إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (186)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم ترجمة معاني القرآن الكريم إلى غير العربية

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب. رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، وعلى بركة الله نبدأ في استعراض بعض رسائل السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الجماهيرية الليبية وباعثها أحد الإخوة من هناك يقول كمال القوني : أخونا يسأل عن ترجمة معاني القرآن الكريم، فيقول: هل القرآن الكريم قراءته بغير لسان عربي في ذلك إثم؛ لأنني أقرأ وأترجم من كتاب التفسير لـابن كثير لإخوتي في الله من غير العرب باللغة الإنجليزية، آمل أن يأتيني منكم الرد سريعاً جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل أنزل كتابه الكريم باللغة العربية، فهو قرآن عربي، فلا يجوز أن يقرأ بغير العربية، وإنما تترجم معانيه للغات الأخرى لتفهيم المعنى وتعليم المعنى حتى يتعلم أصحاب اللغات غير العربية معاني كلام الله عز وجل، وحتى يستفيدوا من أحكام كتابه سبحانه وتعالى، ولكن عليهم أن يتعلموا لفظ القرآن حتى يقرءوا به في الصلاة وخارج الصلاة باللغة العربية، وإنما الترجمة معناها: التفسير، يعني: يبين للذي لا يعرف اللغة العربية معنى قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] .. معنى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ [المائدة:3] وهكذا تبين لهم المعاني والأحكام حتى يفهموها بلغتهم، وليست اللغة قرآناً، وإنما هي تفسير وترجمة، وإنما القرآن ما يتلى باللغة العربية كما أنزله الله سبحانه وتعالى.

    وللعلماء العارفين باللغات الأخرى أن يترجموا معانيه إلى إخواننا المسلمين ليفهموه، وهكذا لغير المسلمين للدعوة إلى الله وبيان أحكام الله، حتى يعلم غير المسلم حقيقة القرآن وما فيه من العلم، فيكون ذلك سبباً لدخوله في الإسلام.

    1.   

    حكم الخلوة بالمرأة بعد العقد عليها وقبل الزواج الرسمي

    السؤال: من العراق رسالة بعثت بها إحدى الأخوات من هناك تقول: (س. س) أختنا تسأل وتقول: متى يحل للرجل أن يخلو بالمرأة؟ وهل يحق أن يخلو بها بعد أن اتفق والدها ووالده على قبول تزويجهما وبحضور شاهدين آخرين، أي: هل أصبحا زوجين مع العلم أنه لم يتم تسجيل هذا العقد في المحكمة؟

    الجواب: الخلوة محرمة بالمرأة الأجنبية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) ولقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) لكن إذا تم العقد وتم الزواج من الولي من الخاطب بحضرة الشاهدين صارت زوجة له، ولو خلا بها لا شيء عليه، ولكن ينبغي له أن يمتنع من جماعها حتى يدخل بها الدخول الشرعي؛ لئلا يظن أنه من غيره، فينبغي في مثل هذه الأحوال أن يكون جماعه لها واتصاله بها الاتصال الجنسي يكون بعد الخلوة الرسمية التي يعترف بها أهلها.

    أما كونه يخلو بها لا حرج عليه؛ لأنها زوجة، لكن الجماع لها ينبغي تأخيره إلى الدخول الرسمي الذي يعرفه الناس، حتى لا يقع تهمة لو حملت، فيقال: هذا ليس من زوجها، أو يجحده هو أو ما أشبه ذلك. نسأل الله السلامة.

    1.   

    حكم الإسرار بالبسملة في الصلاة الجهرية

    السؤال: من جمهورية مصر العربية رسالة باعثها أحد الإخوة من هناك رمز إلى اسمه بالحروف: (ن. ح. ع) أخونا له ثلاثة أسئلة:

    في سؤاله الأول يقول: أسمع بعض الناس في الصلاة الجهرية يبدأ بالفاتحة مباشرة دون أن يسمي، أي: لم يذكر البسملة فما هو التوجيه في هذا؟

    الجواب: المشروع للمؤمن والمؤمنة أن يبدأ بالتعوذ، ثم التسمية، ثم القراءة، فإذا كبر للصلاة أولاً استفتح بما شرعه الله من الاستفتاحات التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها: وهو أخصرها: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ومنها: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) وهناك استفتاحات أخرى ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالأفضل أن يستفتح بواحد منها، هذا هو الأفضل وإن ترك ذلك فلا حرج.

    ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم يقول: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] ثم يقرأ الفاتحة، هذا هو المشروع، ولو قرأ من دون استفتاح ولا تعوذ ولا تسمية صحت القراءة؛ لأن التسمية سنة، والتعوذ سنة، والاستفتاح سنة، لكن الأفضل له والسنة له أن يأتي بهذه الأمور، يستفتح، ثم يستعيذ، ثم يسمي، ثم يقرأ، هذا هو المشروع، وهذا هو الكمال.

    المقدم: يسأل أخونا عن الصلاة الجهرية يا سماحة الشيخ، يقول: لم أسمعهم يذكروا بسم الله الرحمن الرحيم في الصلوات الجهرية؟

    الشيخ: السنة في الجهرية أن لا يجهر، يقرأ التسمية والتعوذ لكن سراً هذا هو الأفضل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسر بها، وهكذا خلفاؤه الراشدون: الصديق ، وعمر ، وعثمان ، وعلي كانوا يسرون، فالسنة الإسرار بها.

    وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه ما يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام ربما جهر بها في بعض الأحيان، فإذا جهر بها الإنسان في بعض الأحيان للبيان والتعليم فلا حرج في ذلك، ولكن الأفضل أن يكون الغالب عليه أن يسر بها اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك.

    1.   

    حكم من نسي صلاة العشاء ولم يذكرها إلا في صباح اليوم التالي

    السؤال: في يوم ما لم أصل العشاء ولم أتذكر ذلك إلا في صباح اليوم التالي، كيف أفعل؟

    الجواب: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) متى ذكرتها بعد الصبح صلها.. في الضحى صلها.. في الظهر صلها.. متى ذكرتها، فإن ذكرتها قبل الفجر فصلها قبل الفجر، فإن لم تذكرها إلا بعد الفجر فصلها بعد الفجر والحمد لله.

    1.   

    أثر مس عورات الأطفال على الوضوء

    السؤال: ملامسة عورات الأطفال هل تنقض وضوء اللامس؟

    الجواب: نعم، عورة الطفل تنقض من مسها، إذا مستها أمه أو أبوه انتقض الوضوء؛ للحديث: (من مس الذكر فليتوضأ).

    1.   

    نصيحة في تربية الأبناء

    السؤال: أخت لنا من السودان بعثت برسالة مطولة وضمنتها اثني عشر سؤالاً متنوعة من أحد أسئلتها: تقول: لي أربعة أطفال، أكبرهم في السابعة من عمره، كانت أمنيتي قبل أن يرزقني الله بهم إن كانت لي ذرية سأحاول بقدر الإمكان تعليمهم أمور الدين وتهيئة الجو الإسلامي لهم، وفعلاً أخذت أعلمهم ومنهم من يحفظ كثيراً من القرآن الكريم والأحاديث حتى القصص لا يعلمون غير قصص الأنبياء، ولم أدخل عليهم أي جهاز من الأجهزة الحديثة كالمسجل أو الفيديو أو ما أشبه ذلك، إلا أنهم يعيشون في جو غريب تماماً، وبدءوا يستنكرون كل ما عدا ما في منزلنا أو كل ما عدا ما يسمعون منا، وبدءوا يعيشون في شيء من الازدواجية وترجو التوجيه جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: قد أحسنت في تعليمهم وتوجيههم، وعليك أن تكملي أنت ووالدهم وإخوتهم الكبار وغير ذلك من أقاربهم، عليكم أن تلاحظوهم حتى لا يضرهم ما حولهم من المجتمع، أنت على خير، وأبوهم على خير في التعليم والتوجيه والإرشاد والتربية الإسلامية، ولكن لابد من اختلاطهم بمن حولهم، فعليكم بالحرص عليهم وتوجيههم إلى الخير، وتحذيرهم مما قد يسمعون من الباطل، أو يشاهدون من الباطل حولهم حتى لا يتأثروا به، والله جل وعلا هو الموفق الهادي، وإنما عليكم أن تفعلوا المستطاع: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وأنتم على خير إن شاء الله وسوف ينفع الله بجهودكم.

    1.   

    صفة العلو لله جل وعلا والرد على النفاة

    السؤال: أم مجاهد سودانية بدولة الإمارات تسأل أيضاً سؤالاً آخر، وتقول فيه: قال زوجي في إحدى خطب الجمعة: إن الله في السماء مستوٍ على العرش، بائن من خلقه، وهو في السماء السابعة، فذهب أحد الناس يستنكر عليه وشنع به، ونطلب من سماحتكم القول الواضح في هذا الموضوع جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: قد أحسن زوجك فيما قال، وأصاب الحق فيما قال، فالله سبحانه وتعالى فوق العرش فوق جميع السماوات، وفوق جميع الخلق، كما قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] والاستواء معناه: العلو والارتفاع، يعني: ثم علا على العرش وارتفع عليه سبحانه وتعالى، فهو فوق العرش وعلمه في كل مكان عند أهل السنة والجماعة، وهذا هو الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعلى رأسهم نبينا وإمامنا محمد عليه الصلاة والسلام.

    وهو قول أصحاب النبي جميعاً رضي الله عنهم، كلهم درجوا على أن الله في العلو فوق العرش فوق جميع الخلق، وعلمه في كل مكان سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12] وقال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] فله العلو الكامل سبحانه وتعالى، من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والشرف، وعلو السلطان والقهر سبحانه وتعالى، وهو فوق العرش فوق جميع الخلق، استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته، كما قال سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال هذا في سبعة مواضع من كتابه العظيم، فالواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة الإيمان بذلك، والإمرار للصفات كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وإنكار الاستواء من مذهب الجهمية، مذهب أهل البدع، فالواجب على أهل الإسلام ذكوراً وإناثاً أن يؤمنوا بذلك كما جاء في القرآن العظيم، وأن يسيروا على نهج أهل السنة في إثبات علو الله فوق جميع الخلق فوق السماء السابعة فوق جميع الخلق، فوق العرش، فإن العرش فوق السماء السابعة، فوق السماء السابعة الكرسي، ثم هناك بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماوات والأرض ثم بعد ذلك العرش، فالعرش فوق الماء، والعرش هو سقف المخلوقات وهو أعلاها، والله فوق العرش سبحانه وتعالى، فوق جميع الخلق جل وعلا، ولهذا قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]، وقال عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان:59] في آيات سبع كلها دالة على علوه، وفوقيته واستوائه على العرش سبحانه وتعالى، فالذي أنكر على زوجك هو الذي قد أخطأ وغلط ووافق أهل البدع وخالف أهل السنة، وأما زوجك في إخباره بأن الله فوق العرش فوق السماء فوق جميع الخلق فقد أصاب، ووافق أهل السنة، ووافق الكتاب والسنة، وخالف أهل البدع.

    فنسأل الله لنا ولكم ولزوجك ولجميع المسلمين التوفيق والهداية والاستقامة على الحق.

    1.   

    حكم قراءة القرآن من دون وضوء

    السؤال: السؤال الأخير الذي سنعرضه من رسالة الأخت أم مجاهد يقول: أقرأ في بعض الكتب أن قراءة القرآن دون وضوء جائزة، فمثلاً: في الموطأ حينما أتى عمر من قضاء الحاجة فسأله أحد عن الوضوء ثم القراءة، فقال له: أي مسيلمة أخبرك هذا؟ وفي كتب أخرى أقرأ تحريم قراءة القرآن دون وضوء فأيهما أصح يا سماحة الشيخ، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: قراءة القرآن من المصحف تحتاج إلى وضوء، هذا الذي عليه أهل العلم، وهو قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً؛ لما ثبت من حديث عمرو بن حزم الأنصاري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن أن لا يمس القرآن إلا طاهر)، وهو حديث جيد له طرق يشد بعضها بعضاً، وهو دال على أن القرآن لا يمسه إلا من تطهر، كما قال عز وجل: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:77-79] فهذه الآية تعم المصحف الذي في أيدينا والذي في أيدي الملائكة؛ ولهذا قال بعدها: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:80] فالمنزل علينا لا يمسه إلا المطهرون.

    أما القراءة من دون مسيس بل عن ظهر قلب وهو الحفظ، فهذه لا تحتاج إلى طهارة، لو قرأه على غير طهارة فلا بأس، إلا الجنب فإن الجنب لا يقرأ حتى يغتسل، لا من المصحف ولا عن ظهر قلب؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان لا يحجزه شيء عن القرآن إلا الجنابة) ولما جاء عنه صلى الله عليه وسلم قال لما خرج من الغائط قرأ، وقال: (هذا لمن لم يكن جنباً، أما الجنب فلا ولا آية).

    فالحاصل: أن القارئ للقرآن إن كان من المصحف فلابد من الطهارتين الكبرى والصغرى، من الجنابة والوضوء والحدث الأصغر، أما إن كان من غير المصحف بل عن ظهر قلب فإنه يقرؤه إذا كان ليس عليه جنابة، ولا يلزمه الطهارة الصغرى، يقرأ وإن كان على حدث أصغر، أما إن كان جنباً فإنه لا يقرأ حتى يغتسل، هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    1.   

    مفهوم حديث: (الشفاء في ثلاث ...)

    السؤال: سنعود إلى رسالتك -يا أختنا السودانية من الإمارات العربية- سنعود إليها في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى، وننتقل إلى رسالة وصلت من رابغ وباعثها أحد الإخوة يقول عبد الله الهواري : أخونا له ثلاثة أسئلة:

    سؤاله الأول: يسأل عن معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (شفاء أمتي في ثلاث: كية من نار أو آية من كتاب الله، أو جرعة من عسل) هل هذا حديث صحيح؟

    الجواب: الحديث في الصحيح، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الشفاء في ثلاث: كية نار، أو شرطة محجم، أو شربة عسل) وليس فيه الآية، أما الآية تؤخذ من قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] ومن قوله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44] ومن عمله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يقرأ الآيات على المريض، كان يقرأ على نفسه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين عند النوم إذا اشتكى عليه الصلاة والسلام.

    والصحابة كانوا يقرءون على المريض من الآيات، وقد قرأ بعض الصحابة على لديغ سورة الفاتحة فشفاه الله، وعرضوا هذا على النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهم، وقال: (وما يدريك أنها رقية؟) وكانوا قد جعل لهم قطيع من الغنم، فأخذوه وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال: (اضربوا لي معكم بسهم) .

    فالحاصل أنه صلى الله عليه وسلم أقرهم على قراءة القرآن على المريض للاستشفاء.

    وأما الحديث فالذي فيه: (الشفاء في ثلاث: كية نار، أو شرطة محجم - يعني: حجامة- أو شربة عسل، قال: وما أحب أن أكتوي) وفي اللفظ الآخر: (وأنا أنهى أمتي عن الكي) رواه البخاري في الصحيح، فهذا يدل على أن هذه الثلاث من أسباب الشفاء، الكي عند الحاجة إليه، والحجامة عند الحاجة إليها، والعسل، والله بين في كتابه العظيم أن العسل فيه شفاء للناس، لكن إذا تيسر علاج بغير الكي فهو أولى؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما أحب أن أكتوي) وقال: (وأنا أنهى أمتي عن الكي) لكنه كوى بعض أصحابه للحاجة.

    فالحاصل أنه لا يشرع الكي إلا عند الحاجة، عند عدم وجود ما يكفي عنه، فإذا تيسر دواء آخر يكفي عنه فالأولى ترك الكي؛ لأنه نوع تعذيب بالنار، فلا يصار إليه إلا عند الحاجة.

    المقدم: شيخ عبد العزيز إذا أذنتم.. كفعل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كأن يأمر بشيء ولا يفعله، أو ينهى عن شيء ويفعله، لعل في هذا مقاماً يحتاج إلى مزيد من الإيضاح سماحة الشيخ؟

    الشيخ: هذا يقع، فإذا أمر بشيء ثم تركه دل على أنه ليس بواجب، وإذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أنه ليس بمحرم؛ ولهذا نهى عن الشرب قائماً ثم شرب قائماً، فدل على أن الشرب قائماً لا حرج فيه ولكن تركه أفضل، إذا تيسر أن يشرب قاعداً فهو الأفضل، وإن شرب قائماً فلا حرج، وهكذا إذا أمر بشيء ثم تركه عليه الصلاة والسلام فهو يدل على أن هذا المأمور به ليس بواجب، إذ لو كان واجباً لما تركه عليه الصلاة والسلام.

    فالحاصل أن أوامره أصلها الوجوب، ونواهيه أصلها التحريم، لكن متى فعل ما نهى عنه دل على أنه ليس بحرام، وإنما هو مكروه أو تركه أولى، وإذا أمر بشيء ثم تركه دل على أنه ليس بواجب.

    المقدم: الواقع -سماحة الشيخ- المبتدئ في القراءة قد يقع على شيء من هذا فبم تنصحونه والحالة هذه؟

    الشيخ: يسأل أهل العلم إذا اشتبه عليه القارئ وطالب العلم المبتدئ إذا مر عليه شيء من الأحاديث واشتبه عليه أمرها أو بعض الآيات يسأل أهل العلم الذين عنده ولو سافر إليهم، يسأل أهل العلم الذين بلغه عنهم أنهم أهل علم وأهل بصيرة، ويطمئن إليهم يسألهم، بالمكاتبة.. بالمشافهة.. بالهاتف.. بغير هذا من طرق الاتصال، والمقام يحتاج إلى عناية، الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    المقدم: ذكرتم السفر وهذا دليل على أهمية التوضيح فيما يتعلق بأمور ديننا؟

    الشيخ: نعم، ولو بالسفر، قد سافر جمع من الصحابة من بلد إلى بلد، من المدينة إلى مصر وإلى الشام من أجل بعض الأحاديث رضي الله عنهم.

    1.   

    حكم استعمال الرجل للحناء

    السؤال: أخونا عبد الله الهواري من رابغ يسأل أيضاً عن الحناء للرجال ولا سيما إذا كان للعلاج؟

    الجواب: لا نعلم فيه بأساً للعلاج، أما أن يفعله كالنساء فلا يجوز؛ لأنه تشبه بالنساء، أما إذا فعله الرجل على وجه يعالج به مرضاً في رجله أو يده أو غير ذلك فلا حرج في ذلك.

    1.   

    حكم صلاة التسابيح

    السؤال: بارك الله فيكم، هل صلاة التسابيح واردة في السنة النبوية، وما الحكم في قائل يقول: عليه الطلاق من دينه؟

    الجواب: هذا على كل حال كلام منكر، أما صلاة التسابيح فقد اختلف فيها العلماء، منهم من صحح حديثها، ومنهم من ضعف أحاديثها، والصواب: أنها ضعيفة وأنها لا تشرع ولا تستحب، هذا الصواب في صلاة التسبيح.

    وأما هذا الذي قال: عليه الطلاق من دينه ما يفعل كذا وكذا، معناه: عليه الخروج من دينه، وهذا كلام منكر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال) فالمقصود: أن هذا يجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يحذر مثل هذا الكلام، لا يقول عليه الطلاق من دينه، أو هو كافر أو هو يهودي أو نصراني ما يفعل كذا، أو سوف يفعل كذا أو ما أشبه ذلك، لا، يستعمل غير هذا، يقول: والله لأفعلن كذا، أو والله ما أفعل كذا، ويكفي هذا، أما أن يقول: هو يهودي أو نصراني أو عليه الطلاق من دينه أنه ما يفعل، كل هذا غلط ومنكر لا يجوز، وتعريض لدينه للذهاب والضياع والردة عن الإسلام نعوذ بالله، فيجب الحذر والتوبة من هذا نسأل الله العافية.

    1.   

    حكم هجر الأخت تاركة الصلاة

    السؤال: رسالة من أحد السادة المستمعين بعث بها، وهو يقول: أبعث إليكم كتابي هذا وأرجو من الله أن ترشدوني إلى الصواب، أنا رجل مجتهد فيما أمرني ربي وأسرتي -والحمد لله- تشاركني في ذلك حسب استطاعتهم، ولكن يوجد لي أخت لا تصلي من مدة طويلة، وزوجها يشاركها أيضاً في ذلك الحال، وقد أخبرني كثير من الناس أن ذلك هو سلوكهم وأنهم لا يرضون الله في ذلك الجانب، وعندما عرفت بنفسي أنها على ذلكم الحال أخذتها وأخبرتها بما حرم الله ورسوله وأخبرتني بنفسها أنها فعلاً كانت تعمل ذلكم العمل، وبعد هذا الموقف قامت وعاهدتني على كتاب الله ووعدتني أن تتوب من الآن، ولكن للأسف لم توفي بالعهد، فعندئذ قاطعتها حتى تعود كسائر المؤمنات اللاتي يردن وجه الله تبارك وتعالى، أفيدوني جزاكم الله خيراً عن حكم ما فعلت، ولا سيما عن حكم مقاطعتي لأختي تلكم جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: قد أحسنت فيما فعلت من نصيحتها ودعوتها إلى الخير، وقد أساءت في رجوعها إلى الباطل، وعدم صلاتها؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، من ضيعها ضيع دينه، ومن تركها كفر نعوذ بالله من ذلك، وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وهذا يعم الرجال والنساء، وقال عليه الصلاة والسلام: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) فقد أحسنت في مقاطعتها وهجرها حتى تتوب إلى الله عز وجل؛ لأن هذا منكر عظيم بل كفر، فالواجب هجرها وهجر زوجها حتى يتوبا إلى الله عز وجل، وإن ظهر أمرهما وعرف أنهما لا يصليان فيجب رفع أمرهما إلى ولاة الأمور إذا كانا في بلاد إسلامية يقيمون الصلاة ويعاقبون عليها، يرفع بأمرهما حتى يستحقا أن يعاقبا على ذلك بالقتل، فإن من ترك الصلاة يستتاب فإن تاب وإلا قتل، قتله ولي أمر المسلمين أو نائبه.

    فالمقصود أن عليك العناية بنصيحتهما جميعاً ولو من طريق الهاتف أو المكاتبة أو توكيل من ينصحهم، لعل الله يهديهم بأسبابك.

    أما قطعك لهم وهجرك لهم هذا كله طيب وواجب إذا كان يرجى فيه خير، أما إذا كنت لا ترجو من وراء الهجر خيراً فلا مانع من الاتصال بهم لا للأكل عندهم والشرب والأنس بهم، ولكن لمجرد الدعوة والتوجيه والإرشاد، تلقاهم بوجه غير منبسط بل وجه مكفهر حتى يرجعا إلى الحق، حتى يتوبا إلى الله عز وجل.

    وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الصحابة في أقل من هذا، تخلفوا من غير عذر في يوم تبوك، فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم، فهجروا خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم، فإذا كان من تخلف عن الغزو بغير عذر يهجر فالذي تخلف عن الصلاة التي هي عمود الإسلام أولى وأولى بهذا، لكن إن رجوت فيهم خيراً فلا مانع من الاتصال بهم ودعوتهم إلى الله ونصيحتهم لعل الله يهديهما بأسبابك.

    1.   

    حكم مصافحة النساء من وراء حائل

    السؤال: المستمع (د. م. م) من السودان بعث برسالة ضمنها مجموعة من الأسئلة:

    في سؤاله الأول يسأل ويقول: ما هو حكم القرآن والسنة في الرجل يصافح النساء من أقاربه ويضع على يده قطعة من قماش تحجب اليد عن أيدي النساء، أو المرأة كذلك تضع حاجباً على يدها عند المصافحة؟ وهل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم شيء من هذا، نرجو الإيضاح؟

    الجواب: الواجب على المؤمن والمؤمنة ترك ذلك، فالمصافحة لا تجوز مع غير المحارم، أما أن يصافح أخته أو عمته أو خالته أو زوجته فلا بأس، أما أن يصافح بنات عمه أو بنات خاله أو بنات خالته أو جيرانه أو ما أشبه ذلك هذا لا يجوز، ولو وضع خرقة، ولو وضعت خرقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهن ومدت إليه امرأة يدها قال: إني لا أصافح النساء وهو الأسوة عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] وقالت عائشة رضي الله عنها: (والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط -يعني: في البيعة- ما كان يبايعهن إلا بالكلام) عليه الصلاة والسلام، وكما أن النظر إليهن وسيلة للفتنة فهكذا المصافحة وسيلة للفتنة؛ فلهذا حرمها الله سداً لباب الفتن.

    المقدم: سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا خالد منور خميس ، شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.