إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (192)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم من أخر قضاء يومين من رمضان حتى دخل رمضان آخر

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

    أيها الإخوة في الله! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    نحييكم بتحية الإسلام الخالدة التي نستهل بها لقاءنا المتجدد مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    والذي يسعدنا أن نلتقي به وأن يكون ضيف لقائنا في هذه الحلقة من البرنامج؛ ليتولى سماحته الإجابة مشكوراً على رسائلكم التي تحمل أسئلتكم واستفساراتكم.

    ونرحب بسماحة الشيخ، أهلاً ومرحباً بكم سماحة الشيخ.

    الشيخ: بارك الله فيكم حياكم الله.

    ====

    السؤال: السؤال الأول ورد من الأخ شيخي محمد بلدية عين الخضرة ولاية المسيلة الجزائر- العاصمة، يسأل في أول سؤال عن حكم من أفطر في رمضان يومين حتى أتاه شهر رمضان القادم، فما حكم ذلك وأفيدوه؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن من أفطر في رمضان يجب عليه أن يقضي قبل رمضان الآخر، وما بين الرمضانين فهو محل سعة من ربنا عز وجل، إذا قضى في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة أو في المحرم أو ما بعد ذلك.. إلى شعبان، فعليه أن يقضي ما أفطره لمرض أو سفر أو نحو ذلك قبل رمضان، فإن أخره إلى رمضان آخر لم يسقط القضاء بل يجب عليه القضاء، ولكن يلزمه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم زيادة مع القضاء، أفتى به جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقضي ويطعم عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من قوت البلد، كيلو ونصف من قوت البلد من تمر أو أرز أو غير ذلك، أما إن صام ذلك قبل رمضان القادم فإنه يقضي ولا إطعام عليه.

    1.   

    حكم استماع الأغاني ومفاسده

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة الأخ: شيخي محمد بلدية يقول فيه: هل الاستماع إلى الأغاني حرام، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الاستماع إلى الأغاني لاشك في حرمته؛ وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاصٍ كثيرة وإلى فتن متعددة، ويجر إلى العشق، والوقوع في الزنا والفواحش واللواط، ويجر أيضاً إلى معاصٍ أخرى من شرب المسكرات ولعب القمار وخلطة الأشرار وربما أوقع في الشرك والكفر بالله، على حسب أحوال الغناء واختلاف أنواعه.

    والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7]، فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، قرئ: ليضل وقرئ: ليضل واللام للتعليل.

    والمعنى أنه بتعاطيه لهو الحديث وهو الغناء يجره ذلك إلى أن يضل ويضل غيره، يضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة والمرض، فيضل عن الحق بتساهله بمعاصي الله وركوبه لها وتركه بعض ما أوجب الله، ترك الصلاة في جماعة، من ترك بر الوالدين، من لعب القمار، من ميله إلى الزنا والفواحش واللواط.. إلى غير هذا مما قد يقع بسبب الأغاني.

    قال أكثر المفسرين: معنى لهو الحديث في الآية: هو الغناء، وقال جماعة آخرون: يضاف إلى ذلك كل صوت ينكر من أصوات الملاهي داخل في ذلك كالمزمار والعود والكمان وأشباه ذلك.

    وهذا كله يصد عن سبيل الله، ويسبب الضلال والإضلال، وثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة رضي الله عنه، أنه قال في الآية: إنها والله الغناء. وقال: إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. والآية تدل على هذا المعنى، فإن الله قال: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6] يعني: يعمى عليه الطريق كالسكران يعمى عليه الطريق؛ لأن الغناء يسكر القلوب، ويوقع في الهوى والباطل، فيعمي عن الصواب إذا اعتاد ذلك حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء وامتلاء قلبه به، وميله إلى الباطل وإلى است فلانة وفلان وإلى صحبة فلان وفلانة وصداقة فلان وفلانة وغير ذلك.

    وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا [لقمان:6] يعني: يفضي إلى اتخاذ سبيل الله هزواً، إلى اتخاذ دين الله، وسبيل الله هو دينه، فالغناء واللهو يفضي إلى اتخاذ طريق اللهو هزواً ولعباً وعدم المبالاة في ذلك.

    وإذا تلي عليه القرآن استكبر وثقل عليه؛ لأنه اعتاد سماع الغناء وآلات الملاهي، فهو يثقل عليه سماع القرآن ولا يستريح لسماع القرآن، وهذه من العقوبات العاجلة.

    فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك، وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب وأنها وسيلة إلى شر كبير، والله المستعان.

    1.   

    درجة حديث: (عاقر الجار وضارب الأوتار وبيان معناه...)

    السؤال: السؤال الثالث والأخير في رسالة الأخ شيخي محمد بلدية من عين الخضرة بالجزائر- العاصمة، يقول فيه: هل هذا الحديث صحيح، إن كان صحيحاً فمن يكون راويه: (عاقر الجار وضارب الأوتار والراقصون والراقصات في النار) أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذا الحديث لا أعلم له أصلاً بهذا اللفظ، ولكن له معانٍ، فالجار له شأن عظيم، الجار له حق في إكرامه والإحسان إليه، كما قال الله جل وعلا: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36] فأمر الله بالإحسان إلى القريب وغير القريب.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) قال: (فلا يؤذي جاره).

    الشيخ: كذلك ضارب الأوتار قد تقدم أن ما يكون من ضرب الأوتار في الأغاني والملاهي أنه فيه شر عظيم وأنه يصد عن سبيل الله، ويمرض القلوب ويقسيها ويورثها النفاق.

    فالراقص والراقصات هؤلاء إذا كانوا في حضرة الرجال وحضرة النساء يكون شره عظيم وفساده كبير، فلا يستغرب أن يتوعد بالنار لما يترتب على رقص الرجل بين النساء، ورقص المرأة بين الرجال غير محارمها وغير نسائها من الشر الكبير.

    فالمقصود أن الرقص الذي ليس فيه الحشمة عما حرم الله كالرقص عند الرجال الأجانب، أو مختلط بالرجال والنساء هذا يفضي إلى فساد كبير، وإلى وقوع الفواحش، وهكذا الراقصون من الرجال بين النساء ليعشقنهم وليكن بينهن وبينهم الفساد، كله شره كبير.

    الرقص لا يكون من المرأة إلا في مجال النساء، الرقص يكون بين النساء في العرس، هذا هو محل الرقص للمرأة بين النساء لا بين الرجال ولا في كل مكان، بل بين النساء في الأعراس لا محذور فيه إذا كان ليس هناك نظر من الرجال.

    والرجل ليس من أهل الرقص، وليس من شأنه الرقص، ولا ينبغي له الرقص ولا يجوز له الرقص، وإنما يلعب اللعب الذي يعينه على التدرب في الجهاد، لعب المجاهدين والمتدربين، ليس من شأنه الرقص، وإنما يلعب ويتدرب على السلاح والكر والفر، لينفع نفسه وينفع المسلمين، وأن يشارك في الجهاد وحماية الدين وحماية الأوطان والأموال، هذا هو الذي يطلب من الرجل.

    أما الرقص الذي هو رقص أهل الشهوات ورقص النساء فليس من شأن الرجال بل شأنهم فوق ذلك، شأن الرجال التدرب والعمل فيما يجعلهم صالحين للجهاد وحمل السلاح بأنواعه، والبعد عن مشاكل النساء والاتصال بالنساء، والله المستعان.

    1.   

    حكم الظهار وكفارته

    السؤال: المستمع الذي رمز إلى اسمه بـ (ع. م. ر) من الطائف- رانية، يقول في سؤاله: قلت في إحدى المرات: تحرم علي زوجتي مثل أمي وأختي لو عملت هذا، فما رأيكم في هذه المشكلة وأفيدوني بالنصيحة أفادكم الله؟

    الجواب: إذا قال الرجل تحرم عليه زوجته كحرمة أمه أو أخته إذا فعلت كيت وكيت، هذا يسمى ظهاراً، وعليه كفارة الظهار، وعليه التوبة إلى الله؛ لأن الظهار منكر من القول وزور، ليس له فعله، لكن متى قال: تحرم عليه زوجته كأمه أو أخته أو جدته أو عمته أو خالته أو نحو ذلك، فإذا كلمت فلاناً أو إذا لم تبت عندي أو إذا فعلت كيت وكيت فهذا يسمى ظهاراً.

    فعليه التوبة إلى الله من ذلك، وإذا فعلت ما منعها منه فإنه يكون عليه كفارة الظهار، وهي عتق عبد أو أمة مؤمنة، وإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً ثلاثين صاعاً، والصاع أربع حفنات باليدين الممتلئتين المتوسطتين، هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم، فعليه ثلاثون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين ستين مسكيناً، كل مسكين له نصف الصاع، وهو كيلو ونصف تقريباً بالوزن، قبل أن يمسها قبل أن يتصل بها، كفارة لما وقع منه من التحريم والظهار، والله المستعان.

    1.   

    مفهوم الشرك وتفسير آية الوسيلة

    السؤال: وردت إلى البرنامج الرسالة التالية من بعض الإخوة من السودان يسألون في رسالتهم عن الشرك بالمفهوم، ويطلبون تفسير هذه الآية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] صدق الله العظيم، أفيدونا بالصواب ولكم الأجر والثواب من الله تعالى؟

    الجواب: الشرك على اسمه هو تشريك غير الله مع الله في العبادة، كأن يدعو الأصنام يستغيث بهم، ينذر لهم، يصلي لهم، يصوم لهم، يذبح لهم، يذبح للبدوي ، يذبح للعيدروس ، يذبح لفلان، يصلي لفلان، يطلب المدد من الشيخ عبد القادر ، من الرسول صلى الله عليه وسلم ، من العيدروس في اليمن، من أشباه ذلك من سائر المعبودين من دون الله، هذا يقال له: شرك.

    وهكذا إذا دعا الكواكب أو الجن أو استغاث بهم أو طلبهم مدداً، أو ما أشبه ذلك.

    فإذا فعل شيئاً من هذه العبادات مع المخلوقين أو مع الأموات صار هذا شركاً بالله عز وجل، قال الله جل وعلا: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، قال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    ومن الشرك أيضاً: أن يعبد غير الله عبادة كاملة، فإنه يسمى شركاً ويسمى كفراً، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله للأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات ممن يسمونهم بالأولياء، يعبدهم، يصلي لهم، يصوم لهم، وينسى الله بالكلية هذا أعظم كفراً وأشد كفراً وأشد شركاً، نسأل الله العافية.

    وهكذا من ينكر وجود الله، ويقول: إنه ليس هناك إله والحياة مادة، كالشيوعيين والملاحدة المنكرين وجود الله، هؤلاء أكفر الناس وأضلهم، وأعظمهم شركاً وضلالاً نسأل الله العافية.

    فالمقصود أن هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى شركاً وتسمى كفراً بالله عز وجل.

    وقد يغلط بعض الناس لجهله، فيسمي دعوة الأموات والاستغاثة بهم وسيلة، هذا غلط، هذه وسيلة للكفر ما هي بوسيلة مباحة، الله جل وعلا يقول: اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] الوسيلة القربة يعني: بطاعته، هذه الوسيلة عند أهل العلم جميعاً، الوسيلة التقرب إلى الله بطاعته، فالصلاة قربى إلى الله وسيلة، الذبح لله وسيلة كالضحايا والهدايا، الصوم وسيلة، الصدقات وسيلة، ذكر الله وقراءة القرآن وسيلة، هذا معنى قوله جل وعلا: اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35] يعني: ابتغوا إلى القرب إليه بطاعته، هكذا قال ابن جرير وابن كثير و البغوي وغيرهم من أئمة التفسير.

    المعنى: التمسوا القربة إليه بطاعته، وابتغوها اطلبوها أينما كنتم بما شرع الله لكم من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك.

    وهكذا قوله في الآية الأخرى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57] ليبتغوا من ربهم القرب، يعني: بطاعته، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] هكذا الرسل وأتباعهم، في التقرب إلى الله بالوسائل التي شرعها من جهاد من صوم من صلاة من ذكر من قراءة القرآن، إلى غير هذا من وجوه الوسيلة.

    أما ظن بعض الناس أن الوسيلة هي التعلق بالأموات والاستغاثة بالأولياء والنذر لهم هذا خطأ وظن باطل، وهذا اعتقاد المشركين الذين قال فيهم سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] هذا عمل المشركين، يدعون الأموات ويستغيثون بالجن، ويستغيثون بالملائكة ويدعون أنهم وسائلهم إلى الله.

    وقال تعالى في كتابه الكريم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] قال الله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3] فسماهم كذبة كفرة، كذبة في قولهم أنها تقرب من الله، وكفرة في قولهم: إن الله أمرهم بهذا، فهو سبحانه لم يأمر بهذا، فهم كذبة في قولهم، كفرة في فعلهم، ولهذا قال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا [الزمر:3], فهي لا تقربهم ولا تدنيهم من الله بل تبعدهم من الله ومن رحمته سبحانه وتعالى، فهم كذبة في هذا القول، كفرة في هذا الفعل الذي نسبوه إلى الله وجعلوه ديناً له سبحانه وتعالى.

    والله يقول: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2] ويقول : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وهذا معنى لا إله إلا الله، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]. نعم.

    1.   

    حكم التوسل إلى الله ببركة الصالحين وحكم الصلاة خلف من يعقد ذلك

    السؤال: هذه الجماعة من السودان تقول في رسالتها أيضاً: لنا إمام مسجد يقول: إنه يجوز للإنسان أن يسأل الله ببركة فلان -أحد الصالحين- مثلاً: اغفر لي يا رب، فهل هذا نوع من الشرك؟ وهل تجوز الصلاة خلفه في نفس الوقت؟ لا يصرح بها شفهياً إلا أن نسأله، وهذا الإمام يكتب الحجب ويعطي المحو والبخور للناس بطرق علاج، هل نصلي خلفه أم لا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: التوسل بجاه فلان، وببركة فلان، أو بحق فلان، هذا بدعة وليس من الشرك.

    فإذا قال: اللهم إني أسألك بجاه أنبيائك أو بجاه وليك فلان أو بعبدك فلان أو بحق فلان أو بركة فلان هذا من البدع؛ لأنه ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة فيكون بدعة، والله يقول سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] ما قال: بركة فلان أو فلان، قال: فادعوه بها، فالتوسل يكون بأسماء الله وبصفاته وبتوحيده، كما قال في الحديث الصحيح: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت).

    ويكون أيضاً بالأعمال الصالحات، كسؤال أهل الغار لما سألوا ربهم، آخر واحد سأله ببره والديه، والثاني سأله بعفته عن الزنا، والثالث سأل بأدائه الأمانة، فالتوسل بالأعمال الصالحات: اللهم إني أسألك بإيماني بك، بمحبتي لنبيك، باتباعي لشرعك، بعفتي عما حرمت علي، التوسل الصحيح الشرعي.

    أما اللهم إني أسألك بجاه فلان أو بجاه النبي فلان أو بحق فلان هذا بدعة لا أصل له، ليس من الوسائل الشرعية، أو ببركة فلان، كل هذا لا أصل له وليس من التوسل الشرعي بل هو من البدعي، ولكن لا يسمى شركاً، بل يقال له: بدعة، ويقال له: إنه من وسائل الشرك، والله المستعان.

    وكذلك ما يتعلق بعمله الآخر كونه يكتب الحجب، هذا لا يجوز؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) والحجب هي التمائم، فلا يجوز تعلق التمائم ولا تعليقها، فالذي يعلقها ينكر عليه، والذي يكتبها للناس ينكر عليه حتى ولو كانت من القرآن.

    كان عبد الله بن مسعود وغيره من السلف ينكرون ذلك، من القرآن وغير القرآن، والأحاديث عامة: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) فالرقى المجهولة أو الرقى بالأسماء المنكرة والمجهولة أو الشركية كلها ممنوعة، وإنما تجوز الرقية الشرعية فقط.

    والتولة: الصرف والعطف والسحر ممنوع.

    والتمائم كذلك ممنوعة، وهي الحجب وتسمى الجوامع وتسمى الحروز، هذا الإمام ينكر عليه، ويعلم أن هذا لا يجوز؛ ولأنها إذا علقت كانت وسيلة للتعلق بها وجمع القلوب عليها ونسيان الله سبحانه وتعالى، ومن حكمة الله في هذا أنه نهى عنها سبحانه وتعالى، حتى تكون القلوب معلقة به لا بغيره سبحانه وتعالى.

    وتعليق القرآن وسيلة لتعليق غيره، فلهذا منع الجميع، الصواب منع الجميع وأن لا يعلق شيء على المريض ولا على الصبي لا من القرآن ولا من غير القرآن، بل يعلم الدعاء الشرعي: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فهكذا يعلم التعوذ الشرعي، قراءة آية الكرسي عند النوم، قراءة (قل الله هو أحد) والمعوذتين عند النوم بعد الصلوات، يعلم الأشياء الشرعية والأذكار الشرعية والتعوذات الشرعية.

    أما المحو وهي أن يكتب آيات بالزعفران، فهذا فعله كثير من السلف إذا كان في نفسه صالحاً، كونه يكتب آيات في صحن نظيف أو في قرطاس بالزعفران آيات ودعوات طيبة ثم تمسح ويشربها المريض لا حرج فيه، لكن تركه أولى والاكتفاء بالقراءة على المريض، كونه يقرأ على المريض ويدعو للمريض أفضل من المحو له.

    ولكن المحو عند أهل العلم ليس بمنكر، لأنه فعله كثير من السلف ولا حرج فيما نعلم، لكن الحجب لا، ممنوعة الحجب فينبغي نصيحة هذا الإمام، وتوجيهه، فإن استقام وإلا يعزل، يعزل حتى يلتمس صاحب سنة.

    1.   

    حكم نزع المحرم شعراً في عينيه يؤذينه

    السؤال: وبعث الأخ عبده محمد موسى من جمهورية الصومال برسالة يسأل فيها ويقول: إن في عيني شعراً لابد من أخذه بالمنقاش، فإذا تركته آذاني وأتعبني، فهل يجوز لي أخذه وأنا محرم أم لا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: لا حرج في ذلك، إذا كان الإنسان محرماً ووقع في عينيه شعرات منكسرة تؤذيه فإنه يأخذها بالمنقاش، مثل لو انكسر ظفره أزاله؛ لأن هذا متعب ومؤذٍ فلا يضر أخذه، وأيضاً من شرع الله التيسير والتسهيل، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] فإذا انكسرت شعرة أو شعرات في عينه جاز أخذها بالمنقاش وهو محرم ولا حرج في ذلك، والحمد لله.

    وهكذا لو انكسر ظفره أزاله.

    1.   

    حرمة إساءة الولد الأدب مع والده

    السؤال: الأخ إبراهيم بعث برسالة من الطائف يقول فيها: حصل بين والدي وشخص منازعات في أرض لا يعرف من هو صاحبها الأحق، أهو والدي أم الشخص الآخر؟! فحضر المشكلة أهل الخير فأرادوا الإصلاح بينهما ولم يستطيعوا ذلك، فأصر والدي أن الأرض هي له، وهي ليست له حقاً كلها، فحاولت إقناع والدي بأن يرضى بالصلح أو يأخذ من خصمه اليمين، فرفض كل المحاولات، فطلعت مني كلمة مع الزعل فقلت لوالدي: أنت كاذب، فما هو الحكم في ذلك، وما هي كفارتها، والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟

    الجواب: عليك التوبة إلى الله من ذلك واستسماح والدك، عليك أن تستغفر الله وتتوب إليه من هذه المجابهة، وعليك أن تستبيح والدك وتستحله، تقول: سامحني يا والدي فهي زلة مني، والله يسامحك.

    وعليك أن تنصحه إذا كنت تعلم أن بعض الأرض ليست له، عليك أن تنصحه وتبين له الأسباب التي جعلت هذا الشيء ليس له وأنه لخصمه، فإن هذا حق، والمؤمن يقول بالحق على نفسه وعلى أبيه وعلى غيره، كما قال سبحانه في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135] الآية.

    فالمؤمن يقول الحق على نفسه وعلى أبيه وعلى أمه لكن بطريقة حسنة وبأسلوب حسن، لا بالمجابهة القبيحة، تقول: يا والدي! أنا عندي علم، أو قال لي فلان، أو علمت كذا وكذا، تنصح بينك وبينه، حتى يهتدي إن شاء الله وحتى يقنع بالحق، وحتى يعطي الحق لصاحبه من دون أن تجابهه مجابهة تسيء الأدب معه وتكدر حالك معه، فإن هذا لا يليق من الولد مع الوالد.

    فتستغفر الله جل وعلا، وتتوب إليه وتستسمح أباك، ولا يمنعك هذا من نصحه والشهادة بالحق ولو عليه، والله المستعان وهو ولي التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم سداد العامل دين المشترين للمالك إذا لم يسددوا ذلك

    السؤال: وهذه رسالة من المستمع حسن ساتي سوداني مقيم بالسعودية، يقول في رسالته: كنت أعمل عامل بقالة مع أحد الرجال، وقام أحد الناس بشراء بعض المقاضي بالدين، وصاحب البقالة يعلم بذلك، ووعد المدين بسداد الدين عندما يتيسر له ذلك، وقمت بإجازة سنوية لبلدتي وفي ذلك الوقت طالب صاحب البقالة المدين بالدين الذي عليه، فأنكر ذلك وقال: إنه لم يستدن شيئاً من البقالة، انتهز فرصة غيابي وعند عودتي من الإجازة لم أجد الرجل المستدين وقد ترك المنطقة نهائياً، وقام صاحب البقالة بمطالبتي بسداد المبلغ المطلوب من الرجل.

    هل الدين الذي أنكره الرجل أصبح في ذمتي، وهل يجوز أن نقتسم المبلغ بيننا باعتباره صاحب البقالة عنده علم بالدين، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: إذا كان صاحب البقالة قد أذن لك أن تدين الناس، إذا كان قد أذن لك وسمح لك بهذا فلا حرج، ولكن عليك مع ذلك أن تثبت الدين، إذا كنت لم تثبته في دفتر ولا بشهود فأنت تغرم المال؛ لأنك مفرط.

    وإذا كان ما أذن لك بأن تدين أحداً فأنت تضمن المال أيضاً.

    أما إذا كان أذن لك فلا بأس عليك، لكن تثبت الدين إما بالشهود وإما بالكتابة، يكتب على نفسه وتأخذ توقيعه حتى لا يخدعك، وحتى لا يضيع المال، فإذا كنت ما أشهدت عليه ولا كتبت عليه أو كان صاحب البقالة ما أذن لك في إدانة الناس فإنك تضمن هذا المال.

    وإذا بقي إشكال فالمحكمة تنظر في أمرك، إذا كان هناك إشكال وغير ما ذكر فالمحكمة تنظر في الأمر، والله المستعان.

    المقدم: شكراً لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على هذا اللقاء في برنامج نور على الدرب الذي أجاب فيه سماحته على أسئلة الإخوة المستمعين: المستمع شيخي محمد بلدية عين الخضرة الجزائر- العاصمة، المستمع (ع. م. ر) رانية الطائف، المستمعين جماعة من السودان، والمستمع عبده محمد موسى من الصومال، والمستمع إبراهيم من الطائف، وأخيراً رسالة المستمع حسن ساتي سوداني مقيم بالمملكة.

    أيها الإخوة الكرام! شكراً لكم على متابعتكم وإنصاتكم للبرنامج، وإلى لقاء آخر إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.