

    السؤال: يقول نفس السائل أيضاً: في نفس الكتاب رواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما توفي طفل قالت: (طوبى لك طير من طيور الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: وما يدريك يا عائشة أنه في الجنة؟ لعل الله اطلع على ما كان يفعل) والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة، ذكر منهم: الطفل حتى يحتلم) والروايتان صحيحتان، فلا أدري كيف الجمع بينهما؟

    الجواب: هذا الحديث حديث صحيح عند الشيخين، قالت فيه عائشة : (عصفور من عصافير الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عائشة ! إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم).

    والمقصود من هذا: منعها من أن تشهد لأحد معين بالجنة أو بالنار، ولو أنه طفل لا يشهد له؛ لأنه قد يكون تابعاً لأبويه، وأبواه ليسوا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقاً، وقد تظهره أمه نفاقاً.

    فلا يشهد لأحد بالجنة ولا بالنار ولو طفلاً، لا يقال: هذا من أهل الجنة قطعاً؛ لأنه ما يدري عن حال والديه، والأطفال تبع لآبائهم، ومن كان مات على الصغر وليس تبعاً للمسلمين فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح، إذا كان ليس ولداً بين المسلمين بل لغيرهم من الكفار فإنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار كأهل الفترة، الصحيح: أنهم يمتحنون، أنهم يمتحنون أهل الفترة، فهكذا الأطفال، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

    وقد جاء في السنة ما يدل على أنهم يمتحنون يعني: يختبرون يوم القيامة، ويؤمرون بأمر، فإن أطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار.

    فالمقصود: من هذا أنه لا يشهد لأحد معين بجنة ولا نار إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، هذه قاعدة أهل السنة والجماعة، فإنكاره صلى الله عليه وسلم على عائشة ؛ لأنها شهدت بالتعيين لأنها قالت: (عصفور من عصافير الجنة)، فلهذا أنكر عليها أن تقول هذا؛ لأن هناك شيئاً وراء هذا الأمر قد يكون سبباً لعدم دخوله الجنة، وأنه يمتحن يوم القيامة؛ لأن والديه ليسا على الإسلام.

    أما أولاد المسلمين فهم تبع آبائهم، عند أهل السنة والجماعة في الجنة، أولاد المسلمين تبع آباؤهم في الجنة، وأما أولاد الكفار فإنهم يمتحنون يوم القيامة هذا هو الحق، فمن أطاع يوم القيامة دخل الجنة ومن عصى دخل النار كأهل الفترة، هذا هو الصواب وهذا وجه الحديث.

    1.   

    ارتداد أحد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: يقول أيضاً نفس السائل: في نفس الكتاب يذكر المؤلف أن أحد كتاب الوحي ارتد عن الإسلام، والسبب أنه كان يكتب ما ينزل عليه من الآيات كقوله تعالى: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129] يكتبها: العليم الحكيم، أو نحو ذلك، وفي الحقيقة لم أفهم مقصود المؤلف أرجو الإيضاح؟

    الجواب: أنا لا أذكر بحث المؤلف، ويمكن أن نطالعه في وقت مستقبل إن شاء الله، لكن ارتداد بعض كتاب الوحي واقع وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد عن الإسلام ثم دخل في الإسلام وهداه الله يوم الفتح، أما الأسباب أسباب الردة فلا أذكرها حالياً، ولكن يمكن أن نراجع كلام ابن القيم وأن أذكر ذلك في حلقة أخرى إن شاء الله.

    وأما قوله: إن بعض كتاب الوحي ارتد فهذا معروف هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد عن الإسلام ثم بعدما فتح الله على رسوله مكة هداه الله وجاء وأسلم، والحمد لله.

    1.   

    الطريقة التيجانية والذكر البدعي

    السؤال: هذه رسالة من السائلة (ص. أ. ع) من السودان من منطقة أبو كوع، تقول السائلة في رسالتها: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية، يجتمعون كل يوم جمعة ويوم إثنين، ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله، ويقولون في النهاية: الله الله.. بصوت عالي، لا أدري ما حكم الشرع في عملهم هذا؟

    الجواب: الطريقة التيجانية طريقة مبتدعة وطريقة باطلة، وفيها أنواع من الكفر لا يجوز اتباعها بل يجب تركها، وننصح المعتنقين لها أن يدعوها وأن يلتزموا بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم، طريقة محمد صلى الله عليه وسلم، الطريقة التي درج عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتلقوها عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وتلقاها أئمة الإسلام كـمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه والثوري وغيرهم من أهل العلم، وتلقوها ودرجوا عليها، ودرج عليها أهل السنة والجماعة وهي توحيد الله وعبادته وإقام الصلاة، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وطاعة الأوامر التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وترك النواهي، هذه الطريقة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أما الطرق الصوفية فالواجب تركها إلا الشيء الذي وافق الشرع، إلا ما كان فيها من أشياء توافق الشرع فإنه يؤخذ بها؛ لأنها جاء بها الشرع، وأما الشيء الذي أحدثه الصوفية يترك، ومن ذلك اجتماعهم على: الله الله..! أو: هو هو..! هذا كله بدعة، لا أصل له، وإنما المشروع أن يقال: لا إله إلا الله، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أما تقطيعها: هو هو.. الله الله..! هذا بدعة لا أصل له.

    وأنصحك أيها السائلة! أن لا تحضريهم وأن لا تكوني منهم، وأن تلتزمي الطريقة المحمدية التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الذكر المعروف: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، في البيت، في المسجد، في الطريق، في المطبخ، في أي مكان، يذكر الله سبحانه على عمله يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وهكذا، ليس لها حد محدود، بل هكذا كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقول: الله الله.. أو هو هو..! أو يجتمعون على رقص وضرب الطبول، كل هذا منكر.

    المقدم: أثابكم الله.

    للأخت السائلة بقية أسئلة نعد بعرضها إن شاء الله في حلقة قادمة.

    في ختام هذه الحلقة نشكر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز على إجاباته، ونشكر لكم حسن متابعتكم أيها المستمعون الكرام! وإلى الملتقى بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.