إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (221)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حقيقة الشرك

    المقدم: أيها الإخوة في الله! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم جميعاً بكل خير وبركة.

    نحييكم بتحية الإسلام الخالدة التي نستهل بها لقاءنا مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    ويسعدنا أن نلتقي بسماحته، وأن يكون ضيف لقائنا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج نور على الدرب، الذي يتولى فيها سماحته الإجابة مشكوراً على أسئلتكم واستفساراتكم.

    أهلاً ومرحباً بكم سماحة الشيخ.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: وهذه أول رسالة في البرنامج وردت من جماعة من الإخوة من الأردن الشقيق، يقولون فيها: ما هو الشرك أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الشرك هو أعظم الذنوب، وهو أعظم الجرائم، وهو الذي جرى بين الرسل وبين الأمم فيه النزاع، فالأمم كانت على الشرك إلا من هداه الله وحفظ من أفراد الناس، والرسل تدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وكان هذا الشرك قد حدث في قوم نوح بأسباب غلوهم في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، لما غلوا فيهم وعظموهم التعظيم الذي نهى الله عنه، وقعوا في الشرك بعد ذلك، وصاروا يستغيثون بهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، فلما ظهر فيهم هذا الشرك بعث الله إليهم نوحـاً عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم هذا الشرك ويحذرهم منه، ولم يزل فيهم يدعوهم إلى الله ويأمرهم بالإخلاص لله سبحانه وتعالى والتوبة إلى الله من شركهم، ولكنهم استمروا على طغيانهم وضلالهم إلا القليل، فبعد ذلك أمره الله بصنع السفينة وأن يحمل فيها من آمن معه ومن كل زوجين اثنين، وأهلك الله أهل الأرض وأغرقهم بسبب كفرهم وشركهم بالله سبحانه وتعالى.

    وهكذا بعد ذلك الأمم من قوم هود وقوم صالح ومن بعدهم، أرسل الله إليهم الرسل تدعوهم إلى توحيد الله، وتنذرهم الشرك بالله عز وجل، ولم يؤمن إلا القليل، وأكثر الخلق غلب عليه طاعة الهوى والشيطان، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء وهو أفضلهم وإمامهم بعثه الله إلى هذه الأمة لينذرها الشرك بالله، ويدعوها إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وكان الشرك في وقته قد انتشر في الأرض وعم، ولم يبق على التوحيد إلا البقايا القليلة من أهل الكتاب، فأنذرهم عليه الصلاة والسلام من هذا الشرك، وكانوا يتعلقون بالأشجار والأحجار والأصنام، ويدعون الأنبياء والصالحين ويستغيثون بهم، وينذرون لهم، ويقولون: إنهم شفعاؤنا عند الله، وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، قال الله سبحانه راداً عليهم: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، هذا شأن المشركين يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار والأولياء والأنبياء، وبهم يستغيثون، ولهم ينذرون، وإليهم يتقربون بالذبائح، هذا هو الشرك الأكبر، وهذا هو الذي أنكرته الرسل، وأنكره أتباعهم من دعاة الحق، وقال الله فيه سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقال فيه سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وقال فيه سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وقال فيه عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وفي الآية الأخرى: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136]، وبهذا نعلم حقيقة الشرك، وأنه تشريك غير الله مع الله بعباده سبحانه وتعالى من أولياء أو أنبياء أو جن أو ملائكة أو أحجار أو أصنام أو شجر أو غير ذلك، هذا هو الشرك الأكبر، وهذا هو الذنب الأعظم الذي نهت عنه الرسل، وأنزل الله فيه الكتب سبحانه وتعالى، وتوعد عليه عز وجل بعدم المغفرة وبعدم دخول الجنة، وهكذا يلحق بذلك جميع أنواع الكفر، كلها حكمها حكم الشرك، كمن سب الله، أو سب رسوله، أو استهزأ بالدين، أو تنقص الرسول صلى الله عليه وسلم، أو طعن في رسالته عليه الصلاة والسلام، أو جحد بعض ما أوجب الله من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كأن جحد وجوب الصلاة، الصلوات الخمس، أو جحد وجوب زكاة المال، أو جحد وجوب صوم رمضان، أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة، أو جحد تحريم الزنا، أو جحد تحريم الخمر، أو جحد تحريم السرقة، أو ما أشبه ذلك، كل هذا يسمى كفراً ويسمى شركاً بالله عز وجل، وصاحبه إذا مات عليه يخلد في النار نعوذ بالله، والجنة عليه حرام، وأعماله حابطة، كما قال سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقال عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5].

    والواجب على جميع المكلفين الحذر من هذا الشرك، وأن يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة لغير الله، وتثبت العبادة لله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وهذا التوحيد هو الذي خلق الله من أجله الثقلين، كما في قوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، المعنى: إلا ليخصوني بالعبادة، ليفردوني بعبادتي، من صوم وصلاة ودعاء وخوف ورجاء وغير ذلك، فهذا هو واجب المكلفين جميعاً أن يعبدوا الله وحده، ويخصوه بعباداتهم دون كل ما سواه.

    أما الرسل والأنبياء فحقهم الاتباع والمحبة والطاعة، أما العبادة فحق الله سبحانه وتعالى، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] .. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] .. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    وهكذا الأولياء حقهم أن يحبوا في الله، وأن يسلك سبيلهم الطيب، في طاعة الله ورسوله، أما أن يعبدوا مع الله فلا، العبادة حق الله، لا يعبد مع الله أحد لا ملك ولا نبي ولا ولي ولا غير ذلك.

    والواجب على جميع المكلفين أن يكون اهتمامهم بهذا الأمر أعظم اهتمام؛ لأن التوحيد هو أصل الدين وأساس الملة، وهو أعظم وأهم واجب؛ ولأن الشرك هو أعظم الذنوب وأكبر الجرائم، فوجب أن يكون اهتمام المسلمين واهتمام طلاب العلم بهذا الأمر أعظم من كل اهتمام، وأولى من كل أمر، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

    1.   

    حكم الصلاة خلف من يتوسل بالجاه والبركة لفلان

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الجماعة من الأردن، يقولون فيه: لنا إمام مسجد يقول: إنه يجوز للإنسان أن يسأل الله ببركة فلان: اغفر لي يا رب ببركة فلان أي: أحد الصالحين مثلاً، فهل هذا نوع من الشرك؟ وهل تجوز الصلاة خلفه؟ في نفس الوقت لا يصرح بها شفهياً إلا إذا سألناه، وهذا الإمام يكتب الحجاب والبخورات للناس لطرق علاج، هل نصلي خلفه أم لا أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذا ليس من الشرك ولكنه من وسائل الشرك، التوسل ببركة فلان، أو بحق فلان، أو جاه فلان، أو نأتي فلاناً هذا من وسائل الشرك وليس من الشرك بل هو بدعة عند جمهور أهل العلم؛ لأن التوسل عبادة لابد لها من توقيف، لابد لها من بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم أو من الله عز وجل، والله سبحانه بين لنا وهكذا رسوله صلى الله عليه وسلم بينا وسائل العبادة، وأن المشروع أن يتوسل إلى الله في دعائنا إياه بأسمائه، كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وهكذا صفاته سبحانه وتعالى، وهكذا التوسل بالتوحيد: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت)، كما جاء في الحديث، وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات، فيتوسل المؤمن بإيمانه بالله ورسوله، بمحبته لله ورسوله، ببره لوالديه، بأدائه الأمانة، بعفته عن الفواحش، بالمحافظة على الصلوات إلى غير ذلك.

    وفي هذا الباب قصة أهل الغار، وهو الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن ثلاثةً من الناس ممن كان قبلنا آواهم المبيت -وفي رواية: المطر- إلى غار فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة سدت عليهم الباب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم إنهم فيما بينهم قالوا: (لن ينجيكم من هذا الأمر إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم)، فقام أحدهم فسأل ربه ببره لوالديه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثاني فسأل الله بعفته عن الفاحشة -عن الزنا- فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثالث فتوسل إلى الله بأدائه الأمانة، فانفرجت الصخرة وخرجوا، فهذا دليل على أن التوسل بالأعمال الصالحات وسيلة شرعية، وهكذا التوسل بأسماء الله وصفاته، وهكذا التوسل بتوحيده والإخلاص له، أما التوسل بجاه فلان أو بركة فلان أو حق فلان فهذا لا أصل له ولا يجوز، بل هو من البدع، ولكن ليس من الشرك، والصلاة خلف الإمام الذي يقول هذا صحيحة، لكن ينبغي أن يعلم ويوجه إلى الخير، فإن عرف الحق وامتثل وتاب إلى الله من ذلك فالحمد لله، وإلا فالواجب أن يبدل بغيره، الواجب على المسئولين أن يلتمسوا إماماً أصلح منه للمسجد، حتى لا يضر الناس، وهكذا إذا كان يتعاطى كتابة الحجب وهي التمائم هذا أيضاً منكر، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقطع التمائم، وقال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)، وأخبر أنها شرك، فلا يجوز كتابة التمائم، لا من العظام ولا من الخرز ولا من الطلاسم ولا من غير ذلك، واختلف العلماء فيما إذا كانت التمائم من القرآن على قولين: أحدهما: الجواز، والثاني: المنع، والصواب: المنع، أنه لا يجوز اتخاذ التمائم والحجب حتى ولو من القرآن في أصح قولي العلماء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التمائم وأطلق وعمم، فلا يجوز استثناء شيء من ذلك؛ ولأن تعليق التمائم من القرآن وسيلة إلى تعليق غيرها، فينفتح الباب ويقع الشرك، وسد الذرائع أمر معلوم من الشريعة وأصل من أصولها؛ ولأن تعليقها قد يفضي إلى امتهان الآيات القرآنية فوجب منع ذلك.

    وأما البخور فشيء آخر، البخور قد يعالج بعض الأمراض بالبخور، ولكن بعض من يدعي الطب قد يتظاهر بأشياء وعنده أشياء أخرى، قد يتظاهر بالتمائم أو بالبخور وهو يتعاطى خدمة الجن وسؤال الجن، ودعوى علم الغيب بواسطة الجن، ومثل هذا خطره عظيم، فالواجب أن ينكر على هذا، وأن يوجه إلى الخير، وأن يعلم حتى يستفيد، وحتى ينتبه لهذا الخطر، فإن استقام وتاب إلى الله وشرع الطريق السوي وإلا فالواجب إبداله بغيره من أئمة المسلمين الذين عندهم العناية بأمر الله، وعندهم صلاح العقيدة وسلامة الدين، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم سماع واستعمال المعازف

    السؤال: هذه رسالة بعثها مرسلها وبدأ بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: أرسل رسالتي أنا المرسل (أ . ب. ج) من القطر العراقي، من محافظة أربيل، أبعث بالتبريكات ومع كل احترامي لبرنامجكم الناجح الذي يذكرنا ويوعظنا بآيات الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتجنب عن كل أمر فاسق، والله ولي التوفيق، إني أحمل في رسالتي هذه مجموعةً من الأسئلة التي هي ليست لي وحدي وإنما معي أصحابي، ولكننا جمعناها في رسالة واحدة لتعم الفائدة، ونرجو أن تجيبوا عن الأسئلة بما يرضي الله ثم يرضينا؛ لأن فيه بعض الأسئلة التي تهم جميع شبابنا في العالم الإسلامي. السؤال الأول يقولون فيه: إننا نحب الاستماع إلى الأغاني والموسيقى بأنواعها، وفينا أيضاً من هو عازف، فأردنا معرفة الموقف من الإسلام في هذا الموضوع، فهل ذلك حرام أم ماذا أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الاستماع للأغاني والمعازف والموسيقى من جملة الملاهي المحرمة، والواجب على المؤمن ألا يستمع إليها، وألا يكون عاملاً فيها ولا عازفا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا من أنه (يأتي في آخر الزمان قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، والمعازف هي: آلات الملاهي والغناء بها كله يسمى عزفاً، فالغناء عزف، وآلات الملاهي تسمى معازف، والأصل في هذا الباب قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [لقمان:6] قال أكثر أهل العلم: لهو الحديث: الأغاني، ويلحق بها كل صوت منكر من المزامير والموسيقى وغير هذا من أصوات الملاهي، وبين الله سبحانه وتعالى أن هذه الآلات وهذه المعازف تضل أهلها قال: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [لقمان:6]، وفي القراءة الأخرى: لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيل اللَّهِ ، فدل ذلك على أن شراءها يعني: اعتياضها واستعمالها، فقد يشتريها بالمال وقد لا يشتريها بالمال، وقد يختارها ويستعملها فيضل بها عن سبيل الله يعني: عن دينه، ويضل بها غيره، فالواجب تركها والحذر منها حفاظاً على دين المؤمن؛ وحفاظاً على قلبه من الزيغ والرين والانحراف عن الهدى، والله جل وعلا ذكر الآية ذماً لأهل هذا العمل قال: (ومن الناس) يعني: بعض الناس، فهذا سيق مساق الذم، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي) يعني: يعتاض لهو الحديث، وعرفت من قول أكثر أهل العلم: أنه الغناء وآلات اللهو، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7]، هذا يبين أن استعمال هذه الملاهي واستعمال الأغاني والموسيقى وغير ذلك من أنواع اللهو من أعظم الأسباب في الضلال والإضلال، واتخاذ آيات الله هزواً، ومن الأسباب أيضاً في استكباره عن اتباع الحق، وعدم انقياده وارتياحه لسماع آيات الله عز وجل، فاتضح من هذا أن المعازف بأنواعها من أسباب مرض القلوب، ومن أسباب الضلال عن سبيل الله، ومن أسباب الاستكبار عن الحق، وروى البخاري في صحيحه رحمه الله، عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) فالحر: هو الفرج الحرام والزنا، والحرير: معروف وهو محرم على الرجال، والخمر: معروف وهو كل مسكر، وهو حرام على الرجال والنساء جميعاً، والمعازف: هذا كذلك حرام على الجميع على الرجال والنساء، وعرفت أن المعازف من الأغاني والملاهي وأنواع الطرب كلها من أسباب الضلال عن سبيل الله، ومن أسباب اتخاذ آيات الله هزواً، ومن أسباب مرض القلوب وانحرافها عن الهدى، والاستكبار عن سماع آيات الله عز وجل، فالواجب على المؤمن أن يحذر هذا الأمر، وأن يحذره غيره، وهذا واجب على الجميع، على الرجال والنساء في كل مكان؛ حرصاً على صلاح القلوب وسلامتها واستقامتها؛ وحذراً من غضب الله؛ وحذراً مما تجر إليه الأغاني والملاهي من الضلال والإضلال، والزيغ عن الهدى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم الرسم

    السؤال: السؤال الثاني يقولون فيه: فينا من يحب فن الرسم، وهو يرسم مراراً، فنريد أيضاً معرفة موقف الإسلام من الرسم؟ وكذلك من الألعاب الرياضية وخاصةً كرة القدم، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الرسم له معنيان: أحدهما: رسم الصور ذوات الأرواح، هذا جاءت السنة بتحريمه، فلا يجوز الرسم الذي هو رسم ذوات الأرواح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (كل مصور في النار)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون الذين يظاهئون يظاهرون بخلق الله)؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم: لعن آكل الربا وموكله ولعن المصور، فدل ذلك على تحريم التصوير، وقد فسر العلماء ذلك: بأنه تصوير ذوات الأرواح من الدواب والإنسان والطيور.

    أما رسم ما لا روح فيه وهو المعنى الثاني، فهذا لا حرج فيه كرسم جبل والشجر والطائرة والسيارة وأشباه ذلك هذا لا حرج فيه عند أهل العلم.

    ويستثنى من الرسم المحرم ما تدعو الضرورة إليه، مثل رسم صور المجرمين حتى يحذروا وحتى يمسكوا، أو صور صاحب حفيظة النفوس التي لابد منها، ولا يستطيع الحصول عليها إلا بذلك، فهو معذور لأنه بحاجة إلى حفيظة النفوس، وهكذا ما تدعو الضرورة إليه، فإذا رأى ولي الأمر أن هذا الشيء تدعو الضرورة إلى تصويره لخطورته، ولقصد سلامة المسلمين من شره حتى يعرف، أو لأسباب أخرى فلا بأس، قال الله عز وجل: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].

    1.   

    حكم الدراسة في الجامعة المختلطة

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة الإخوة من العراق من محافظة أربيل، يقولون فيه: فينا من هو في الجامعة يتلقى العلوم ولكنه يحب أن يعلم موقف الإسلام منه وهو مُحاط بالنساء؛ لأن الدراسة في هذه الكلية مختلطة أي: أنها للذكر والأنثى، مع العلم أن نساءنا أي: الطالبات أكثرهم من غير المتحجبات، وتلبسن ما يحلو لهن، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: نصيحتي للطالب في هذا ألا يدرس مع الطالبات وألا يختلط بهن؛ لأن هذا وسيلة إلى الفتنة بهن، فالواجب عليه أن يلتمس طريقاً آخر للتعلم، أما دراسته مع البنات فهي وسيلة إلى خطر عظيم، والواجب عليه الحذر من ذلك، والدراسة المختلطة فيها شر عظيم وفساد كبير، ولا يجوز لولي الأمر التساهل فيها، بل يجب على ولاة الأمور أن تكون الدراسة غير مختلطة، هكذا يجب على ولاة أمر المسلمين، أن تكون الدراسة للبنات على حدة مع الصيانة والتحفظ، وأن تكون الدراسة للبنين على حدة، هذا في مكان وهذا في مكان، مع العناية بأسباب السلامة، والله المستعان.

    1.   

    حكم اليانصيب

    السؤال: السؤال الرابع والأخير: يقولون فيه الإخوة من العراق من محافظة أربيل: هل المال الذي يحصل عليه الشخص أو أي شيء آخر يحصل عليه الشخص مما يسمى باليانصيب الذي تقيمه بعض المصارف وبخاصة مصرف الرافدين في العراق، أو ما يحصل عليه الشخص من المسابقات الأخرى في البرامج وهي الحظ حلال أم حرام أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أما الأموال التي تحصل بطرق الميسر وهو القمار وهو المسمى اليانصيب عن طريق الحظ ونحو ذلك، هذه الأموال تؤخذ بغير الطريق الشرعي فلا تحل، قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، والميسر: هو القمار، فما كان من طريق المغالبات في أي لعبة أو في أي عمل فهذا هو الميسر وهو القمار، فلا يجوز للمسلم أن يتساهل بهذا الأمر؛ وإنما يحل له المال من طريقه الحلال، من طريق البيع والشراء الشرعي، من طريق الهبة الشرعية واللفظ الشرعي والأجرة الشرعية إلى غير ذلك، وطرق المال الحلال معروفة في الشرع المطهر.

    أما ما يتعلق بالقمار بأنواعه وهو الميسر فلا يجوز للمسلم أن يتعاطاه، بل يجب عليه الحذر من ذلك، والكسب من هذا الطريق من طريق الميسر ومن طريق بيع الحرام كبيع الخمر والدخان أو ما أشبه ذلك هذا لا يحل، بل يجب على المسلم التحرز منه، يرجو ما عند الله ويخشى عقابه سبحانه وتعالى، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، والعبد إذا ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه سبحانه وتعالى، وهو القائل عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4].

    المقدم: أيها الإخوة في الله! باسمكم جميعاً نشكر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على هذا اللقاء في برنامج نور على الدرب، الذي أجاب فيه سماحته مشكوراً على أسئلة الإخوة المستمعين.

    المستمعين جماعة من الإخوة المسلمين من الأردن الشقيق، المستمع (أ. ب. ج) من العراق محافظة أربيل.

    أيها الإخوة الأكارم! شكراً لكم على حسن إنصاتكم ومتابعتكم للبرنامج، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى من لقاءات الخير والبركة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.