إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (242)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم من رضع من جدته رضعات غير معلومات العدد وأراد أن يتزوج حفيدتها

    المقدم: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة المستمعون الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في لقاء جديد من لقاءات نور على الدرب.

    في هذا اللقاء يسرنا أن نعرض ما وردنا من رسائل على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    ====

    السؤال: وأولى رسائل هذه الحلقة وردتنا من المرسل (ح. م. ن. ص. السامرائي) من العراق، يقول: عقدت مهري على بنت خالتي ولم أدخل بها، وحدثت مشاجرة بيني وبين جدتي أم والدتي، فقالت: إنك لا تستحق الحليب الذي رضعته مني، وعند ذلك انتبهت إلى كلامها، فسألتها عن عدد الرضعات، فقالت لي: لقد أرضعتك مع خالتك ولم أعلم عدد الرضعات، والآن أنا متحير في هذه المسألة، أرجو أن تفتوني مشكورين، مع العلم أني لم أدخل بها إلى الآن؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الرضاع الذي يحصل به التحريم لابد أن يكون خمس رضعات معلومات، فإذا كانت جدتك لم تعلم هذه الرضعات ولم تحفظها فإنه لا حرج عليك في زواج ابنة خالتك؛ لأن الرضعات التي يحصل بها التحريم كما تقدم لابد أن تكون خمس رضعات معلومات، فإذا كانت الجدة شاكة في ذلك وليس عندها علم عن عدد الرضعات لا خمس ولا أقل ولا أكثر؛ فإن هذا الرضاع ليس عليه عمل ولا يعتمد، ولا حرج عليك في زواج ابنة خالتك، وفق الله الجميع.

    1.   

    حكم من قال لزوجته: إن عيشتي معك حرام

    السؤال: وهذه رسالة وردت إلى البرنامج من محمود أبو بكر عبد الجواد مصري الجنسية، يعمل في بريدة في القصيم، يقول: حصل مناقشة وكلام في وقت غضب بيني وبين زوجتي، فأردت أن أتهجم عليها فكان الناس يمنعونني من التهجم عليها، فقلت لهم: (إن عيشتها معي حرام) ثلاث مرات، ولكن بدون أي حلفان يمين وهي تعيش معي، فهل علي كفارة في هذا، أفيدوني أفادكم الله؟

    الجواب: عليك عن هذا كفارة يمين، قولك: (إن عيشتها معك حرام) عليك أن تكفر كفارة يمين عن هذا الأمر، ولا يضرك شيء بعد ذلك؛ لأن هذا حكمه حكم اليمين، تكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، وإطعامهم معناه أن يعطى كل واحد نصف صاع من التمر أو الأرز أو غيرهما من قوت البلد، ونصف الصاع كيلو ونصف تقريباً، ويكفي هذا والحمد لله، وعليك التوبة والاستغفار؛ لأن المسلم لا يحرم ما أحل الله له.

    1.   

    ما يشرع عند اللقاء والسلام

    السؤال: وهذه رسالة وردت إلينا من هيثم من الرياض، يقول الأخ هيثم في رسالته: ورد في تفسير الجلالين في صفحة ثلاثمائة وأربعة وعشرين، روى أنس بن مالك قال: (قلنا: يا رسول الله! أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال: لا. قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضاً؟ قال: لا. قلنا: أفيصافح بعضنا بعضاً؟ قال: نعم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار) وكان صلى الله عليه وسلم لا ينحنى له ولا تقبل يده مع السلام، وورد في كتاب تربية الأولاد في الإسلام تأليف عبد الله علوان ، تحت عنوان: تقبيل يد الكبير، أخرج أحمد والبخاري في الأدب الصغير وأبو داود وابن الأعرابي عن زارع وكان في وفد عبد القيس ، قال: (لما قدمنا المدينة جعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله) وروى البخاري في الأدب المفرد عن صهيب قال: (رأيت علياً يقبل يد العباس ورجليه) انتهى الكلام المنقول من المرجعين المذكورين، السؤال: أي الأقوال هو الصحيح والواجب والسنة اتباعه في السلام، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أما الحديث الأول حديث أنس أنهم قالوا: (يا رسول الله! يلقى أحدنا أخاه أينحني له؟ قال: لا. قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: فيصافحه؟ قال: نعم) هذا الحديث ضعيف الإسناد عند أهل العلم، ليس بصحيح، ولكن معناه من جهة الانحناء صحيح، لا يجوز أن ينحني لأحد، فالسلام لا يكون بالانحناء لا للكبير ولا للصغير، ولكن يسلم وهو منتصب بغير انحناء، ويصافح، السنة المصافحة، فإذا كان القدوم من سفر فالسنة المعانقة، قال أنس رضي الله عنه في حديث آخر رواه الطبراني بإسناد جيد: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا. وهكذا قال الشعبي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا جاء في أحاديث أخرى، كان الصحابة يتلاقون ويتصافحون، وكانوا يصافحون النبي عليه الصلاة والسلام، فالسنة المصافحة عند التلاقي، وإذا عانق أخاه عند طول الغيبة أو عند القدوم من السفر فلا حرج في ذلك، وقد جاء في هذا أخبار كثيرة تدل على أنه لا بأس بالمعانقة ولا بأس بتقبيل ما بين العينين والرأس عند اللقاء، عند القدوم من السفر، ومثلها طول الغيبة لا حرج في ذلك، أما الانحناء فلا يجوز الانحناء.

    وأما تقبيل اليد أو الرجل فالأفضل تركه، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قبله بعض أصحابه في بعض الأحيان قبل يده، بعضهم قبل قدمه، وثبت أن بعض اليهود قبلوا يده وقبلوا قدمه لكن هذا قليل، فإذا فعله المؤمن مع شيخه، أو مع الإمام الكبير، أو مع العالم، أو مع والده بعض الأحيان فلا بأس، أما اتخاذه طريقة متبعة فلا ينبغي بل يكره، وإنما ينبغي له أن يعتاد المصافحة، وإذا قبل يد العالم أو يد أبيه بعض الأحيان من غير اتخاذه عادة فلا حرج في ذلك إن شاء الله، وأما الحديث الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) فهذا حديث صحيح، ولا يجوز للمؤمن أن يحب ذلك لنفسه، أن الناس يقومون له وينتصبون له تعظيماً له، لا يجوز له أن يحب ذلك، لكن إذا قام إليه أخوه وقابله وأخذ بيده وصافحه فلا بأس بذلك.

    وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار أو للصحابة جميعاً لما قدم سعد للحكم في بني قريظة: (قوموا إلى سيدكم) يعني: للسلام عليه والترحيب به، فالقيام إلى الشخص للترحيب به ومصافحته وإنزاله من دابته أو إنزاله في المجلس، كل هذا لا بأس به، وثبت أيضاً في الصحيحين أن طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله عنه، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة لما جاء كعب يوم تاب الله عليه ودخل المسجد والناس حول النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه طلحة يهرول، فصافحه وهنأه بتوبة الله عليه، ولم ينكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم إلى فاطمة إذا دخلت عليه، فيصافحها ويقبلها ويجلسها في مكانه، وكانت تقوم إليه إذا دخل عليها رضي الله عنها وتقبله وتأخذ بيده، كل هذا لا بأس به.

    أما أن يقوم الناس قياماً تعظيماً للشخص عند الدخول فقط فلا ينبغي هذا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره ذلك، وكان الصحابة لا يقومون له لما يرون من كراهته لهذا عليه الصلاة والسلام، أما أن تقوم لمقابلته ومصافحته وإجلاسه في مكانك أو في مكان آخر مناسب، أو تصافحه وتنزله من دابته أو من سيارته وتساعده في ذلك، أو للترحيب به وتكريمه كل هذا لا بأس به.

    1.   

    التوسل المشروع والممنوع

    السؤال: وهذه رسالة وردت إلى البرنامج من أسعد عبد الجبار عبد القادر من العراق البصرة، يقول في رسالته: سمعني أحد المؤمنين وأنا في دعاء أطلب من الله عز وجل بعد الصلاة فقلت: اللهم بجاهك، وبجاه محمد ، وبجاه الصحابة الكرام، أطلب أن تغفر لي وترحمني، فأخبرني أن هذا الدعاء لا يجوز، أفيدوني عن صحة ذلك بارك الله فيكم؟

    الجواب: التوسل بجاه الأنبياء أو بجاه الصحابة بدعة لا تجوز، أما بجاه الله معناه بعظمة الله لا يضر، لكن بجاه النبي أو بجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاه الأنبياء أو بجاه الصالحين، أو بحق الأنبياء أو بحق الصالحين، هذا بدعة على الأصح عند جمهور أهل العلم، وأجازه بعض أهل العلم، ولكنه قول ضعيف مرجوح، والصواب أنه لا يجوز، إنما التوسل يكون بأمور أخرى.

    التوسل يكون بأسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى كما قال عز وجل: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] فتقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تغفر لي، أن ترحمني، أن تعتقني من النار، أن ترزقني الذرية الصالحة، إلى غير هذا، أو تقول: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم، بأنك الرءوف الرحيم، بأنك السميع العليم، بأنك الجواد الكريم، أن ترحمني، أن تغفر لي، أن تهب لي كذا وكذا، هذا لا بأس به.

    وهكذا التوسل بتوحيد الله والإيمان به فتقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، اللهم إني أسألك بأني أؤمن بك، وأحبك، وأخافك، وأرجوك أن تغفر لي وأن ترحمني، اللهم إني أسألك بتوحيدك وإيماني بك.

    وهكذا بأعمالك الصالحة الأخرى، كأن تقول: اللهم إني أسألك بحبي لك ولنبيك، اللهم إني أسألك بابتعادي عما حرمت علي، بعفتي عن الزنا، بأداء الأمانة، ببري لوالدي، تسأل الله بأعمالك، كما جاء في قصة أهل الغار الذين انطبق عليهم الغار وهم ثلاثة، وسدت الباب عليهم صخرة عظيمة لم يستطيعوا دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لا ينجيكم من هذا إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فألهمهم الله هذا الخير، فدعوا الله بصالح أعمالهم.

    فتوسل أحدهم بأنه بار بوالديه وأنه كان لا يغبق قبلهم أهلاً ولا مالاً عندما يأتي بالحليب في الليل، فانفرجت الصخرة شيئاً لا يستطيعون الخروج معه.

    ثم توسل الثاني بأنه كان يحب ابنة عمه حباً كثيراً، وأنها ألمت بها سنة، يعني: حاجة، فجاءت تطلبه المساعدة، فأبى إلا أن تمكنه من نفسها، فمكنته من نفسها على مائة وعشرين ديناراً من الذهب، فلما جلس بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله وقام وترك الفاحشة، وترك لها الذهب خوفاً من الله عز وجل، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً لكن لا يستطيعون الخروج.

    ثم توسل الثالث بأدائه الأمانة، وكان عنده أجراء، فأعطاهم حقوقهم إلا واحداً بقي حقه عنده، فنماه له وثمره له حتى صار منه إبل وغنم وبقر ورقيق، فلما جاء الرجل صاحب الأجر يطلبه حقه، قال: كل هذا من حقك، كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق كله من حقك، فقال الرجل: يا عبد الله! اتق الله ولا تستهزئ بي! قال: إني لا أستهزئ بك، إن هذا كله من مالك فثمرته لك، فاستاقها كلها، استاق البقر والإبل والغنم والرقيق، ثم قال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا.

    فهذا توسل بأعمالهم الطيبة الصالحة، فهذه هي الوسائل الطيبة، أما التوسل بجاه فلان وبحق فلان وبذات فلان فهذا بدعة ومن وسائل الشرك، فالواجب ترك ذلك، هذا هو الصواب من قولي العلماء في ذلك، والله المستعان.

    1.   

    الأذكار بعد الصلاة

    السؤال: يسأل أيضاً ويقول: عند التسبيح بعد نهاية الصلاة لاحظت أن القائم المختص الذي يؤدي التسبيحات بصوت مرتفع بعد الصلاة وهو المؤذن غالباً يؤديها بطريقة مسرعة بحيث يتعذر على المصلين أداءها بعده بصورة صحيحة، فما حكم ذلك؟

    الجواب: المشروع للمؤمن يذكر الله بعد الصلاة بنفسه، ولا يتابع الإمام ولا غير الإمام، فإذا سلم من الصلاة يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، هذا هو السنة، وإن كان إماماً انصرف إلى الناس بعد هذا ويعطيهم وجهه ثم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). وإن شاء قال: (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير). ثم يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، هذا المشروع للجميع: الإمام والمأموم والمنفرد، ثم يقول: (سبحان الله والحمد لله والله أكبر) ثلاثاً وثلاثين مرة، الجميع تسعة وتسعون، ثم يقول تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال هذا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)، (غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) فهذا فضل عظيم، فينبغي للإمام والمأموم والمفرد أن يأتوا بهذا الذكر سنة بعد الصلاة.

    ولا يشرع للمأموم أن يتابع الإمام أو غيره بل يسبح بنفسه ويذكر الله بنفسه، كل واحد يذكر الله بنفسه فيما بينه وبين نفسه وبين ربه، ويرفع صوته بعض الشيء حتى يسمع؛ لأن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة مشروع، هذا هو الصواب، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته)، فالسنة رفع الصوت لكن رفعاً متوسطاً، لا يشوش على أحد ولكنه يسمعه الناس، يعلم الناس أن الصلاة انتهت، حتى الذي عند أبواب المساجد يعلمون ذلك، هذا هو السنة.

    ثم بعد هذا يشرع للمؤمن أن يقرأ آية الكرسي على الصحيح اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] ثم يشرع بعد هذا أن يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين، بعد كل صلاة، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، مرة واحدة بعد الظهر بعد العصر بعد العشاء، أما بعد المغرب وبعد الفجر فيكررها ثلاث مرات، هذا هو الأفضل، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، هذا هو المشروع بعد الصلوات كما جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حكم الكلام في أمور الدنيا في المساجد

    السؤال: يسأل أيضاً ويقول في آخر رسالته: نحن نعلم أن المساجد لله ولا يجوز التكلم فيها إلا بذكر الله تعالى أو بحديث ينفع الإسلام والمسلمين، لكن مع الأسف أصبح كثير من الناس يتحدثون في مساجد الله بأمور تخرج عن ذلك، فما الحكم في هذا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الكلام في أمور الدنيا إذا كان قليلاً لا يضر، إذا كان قليلاً كأن سأل أخاه عن حاله وعن حال أولاده، أو عن حاجة أخرى تتعلق بضيعته، أو تتعلق ببيته، أو تتعلق بأخ له غائب أو في المستشفى أو ما أشبه ذلك لا حرج في ذلك، لكن اتخاذ ذلك عادة والإكثار من ذلك هذا هو المكروه، أما الشيء القليل فيعفى عنه والحمد لله.

    1.   

    حكم ترك الصلاة بسبب كبر السن

    السؤال: هذه رسالة وردت إلينا من المرسل الحاج جوده السيد الخزامي مصري الجنسية مقيم بالمدينة المنورة، يقول: لي جدة تبلغ من العمر مائة سنة أو تزيد، وكانت تصلي وتقوم بحق الله على الوجه الأكمل من صيام وصلاة، لكن لما بلغت الكبر تركت الصلاة بعذر كبر السن، علماً بأن وزنها ثقيل، وتطلب مني أن أسقط عنها الصلاة، فهل يجوز ذلك؟

    الجواب: لابد من النظر في أمرها، إن كان عقلها معها لم يتغير فلابد من الصلاة، ولا تسقط عنها الصلاة، وليس لك ولا لغيرك إسقاط الصلاة عنها، هذا أمر لله، ليس حقاً للناس، فعليها أن تصلي، وإذا كانت عاجزة ثقيلة شبه المريضة يشق عليها العمل صلت الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً كسائر المرضى، أما إذا كانت تستطيع أن تصلي كل صلاة في وقتها فإنه يلزمها كسائر المسلمين، وكبر السن لا يمنعها من ذلك إذا كانت بعافية، فعليها أن تصلي الظهر في وقتها، والعصر في وقتها، والمغرب في وقتها، والعشاء في وقتها، والفجر في وقتها، لكن إذا اشتد بها الأمر لثقلها وكبر سنها وضعفها جاز لها أن تجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء كالمرضى، أما ترك الصلاة فلا يجوز، يجب عليها أن تصلي وأن تستعين بالله، وأن تراقب الله وتخشاه ولاسيما في هذا السن قد دنت من الأجل، فالواجب عليها أن تعد العدة الصالحة عند لقاء ربها، وليس لها أن تتساهل بالصلاة لا بالليل ولا في النهار، ولكن تتقي الله ما استطاعت، إن كانت تستطيع القيام صلت قائمة، فإن كانت تعجز عن القيام صلت قاعدة فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] يقول النبي صلى الله عليه وسلم للمريض: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، فإن لم تستطع فمستلقياً) فإذا كانت تعجز عن الصلاة قائمة صلت وهي جالسة، والله نسأل أن يعينها على الخير.

    1.   

    حكم صرف كثير من العبادات لمن يدعون بالأولياء

    السؤال: وهذه رسالة وردت إلينا من محمد برير مالك الشيخ الطيب من السودان، الأخ محمد يتكلم في رسالته عن مشكلة منتشرة في بعض القرى عندهم، حيث يقول: إن هناك من الناس من يعتقد في بعض الرجال أنهم أولياء الله الصالحين فلذلك يدعوهم ويسألهم، ويحلفون بهم، ويدعون أنهم يعلمون الغيب، ويقصدونهم من دون الله في كل كبيرة وصغيرة، والشيء الذي يحدث أيضاً أنهم عندما يقابل الواحد شيخه يخلع عمامته ونعليه ويجلس ويضع ركبتيه على الأرض ويقبل يد هذا الرجل ظناً منه أن هذا احترام لأولياء الله الصالحين المقربين الذين يعلمون ما في نفس المريد المحب لهم ويقضون حوائجه، ثم يسرد أموراً منكرة مثل هذا، ويقول: إننا نجد بعض العلماء يقرونهم على هذه الأفعال، فيسأل عن وضع هؤلاء ووضع صلاتهم وصيامهم؟

    الجواب: هذه أمور منكرة عظيمة خطيرة، ولا يجوز مثل هذا العمل، أولياء الله هم أهل الإيمان، ليسوا أولياء الله ناس خاصين غير أهل الإيمان، أولياء الله هم المؤمنون.. هم المسلمون، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، وقال جل وعلا: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المؤمنون) فأولياء الله وأولياء رسوله صلى الله عليه وسلم وأولياء المؤمنين هم المؤمنون، هم المتقون لله عز وجل، من جميع الناس، من العرب والعجم، من الذكور والإناث، من العلماء وغير العلماء، هؤلاء هم أولياء الله، فاعتقاد أن المؤمنين أو بعض من يسمون بأولياء الله أنهم يعلمون الغيب، أو أنهم يدعون مع الله، ويستغاث بهم، وينذر لهم، ويذبح لهم ويتقرب إليهم بالذبائح، هذا شرك أكبر، هذا شرك الجاهلية، شرك المشركين الأولين، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، فإذا اعتقد في هذا الشيخ أنه يعلم الغيب، وأنه يشفي المرضى، وأنه يتصرف في الكون فهذا شرك أكبر أعوذ بالله، وهكذا لو قصد قبره إذا كان ميتاً يدعوه مع الله، يستغيث به، ينذر له، يطلبه المدد كما يفعل مع البدوي أو مع الحسين أو مع ابن عربي أو مع غيرهم من الناس، هذا الشرك الأكبر، أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوه يستغيث به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كل هذا شرك أكبر.

    فيجب الانتباه لهذا الأمر والحذر منه وتحذير الناس، ومن أقرهم على هذا ممن يسمى بالعلم هذا جاهل ليس بعالم، هذا جاهل مثلهم، أما العلماء العارفون بالله وبدينه لا يقرون هذا، بل ينهون عنه، ويعلمون أنه شرك أكبر، وهكذا كونه إذا قصده طرح العمامة أو خلع النعلين كل هذا جهل لا أصل له وباطل، كان المسلمون يأتون النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فلا يطرحون عمامتهم ولا يخلعون نعالهم، كل هذا جهل وضلال.

    فالواجب على أهل العلم البصيرين بالله وبدينه أن يوجهوا الناس وأن يرشدوهم إلى الحق، وأن يعلموهم دين الله، فالعبادة حق الله وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] .. فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2-3] .. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] .. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، الصلاة عبادة، السجود عبادة، الذبح عبادة، النذر عبادة، الدعاء عبادة، الاستغاثة عبادة.

    فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الانتباه لهذا الأمر وأن يخصوا العبادة بالله وحده، أما المؤمنون والعلماء يحبونهم في الله، يطيعونهم في الخير إذا دعوهم إلى الخير، ينصحون لهم، يحسنون إليهم إذا كانوا فقراء، أما أن يعبدوهم من دون الله هذا منكر عظيم وكفر شنيع، فيجب الحذر من ذلك، ويجب الانتباه من هذا الأمر، ويجب تحذير الناس منه.

    ويجب على العلماء أينما كانوا أن يحذروا الناس من هذا الشرك، وأن يبينوا لهم أن هذا خلاف شرع الله، وأن الواجب على العلماء أن يكونوا قدوة في الخير لا قدوة في الشر، نسأل الله السلامة.

    1.   

    دعوى وجود آثار أصابع رسول الله في حجر في مصر

    السؤال: وهذه رسالة وردت إلينا من المرسل (ر. ح. ع) مصري الجنسية مقيم في الخبر، يقول في رسالته أيضاً: يوجد عندنا في مدينة مقبرة داخل مسجد، تسمى هذه المقبرة ضريح السيد البدوي ، ويوجد بنفس المقبرة حجر منقوش عليه خمسة أصابع، والكل يعرف بأن هذه أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوجد في مدينة أخرى حجر منقوش عليه أصابع لقدم، فهل هذه حقيقة أم خرافات، علماً أنني كنت أقبل وأتمسح بهذا الحجر كما كان يفعل الناس عندنا، والحمد لله تبت إلى الله من هذا، وأرجو الله أن يقبل توبتي، لكن أريد أن أعرف هل هذا حقيقة أصابع يد الرسول أو قدمه، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: كل هذا لا أصل له، ليست أصابع النبي صلى الله عليه وسلم وليست أصابع قدمه، كل هذا باطل، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت إلى مصر ولم يزرها، ولم توجد أصابعه في أي حجر حتى نقلت إلى هناك، كل هذا من الباطل والكذب فلا يجوز التمسح بها ولا التبرك بها بل تجب إزالتها.

    وهكذا المساجد لا تبنى على القبور، لا يجوز أن يبنى مسجد على القبر، ولا يجوز الطواف بالقبور ولا دعاء أهلها من دون الله، ولا التمسح بقبورهم ولا الطواف بها، ولا النذر لأهلها كما يفعل عند البدوي أو غيره، كل هذا منكر عظيم، فبناء المساجد على القبور أنكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) ولما ذكر له بعض الصحابيات في الحبشة كنيسة رأينها في أرض الحبشة وفيها ما فيها من الصور، قال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، ثم قال: أولئك شرار الخلق عند الله) فأخبر أن هؤلاء الذين يبنون المساجد على القبور ويتخذون عليها الصور هم شرار الخلق؛ لأنهم دعاة للنار نعوذ بالله، دعاة للشرك، فيجب الحذر من هذه البلايا وهذه البدع وهذه الشرور التي أحدثها الجهلة، ويجب أن تكون المساجد بعيدة عن القبور، تكون مستقلة عن القبور، والقبور مستقلة عن المساجد، أما أن يتخذ المسجد على القبر، أو يدفن في المسجد كل هذا منكر، لا يجوز الدفن في المساجد، تكون المقابر مستقلة والمساجد مستقلة، ولا يبنى المسجد على القبر ولو كان من قبور الأنبياء لا يبنى عليه مسجد.

    أما قبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي في المدينة، فهذا دفن في بيته صلى الله عليه وسلم ما دفن في المسجد، هو وصاحباه أبو بكر وعمر ، كان مدفوناً في البيت في بيت عائشة رضي الله عنها ثم دفن معه أبو بكر ثم دفن معه عمر ، لكن لما وسع المسجد الوليد بن عبد الملك في آخر المائة الأولى أدخل الحجرة في المسجد اجتهاداً منه، وقد غلط، لو تركها على حالها لكان أسلم وأبعد عن الشبهة فإن الناس اغتروا بهذا وظنوا أن اتخاذ المساجد على القبور أمر مطلوب وهذا غلط، فالرسول صلى الله عليه وسلم في بيته ما هو في المسجد، دفن في بيته بيت عائشة ، وهكذا صاحباه دفنا معه في البيت ثم أدخلت الحجرة برمتها في المسجد.

    فلا يجوز لعاقل أن يغتر بهذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم حذر من هذا عليه الصلاة والسلام وأبدى وأعاد في ذلك، فيجب الحذر مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأن لا يدفن إنسان في المسجد، وأن لا يقام مسجد على قبر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك فيجب الحذر، ولأنه وسيلة للشرك. نعم. نسال الله العافية.

    المقدم: بارك الله فيكم.

    بهذا أيها الإخوة المستمعون نأتي إلى ختام هذه الحلقة والتي عرضنا فيها رسائل (ح. م. ن. ص. السامرائي)، ومحمود أبو بكر عبد الجواد مصري مقيم في بريدة، ورسالة هيثم من الرياض، ورسالة أسعد عبد القادر من العراق، ورسالة جوده السيد الخزامي مصري مقيم بالمدينة، ورسالة محمد برير مالك من السودان، وأخيراً رسالة (ر. ح. ع) مصري يعمل بالخبر، عرضت جميعاً على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، فبارك الله فيه وأثابه الله، وشكر الله لكم حسن متابعتكم، وإلى الملتقى بإذن الله، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.