إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (232)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم أكل ذبائح النصارى الذين يقولون بالتثليث

    المقدم: أيها الإخوة في الله! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نحييكم بتحية الإسلام الخالدة، التي نستهل بها لقاءنا مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويسعدنا أن نلتقي بسماحته وأن يكون ضيف لقائنا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج نور على الدرب الذي يتولى فيها سماحته الإجابة مشكوراً على أسئلتكم واستفساراتكم.

    أولاً: نرحب باسم السادة المستمعين بسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: الرسالة الأولى وصلت إلى البرنامج من الأخ فخري عبد الوهاب آل جعفر من الجمهورية العراقية، محافظة الأنبار، يقول في رسالته وفي بدايتها: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم: (طعامكم حل لهم وطعامهم حل لكم) ولكن الذين يتخذون المسيح ابن الله وبقولهم: هو ثالث ثلاثة: الابن، والأب، وروح القدس، هل يؤكل ذبحهم أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فالسائل لم يذكر الآية على لفظها، ولفظها يقول الله عز وجل: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، فالله سبحانه وتعالى أحل لنا معشر الأمة المحمدية الطيبات من المآكل والمشارب والملابس وغير ذلك، وأحل لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، يقال لهم: أهل الكتاب، فطعامهم حل لنا، والطعام هو الذبائح كما قال ابن عباس وغيره طعامهم ذبائحهم، فإذا ذبحوا إبلاً، أو بقراً، أو غنماً، أو غيرها مما أباح الله من الصيود والدجاج ونحو ذلك، فهو حل لنا، وطعام المسلمين حل لهم أيضاً، وهذا كله إذا لم نعلم أنهم ذبحوه على غير الشرع، أما إذا علمنا أنهم أهلوه بغير الله، فهو حرام علينا؛ لأن الله حرم علينا ما أهل به لغير الله، إذا علمنا أن هذه الذبيحة ذبحوها للمسيح، أو ذبحوها لأمه، أو ذبحوها لآلهتهم المعبودة من دون الله لم تحل لنا، وهكذا إذا علمنا أنهم خنقوها خنقاً وما ذبحوها، فالمنخنقة محرمة علينا، وهكذا إذا علمنا أنهم ذبحوها على طريقة أخرى غير شرعية فلا تحل لنا، كالوقيذة التي يضربونها بالعمود أو بغيره، أو بالصرع الكهربائي، هذه لا تحل لنا.

    أما إذا كنا لا نعلم فذبيحتهم حل لنا، إذا جاءنا طعامهم من بلادهم أو جلبوه إلينا فإنا نشتريه ونأكله إلا إذا علمنا أنهم فعلوه على غير الطريقة الشرعية، يعني: ذبحوه على غير الطريقة الشرعية، وإلا فالأصل أنه حل لنا؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5] هذا هو المعتمد في هذه المسألة.

    1.   

    حكم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وغيره

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخ فخري عبد الوهاب آل جعفر من العراق محافظة الأنبار، يقول فيه: إذا دعونا الله سبحانه وتعالى، وتضرعنا له بالدعاء، وذكرنا في الدعاء أن يستجيب لنا سبحانه وتعالى بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء؛ لأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أصاب الجزيرة العربية قحط دعا الله بجاه عم محمد صلى الله عليه وسلم العباس أن يفرج عن الأمة، فهل هذا جائز أم لا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: التوسل بالجاه ليس بمشروع، وإنما المشروع التوسل بأسماء الله وصفاته، كما قال الله سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] يعني: اسألوا الله بأسمائه، كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم.. بأنك الجواد الكريم اغفر لي.. ارحمني.. اهدني سواء السبيل، ونحو ذلك؛ لأن الدعاء عبادة وقربة عظيمة، كما قال الله سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] وقال عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] الآية، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما من عبدٍ يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك، قالوا: يا رسول الله! إذن نكثر، قال: الله أكثر).

    فالمسلم إذا دعا وتضرع إلى الله فهو على خير عظيم، مأجور ومثاب، وقد تعجل دعوته وقد تؤجل لحكمة بالغة، وقد يصرف عنه من الشر ما هو أعظم من المسألة التي سأل، لكن لا يتوسل إلى الله إلا بما شرع، بأسمائه سبحانه وصفاته، أو بتوحيده سبحانه، كما في الحديث: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد)، أو بأعمالك الصالحة، تقول: يا رب! أسألك بإيماني بك، وإيماني بنبيك محمد عليه الصلاة والسلام، اللهم إني أسألك بحبي لك أو بحبي لنبيك محمد عليه الصلاة والسلام، أو اللهم إني أسألك ببر لوالدي، أو عفتي عما حرمت علي يا رب، أو ما أشبه ذلك، تسأله بأعمالك الصالحة التي يحبها وشرعها سبحانه وتعالى.

    ولهذا لما دخل ثلاثة فيمن قبلنا غاراً بسبب المبيت، وفي رواية أخرى أنه:بسبب المطر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إنها انطبقت عليهم صخرة من أعلى الجبل، فسدت عليهم الغار، لا يستطيعون دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذه المصيبة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعوا الله سبحانه وتعالى، فتوسل أحدهم بأنه كان باراً بوالديه، ودعا ربه أن يفرج عنهم الصخرة بسبب بره لوالديه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ثم قال الثاني: إنه كانت له ابنة عم يحبها كثيراً، وأنه أرادها لنفسه فلم تجب، فألمت بها حاجة شديدة وجاءت إليه تطلبه العون، فقال: لا، إلا بأن تمكنه من نفسها، فوافقت على ذلك بسبب حاجتها على أنه يعطيها مائة جنيه وعشرين جنيهاً، فلما جلس بين رجليها، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله وقام وترك الفاحشة، وترك الذهب لها، ثم قال: يا رب، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة عنهم بعض الشيء، لكنهم لا يستطيعون الخروج، ثم توسل الآخر بأدائه الأمانة، وأنه كانت عنده أمانة لبعض الأجراء، فنماها وثمرها حتى اشترى منها إبلاً وبقراً وغنماً ورقيقاً، وكانت أصراً من أرز، أو من ذرة، ثم جاءه الأجير يسأله حقه، فقال له: كل هذا من حقك، كل هذا الذي ترى من حقك، من إبل وبقر وغنم ورقيق، فقال له الأجير: اتق الله ولا تستهزئ بي، قال: إني لا أسخر بك، هو مالك، فأخذه كله، فقال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فانفرجت عنهم الصخرة وخرجوا).

    هذا بأسباب إيمانهم بالله وتوسلهم إليه بأعمالهم الصالحة، فالوسيلة الشرعية هي: التوسل بأسماء الله وصفاته، أو بتوحيده والإخلاص له، أو بالأعمال الصالحات، هذه الوسيلة الشرعية التي جاءت بها النصوص.

    أما التوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، فهذا لم يرد به الشرع؛ ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أنه غير مشروع، فالأولى تركه، وأن يتوسل الإنسان بالوسائل الشرعية التي هي أسماء الله وصفاته، أو بتوحيده، أو بالأعمال الصالحات، هذه الوسائل الشرعية التي جاءت بها النصوص.

    وأما ما فعله عمر رضي الله عنه فهو لم يتوسل بجاه العباس، وإنما توسل بدعائه، قال رضي الله عنه لما خطب الناس في يوم الاستسقاء لما أصابتهم المجاعة والجدب الشديد والقحط، صلى بالناس صلاة الاستسقاء وخطب الناس، وقال: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا فتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون).

    كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، يقولون: ادع لنا، فيقوم ويدعو لهم، يخطب الناس يوم الجمعة ويدعو، ويقول: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وهكذا في صلاة الاستسقاء، يتوسلون بدعائه، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لربه جل وعلا، وسؤاله الغوث، وهكذا قال للعباس : (يا عباس! قم فادع ربنا، فقام العباس ودعا، ورفع يديه ودعا الناس وأمنوا)، فسقاهم الله عز وجل، فهو توسل بعم النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه واستغاثته ربه عز وجل، وسؤاله إياه سبحانه وتعالى، لفضل العباس، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أفضل الصحابة، ومن خير الصحابة رضي الله عن الجميع.

    فإذا توسل المسلمون بالصالحين من الحاضرين عندهم بدعائهم، بأن يقول: يا فلان! يقول الإمام أو من ينوب الإمام، كولي الأمر: يا فلان! قم فادع الله، من العلماء الطيبين، والأخيار الصالحين، أو من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الطيبين، وقالوا في الاستسقاء: قم يا فلان فادع الله لنا، مثلما قال عمر للعباس، هذا كله طيب، أما التوسل بجاه فلان فلا أصل له، وينبغي تركه، بل هو من البدع، والله جل وعلا أعلم.

    1.   

    حكم ما تبقى من مال الحج عند الوكيل

    السؤال: السؤال الثالث والأخير في رسالة الأخ فخري عبد الوهاب آل جعفر ، يقول فيه: إذا حج شخص عن أحد المسلمين بالنيابة، وأعطاه وليه مبلغاً من المال، وبقي قسم من المبلغ، هل يجوز أن يتصرف به، علماً بأنه قد سامحه به، أم يرجعه؟ أجيبونا بارك الله فيكم، وجزاكم عن المسلمين كل خير؟

    الجواب: نعم، إذا أعطاه المال ليحج به وسامحه في البقية، فلا بأس، يتصرف فيه كيف يشاء، ينفق منه والباقي يصرفه في حاجاته، أما إذا أعطاه مالاً، وقال له: أنفق منه في حاجاتك ورد الباقي، فإنه ينفق منه لحاجاته من غير إسراف ولا تبذير ثم يرد الباقي.

    أما إذا كان أعطاه المال، وقال: هو لك، سواء بقي منه شيء أو ما بقي منه شيء، وسامحه في الباقي، فهذا لا حاجة إلى رده، هو ماله يتصرف فيه إذا أدى الواجب.

    1.   

    حكم لمس الجنب والحائض للكتب التي فيها آيات قرآنية

    السؤال: هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمعة أم عبد الله من الرياض، تقول في رسالتها، وفي سؤالها الأول: هل يجوز لمس الكتاب الذي توجد فيه آيات قرآنية، وأحاديث نبوية من قبل المرأة التي عليها عادة أو جنابة، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: نعم، لا بأس بذلك، لا بأس أن تلمس المرأة الكتاب الذي فيه آيات أو أحاديث، مثل: صحيح البخاري، مثل غيره من الكتب، مثل: زاد المعاد لـابن القيم، مثل الكتب الإسلامية التي فيها آيات وأحاديث، ومثل كتب التفسير كذلك، مثل تفسير ابن كثير وغيره، لا حرج أن تلمس المرأة الجنب والرجل الجنب ذلك، وهكذا الحائض والنفساء، لا حرج في ذلك، وإنما الممنوع القرآن نفسه، ليس للمرأة الجنب، ولا الحائض ولا المحدث أن يمس القرآن إلا على طهارة.

    1.   

    حكم لبس المرأة الملابس الضيقة

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة المستمعة أم عبد الله من الرياض، تقول فيه: إذا لبست المرأة ثوباً يبين معالم جسدها من ظهر وأكتاف وما يلي ذلك، هل هو حرام أم حلال، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: إذا كان الثوب ضيقاً يبدي حجم أعضائها وعورتها لم يجز، أما إذا كان وسطاً، يستر بدنها، ولا يبين حجم أعضائها فلا بأس به، وكذلك لابد أن يكون ساتراً، صفيقاً، فلا يكون رقيقاً؛ لأن الرقيق يبين العورة، يبين لو اللحم من حمرة وبياض ونحو ذلك، فلابد أن يكون صفيقاً ساتراً واسعاً بعض السعة، ليس بضيق يبين حجم إليتها وفرجها ونحو ذلك، بل يكون وسطاً في الأمور، لا واسعاً ولا ضيقاً، ويكون صفيقاً لا رقيقاً، ساتراً للبدن، والله أعلم.

    1.   

    حكم كشف المرأة ذراعيها

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة الأخت أم عبد الله: هل ظهور الذراعين من وراء العباءة، مع العلم بأنهما عاريتين حلال أم حرام، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الذراعان عورة، والكفان عورة عند جمع من أهل العلم أيضاً، لكن الذراعان أشد، فالواجب سترهما بغير العباءة، إذا كانت العباءة رقيقة تبين ما وراءها، فلابد من سترها بغير ذلك، كقميص ونحوه.

    1.   

    حكم قص المرأة شعرها

    السؤال: هل قص الشعر حرام أم حلال، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: قص الشعر إذا كان وافراً للتخفيف فلا بأس، فإذا قصت المرأة من شعرها للتخفيف فلا بأس، فقد ثبت أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قصوا من رءوسهن بعد وفاته عليه الصلاة والسلام للتخفيف، عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهن.

    فالمقصود أن القص إذا لم يكن لقصد التشبه بالرجال، ولا لقصد التشبه بالكافرات؛ وإنما تقص ذلك للتخفيف، فلا بأس بذلك.

    1.   

    التوبة والاستتار لمن أتى الكبائر

    السؤال: هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من الأخ المستمع السيد عمر السيد، مصري الجنسية ويعمل بالكويت، يقول في رسالته، وفي بدايتها: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى علمائنا الأفاضل أقدم إليكم هذين السؤالين عسى الله أن يهدينا إلى طريقه المستقيم:

    السؤال الأول: ما حكم الإسلام فيمن يزني أو يشرب الخمر أو يسرق في مجتمع لا يطبق الشرع وأراد أن يتوب إلى الله، هل توبته دون أن يقام عليه الحد في الدنيا تستوجب العذاب في الآخرة، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: إذا زنى المسلم، أو سرق، أو شرب المسكر، أو نحو ذلك من المعاصي؛ فإن الواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ثم الاستتار بستره سبحانه وتعالى حتى ولو كان في بلاد تقيم الحدود، ليس عليه أن يبين نفسه ويرفع أمره إلى القاضي؛ بل الواجب عليه التوبة إلى الله، والإنابة إليه، والندم على ما مضى من عمله السيئ، والعزم الصادق على ألا يعود إلى ذلك، مع الإقلاع وترك هذا الشيء تعظيماً لله، ورغبة في ثوابه سبحانه وتعالى، والله يتوب على التائبين، وليس عليه سوى ذلك، وليس عليه أن يرفع أمره إلى القضاة، أو إلى ولاة الأمور حتى يقيموا الحد؛ لا، حتى ولو كان في بلاد تقيم الحدود، بل يستتر بستر الله؛ مثل ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعز أن يستتر بستر الله لما جاء إليه يعترف.

    فالمقصود أن الواجب على المؤمن إذا فعل الفاحشة -وهكذا المؤمنة- إذا زنى، أو سرق، أو شرب الخمر، أو غير هذا من المعاصي التوبة إلى الله، والرجوع إليه، والندم على الماضي من سيئاته، والإقلاع منها، والعزم الصادق ألا يعود فيها، فإذا صدق في ذلك تاب الله عليه، كما قال الله سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8] فهذا يدلنا على أن التوبة تحصل بها المغفرة ودخول الجنة، لمن تاب صادقاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تهدم ما كان قبلها)، وقال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

    فعلى المسلم أن يتقي الله عز وجل دائماً، وأن يحاسب نفسه، وهكذا المسلمة عليها أن تتقي الله دائماً وتحاسب نفسها في جميع المعاصي، ثم البدار والمسارعة إلى الندم، والتوبة الصادقة بالإقلاع من الذنب وتركه خوفاً من الله وتعظيماً له، والندم على الفائت منه، والعزم الصادق ألا تعود إليه.

    وإن كان هناك مظالم، بأن ظلم أحداً في دمه، أو في ماله، أو في بشرته، أو في عرضه، فالواجب البدار بالتحلل من ذلك، أو إعطائه حقه، ولا تتم التوبة من حق المخلوق إلا بذلك، إما أن يعطيه حقه، وإما أن يستحله، وبذلك تحصل التوبة.

    1.   

    حكم الدخول على الزوجة بعد العقد دون إذن الولي

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة السيد عمر السيد يقول فيه: عقدت قراني على إحدى النساء بعد إعطائها المهر -أي: الصداق- وأردت أن أدخل بها، فرفض أبوها حتى أجهز لها ثلاث غرف كاملة، وأنا لا أستطيع ذلك، فهل يجوز لي أن أدخل بها دون علم أبيها، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: ليس لك الدخول بها إلا بعلم أبيها وأهلها؛ لئلا تتهم بالشر، ولئلا يقع بينكما فتنة، فالواجب عليك أن تنفذ ما قاله أبوها، أو تحتكم معه إلى الشرع إلى القاضي الشرعي، وأما أن تخالف ذلك وتخلو بها، وتتصل بها وحدكما فلا؛ لأن هذا يسبب شراً كثيراً وفتناً كثيرة، وعواقب وخيمة، فالواجب عليك الصبر وحل المشاكل بالطريقة الحسنة، والتفاهم مع والدها بتوسيط بعض المصلحين حتى يصلحوا بينكم، فإذا لم يتيسر الصلح، فبالترافع إلى القاضي الشرعي حتى يحل المشكلة التي بينكم، هذا هو الواجب عليك.

    1.   

    حكم من أفطر أثناء سفره ثم وصل إلى بلد إقامته

    السؤال: هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من الأخ صالح سعد العوفي المدينة المنورة، حي سيد الشهداء، يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، أرجو من فضيلتكم إجابتي على هذه الأسئلة:

    السؤال الأول: إذا أفطرت في رمضان وأنا على سفر، ثم وصلت محل إقامتي بعد العصر، فهل يجوز لي الأكل والشرب في محل إقامتي أم لا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: إذا كانت الإقامة لمدة أربعة أيام فأقل، فلك أن تأكل وتشرب؛ لأنك مسافر، أما إذا كانت المحلة التي قصدتها وتقيم فيها هي وطنك، أو تقيم فيها مدة طويلة أكثر من أربعة أيام وقد عزمت على ذلك، فإذا وصلت إليها فأمسك، أمسك حتى تغيب الشمس، وهكذا لو كنت مسافراً من بلاد بعيدة ووصلت إلى بلدك في رمضان ضحى أو ظهراً أو عصراً، فالصحيح من قولي العلماء أنك تمسك؛ لأنه زال العذر في الإفطار فتمسك حتى تغيب الشمس، لأنك صرت من أهل الصيام في هذه الحال.

    أما إذا كانت البلد التي قدمت إليها لك فيها حاجة، وتقيم فيها يوماً أو يومين ثم ترتحل عنها، فأنت مسافر، وهكذا ثلاث إلى أربع، فإذا نويت الإقامة أكثر من أربع فالصواب الذي عليه جمهور أهل العلم أنك تمسك عن رخص السفر، لا تفطر ولا تقصر.

    1.   

    حكم قراءة القرآن على غير طهارة

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخ صالح سعد العوفي ، يقول فيه: هل يجب علي أن أتوضأ قبل كل حصة من حصص القرآن الكريم، وأنا في المدرسة، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: ليس عليك الوضوء إذا كنت على طهارة، أو كانت القراءة عن ظهر قلب، فليس عليك أن تتطهر، أما إذا كانت القراءة من المصحف وقد أحدثت بعد الحصة الأولى فعليك أن تتطهر للحصة الثانية، وهكذا الثالثة، كلما أردت أن تقرأ من المصحف وأنت على غير وضوء، عليك أن تتطهر؛ لما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، وهكذا أفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن المحدث لا يمس القرآن، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم، الأئمة الأربعة وغيرهم.

    فالواجب عليك -يا أخي- إذا أردت القراءة من المصحف وأنت على غير طهارة أن تتوضأ الوضوء الشرعي، إما إن كنت على جنابة فليس لك أن تقرأ لا عن ظهر قلبك ولا من المصحف حتى تغتسل، والله ولي التوفيق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)

    السؤال: السؤال الثالث والأخير في رسالة الأخ صالح سعد العوفي يقول فيه :ما تفسير قول الله سبحانه وتعالى: إِِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] الآية، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذه الآية في قصة قارون ، قال له قومه: لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] المراد بذلك: الفرح الذي يصحبه الكبر، والبغي على الناس، والعدوان، والبطر، هذا المنهي عنه فرح البطر والكبر.

    أما الفرح بفضل الله وبرحمته ونعمه وإحسانه فهذا مشروع، كما قال الله عز وجل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] فالمؤمن يفرح أن الله هداه للإسلام، وأن الله أعانه على صلاة الجماعة، وأن الله أعانه على بر والديه، وصلة أرحامه، وأعانه على فعل الخير، هذا مشروع، ينبغي له أن يفرح بذلك، وأن يسر، بل يجب عليه أن يفرح بذلك، ويغتبط بهذا، ويحمد الله على ذلك.

    أما الفرح المذموم، فهو الفرح الذي يصحبه الكبر والتعاظم، والبطر، واحتقار الناس.

    1.   

    مدى صحة القول أن النبي صلى الله عليه وسلم أول رائد فضاء

    السؤال: هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع عمر الأمين الشيخ، سوداني مقيم بالقصيم، يقول في رسالته: بسم الله الرحمن الرحيم، أرجو الإجابة على سؤالي هذا: عندما كنت أدرس بالمرحلة المتوسطة طرح لنا أحد الأساتذة سؤالاً، وقال فيه: من هو أول رائد للفضاء؟ فأجبنا على سؤاله بأنه سوفييتي الجنسية، وقال لنا الأستاذ: الإجابة خطأ؛ إن أول رائد للفضاء هو: نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، عندما عرج به إلى السموات، وكانت مركبته البراق، هل هذا صحيح، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: لا نعلم شيئاً في الموضوع غير ما ذكره المجيب، فإنا لا نعلم أحداً عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس سوى نبينا عليه الصلاة والسلام، فإنه عرج به إلى السماء السابعة، حتى كان فوقها؛ وحتى سمع كلام الرب عز وجل، فهذا إذا عبر عنه بأنه رائد فضاء؛ فهذا له بعض الوجاهة؛ لكن ليس بصحيح أنه رائد فضاء، بل إنما عرج به إلى السماء إلى ربه عز وجل، ليفرض عليه ما يشاء سبحانه وتعالى، وليس المقصود من هذه الرحلة أن يجوب الفضاء، وأن ينظر فيه، المقصود من هذه الرحلة مع الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام هو أن يرتفع إلى الله، ويجوب السموات، حتى يصل إلى ما فوق السماء السابعة، وحتى يسمع كلام ربه، وليس المقصود أن يجوب الفضاء، فهذا الذي قاله المعلم له بعض الوجاهة من جهة أن الرسول صلى الله عليه وسلم شق الفضاء كله حتى جاوز السبع الطباق، لكن ليس هو المعنى المقصود عند الدول الموجودة اليوم؛ أمريكا والسوفيت وغيرهما، مقصودهم: اختبار الفضاء، واختبار ما فيه من العجائب، وليس المقصود هذا المعنى الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمجيب الذي قال: السوفييتي له وجه، والسائل الذي سألكم لقصده له وجه، ولكن ليس منطبقاً على مراد الناس اليوم ومقصودهم اليوم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرتحل ليجوب الفضاء، وإنما ارتحل بأمر ربه، ليتصل بالله عز وجل فوق السماء السابعة، ويسمع كلامه سبحانه، وليمتثل أمره جل وعلا، فالرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يرتحل هذه الرحلة العظيمة، ويسمع كلام ربه، وليفرض الله عليه هذه الصلوات العظيمة؛ التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والله ولي التوفيق.

    المقدم: أحسن الله إليكم، أيها الإخوة في الله! باسمكم جميعاً نشكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، على هذا اللقاء في برنامج نور على الدرب، الذي أجاب فيه سماحته مشكوراً على أسئلة الإخوة المستمعين: المستمع فخري عبد الوهاب آل جعفر ، العراق محافظة الأنبار، المستمعة أم عبد الله من الرياض، المستمع السيد عمر السيد مصري الجنسية ومقيم بالكويت، المستمع صالح سعد العوفي ، المدينة المنورة، حي سيد الشهداء، وأخيراً رسالة المستمع عمر الأمين الشيخ، سوداني مقيم بالقصيم.

    أيها الإخوة الأكارم! شكراً لكم على حسن إنصاتكم ومتابعتكم للبرنامج، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى من لقاءات الخير والبركة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.