إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (170)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم من كفر عن يمينه حين حنث وهو تارك للصلاة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، وعلى بركة الله نبدأ في استعراض بعض رسائل السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المنطقة الشرقية الخبر، باعثتها إحدى الأخوات من هناك تقول: (أ. م) أختنا تقول: أمي حلفت بالله على شيء، ولكنها رجعت ففعلت، فأخرجت كفارة اليمين خمسين ريالاً وأعطتها أخاها؛ لأنه فقير وخال من العمل، ولكنها لا تصلي، فهل كفارتها صحيحة؟ وإذا كانت غير صحيحة فماذا تفعل؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل قد أوضح الكفارة -أعني: كفارة اليمين- في كتابه الكريم، حيث قال سبحانه: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] .. الآية، فقد أوضح سبحانه كفارة اليمين، وأنها إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعمه الإنسان أهله، أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، يعني: عتق رقبة، فمن لم يجد ذلك بأن كان فقيراً لا يستطيع صام ثلاثة أيام، وبناء على هذا فالذي أخرجته أم السائلة وهو خمسون درهماً عن كفارة اليمين لا تجزئ؛ لأنه خلاف ما شرعه الله، فلابد من التكفير بما شرعه الله، فعليها أن تخرج الكفارة لعشرة من الفقراء المسلمين، وهي خمسة آصع من الرز أو التمر أو الحنطة لكل واحد نصف الصاع، يعني: كيلو ونصف تقريباً، وإن عشتهم شيئاً مصنوعاً مطبوخاً أو غدتهم كفى ذلك، وإن كستهم على قميص قميص أو إزار ورداء كفى ذلك.

    أما كونها لا تصلي فهذا منكر عظيم، وكفر شنيع، فالواجب عليها التوبة إلى الله سبحانه، والرجوع إليه جل وعلا والندم على ما مضى، والإقلاع من ذلك، والبدار إلى التوبة إلى الله مع فعل الصلاة؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، وأعظم أركانه بعد الشهادتين، فمن تركها فقد ترك عمود الإسلام، ومن ترك ذلك كفر كفراً أكبر في أصح قولي العلماء، وإن كانت تجحد وجوب ذلك أو تستهزئ بالصلاة أو بأهلها كان كفرها كفراً إجماعياً بين أهل العلم جميعاً، نسأل الله السلامة.

    وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) والمراد: جنس المكلف رجل أو امرأة؛ لأن أحكام الشرع تعم الجميع، فهذا يدل على أن من ترك الصلاة وإن لم يجحد وجوبها يكون كافراً كفراً أكبر؛ لأن المصطفى عليه الصلاة والسلام قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك..) وهذا كفر معرف وشرك معرف، فهو الشرك الأكبر والكفر الأكبر نسأل الله العافية.

    فالواجب على أمك -أيتها السائلة- أن تتوب إلى الله توبة صادقة، وأن تبادر بذلك، والتوبة الصادقة تشمل أموراً ثلاثة: الندم على الماضي، والحزن على الماضي.

    وترك المعصية والإقلاع منها.

    والثالث: العزم الصادق على عدم العودة.

    وإذا كانت المعصية تتعلق بأمور الناس فلابد من إعطائهم حقوقهم أو تحلله منها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من كان عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله اليوم قبل ألا يكون درهم ولا دينار) يعني: قبل يوم القيامة، فإنه يوم القيامة ليس هناك دراهم ولا دنانير إنما هي الأعمال؛ ولهذا قال: (فإن كان له عمل صالح أخذ من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)، فهذه حاله يوم القيامة، يجازى بأحد أمرين: إما بالأخذ من حسناته للمظلوم، فإن لم تكن له حسنات أو لم تكفه حسناته لأن المظلمة كبيرة، أخذ من سيئات المظلوم فطرحت على الظالم نسأل الله العافية، فيجب الحذر.

    وأمر الصلاة أمر عظيم، وقد تساهل بها الكثير من الناس وهذا من الفساد العظيم، والخطر العظيم، يقول الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، ويقول سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، ويقول سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، ويقول عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] إلى أن قال سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ *أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11]، والفردوس: هو أعلى الجنة وأوسطها وأشرفها، ويقول جل وعلا: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:19-23] إلى أن قال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:34-35]، وقال عز وجل: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، والغي عند أهل التفسير هو الخسار والدمار، والعاقبة الوخيمة، وقيل: إنه وادٍ في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه، فتوعد الله من أضاع الصلاة بهذا الوعيد العظيم، وقال سبحانه: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، توعدهم بالسهو عنها فكيف بتركها؟ الترك أعظم، وقال عز وجل في المنافقين: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، فأخبر عن المنافقين أنهم يتكاسلون عن الصلاة، وذمهم على هذا، فكيف بمن تركها؟ يكون أقبح من فعل المنافقين.

    فيجب على كل مسلم مكلف ينتسب إلى الإسلام يجب عليه الحذر، يجب أن يبادر بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها في جماعة إذا كان رجلاً، وإن كانت امرأة ففي البيت، تحافظ على ذلك وتلزم هذه الصلاة، تسأل الله العون عليها، وما سبق من تقصير ففيه التوبة اللازمة، التوبة النصوح، والله يتوب على التائبين سبحانه وتعالى.

    1.   

    الفرق بين ترك الصلاة عمداً وكسلاً

    السؤال: جزاكم الله خيراً، إذا أذنتم لي سماحة الشيخ: هل هناك فرق بين من يترك الصلاة عمداً أو تهاوناً أو تكاسلاً؟

    الجواب: نعم مثل ما تقدم، الفرق بينهما: أن من ترك الصلاة عمداً جاحداً لوجوبها أو مستهزئاً بها، فهذا يكون كافراً عند جميع العلماء، مرتداً عن الإسلام، يجب قتله؛ لأنه بدل دينه؛ لأنه كذب الله ورسوله باعتقاده عدم وجوبها أو باستهزائه بها، والله يقول: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    أما الذي يتركها تهاوناً، ويقول: أنا أؤمن بها وأنا أعرف أنها واجبة وفريضة، يعترف بهذا ولكنه يتساهل فلا يصلي أو يصلي الجمعة دون غيرها، أو في رمضان دون غيره، فهذا هو الذي محل الخلاف، ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يكون كافراً كفراً أصغر أو ظلماً أصغر وفسقاً أصغر ما دام يقر بالوجوب، فلا يكون كفره كفراً أكبر، مثلما جاء في الحديث الآخر: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم(اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) قالوا: هذا كفر دون كفر، فيكون قوله صلى الله عليه وسلم في حق التارك للصلاة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)يعني: الكفر الأصغر، وهكذا يقولون في الحديث الآخر: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) قالوا: يكون المراد بهذا الكفر الأصغر والشرك الأصغر.

    وذهب آخرون من أهل العلم: إلى أنه كفر أكبر وإن لم يجحد وجوبها؛ لأنها عمود الإسلام؛ ولأنها أعظم الأركان -كما تقدم- بعد الشهادتين؛ ولأن من ضيعها أضاع دينه؛ فلهذا قالوا: إنه كفر أكبر وإن لم يجحد وجوبها، قالوا: ولأن إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم: (فقد كفر) يدل على الكفر الأكبر؛ ولأن قوله أيضاً صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الكفر والشرك..) يدل على الكفر الأكبر، يعني: كفر معرف بـ(أل)، وشرك معرف بـ(أل)، وهذا ينصرف إلى الكفر الأكبر، قالوا: ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على تكفير تارك الصلاة، ولم يتفقوا على تكفير تارك الزكاة والصيام إذا لم يقاتل دون ذلك ولم يستهزئ بذلك، وذلك لما رواه التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي قال: لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. فذكر عن الصحابة جميعاً أنهم يرون ترك الصلاة كفر، يعني: وإن لم يجحد الوجوب، والله المستعان.

    1.   

    حكم المنزل الذي فيه صور وحكم الصلاة فيه

    السؤال الثاني: في رسالة الأخت (أ. م) من المنطقة الشرقية الخبر، تقول فيه: في منزلنا توجد التصاوير، وأنا أعلم أن المنزل الذي توجد فيه تصاوير لا تدخله الملائكة، وأعرف الأحاديث عن ذلك، وقلت للأهل وأكرر، لكني أواجه منهم المعارضة وقد غضبوا، فهل أكون آثمة بعد ذلك، مع العلم أن الغرفة التي أجلس فيها ليس فيها أي صورة، وجهوني جزاكم الله خيراً، ولا سيما عن حكم الصلاة في ذلكم المكان الذي فيه صور، هل تكون صحيحة أو لا؟

    الجواب: الحكم مثل ما ذكرت، الصور محرمة وهي صور ذوات الأرواح من بني آدم أو من الحيوانات الأخرى أو من الطير كلها محرمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) متفق على صحته، ولما رأى ستراً عند عائشة فيه تصاوير معلقة على بعض أبوابها، غضب عليه الصلاة والسلام وهتك الستر، وقال: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً لـعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى المدينة: (لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً: (أنه لعن آكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة، ولعن المصور)، واللعن يدل على شدة الخطر، وأن هذا التصوير من الكبائر العظيمة.

    وأنت جزاك الله خيراً قد نصحت الأهل وأنكرت المنكر فقد أحسنت في هذا، وهذا هو الواجب عليك وعلى أمثالك؛ لقول الله سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، فدل على أن الواجب لا يختص بالرجال بل هو عام للرجال والنساء، هذا هو الواجب في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، يعم الجميع.

    وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وهذا أيضاً يعم الرجال والنساء، فإن لم يستجيبوا لك فأنت معذورة، ولكن عليك أن تستمري في النصيحة، ولا تملي ولا تيأسي، وعليك أن تشجعي من فيه الخير من أهلك على مساعدتك في ذلك، وهكذا من ترين فيه الخير من الأقارب تحثينه على إنكار هذا المنكر، وإذا كانت غرفتك سليمة فالحمد لله، ونرجو أن تدخلها الملائكة؛ لأنها سليمة.

    والصلاة في المحل الذي فيه صور الصلاة صحيحة، لكن فعلها في غير المحل الذي فيه الصور يكون أولى وأفضل؛ لأن الصور قد تشوش على المصلي، وقد تشغله عن صلاته؛ ولأن الصلاة في المحل المعلق الذي فيه الصور فيه نوع تشبه من عباد الأصنام، فأقل الأحوال في ذلك الكراهة، لكن الصلاة صحيحة، وعليك أن تستمري في النصيحة، ونسأل الله لأهلك الهداية والتوفيق.

    ويستثنى من هذا ما تدعو الضرورة إليه، فإن الإنسان غير ممنوع منه، كالذي يحتاج إلى التابعية، ولا يعطى إياها إلا بالصورة فإنه يعفى عنه في هذا للحاجة، وهكذا ما أشبه ذلك كالشهادة العلمية التي لا تحصل له إلا بذلك، ومثل: شهادة قيادة السيارات؛ فإن الناس بحاجة إلى هذه القيادة، فإذا لم تتيسر الرخصة إلا بهذا فلا حرج، ومثل: تصوير المجرمين المعروفين بالإجرام؛ ليعرفوا حتى يقبض عليهم وحتى ينفذ فيهم حكم الله أينما وجدوا.

    وإذا قطع الرأس أو محي الرأس من الصورة زال حكمها؛ لما ثبت عند النسائي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وعده جبرائيل بأن يزوره فأبطأ عليه، فخرج عليه الصلاة والسلام إلى خارج البيت ينظر مجيئه، فصادفه وقال: (ما منعك يا جبرائيل أن تدخل؟ قال: إن في البيت كلباً وتمثالاً وصورة في ستر، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا يفعل؟ فقال: اقطع رأس التمثال حتى يكون كهيئة الشجرة، ومر بالستر أن يتخذ منه وسادتان منتبذتان توطآن، ومر بالكلب أن يخرج، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله جبرائيل، فوجدوا الكلب جرواً تحت نضد في البيت للحسن أو الحسين فأخرج وقطع الستر وجعل وسادتين، وقطع رأس التمثال فدخل جبرائيل عليه الصلاة والسلام) فهذا يدل على أنه إذا كانت الصورة في شيء يمتهن كالبساط والوسادة، أو كانت بلا رأس قد زيل رأسها بالكلية وأزيل ما يكفي الخط بين الرأس والبدن، لابد بإزالته بالكلية أو مسحه بالكلية حتى لا يبقى له صورة، فإنه إذا زال الرأس يعفى عن بقية الجثة، ولا تمنع دخول الملائكة.

    1.   

    حكم شرب المشروبات الغازية والعصائر والبيرة الخالية من الكحول

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين، يقول: أبو مصعب ويسأل عن عدة أمور -سماحة الشيخ- من بينها يقول: إن هناك أناساً يقولون: إن الببسي حرام شربه؛ وذلك لوجود الكافين فيه؛ وكذلك عصير التفاح رغم أنه مكتوب على العلبة عصير تفاح فقط، وكذلك البيرة رغم أنه مكتوب عليها خالية من الكحول، وكذلك الكافي، وكذلك الجبن، أفتوني مأجورين إننا نعيش بين أناس كل هذا لديهم حرام ولا يجوز شربه ولا أكله، ما رأي الشرع أولاً؟ وكذلك رأيك بصراحة، والخطاب موجه لكم سماحة الشيخ خاصة، ما رأيكم بصراحة في هذه الأشياء، وحبذا لو يصدر من سماحتكم كتيب يبين فيه عن هذه الأشياء التي أصبح كل يفتي من عنده بخصوصها، وكذلك القياس على كيفه وهواه جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أما الببسي والعصير والبيرة فهذه لا حرج فيها وليس فيها شيء من الكحول، يعني: شيء من المسكر، ولا حرج في شربها، وقد كان فيما مضى من الزمان نحو عشرين سنة تقريباً، كانت منافسات بين بعض الشركات في ذلك، وكتبت بعض الشركات أن في الببسي وفي مشتقاته شيئاً من الكحول من المسكر، ثم بعد التحقيق لم يثبت شيء من ذلك، فهو سليم ولم يزل الناس يتعاطونه ويشربون منه الكثير فلم يتأثر أحد منهم بذلك لا سكراً ولا خدوراً، فالقول بأنه ممنوع لا أصل له ولا وجه له.

    وهكذا ما يتعلق بالبيرة، قد سألنا عنها الخبراء بها، فذكروا أنها سليمة، لكن يوجد في بعض أنواع البيرة في الخارج ما يقال: إن فيه ما يسكر، فعلى المؤمن أن يحذر ما قيل: إنه مسكر، إذا كان في البلاد الخارجية، ويحذر شربه، وما كان هنا فهو معلوم أنه لا يسكر، وقد زعم بعض الناس أن فيها قليلاً كواحد ونصف أو واحد في المائة من المسكر، ولكن لم يثبت هذا عندنا.

    والقاعدة: أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، فلم يثبت عندنا أن فيها شيئاً مما يسكر كثيره، فالأصل فيها الحل والإباحة، وهكذا العصير من التفاح أو البرتقال أو العسل أو العنب أو من أي شيء، العصير من العنب أو التفاح أو البرتقال أو غير ذلك لا حرج فيه إذا لم يشتد، فهذه الأشياء الموجودة التي ليس فيها شدة بل هي سليمة من الشدة وسليمة من الإسكار لا حرج فيها.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينبذ له الزبيب وغيره اليوم واليومين والثلاث، فيشرب ذلك، فإذا أكمل الثالثة سقاه بعض الناس أو أراقه خشية أن يشتد ويتخمر، فكل عصير أو نبيذ لم يشتد فإنه حل لنا، وإذا طرح فيه ما يمنع اشتداده بقي على حله؛ لأنه إنما يحرم بالاشتداد والتخمر، فإذا لم توجد هذه العلة بقي على أصله وهو الإباحة.

    وأما الجبن ونحوه، فهذا قد قيل فيه ما قيل، قد قيل: إنه فيه شيء من الخنزير، وقد كتبنا لوزارة التجارة في هذا، وأجابت الوزارة بأن هذا قد اختبر في عدة مخابر، وأن جميع ما يوجد في المملكة سليم مما يقال عنه أن فيه شيئاً من الخنزير، وأن المخابر التي لدى الوزارة قد اعتنت بهذا الشيء فلم تجد فيه شيئاً مما يقوله الناس، والأصل الإباحة في الأطعمة حتى يعلم تحريمها، وكذلك الجبن الأصل فيه الإباحة حتى يعلم تحريمه، كما أن الأصل في أطعمة اليهود والنصارى الحل حتى يعلم تحريمها.

    قد ذكرت الوزارة أن جميع ما يجيء إلى هذه المملكة من اللحوم المستوردة يعتنى بها، ويحرص على سلامتها، وهناك من يعتني بذلك من جهة الوزارة في البلدان التي تستورد منها اللحوم، فنسأل الله أن يزيدها من التوفيق، ولا يزال لنا معها اتصال وعناية حتى ينتهي المشكل إن شاء الله.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، مطالبة أخينا سماحة الشيخ بإصدار كتيب عن هذا الموضوع لعله يوفي..

    الشيخ: هذا إن شاء الله ننظر فيه، ولعله يتيسر إن شاء الله عن قريب.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا: مطر محمد الغامدي.

    شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.