إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (220)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    اختلاف إثم السيئة في الأزمنة والأمكنة الفاضلة

    أيها الإخوة في الله! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نحييكم بتحية الإسلام الخالدة، التي نستهل بها لقاءنا مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويسعدنا أن نلتقي بسماحته وأن يكون ضيف لقائنا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (نور على الدرب)، الذي يتولى فيها سماحته الإجابة مشكوراً على أسئلتكم واستفساراتكم، أهلاً ومرحباً بكم سماحة الشيخ، وهذه أول رسالة في البرنامج.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: المستمع صالح عبده اليماني المقيم في مدينة الخبر بالمملكة العربية السعودية بعث برسالة إلى البرنامج يسأل فيها السؤال التالي: هل تضاعف السيئة في مكة مثلما تضاعف الحسنة؟ ولماذا تضاعف في مكة دون غيرها، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فقد أجمع المسلمون على أن الحسنات تضاعف في مكة وغيرها، لقول الله جل وعلا: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] ولقوله سبحانه: مثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، في أحاديث وآيات أخرى، أما السيئات؛ فإن السيئة بواحدة ولا تضاعف من جهة العدد لا في مكة ولا في غيرها، لقوله سبحانه: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:160] وعمم سبحانه وتعالى ولم يستثن مكة ولا غيرها، ولكن دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على أن السيئة تختلف بحسب الكيفية، لا بحسب الكمية، فإن السيئة في مكة أعظم وأكبر إثماً من السيئة في غيرها، وهكذا السيئة في المدينة أكبر وأعظم من السيئة في غيرها، وهكذا السيئة في الزمن الفاضل كرمضان وتسع ذي الحجة تكون أعظم وأشد إثماً من السيئة في غير ذلك الزمان، هذا مما جاءت به الأدلة الشرعية، ودل عليه كلام أهل العلم؛ ولهذا قال سبحانه في مكة: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] فجعل مجرد الإرادة والهم بالظلم في مكة من أسباب العذاب الأليم، ومعلوم أن الهم في غير مكة لا يؤاخذ عليه الإنسان إذا لم يفعل، كما في الحديث الصحيح: (من هم بسيئة فلم يفعلها، لم تكتب عليه، فإن تركها من أجل إرضاء الله، كتبت له حسنة) لكن في مكة قال الرب عز وجل: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] فضمن يريد ما لا يهم، فدل ذلك على أن السيئة في مكة لها خطر عظيم، وإثم كبير، وهكذا السيئات في الأماكن الفاضلة كالمدينة المنورة، وهكذا في الزمن الفاضل كما تقدم في رمضان وتسع ذي الحجة، تكون عقوبتها أشد، ويكون إثمها أكبر.

    فالواجب على المسلم أن يحذر السيئات كلها في كل زمانٍ ومكان، وأن يكون حذره من السيئات في مكة والمدينة والأزمان الفاضلة، يكون أشد وأعظم، حتى يسلم من ذلك الإثم العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    درجة أحاديث فضل ماء زمزم وسورة (يس)

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخ صالح عبده اليماني يقول فيه: هل هناك حديث صحيح عن فائدة ماء زمزم، وسورة يس؟ أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أما ماء زمزم فقد صح فيه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنها مباركة، وإنها طعام طعم)خرجه مسلم في صحيحه، زاد أبو داود : (وشفاء سقم) فهي مباركة، وماؤها مبارك، كما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: (طعام طعم، وشفاء سقم) وقال: (إنها مباركة) فهي من أسباب الشفاء مما يتألم منه العبد من الأمراض، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) لكنه حديث ضعفه جمع من أهل العلم، وطرقه فيها ضعف، ولكن حديث: (طعام طعم وشفاء سقم) قد يشهد له، وبكل حال؛ هذه البئر المباركة فيها خير عظيم بنص الرسول عليه الصلاة والسلام: (فهي طعام طعم، وشفاء سقم) وهي مباركة.

    وأما سورة (يس) فالأحاديث الواردة فيها كلها ضعيفة، والله ولي التوفيق.

    1.   

    معنى الشهادتين

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة الأخ صالح عبده اليماني من مدينة الخبر، يقول: ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وما معنى شهادة أن محمداً رسول الله، أفيدونا أثابكم الله؟

    الجواب: هاتان الشهادتان هما أصل الإسلام، وهما أساس الملة، وبهما يدخل الكافر الذي لا ينطق بهما، بهما يدخل في الإسلام، ويحسب من أهل الإسلام، ويطالب ببقية حقوق الإسلام.

    أما شهادة أن لا إله إلا الله، فهي: أصل الملة، وأساس الدين في جميع الأديان، جميع أديان الرسل، من آدم إلى يومنا هذا، جاء بها آدم عليه الصلاة والسلام، وجاءت بها الرسل كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم من الرسل، كلهم دعوا الأمم إلى هذه الكلمة، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] ونبينا صلى الله عليه وسلم محمد لما بعثه الله بدأ قومه بهذا، فقال لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) ولما كانوا يعبدون الأصنام والأشجار، وكانت لهم آلهة كثيرة حول الكعبة وفي غيرها استنكروا هذا، وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] فاستنكروا التوحيد والإيمان لجهلهم وكفرهم، وضلالهم واعتيادهم ما كان عليه آباؤهم من الشرك والكفر وعبادة الآلهة الكثيرة.

    وهذه الكلمة هي أفضل شعب الإيمان، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان بضع وستون شعبة -أو قال:- بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فهذا الحديث العظيم يدلنا على أن أصل الدين وأساس الملة وأفضل الكلام هو قول: لا إله إلا الله، ومعناها: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي الإلهية وهي العبادة عن غير الله، وتثبتها لله وحده سبحانه وتعالى.

    وفي صحيح مسلم .. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وعلى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) وفي لفظ: (على أن يعبد الله وحده ويكفر بما دونه) فجعل توحيد الله، وعبادته وحده والكفر بما دونه جعل ذلك هو معنى: لا إله إلا الله، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في سؤال جبرائيل، أنه لما سأل الرسول عن الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (الإسلام: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة) .. إلى آخره فجعل عبادة الله وحده وعدم الإشراك به هو معنى لا إله إلا الله، هذا هو معناها، معناها: إثبات العبادة لله وحده، وتخصيصه بها سبحانه وتعالى دون كل ما سواه، واعتقاد بطلانها عن غيره سبحانه، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62] هذا هو معنى لا إله إلا الله، إثبات العبادة لله وحده، وهي: الإلوهية، ونفيها عما سواه، فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يصلى إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، هكذا.

    وبهذا تعلم -أيها السائل وأيها المستمع الكريم- تعلم أن ما يفعله بعض الجهال عند بعض القبور ومع بعض الأولياء من استغاثة بالأموات، ودعاء الأموات، ودعاء الأشجار والأحجار، أو دعاء الأصنام والاستغاثة بهم، أن هذا هو الشرك الأكبر، وأن هذا يناقض قول: لا إله إلا الله.

    وأما شهادة أن محمداً رسول الله، فمعناها: الإيمان بأنه رسول الله حقاً، وأن الله أرسله إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيرا عليه الصلاة والسلام، وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي كما قال الله جل وعلا: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45] وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:46] فهو رسول الله حقاً عليه الصلاة والسلام، بعثه الله إلى الناس كافة -جنهم وإنسهم- يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم الشرك بالله، كما قال عز وجل: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28].

    فيجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة بل على كل أحد أن يؤمن بأن محمداً رسول الله، يجب على كل المكلفين، من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم وجميع المكلفين أن يشهدوا أنه لا إله إلا الله، وأن يوحدوا الله ويخصوه بالعبادة، ويدعوا عبادة ما سواه من أصنام وأشجار وأحجار وأنبياء وأولياء وغير ذلك، ويجب عليهم أن يؤمنوا بأن محمداً رسول الله، ويصدقوا بأنه رسول الله حقاً، وأنه خاتم الأنبياء، وأن الواجب اتباعه؛ وذلك بتصديق ما جاء به، والإيمان بأنه رسول الله حقاً، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، وألا يعبد الله إلا بشريعته عليه الصلاة والسلام.

    هذا هو معنى هذه الشهادة: شهادة أن محمداً رسول الله، تصديقه بما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر عليه الصلاة والسلام، وألا يعبد الله إلا بشريعته التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، لا بالهوى ولا بالآراء ولا بالبدع، هذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله.

    وهاتان الشهادتان -كما تقدم- هما أصل الدين وهما أساس الملة، ومن نطق بهما واعتقد معناهما فهو مسلم، وعليه أن يؤدي بقية الحقوق، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وغير هذا مما أمر الله به ورسوله، وعليه مع ذلك يجتنب ما حرم الله ورسوله من الزنا، والسرقة، والعقوق، وسائر المحرمات، كما أن عليه أن يجتنب الشرك الأكبر الذي هو ضد التوحيد، فعليه أن يجتنب الشرك الأكبر، ولا يتم له التوحيد إلا بذلك، وعليه أن يتجنب كل ما نهى الله عنه ورسوله من الأقوال والأعمال تحقيقاً لهاتين الشهادتين، والله ولي التوفيق.

    1.   

    بيان موجز لعقيدة أهل السنة والجماعة

    السؤال: السؤال الرابع والأخير في رسالة الأخ صالح عبده اليماني ، يقول فيه: ما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: اعتقاد أهل السنة والجماعة هو الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما دل عليه كتاب الله العظيم وهو القرآن، ومما دلت عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأهل السنة والجماعة هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأتباعهم من التابعين وأتباع التابعين، ومن بعدهم من أئمة الإسلام إلى يومنا هذا، هم الذين ساروا على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا شريعته قولاً وعملاً وعقيدة، هؤلاء هم أهل السنة والجماعة، سموا أهل السنة لتمسكهم بالسنة، وسموا أهل الجماعة لاجتماعهم على الحق، ومنهم الصحابة وهم رأسهم ثم يليهم التابعون وأتباع التابعين، ومنهم مالك رحمه الله، الإمام المشهور، والشافعي المشهور، وأبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، والأوزاعي ، والثوري وغيرهم، وغيرهم من أئمة الإسلام وهكذا من بعدهم من أئمة الإسلام، ممن استقاموا على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوا إليها وعظموها واستقاموا عليها قولاً وعملاً وعقيدة، هم أهل السنة والجماعة .

    وهم بصفة موجزة مختصرة الذين تمسكوا بكتاب الله قولاً وعملا، وبسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قولاً وعملا، وساروا على نهج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، هؤلاء هم أهل السنة والجماعة، الذين استقاموا على ما جاء به المصطفى عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً وعقيدة في أسماء الله وفي صفاته، وفي توحيده والإخلاص له، وفي طاعة أوامر الله ورسوله، وفي ترك نواهي الله ورسوله، هؤلاء هم أهل السنة والجماعة.

    ومن أتى منهم معصية -وقع في معصية- لا يخرج بذلك عن أهل السنة والجماعة، لكن عليه التوبة؛ إذا وقع في معصية من عقوق أو قطيعة رحم، أو زنا، أو ما أشبه ذلك من المعاصي، هذه المعاصي لا تخرجه عن الإسلام، ولا تخرجه عن كونه من أهل السنة، ولكن عليه التوبة، عليه أن يتوب إلى الله، وأن يبادر بالتوبة والندم والإقلاع، والعزم الصادق ألا يعود في المعصية، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن العاصي لا يخرج عن الإسلام ولا يكفر، بل يكون ضعيف الإيمان.. ناقص الإيمان، وعليه البدار بالتوبة الصادقة النصوح مما وقع منه من السيئة التي حرمها الله عليه دون كفر، مثلما تقدم: الزنا والسرقة، والعقوق للوالدين، واليمين الكاذبة، ومثل شهادة الزور، وما أشبه هذه من المعاصي، هذه كلها تنقص الإيمان وتضعفه؛ ولكنها لا تخرج المسلم من الإسلام، ولا تخرجه من كونه من أهل السنة والجماعة، ولكن عليه البدار بالتوبة، وعليه الاستقامة على طاعة الله، والندم على ما مضى منه من السيئات، والعزم الصادق ألا يعود في السيئة بعد الإقلاع منها والحذر منها تعظيماً لله، وطاعةً له، ورغبةً في ثوابه، وحذراً من عقابه سبحانه وتعالى.

    1.   

    حكم تهريب السلع بدون إذن الدولة

    السؤال: المستمع (أ. ش. م) مصري العنوان: قنا الوقف، بعث برسالة للبرنامج، يقول فيها: هناك البعض يقوم بتهريب بعض السلع وإدخالها إلى الدولة، علماً بأن الدولة تمنع استيراد هذه السلعة، أي: الفاكهة، ويقومون ببيعها إلى بعض الأفراد، فيشترونها ويقومون ببيعها إلى تجار الفاكهة بثلاثة أمثال سعر الشراء، أو ضعف سعر الشراء، ويقوم التجار ببيعها بضعف سعر الشراء من الأفراد، أي: الكيلو الواحد يصل إلى المستهلك بأربعة أضعاف سعر الشراء من الأفراد الذين يقومون بتهريبها ودخولها إلى الدولة؛ نظراً لوساطة الأفراد والتجار، علماً بأن سعر الكيلو كان يساوي ثمن السعر الحالي، قبل أن يمنع استيراده، فهل هذه الأموال للذين يقومون بالوساطة بين المهربين والتجار، وأيضاً المكاسب التي يأخذها التجار حرام أم حلال؟ وإن كانت هذه الأموال حراماً فكيف يتم التصرف فيها، وما حكم الدين في كسب هذه الأموال، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: إذا كانت الدولة منعت من استيراد الأشياء لمصلحة المسلمين، ومصلحة الشعب، ولأن استيرادها يضر الشعب في دينه أو دنياه، فالواجب على الشعب أن يمتثل ما فعلته الدولة؛ لأنها تهدف إلى المصلحة العامة، وتهدف إلى حماية الشعب مما يضره، وحماية المسلمين مما يضرهم، فلا يجوز التهريب الذي يخالف ما نصت عليه الدولة، ويسبب وقوع المشاكل بين الشعب والدولة، ويوقع في الحرام أيضاً، فالواجب على الشعب أن يمتثل وأن يساعد الدولة في منع ما ينبغي منعه، وفي بقاء ما ينبغي بقاؤه؛ لأن ذلك فيه التعاون على ما فيه مصلحة الجميع.

    أما إذا كان ذلك التهريب الذي وقع من بعض الناس فيما يتعلق بالحرام كتهريب الخمور، وتهريب ما حرم الله فهذا يكون أشد وأعظم، حتى لو سمحت به الدولة، فلا يجوز إدخاله البلاد، ولا يجوز التعاون في فعله؛ لأنه يضر المجتمع في دينه، فلا يجوز للمسلم أن يسبب وقوع المسلمين فيما حرم الله عليهم من خمر أو تدخين، أو غير هذا مما حرم الله عز وجل، بل يجب أن يساعد في منع ذلك، لو قدر أن الدولة لم تمنعه، فكيف إذا منعته، فإن الواجب أن نساعدها في ذلك، وأن يكون معها في منع كل ما يضر المسلمين، وفي منع كل ما حرم الله عز وجل؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى.

    1.   

    حكم النذر على ترك عمل مشروع

    السؤال: الرسالة التالية وصلت إلى البرنامج من السائل عباس جداح الجنابي ، محافظة بابل، قضاء المسيب، من الجمهورية العراقية، يقول في رسالته: يعد برنامجكم من البرامج الناجحة التي من شأنها أن تخدم المسلمين وترشدهم إلى الطريق الصحيح، وهذا شيء تشكرون عليه إن شاء الله.

    السؤال الأول: سبق أن نذرت نذراً لوجه الله تعالى على شرط أن يكون هذا النذر بدون معاملة، أي: بدون مناقشة على السعر عند الشراء، فلما ذهبت إلى السوق عرض علي سلعة بسعر ثمانين ديناراً، مع العلم أنه لا يعادل سعر السلعة إلا ثلاثين ديناراً، فساومت البائع على السعر واشتريت السلعة بسعر أقل، فهل أصبح النذر محللاً أم لا؛ أفيدوني أفادكم الله؟

    الجواب: هذا النذر نذر غير مشروع، لأن المناقشة لا بأس بها؛ ولأن كثيراً من الناس قد يرفع السعر بلا حق، فيحتاج إلى مناقشة، وقد سام النبي صلى الله عليه وسلم بعيراً من جابر وناقشه في ذلك عليه الصلاة والسلام، فالمقصود: أن نذرك أنك لا تناقش نذر غير مشروع، فلك أن تناقش في السلع حتى تشتريها بالسعر المناسب الذي يعرف في الأسواق، وعليك كفارة يمين عن نذرك هذا، وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، لكل مسكين كيلو ونصف تقريباً من التمر أو من الأرز أو غيرهما من قوت البلد، ولك أن تناقش.

    1.   

    حكم تخصيص المرء أرضاً له ليقبر فيها

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخ عباس ، يقول فيه: كانت زوجتي قد اشترت قطعت أرض في المقبرة؛ لتكون هذه القطعة الصغيرة بمثابة قبر لها عند وفاتها، ولكنني لا أرغب أن تفعل هذا أو أدفنها في هذا المكان، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أين ماتوا ادفنوهم) فهل هذا الحديث صحيح، وهل علي ذنب في ذلك، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أما الحديث هذا فلا أعلم له أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن السنة دفن المسلم مع الأموات المسلمين في مقابرهم، وألا يكون في محلٍ شاذ؛ لأن جعله في محل شاذ مستقل قد يفضي إلى الفتنة، وقد يفضي إلى الامتهان بدوسه وإلقاء القمامات عليه ونحو ذلك، فالمشروع أن يكون دفنه مع المسلمين، فإذا كانت الأرض التي اشترتها زوجتك بعيدة عن مقابر المسلمين فالذي ينبغي أن تدفن في مقابر المسلمين إذا ماتت، وهذه الأرض تباع وتصرف قيمتها في مصالح المسلمين، أو في شراء أرض قرب المقبرة حتى تضاف إليها توسعة لها.

    الحاصل أن هذه الأرض التي اشترتها تريدها مدفناً لها وهي بعيدة عن قبور المسلمين تباع وتصرف قيمتها في أرض جنب المقبرة، توسع المقبرة، أو في حاجات المقبرة من إيجاد محل للبن، أو محل لتغسيل الموتى، أو ما أشبه ذلك، ولا تدفن وحدها.

    أما إذا كانت الأرض تلي المقبرة أو داخلة في المقبرة واشترتها للتوسعة فلا بأس أن تدفن فيها، وليس لك الاعتراض عليها؛ لأن هذا شيء لا بأس به مادامت الأرض تابعة للمقبرة وتلي المقبرة، وداخلة في حساب المقبرة، فلا بأس.

    1.   

    حكم الحج عن الميت

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة الأخ عباس جداح الجنابي ، يقول فيه: في نيتي الذهاب إلى بيت الله الحرام لأؤدي فريضة الحج بمشيئة الله للمرة الثانية، فهل أستطيع أن أكلف أحداً من المسلمين بأن يؤدي الفريضة بدلاً عن والدي المتوفى في نفس العام، أفيدوني أفادكم الله؟

    الجواب: لا مانع من ذلك أن تحج عن والدك من المسلمين الذين في مكة، لا مانع أن تعطي من تراه ثقةً، أو طيب الدين، موثوقاً به في عمله، تعطيه ما تيسر من المال حتى يحج عن والدك؛ لكن يحرم من الحل، لا من نفس مكة للعمرة؛ أما في الحج فيحرم من نفس مكة لا بأس، ولا حاجة إلى أن يذهب إلى الميقات في أصح قولي العلماء، فيحرم من مكة بالحج، وأما العمرة فيحرم بها من الحل من الجعرانة أو من التنعيم أو غيرهما من الحل، يعني: خارج مكة، خارج الحرم، هذا في العمرة خاصة، أما في الحج فيحرم من مكة من الحل أو الحرم لأبيك، إذا كان ثقةً طيباً، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم العقيقة عن الطفل

    السؤال: السؤال الرابع والأخير في رسالة الأخ عباس يقول فيه: توفي لي طفل قبل حوالي خمسة عشر عاماً، وكان عمره آنذاك قد بلغ أربعة أشهر، فهل يستحق أن أعق عنه، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: السنة أن تعق عنه إذا صار ذكرا شاتين، هذا هو الأفضل، وهي سنة ليست بواجبة؛ فإذا تيسر لك ذلك فهو أفضل لك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) وأمر أن يعق عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، هذا هو السنة، فإذا كنت مستطيعاً فالأفضل لك -يا أخي- أن تعق عن طفلك هذا بشاتين توزع لحمهما على إخوانك من الجيران والأقارب والفقراء، أو تطبخهما وتدعو إليه من تشاء من إخوانك وأحبابك ومن الفقراء، كله حسن، كله طيب، والحمد لله.

    1.   

    حكم الاستمناء في نهار رمضان

    السؤال: الرسالة التالية وصلت إلى البرنامج من المستمع الذي رمز إلى اسمه بـ : (س . ع النبهان )، خميس مشيط، يقول في رسالته وفي سؤاله: إنني أود أن أعرف ماذا يجب على من استمنى عمداً في نهار شهر رمضان، وهل ينطبق عليه قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من أفطر متعمداً فلن يقبل منه صيام الدهر كله، وإن صامه) أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: أولاً: الاستمناء لا يجوز، لا في رمضان ولا في غيره، الاستمناء محرم ومنكر، عند جمهور أهل العلم لا يجوز فعله، لما فيه من مخالفة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:6-7] فالاستمناء غير إتيان الزوجة وغير إتيان ملك اليمين، فهو عبث ومنكر، وهو عدوان.

    ثانياً: فيه مضار كثيرة، مع كونه مخالفاً للشرع، فقد قرر الأطباء العارفون بهذه الجريمة، قرروا أن فيها مضار كثيرة على المستمني.

    ثالثاً: على من استمنى في رمضان أن يقضي اليوم، عليه أن يتوب إلى الله، وعليه أن يقضي ذلك اليوم؛ لأنه أفطر فيه بهذا الاستمناء، يعني صار في حكم المفطرين وإن لم يأكل ويشرب؛ لكنه صار في حكم المفطرين، فعليه قضاء اليوم.

    رابعاً: أما حديث: (من أفطر يوم في رمضان لم يكفر عنه صوم الدهر وإن صامه) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم مضطرب الرواية، ليس بثابت، ولو ثبت لكان معناه عند أهل العلم الزجر والتحذير من الإفطار بغير حق، وليس معناه أنه لا يقضي، بل معناه الزجر عن تعاطي الإفطار بغير حق، والصواب أنه مضطرب ليس بثابت، وعلى من أفطر بالاستمناء أو بغيره أن يتوب إلى الله ويندم، ويبادر بالقضاء، عليه أن يقضي ما عليه مع التوبة والاستقامة، وليس عليه كفارة، فالكفارة تختص بمن جامع في رمضان خاصة، أما الاستمناء في رمضان، أو الأكل عمداً، أو الشرب عمداً في رمضان فهذا يوجب القضاء ويوجب التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه، وليس يوجب الكفارة، فافهم يا أخي واحذر.

    المقدم: أيها الإخوة في الله! باسمكم جميعاً نشكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على هذا اللقاء في برنامج نور على الدرب، الذي أجاب فيه سماحته مشكوراً على أسئلة الإخوة المستمعين: المستمع صالح عبده اليماني من مدينة الخبر، المستمع (أ. ش. ع. م) من مصر من محافظة قنا، المستمع عباس جداح الجنابي من الجمهورية العراقية محافظة بابل قضاء السيب، وأخيراً رسالة المستمع: (س. ع. النبهان ) من خميس مشيط.

    أيها الإخوة الأكارم! شكراً لكم على حسن إنصاتكم ومتابعتكم للبرنامج، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى من لقاءات الخير والبركة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.