إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (223)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم قراءة القرآن جماعياً والدعاء بعدها

    المقدم: أيها الإخوة في الله! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم جميعاً بكل خير وبركة، نحييكم بتحية الإسلام الخالدة التي نستهل بها لقاءنا مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    ويسعدنا أن نلتقي بسماحته، وأن يكون ضيف لقائنا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج: نور على الدرب، الذي يتولى فيها سماحته الإجابة مشكوراً على أسئلتكم واستفساراتكم.

    أولاً: نرحب باسم السادة المستمعين بسماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: هذه أول رسالة في البرنامج من الإخوة: رزق محمد رزق المصري ، وعابد هريسان فهيد ، يقولون: يوجد بالسجن بعض الأشخاص يجتمعون ويقرءون سورة (يس) بعدتها، ثم يتقدم أحدهم ويدعو والباقي يرفعون أيديهم ويؤمنون على دعائه، فهل هذا من الشرع والقراءة بعدد معين، وهو إلى مرة أو أكثر، وهل جاء في الشرع والقرآن والسنة ما يؤيد هذا أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع بأصحابه، ويقرأ القرآن في مجالسه عليه الصلاة والسلام ويذكر أصحابه ويعلمهم ويوجههم إلى الخير عليه الصلاة والسلام، وربما أمر بعض أصحابه أن يقرأ وهو يستمع، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ذات يوم: (يا عبد الله ! اقرأ علي القرآن، فقال: يا رسول الله! كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري عليه الصلاة والسلام، قال عبد الله : فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] قال: حسبك، قال عبد الله فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان) عليه الصلاة والسلام، يعني: يبكى لما تذكر هذا الموقف العظيم يوم القيامة عليه الصلاة والسلام، فإذا اجتمع السجناء أو الإخوان في مجلس، أو في أي مكان وقرءوا ما تيسر من القرآن وتدبروا وتعقلوا وتذكروا، هذا خير عظيم وفيه فضل كبير، ويستحب لمن يسمع القرآن أن ينصت حتى يستفيد ويتدبر، وإذا دعوا بعد القراءة بما شاء الله من الدعاء، فلا حرج في ذلك، لكن كونهم يعتادون تكرار (يس) أو غيرها عدداً معيناً هذا ما نعلم له أصلاً، ولكن يقرءون ما تيسر من يس، من البقرة ومن غير ذلك، يقرءون ما تيسر، أو يتدارسون من أول القرآن إلى آخره، هذا يقرأ ثم يقرأ الآخر وهكذا، أو يقرأ هذا ثم يعيد القراءة هذا حتى يستفيدوا جميعاً ويتدبروا، أما تخصيص عدد معين من تكرار السورة، هذا لا أعلم له أصلاً، وكذلك رفع الأيدي لا أعلم أنه وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في اجتماعاته مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    فالأولى: أن يكون الدعاء بما تيسر من غير رفع أيدي ومن غير دعاء جماعي، بل كل يدعو لنفسه بما تيسر بينه وبين نفسه، هذا هو الذي نعلمه من السنة.

    ولكن ينبغي بكل حال التدبر والتعقل وأن تكون القراءة مقصودة، ليس مجرد الألفاظ فقط، ولكن يعتني المؤمن بما يقرأ وبما يسمع ويتدبر، لقوله عز وجل: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29].

    فالمقصود من القراءة: التدبر والتعقل والعمل والفائدة، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    حكم بناء المساجد التي على القبور والصلاة فيها والتعريف بالقاديانية

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخ: رزق محمد رزق المصري، والأخ: عابد هريسان فهيد، يقولون فيه: ما هو حكم المساجد التي بها قبور بعض الصالحين، هل تصح الصلاة فيها أم لا؟ وهل يصح النذر لهؤلاء المشايخ أفيدونا أفادكم الله، وما هو حكم الشرع في أصحاب الطرق الموجودة حالياً في أكثر الدول الإسلامية أمثال: الصوفية، والبومية، والبهائية، والمعتزلة وغيرها من الطرق، وما حكم ما يذكرونه من الصلوات النارية، والتسبيح بأعداد كبيرة، وقراءة القرآن بأعداد أيضاً أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أما المساجد التي تبنى على القبور فحكمها الهدم؛ فلا يجوز بقاؤها، ولا أن يصلى فيها، لما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا)، متفق على صحته.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) خرجه مسلم في الصحيح.

    فبين صلى الله عليه وسلم أن الله لعن اليهود والنصارى بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وبين صلى الله عليه وسلم أن الواجب على المسلمين أن يتجنبوا ذلك، وأن لا يتأسوا باليهود والنصارى في هذا الأمر، فدل ذلك على أنه لا يجوز اتخاذ المساجد على القبور، ولا يصلى فيها؛ لأن هذا يسبب ويفضي إلى الشرك بها وعبادتها من دون الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ومن هذا ما رواه مسلم في الصحيح عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن تجصيص القبر، وعن القعود عليه، وعن البناء عليه)، فالقبور لا تجصص ولا يبنى عليها لا مساجد ولا غيرها، وما ذاك إلا لأن اتخاذها مساجد والبناء عليها من أسباب الغلو فيها، وعبادة أهلها من دون الله، بالنذر لهم، والذبح لهم ونحو ذلك.

    فلهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، وأخبر أن الله لعن اليهود والنصارى بأسباب ذلك.

    فالواجب على المسلمين أن يحذروا هذا، وأن لا يبنوا على القبور مساجد، وأن لا يبنوا عليها شيئاً لا قبة ولا حجرة، ولا مسجد ولا تجصص؛ لأن الرسول نهى عن هذا عليه الصلاة والسلام وحذر منه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه.

    أما إن كان المسجد المبني قائماً قبل ذلك ثم دفن فيه ميت فهذا الميت ينبش، إذا كان المسجد موجوداً ولكن حدث فيه أن دفن فيه ميت أو أموات فالواجب نبش هذه القبور وجعلها في المقابر العامة، حتى يبقى المسجد سليماً من القبور هذا هو الواجب، وبهذا يصلى فيها إذا نبشت؛ لأنه هو القديم وهو الأصل، أما إذا كانت القبور هي الأصلية ثم حدث المسجد، فالواجب هدمه وإزالته وأن تبقى القبور كسائر القبور ضاحية ليس عليها بناء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وأصحابه، في البقيع وفي غير البقيع.

    ولا يخفى ما يترتب على بناء المساجد على القبور، واتخاذ القباب عليها وفرشها وتنويرها وتطييبها، لا يخفى ما يترتب على هذا من الغلو فيها وتعظيم أهلها وعبادتهم من دون الله، بالنذر لهم ودعائهم وطلب منهم المدد، وهذا شرك أكبر، دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم هذا من الشرك الأكبر عند جميع أهل العلم المعتبرين، وهو مثل دعاء الأصنام ومثل دعاء الأشجار والأحجار، ومثل دعاء الكواكب والاستغاثة بها، كله شرك بالله عز وجل، وتعظيمها ببناء المساجد عليها والقباب وسيلة إلى ذلك، وأما الطرق التي أحدثها الناس، طرق الصوفية والبهائية والقاديانية وغيرها فهي طرق منكرة محدثة يجب أن تعرض على كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فما وافق سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أو وافق كتاب الله قبل، وما خالف ذلك مما أحدثه الناس فإنه يرد ويطرح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم ، يعني: مردود، وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني: فهو مردود، متفق على صحته، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) خرجه مسلم في الصحيح.

    فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ما أحدثه الناس، من الطرق التي تخالف شرع الله عز وجل، سواء كانت صوفية أو غير صوفية، الواجب عرض ما أحدثه الناس من الطرق على كتاب الله، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافقهما أو أحدهما قبل وما خالفهما رد على من أحدثه، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] فأمر سبحانه برد ما تنازع فيه الناس إلى الله ورسوله معنى: (إلى الله): إلى كتابه العظيم، ومعنى (إلى الرسول): يعني: إليه في حياته صلى الله عليه وسلم وإلى سنته بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، هكذا قال أهل العلم رحمة الله عليهم، وهكذا قال سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] لكن البهائية طائفة كافرة، معروف كفرها بما لديها من دعوى النبوة للبهاء ، وربما ادعوا أنه الله! فهي طائفة كافرة يجب الحذر منها، ويجب على الدول الإسلامية إبعادها والقضاء عليها وعدم إقرارها في البلاد، وهكذا القاديانية طائفة كافرة؛ لأنها تثبت النبوة لـمرزا غلام أحمد القادياني وهذا كفر وضلال؛ لأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ليس بعده نبي، قال الله عز وجل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواتر عنه، أنه قال: (أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) فدعوى القاديانية: أن مرزا غلام أحمد أنه نبي وأنه يوحى إليه، هذا كفر مستقل وردة كبرى عند أهل العلم، فيجب الحذر منهم وعدم إقرارهم حتى يستجيبوا لله ورسوله، وحتى يتوبوا من هذه العقيدة، وحتى يرجعوا عن هذا الباطل والمنكر، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

    1.   

    حكم الإكثارمن الذكر

    السؤال: أيضاً في سؤاله، يقول: ما حكم ما يذكرونه من الصلوات النارية والتسبيح بأعداد كبيرة وقراءة القرآن؟

    الجواب: الصلوات النارية لا أعرفها، لكن تعرض على الكتاب والسنة، فإن كانت صلاة توافق الصلاة التي أتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فتقبل، يصلي الإنسان كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، في الفريضة والنافلة، أما صلاة لها صفات زائدة، أو أحوال زائدة على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا إليه وشرعه للأمة فلا تقبل.

    والتسبيح كله طيب إذا كان موافقاً للشرع، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ولو كثر، ولو قال آلافاً، أو سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أو لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذا ينبغي الإكثار منه، الله سبحانه يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبق المفردون، قيل: يا رسول الله! ما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) خرجه مسلم في الصحيح.

    فالإكثار من ذكر الله أمر مطلوب إذا كان على الوجه الشرعي، أما ذكر مقيد بالقيود أو طريقة خاصة غير ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يقبل، فيكون من البدع. فلا بد أن يكون الذكر على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الطريقة المحمدية التي بينها الرسول لأمته عليه الصلاة والسلام، وهكذا الأذكار بعد الصلوات تؤدى كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الطريقة التي كان يفعلها ويعلمها أمته عليه الصلاة والسلام بعد الصلوات، وكل شيء يخالف ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وما شرعه للأمة يطرح.

    1.   

    حكم المخدرات والخمر

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة الأخ: رزق محمد رزق المصري ، وعابد هريسان فهيد من جدة يقولون فيه: ما هو حكم تحريم الخمر، وما حكم تحريم المخدرات الموجودة حالياً والتي لم تكن موجودة في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، أمثال الحبوب وغيرها؛ لأن بعض أصحاب المخدرات هؤلاء لا يقرون بذنب، ولا يعترفون بأن المخدرات هذه أفسدت كل شيء من الزرع والنسل، وأفسدت معظم العائلات، وجرت الويل والدمار على أصحاب العائلات والمسلمين جميعاً، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم بين حكم الخمر، من أي شيء كانت، يقول عليه الصلاة والسلام: (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) ويقول: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) فكل شيء يسكر مأكولاً أو مشروباً أو من طريق الحبوب، أو من طريق التدخين كله محرم، كل ما أسكر أو أضر بالعباد فإنه محرم، بنص الرسول عليه الصلاة والسلام، فجميع أنواع المسكرات المأكولة والمشروبة كلها محرمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام) قال: (كل شراب أسكر فهو حرام)، قال: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)، (ما أسكر كثيره فقليله حرام) هذا يعم كل شيء، فالحبوب الضارة أو المخدرة أو الشراب أو المأكول كالحشيشة كل شيء يحصل به هذا المعنى من إسكار ومضرة على متعاطيه فإنه محرم، حتى ولو لم يسكر، إذا كان يضر بصاحبه ويسبب عليه أضراراً بينة فإنه محرم، كالتدخين وغيره مما يتعاطاه الناس مما يضر ولكنه لا يسكر، فإن أسكر فهو محرم لإسكاره، وإن أضر فهو محرم لإضراره وإفساده الأبدان وإضراره بالعقول.

    فما أسكر وأضر بالعقول فهو محرم منكر، من حبوب أو شراب أو مأكول أو غير ذلك، وهكذا ما عرف أنه مضر بشهادة الأطباء العارفين به، أو بالتجارب ما عرف أنه يضر فهو محرم ومنكر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ولقوله سبحانه: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    فالله حرم علينا ما يضرنا ويضر عقولنا وأبداننا، وحرم علينا كل شيء يسكر؛ لأنه يغطي العقول ويضرها ويفضي بها إلى أنواع الفساد، فقد يقتل الخمار المخمور، قد يزني وقد يسرق إلى غير هذا من الفساد العظيم المترتب على الخمر، وقد قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] وهذه الكلمة (فاجتنبوه) تدل على شدة التحريم، يعني: ابتعدوا عنه غاية الابتعاد، مثلما قال سبحانه وتعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30] فهي أبلغ من قول: (فاتركوه) ثم قال سبحانه: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91] ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه لما سمع هذه الآية قال: انتهينا انتهينا.

    فالله بين لنا أن الخمر والميسر وهو القمار رجس من عمل الشيطان، وهذا يدل على شدة التحريم وقال: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] فعلق الفلاح باجتناب هذه الأمور، وبين أنها من أسباب العداوة والبغضاء فوجب على أهل الإسلام أن يحذروها وأن يبتعدوا عنها، وأن يتناصحوا بتركها، وأن ينكروه على من فعلها، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم الطرق والفِرق والعبادات المحدثة

    السؤال: السؤال الرابع والأخير يقولون فيه: هل المحل والنحل الموجودة حالياً والطرق هي التي ينطبق فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أتى في ديننا هذا ما ليس عليه أمرنا فهو رد) والقول الآخر: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) أفيدونا بالصواب جزاكم الله خيراً.

    الجواب: كل طريقة وكل نحلة يحدثها الناس تخالف شرع الله، هي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وداخلة في الحديث الصحيح، قوله صلى الله عليه وسلم: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله!!؟ قال: هي الجماعة) وفي رواية أخرى: (ما أنا عليه وأصحابي) فكل طريقة، أو عمل أو عبادة يحدثها الناس يتقربون بها إلى الله ويرونها عبادة، ويرجون فيها الثواب وهي مخالفة لشرع الله، فإنها تكون بدعة، وتكون داخلة في هذا الذم والعيب، الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فالواجب على جميع أهل الإسلام أن يزنوا ويعرضوا أقوالهم وأعمالهم وعباداتهم بما قاله الله ورسوله، وبما شرعه الله، وبما ثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافق شرع الله الذي جاء في كتابه، أو فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الحق المقبول، وما خالف كتاب الله أو خالف السنة من عبادات الناس وطرقهم فهو المردود، وكله داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وهذا يتعلق بكل ما يتعبد به الناس، وبما يقصد به الناس القربة. أما ما أحدثه الناس من الصنائع والاختراعات كالسلاح أو في المركوبات أو في الملابس أو في المآكل فهذا لا يدخل وليس له تعلق بالعبادات، وإنما الحديث يتعلق بالعبادات والطرق التي يتعبد بها الناس ويتقربون بها إلى الله، هذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وهذا يدخل في ذلك العقود المخالفة لشرع الله، تدخل في هذا أيضاً، كل عقد يخالف شرع الله فإنه يرد.

    1.   

    ما يجب على المحدّة وما يباح لها

    السؤال: هذه رسالة من المواطنة من العراق: خمرية سلمان بني العراق -بغداد- الدورة، مدينة المهدي، تقول الأخت: خمرية في رسالتها:

    بسم الله الرحمن الرحيم. تحية طيبة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إنني امرأة ترملت بعد وفاة زوجي رحمة الله عليه، مما جعلني ألتزم العدة عليه، وبعد التزامي بالعدة وضعت أمامي عدة أسئلة حول العدة حسب أقوال الجيران والأقارب هي: عدم مشاهدة أي شخص حتى لو كان هذا الشخص طفلاً يبلغ من العمر سنة واحدة، كذلك عدم مشاهدة أي شخص حتى لو كان مشاهدة عفوية أي: من خلف النافذة أو سياج الحديقة، وحسب قولهم أيضاً: أنه عندما أشاهد أي شخص من الأشخاص، يجب علي أن أعيد العدة مرة أخرى، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذه أقوال لا أساس لها من الصحة، هذه أقوال باطلة من كيس العامة ومن كذبهم وعدم بصيرتهم، فهم يكذبون أشياء ويقولونها ليس عليها حجة ولا برهان، فكل هذا لا أصل له، فالمحادة والمعتدة لها أن تنظر الأطفال وغير الأطفال، تنظر إلى الرجال من دون خلوة ومن دون شهوة، فإذا مر بها الرجل ورأته من النافذة أو في الطريق أو رأت الصبي ولو ابن سبع أو ابن عشر أو أكثر من ذلك كل هذا لا حرج فيه، وليس في هذا بأس، وإنما هذا من كلام العامة الذي لا أصل له، فللمرأة المحادة أن تنظر إلى الرجال نظراً ليس فيه خلوة وليس فيه ريبة ولا شهوة، النظر العام من الطرق ومن النوافذ ونظر الصبيان وكذلك لها أن تسلم على جيرانها وعلى أقاربها من دون مصافحة، تسلم عليهم إذا سلموا عليها، من طريق الهاتف أو من طريق الباب، من دون خلوة لا بأس بذلك، ومن دون ريبة فلها أن تسلم على أقاربها وعلى غير أقاربها، لكن إذا كانوا غير محارم ليس لها أن تصافح أحداً ليس محرماً، وليس لها أن تكشف له بل تكلمهم من رواء حجاب، تكون مستورة الوجه والبدن، تكلم من كلمها تسلم من سلم عليها، من أقارب وجيران وغيرهم، ترد على الهاتف إذا كلمت بالهاتف، كل هذا لا حرج فيه والحمد لله.

    وإنما المطلوب منها خمسة أمور:

    الأمر الأول: أن تبقى في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، إذا كان صالحاً للبقاء فيه تبقى فيه حتى تكمل العدة، أما إن كان خارباً أو أهله طلبوه؛ لأنه مستأجر فطلبه أهله أو تمت المدة، أو ما عندها أحد يؤنسها فتستوحش فلا بأس أن تنتقل إذا لم يتيسر لها من يؤنسها.

    ثانياً: ليس لها أن تلبس الملابس الجميلة، بل تلبس ملابس ليست بجميلة، لا تلفت النظر كالأسود والأزرق والأخضر ونحوها، هذا هو الواجب عليها، أما الملابس الجميلة فتتركها.

    الثالث: تجتنب الطيب من البخور والعود والعنبر وغيرها من أنواع الأطياب، تجتنب الطيب حتى تنتهي عدتها، إلا إذا طهرت من حيضها إذا كانت تحيض فلا بأس أن تتعاطى البخور، وقت الطهر من حيضها.

    الرابع: تجنب الحلي من الذهب والفضة والماس، لا تلبس هذه الحلي حتى تنتهي من عدتها.

    الخامس: عدم الكحل والحناء والمكياج، هذه الزينة تجتنبها أيضاً حتى تنتهي من عدتها، هذه خمسة أمور هي المطلوبة من المحادة، أما ما سواها فهي مثل الناس تكلم من شاءت تنظر إلى الرجال نظراً لا حرج فيه كما تقدم، تصافح محارمها كإخوانها وأخوالها وأعمامها، تكلم من طريق الهاتف من كلمها، إلى غير هذا مما يفعله النساء الأخريات، ما عدا الخمسة التي بينا، والله ولي التوفيق.

    1.   

    مقدار المال الواجب معه الحج

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخت: خمرية سلمان بني من العراق تقول فيه: أنوي الذهاب إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، وأملك مبلغاً من المال قدره ألف دينار، فما هو المبلغ المخصص لكي أؤدي فريضة الحج؟ أفيدونا أفادكم الله.

    الجواب: ليس للحج مئونة مخصصة، بل حسب الطاقة، يقول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لما سئل عن الإسلام قال: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً) فإذا استطاع الرجل أو المرأة المئونة فعليهم الحج، والمئونة تختلف في كل زمان ومكان، فالرحيل من العراق إلى مكة له حال، والرحيل من أمريكا إلى مكة له حال، والرحيل من المغرب إلى مكة له حال، فعلى كل حال على المؤمن الحج إذا استطاع، إذا كان عنده من النفقة ما يكفي لذهابه وإيابه، ولنفقة من يبقى بعده في البيت من العوائل إذا استطاع ذلك حج، فإن لم يستطع فلا شيء عليه، وليس لهذا حد محدود، بل المطلوب القدرة على نفقة السيارة، أجرة السيارة أجرة الطائرة، نفقة الطريق، النفقة في مكة، النفقة في الرجوع.. إلى غير هذا من توابع الحج، فإذا استطاع الرجل أو المرأة هذه النفقة فعليهما الحج، وإن لم يستطيعا فلا حج عليهما، والحمد لله.

    1.   

    حكم زكاة الحلي ومقدارها

    السؤال: السؤال الثالث و الأخير في رسالة الأخت خمرية من العراق تقول فيه: أملك سيغة ذهبية قيمتها تقدر بتسعين ديناراً، وقد اشتريتها في زمان الرخص، فما هي قيمة الزكاة، وهل صحيح أنه في كل سنة تدفع زكاة عنها، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: فيه خلاف بين العلماء، فبعض أهل العلم يرون أن الحلي من الذهب والفضة ليس فيها زكاة، ولكن الراجح والصواب أن فيه الزكاة إذا بلغت النصاب، فهذه الحلية التي عندك فيها الزكاة، ومقدارها ربع العشر، من كل ألف خمس وعشرون، إذا كانت تساوي ألفاً فالزكاة خمس وعشرون، ألفين خمسون وهكذا ربع العشر، هكذا بينها النبي عليه الصلاة والسلام.

    فالواجب على من لديها الحلية التي تبلغ النصاب إذا حال عليها الحول أن تخرج ربع العشر من قيمتها، وربع العشر خمسة وعشرون في الألف، خمسون في الألفين وهكذا.

    المقدم: أيها الإخوة في الله! باسمكم جميعاً نشكر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، على هذا اللقاء في برنامج نور على الدرب، الذي أجاب فيه سماحته مشكوراً على أسئلة الإخوة المستمعين: رزق محمد رزق المصري ، وعابد هريسان فهيد من جدة، وأخيراً رسالة المستمعة: خمرية سلمان بني من العراق، بغداد الدورة مدينة المهدي.

    أيها الإخوة الأكارم! شكراً لكم على حسن إنصاتكم ومتابعتكم للبرنامج، وإلى لقاء آخر إن شاء الله من لقاءات الخير والبركة.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.