إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (200)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    طريقة السلف في إثبات صفات الله عز وجل

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على نبي الرحمة محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أيها الإخوة المستمعون الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في لقاء جديد من لقاءات نور على الدرب، هذا اللقاء الذي يسرنا أن يكون ضيفنا فيه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    ====

    السؤال: وأولى رسائل هذه الحلقة وردتنا من المستمع صالح العبد العزيز المحمد الطوالة من الزلفي، يقول الأخ صالح في رسالته: لقد قرأت في رياض الصالحين بتصحيح السيد علوي المالكي و محمود أمين النواوي فقرأت حديثاً قدسياً يتطرق إلى هرولة الله سبحانه وتعالى، والحديث هو المروي عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: (إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) رواه البخاري .

    فقال المعلقان في تعليقهما عليه: إن هذا من باب التمثيل وتصوير المعقول بالمحسوس لزيادة إيضاحه، فمعناه: أن من أتى شيئاً من الطاعات ولو قليلاً أثابه الله بأضعافه وأحسن إليه بالكثير، وإلا فقد قامت البراهين القطعية على أنه ليس هناك تقرب حسي ولا مشي ولا هرولة من الله سبحانه، سبحانه وتعالى عن صفات المحدثين، فهل ما قالاه في المشي والهرولة موافقاً لما قاله سلف الأمة على إثبات صفات الله وإمرارها كما جاءت، وإذا كان هناك براهين دالة على أنه ليس هناك مشي ولا هرولة فنرجو منكم إيضاحها والله الموفق؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا ريب أن الحديث المذكور صحيح، فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يقول الله عز وجل: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) وهذا الحديث الصحيح يدل على عظيم فضل الله عز وجل، وأنه بالخير إلى عباده أجود، فهو أسرع إليهم بالخير والكرم والجود منهم في أعمالهم ومسارعتهم إلى الخير والعمل الصالح، ولا مانع من إجراء الحديث على ظاهره على طريق السلف الصالح، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعترضوه ولم يسألوا عنه ولم يتأولوه، وهم صفوة الأمة وخيرها، وهم أعلم الناس باللغة العربية، وأعلم الناس بما يليق بالله وما يليق نفيه عن الله سبحانه وتعالى.

    فالواجب في مثل هذا أن يتلقى بالقبول وأن يحمل على خير المحامل، وأن هذه الصفة تليق بالله، لا يشابه فيها خلقه، فليس تقربه إلى عبده مثل تقرب العبد إلى غيره، وليس مشيه كمشيهم، ولا هرولته كهرولتهم، وهكذا غضبه وهكذا رضاه، وهكذا مجيئه يوم القيامة وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وهكذا استواؤه على العرش، وهكذا نزوله في آخر الليل كل ليلة، كلها صفات تليق بالله جل وعلا، لا يشابه فيها خلقه، فكما أن استواءه على العرش ونزوله في آخر الليل في الثلث الأخير من الليل ومجيئه يوم القيامة لا يشابه استواء خلقه ولا مجيء خلقه ولا نزول خلقه، فهكذا تقربه إلى عباده العابدين له والمسارعين إلى طاعته، تقربه إليهم لا يشابه تقربهم، وليس قربه منهم كقربهم منه، وليس مشيه لهم كمشيهم، ولا هرولته كهرولتهم، بل هو شيء يليق بالله لا يشابهه في خلقه سبحانه وتعالى كسائر الصفات، فهو أعلم بصفاته وأعلم بكيفيتها عز وجل.

    وقد أجمع سلف الأمة على أن الواجب في صفات الرب وأسمائه إمرارها كما جاءت، واعتقاد معناها، وأنها حق يليق بالله سبحانه وتعالى، وأنه لا يعلم كيفية صفاته إلا هو، كما أنه لا يعلم كيفية ذاته إلا هو سبحانه وتعالى.

    فالصفات كالذات، فكما أن الذات يجب إثباتها لله وأنه سبحانه وتعالى هو الكامل في ذلك، فهكذا صفاته يجب إثباتها له سبحانه مع الإيمان والاعتقاد بأنها أكمل الصفات وأعلاها، وأنها لا تشابه صفات الخلق، كما قال عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، وقال عز وجل: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74]، وقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] فرد على المشبهة بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74]، ورد على المعطلة بقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2]، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:220] إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75] إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173]إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20] إلى غير ذلك.

    فالواجب على المسلمين علماء وعامة؛ الواجب عليهم جميعاً إثبات ما أثبته الله لنفسه إثباتاً بلا تمثيل، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وتنزيه الله عما نزه عنه نفسه تنزيهاً بلا تعطيل، هكذا يقول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم من سلف الأمة كالفقهاء السبعة وكمالك بن أنس و الأوزاعي و الثوري و الشافعي و أحمد و أبي حنيفة وغيرهم من أئمة الإسلام، أمروها كما جاءت وأثبتوها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

    وأما ما قاله المعلقان في هذا علوي وصاحبه محمود فهو كلام ليس بجيد وليس بصحيح، ولكن مقتضى هذا الحديث أنه سبحانه أسرع بالخير إليهم وأولى بالجود والكرم ولكن ليس هذا هو المعنى، المعنى شيء، وهذه الثمرة وهذا المقتضى شيء آخر، فهو يدل على أنه أسرع بالخير إلى عباده منهم، ولكنه ليس هذا هو المعنى بل المعنى يجب إثباته لله من التقرب والمشي والهرولة شيء، يجب إثباته لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى من غير أن يشابه خلقه في شيء من ذلك، فنثبته لله على الوجه الذي أراده الله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

    المقدم: يعني قولهما يا سماحة الشيخ: إن هذا من تصوير المعقول بالمحسوس.

    الشيخ: هذا غلط، هكذا يقولون في أشياء كثيرة يقوله المؤولون، والأصل عدم التأويل، الواجب عدم التأويل وعدم التكييف وعدم التمثيل والتحريف، بل تمر آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت ولا يتعرض لها بتأويل ولا بتحريف ولا بتعطيل، بل نثبتها لله كما أثبتها لنفسه وكما خاطبنا بها إثباتاً يليق بالله لا يشابه في خلقه سبحانه وتعالى.

    كما نقول في الغضب واليد والوجه والأصابع والكراهة والنزول والاستواء، باب الصفات باب واحد، وهكذا المجيء يوم القيامة الذي يقول: ما يجي يوم القيامة ولا ينزل يكذب، فالمجيء هو المشي.

    1.   

    حكم تارك الصلاة والمغالاة في المهور ودعاء الشياطين والبناء على القبور

    السؤال: هذه رسالة من السائل أحمد علي حسن الزهراني له فيها عدة أسئلة وإن كان قد تكرر أكثرها، سؤال حول تارك الصلاة وهل يدفن في مقابر المسلمين، وسؤال حول غلاء المهور وما نتج عنه من تعطل كثير من الشباب والفتيات عن الزواج بسبب غلاء المهور، ويطلب وضع حل لهذه المشكلة، وسؤال آخر عن دعاء الشياطين والبناء على القبور، هذه خلاصة الأسئلة التي وردت في رسالته؟

    الجواب: أما السؤال الأول وهو تارك الصلاة هل يدفن في مقابر المسلمين؟ فقد تنازع العلماء في حكمه إذا تركها تهاوناً وهو لم يحل وجوبها بل يؤمن بأن الصلاة فريضة، ولكن تركها تهاوناً وكسلاً، فذهب قوم إلى أنه لا يكفر بذلك كفراً أكبر، بل كفر أصغر وأنه يدفن مع المسلمين ويغسل ويصلى عليه، وهذا قول معروف عند جمع كبير من أهل العلم.

    والقول الثاني: أنه يكفر كفراً أكبر، وهذا هو الأصح والأرجح.

    فعلى هذا لا يدفن مع المسلمين بل يدفن في محل بعيد عن الناس لا يعرف ويسوى عليه الأرض كسائر الكفرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ولم يستثن أحداً، ولم يقل: إذا كان جاحداً لوجوبها، وهذا حديث صحيح رواه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، وروى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) والكفر معرف والشرك معرف يرجع للكفر الأكبر والشرك الأكبر، هذا هو الأصح والأرجح لأدلة أخرى كثيرة تدل على أن المتهاون في ترك الصلاة ليس معه من الإسلام شيء بل قد فارق الإسلام نسأل الله العافية والسلامة.

    وأما المهور وما يتعلق بغلائها فهذا قد سبق فيه فتاوى كثيرة ونشرنا عن ذلك نشرات كثيرة، وكتب مجلس هيئة كبار العلماء في ذلك كتابات في الحث على عدم المغالاة والاقتصاد في المهور والولائم وهذا حق، فالواجب على المسلمين أن يتعاونوا في هذا وأن يقتصدوا في المهور والولائم حتى يمكنوا المتوسط في الدخل ومن يعجز عن كثير من المهور ومن مئونة الولائم حتى يمكنوهم من الزواج ويسهلوا لهم الزواج.

    فالمقصود أن هذا شيء يجب على المسلمين التعاون فيه وعلى ولاة الأمور التعاون مع الناس في ذلك حتى يتركوا هذه المغالاة في المهور وفي الولائم، وهذا حق على الجميع وواجب على الجميع أن يتعاونوا فيه، وأن يتواصوا به لعل الله جل وعلا يمن بترك الناس لهذا الشيء حتى يحسنوا بذلك إلى فقرائهم وإخوانهم الذين يعجزون عن هذه الأمور.

    وأما ما يتعلق بدعوة الشياطين والاستغاثة بالجن وبأصحاب القبور، فهذا من الشرك بالله عز وجل، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم وطلبهم المدد هذا من الكفر الأكبر، وهذا واقع في كثير من الناس في بلدان كثيرة ودول كثيرة يأتي إلى الميت المشهور الذي يسمونه ولي، فيقول: يا سيدي! اشف مريضي، رد غائبي، المدد المدد، وهذا كفر أكبر بإجماع أهل السنة والجماعة ولا عبرة بمن خالف من المتأخرين الذي جهلوا هذا الأمر ولم يعرفوه وظنوا أن الشرك توحيد وأن التوحيد شرك، فهؤلاء لا عبرة بهم.

    فالأدلة من الكتاب والسنة كلها تدل على أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات وطلبهم المدد من جنس دعاء الأصنام ومن جنس دعاء الكواكب ومن جنس دعاء الأشجار والأحجار كله شرك بالله، كله من عمل الجاهلية، من جنس عمل أبي جهل وأشباهه من كفار قريش حين دعوا العزى وهي شجرة، وحين دعا أهل الطائفة اللات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي صخرة كان يلت السويق عليها رجل صالح فعظموها وصاروا يعبدونها من دون الله، هذا كله باب واحد، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأشجار وبالأحجار وبالأصنام وبالكواكب وبالجن كله باب واحد وكله من الشرك بالله عز وجل.

    فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا هذه الأمور وأن يحذروها الناس، والواجب على العلماء أن يبذلوا وسعهم في هذا الأمر وأن يجتهدوا في تبيين هذا الأمر للناس في وسائل الإعلام المنظورة والمقروءة والمسموعة؛ حتى يكون الناس على بينة، فإن كثيراً من الناس قد وقع في هذا في بلدان كثيرة ودول متعددة يطوف بالقبر ويدعو صاحبه ويستغيث به وينذر له ويذبح له ويطلبه المدد والغوث ويعرض عن الله عز وجل، وهذا من البلاء العظيم.

    فالواجب صرف هذه العبادات لله وحده، كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وقال سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] وقال سبحانه: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] وقال عز وجل: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] وقال عز وجل: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117] فسماهم كفرة بهذا الدعاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وقال عز وجل: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14] سبحانه وتعالى، فسمى دعاءهم لغير الله شركاً، وهذا يعم دعاء الأموات من الصالحين والأنبياء، ويعم دعاء الجن ودعاء الأصنام وغير ذلك، كله شرك بالله عز وجل وكله باطل.

    وبين سبحانه أن المدعوين لا يسمعون دعاء الداعي ولا يستجيبون لو سمعوا، فهو خاسر في الدنيا والآخرة، ولكن الشياطين قد تقضي له بعض حاجاته فيظن أن الميت قضى حاجته، وهذا من الجهل بالله والجهل بدينه، فالميت عاجز عن ذلك مرتهن بعمله ليس له قدرة أن يقضي حاجتك، وليس له قدرة أن يسمع دعاءك ولا أن يستجيب لك إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر:14] هذا كلام الرب أصدق القائلين سبحانه وتعالى، هذا كلام ربنا عز وجل وهو أصدق القائلين وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر:14] فهذا يبين لنا أن دعاءهم باطل وأنه شرك أكبر وأن صاحبه خاسر لا يستجاب له ولا يسمع دعاؤه، ولكن الجن الذين هم الشياطين الذين يدعون الناس إلى النار، هؤلاء قد يستجيبون وقد يأتون لصاحب الدعاء بشيء من حاجاته الدنيوية، وقد يزينون له أن دعاء الأموات طيب وأنه مستجاب فيقضوا بعض حاجاته، وقد يتعرض لمرض بعض أقاربه، فإذا دعاهم واستغاث بهم كفوا عنه وتركوا ما قد فعلوا به، فالشياطين لهم وسائل كثيرة ولهم حيل كثيرة في إيقاع الناس في الشرك الأكبر نعوذ بالله، كما قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] نعوذ بالله! وأما البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب، هذا من البدع وهذا من وسائل الشرك، وقد وقع هذا من دهور طويلة في القرن الثاني وبعده من الغلاة، من بعض الشيعة وغير الشيعة بعضهم غلا في قبور أهل البيت وبعضهم غلا في قبور غيرهم، فوقع هذا البلاء من أصناف كثيرة من الشيعة وغير الشيعة، من الغلاة الجهلة، فلما بنيت المساجد على القبور وبني عليها القباب وعظمها الجهال بالفرش والأطياب ظن العامة والجهلة أنهم ينفعون ويضرون وأنه يستجيب لداعيهم وأنهم يقضون حاجاته، وأنهم يمدونه بشفاء مريضه، فوقع الشرك الأكبر بذلك، فصارت هذه البنايات على القبور والقباب والمساجد وسيلة للشرك بالله عز وجل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح أيضاً: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) خرجه مسلم في صحيحه، والأول خرجه الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها، فيجب على أهل الإسلام أن يحذروا هذه الشرور، ويجب على العلماء أن يحذروا الناس، ويجب على ولاة الأمور أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيدي السفهاء والجهلة وأن يمنعوهم من هذا الشرك، وأن يهدموا مع القبور مساجد وقباب حتى تكون القبور ضاحية للناس بارزة كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في البقيع وغيره، فهكذا يجب أن تكون بارزة في الصحراء مكشوفة ليس عليها أبنية يعرفها الناس أنها قبور حتى يزوروها للسلام عليها والدعاء لهم، هكذا شرع الله جل وعلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فيزورها المسلم ويسلم عليهم قائلاً: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ويدعو لهم بالمغفرة.

    فالزيارة الشرعية للذكرى وللدعاء للميت والترحم عليه، لكن هؤلاء المشركون عكسوا القضية، فصاروا يأتونها ليدعوها من دون الله، ليستغيثوا بها، لينذروا لها يطلبوها المدد، وهذا من أبطل الباطل، والمشروع لنا أن نزورها لندعو لهم.. نستغفر لهم.. نترحم عليهم، لا لندعوهم من دون الله، ولكن ندعو لهم بالمغفرة.. ندعو لهم بالرحمة.. نستغفر الله لهم.. نتذكر الآخرة.. نتذكر الموت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) وفي لفظ قال: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين) وكان يزور القبور عليه الصلاة والسلام ويقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أتاكم ما توعدون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) هكذا كان يفعل وأصحابه يزورون القبور، يدعون للموتى، يترحمون عليهم من المسلمين، يستغفرون لهم، وبهذا يذكرون الآخرة، يذكرون الموت حتى يعدوا له عدته.

    بخلاف ما فعله المشركون الذين جهلوا الأمر وجهلوا الحق فغيروا وبدلوا، نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله أن يهدي المسلمين، وأن يبصرهم بدينهم، وأن يوفق علماءهم وحكامهم لتنبيههم وتعليمهم وإرشادهم ومنعهم من الباطل والشرك إنه خير مسئول سبحانه وتعالى.

    1.   

    حكم الصلاة في مسجد فيه قبر

    السؤال: في آخر رسالته الأخ أحمد علي حسن الزهراني يسأل بعد سؤاله عن حكم البناء على القبور يسأل: هل تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر؟

    الجواب: لا يصلى عند القبور مثلما سمعت في الحديث السابق، يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) خرجه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله البجلي ، وإذا صلى عندها فقد اتخذها مسجداً، فلا يصلى في القبور عند القبور ولا في المساجد التي فيها القبور، وإذا كانت متأخرة دفنت في المسجد وجب نبشها، وأن ينقل الرفات من عظام وغيرها إلى المقبرة العامة فيوضع في حفرة خاصة ويسوى ظاهره كسائر القبور؛ حتى لا يمتهن وحتى يسلم المسجد من ذلك فيصلي فيه المسلمون صلاة شرعية.

    أما إن كانت القبور قديمة وبني المسجد عليها للتبرك بها، فهذا هو المنكر، فيهدم المسجد ولا يبقى المسجد، إذا كان الأخير مسجد يهدم، وإذا كان المسجد قديماً ثم دفن فيه ميت ينبش وينقل رفاته إلى مقابر المسلمين، نسأل الله الهداية للجميع.

    1.   

    حكم الصلاة في مسجد منحرف عن القبلة

    السؤال: هذه رسالة من المستمع محمد شريف من المنطقة الشرقية الخبر، يقول في رسالته: يوجد عندنا في العمل مسجدان قام ببنائهما الموظفون، وكلا المسجدين منحرفان عن القبلة، وواحد منهما فيه زيادة في جهة اليسار عن المحراب بحيث الذين يصفون من جهة اليسار يصلون إلى عشرين فرد، والذين يصفون في جهة اليمين يصلون إلى عشرة فقط، والإخوان جميعاً يعلمون عن انحراف المسجدين عن القبلة وكذلك من يؤمنا، فما حكم الصلاة في هذه المساجد؟

    الجواب: إذا كان الانحراف يسيراً والجهة جهة القبلة فلا يضر، الانحراف اليسير يعفى عنه عند أهل العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) يقوله في حق أهل المدينة ونحوهم، فهكذا في الشرق يقال: ما بين الجنوب والشمال قبلة، وهكذا في الغرب يقال: ما بين الجنوب والشمال قبلة، فالمقصود أن الانحراف اليسير والميل اليسير الذي لا يخرجه عن الجهة هذا يعفى عنه.

    أما إذا انحرف إلى الجهة الأخرى فهذا هو الذي لا يعفى عنه، أما الانحراف اليسير فيعفى عنه، وتوسط الإمام هو السنة، كون الإمام. في الوسط هو السنة، فإذا كان الانحراف غير متوسط فالمشروع أن يوسطوه وأن ينقلوه إلى وسط المسجد لا إلى جهة أبعد عن الوسط، فيكون الجماعة عنه على حد سواء، فإذا كان الصف ثلاثين يكون عنه كذا خمسة عشر وعنه من هنا خمسة عشر المتوسطة، هذا هو السنة وهذا هو المشروع.

    1.   

    حكم إبقاء الزوج زوجته إذا كانت تاركة الصلاة والحجاب

    السؤال: هذه رسالة من السائل موسى عبد الحميد سوري الجنسية مقيم في الرياض، الأخ موسى يقول في رسالته: إن زوجتي لا تصلي وقد أمرتها بالصلاة أكثر من مرة لكنها لم تستجب، وكذلك هي لا تتحجب وشعرها ظاهر على كل الناس، أفيدوني ماذا أفعل معها؟

    الجواب: هذه المرأة قد اجتمع فيها شران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر.

    الشر الأول: عدم الصلاة، وهذا كفر أكبر على الصحيح.

    والشر الثاني: عدم تسترها وحجابها، فالواجب أن تفارقها؛ لأنه ليس للمسلم أن يمسك الكافرة، قال الله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10] فالواجب عليك فراقها ما دامت لم تستجب للنصيحة، فالواجب فراقها، وأبشر بأن يعوضك الله خيراً منها، ونسأل الله لها الهداية.

    فالمقصود أن هذه المرأة فيها شران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر وهو ترك الصلاة، هذا أعظم وهذا كفر أكبر، وكونها غير محتجبة لا في شعرها ولا في وجهها، هذا أيضاً كبيرة عظيمة وشر عظيم.

    فالواجب عليك فراقها والحذر منها وإعطاؤها طلاقها، نسأل الله لنا ولكم العافية، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وسوف يعوضك الله سبحانه وتعالى فضلاً منه خيراً منها وأصلح إن شاء الله.

    1.   

    حكم الفطر في نهار رمضان من المرض الشديد

    السؤال: هذه رسالة من الأخت السائلة (زينب . ع. ف. ض.) من السعودية الأخت زينب تقول في رسالتها: هي فتاة مسلمة والحمد لله تصوم وتصلي وقد أصابها مرض شديد في يوم من أيام رمضان، وقد أوشكت على الموت فأفطرت من شدة المرض ثم قضت هذا اليوم، فتسأل هل عليها في فطرها إثم؟

    الجواب: ليس عليها إثم بل مأجورة، الإنسان إذا أصابه المرض وشق عليه الصوم شرع له أن يفطر وهو مأجور في قبول الرخصة، يقول الله سبحانه: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) فإذا أخذ الإنسان بالرخصة طاعة لله وعملاً بما شرع سبحانه وتعالى فهو مأجور ولا إثم عليه، فأنت أيتها الأخت السائلة لا حرج عليك في إفطارك من أجل مرض وعليك القضاء وقد قضيت والحمد لله.

    1.   

    حكم صبغ الشعر باللون الأحمر واستعمال الأسنان الذهبية للنساء

    السؤال: لها أيضاً أسئلة متقاربة تقول فيها: ما حكم استعمال السحاب أو السستة في ملابس النساء؟ ثم هل يجوز أن أغير شعري إلى اللون الأحمر؟ ثم هل يجوز استعمال الأسنان الذهبية للنساء والرجال؟

    الجواب: أما السحاب فأمره سهل، كونه في الأمام أفضل وأولى، ولكن إذا كان في الخلف لأسباب تقتضيها المصلحة فلا بأس لكن مع العناية بستر العورة ستر البدن من الأمام والخلف، تكون حريصة على ستر عورتها من أمامها وخلفها، هذا هو الواجب، أما كون السحاب أمام أو خلف فأمره سهل، ولكنه في الأمام أولى كالعادة القديمة المعروفة، ولأن ذلك أمكن في ضبط العورة وضبط اللباس على البدن.

    المقدم: وبالنسبة لصبغ الشعر؟

    الشيخ: وأما صبغ الشعر فلا يجوز إذا كان بالسواد الخالص، أما إذا صبغ بالحمرة أو بالصفرة أو بسواد مخلوط بالحناء فلا بأس بذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد) فدل ذلك على أن تغيير الشيب سنة ومستحب لكن بغير السواد الخالص، وإذا غير الشعر بالأحمر أو بالأصفر فلا حرج في ذلك.

    المقدم: وإذا كان يا شيخ لشابة مثلاً تريد تغييره مثلاً من الأسود؟

    الشيخ: إذا كان للجمال فلا بأس، إذا كان للجمال فهو مسكوت عنه ليس فيه نهي.

    المقدم: وبالنسبة للأسنان الذهبية للرجال والنساء؟

    الشيخ: جائز للنساء خاصة، أما للرجال فلا إلا للحاجة، إذا احتاج الرجل ما هو للزينة، احتاج لسقوط أسنانه، ولأن الذهب أصبر وأنظف فإذا جعله للحاجة فلا بأس، وإن جعل غيره من المعادن الأخرى فهو أولى وأحوط إن شاء الله، وإذا ربطه أسنانه الأخرى بأسلاك الذهب فلا بأس، قد روي هذا عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحاصل أنه إذا كان للحاجة فلا بأس، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بعض أصحابه لما قطع أنفه في بعض الحروب أن يجعل فضة، فلما تغيرت عليه أمره أن يجعل مكانه ذهباً، فدل ذلك على أن الذهب للحاجة لا بأس لا لأجل الزينة، وإذا جعل من المعادن الأخرى أسناناً وربطها بشيء من الذهب فلا حرج في ذلك.

    أما النساء فأمرهن أوسع؛ لأنه أحل لهن الذهب والحرير دون الرجال.

    1.   

    حكم وقوع الطلاق الثلاث متفرقة

    السؤال: وهذه رسالة من الأخ السائل أحمد سلامة سلمان رشيدي سوداني الجنسية، يقول في رسالته: طلقت امرأتي ثلاث مرات وحيث كان في وقت المغرب وقالت لي كلاماً أغضبني فطلقتها وراجعتها لأنها أم لطفلين، وعادت إلى بيتي وبعد أيام حصل بيني وبينها زعل فطلقتها فدخلت علي وقالت: لأجل أطفالي أرجعني؟ فرددتها، وبعد أيام حصل بيني وبينها كما حصل في الطلاق الأول والثاني فطلقتها في الثالثة، أفيدوني عن هذا؟

    الجواب: عليك أن تراجع المحكمة أو المفتي لديكم في بلادكم وهو إن شاء الله ينظر في الأمر، والأصل أن الثلاث إذا تفرقت ليس بعدها رجعة، ولكن القاضي أو المفتي ينظر في ذلك، أما إن كنت في السعودية فبإمكانك أن تراجعنا بالمكاتبة حتى نحيلك وإياها إلى قاضي الطلاق للنظر في الموضوع ومعرفة الحقيقة عنك وعن المرأة وعن وليها؛ حتى تكون الفتوى على أمر واضح إذا كنت في المملكة، أما إذا كنت في بلاد أخرى ففي إمكانك مراجعة المحكمة للأحوال الشخصية أو المفتي عندكم وهو إن شاء الله يوفق للفتوى فيما يوافق الشرع.

    المقدم: إن شاء الله، جزاكم الله خيراً.

    في ختام هذه الحلقة أيها الإخوة المستمعون الكرام لا يسعنا إلا أن نشكر صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والذي تفضل مشكوراً فأجاب على رسائل الإخوة: صالح عبد العزيز الطوالة من الزلفي، والأخ أحمد علي حسن الزهراني من بلاد زهران، ورسالة الأخ محمد شريف من الخبر بالمنطقة الشرقية، ورسالة السائل موسى عبد الحميد سوري الجنسية مقيم بالرياض، ورسالة الأخت السائلة (زينب . ع .ف. ض) من السعودية، ورسالة السائل أحمد سلامة سلمان رشيدي سوداني الجنسية.

    شكراً لكم على حسن متابعتكم، ولكم تحية من الأخ صالح النويصر من الهندسة الإذاعية، وإلى أن نلقاكم على خير، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.