إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (158)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    من أين يستمد الداعي إلى الله ثقافته

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب. رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    ====

    السؤال: مع مطلع هذه الحلقة سماحة الشيخ نعود إلى رسالة إحدى الأخوات المستمعات تقول: امرأة متدينة، وأيضاً إلى رسالة أحد الإخوة المستمعين من جدة، سبق أن عرضنا بعض ما في هذه الرسائل ولاسيما رسالة الأخ (ع. ع. ع) من جدة، هاتان الرسالتان يهتم صاحباها بأمر الدعوة إلى الله وتفضلتم وبينتم بعض الأوجه في الحلقة التي سبقت هذه الحلقة، وبودي أن تتكرموا سماحة الشيخ في هذه الحلقة بعرض ما ينبغي للداعية أن يفعله تجاه ثقافته، مم يستمد ثقافته حتى تكون دعوته مؤثرة ومستجابة بإذن الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الدعوة إلى الله عز وجل من أهم المهمات ومن أفرض الفرائض، والناس في أشد الحاجة إليها، كل مجتمع في أشد الحاجة إليها، سواء كان مجتمعاً مسلماً أو مجتمعاً كافراً، فالمجتمع المسلم في حاجة إلى تنبيهه على ما قد يقع من أغلاط ومنكرات حتى يتدارك ما وقع منه من الخطأ وحتى يستقيم على طاعة الله ورسوله، وحتى ينتهي عما نهى الله عنه ورسوله، والكافر يدعى إلى الله ويبين له أن الله خلقه لعبادته وأن الواجب عليه الدخول في الإسلام والالتزام بما جاء به نبي الهدى محمد عليه الصلاة والسلام؛ ولكن الداعي إلى الله يلزمه أمور لابد من مراعاتها حتى تكون دعوته ناجحة وحتى تكون لها العاقبة الحميدة؛ أعظمها وأهمها: العلم، فلابد أن يكون عنده علم، والعلم إنما يؤخذ من كتاب الله العظيم وسنة رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] قال أهل العلم: معناه على علم؛ لأن العالم بالنسبة إلى المعلومات كالبصير بالنسبة إلى المرئيات، فهو يعلم كيف يأمر؟ كيف ينهى؟ كيف يدعو إلى الله؟ كما أن الرائي المبصر يرى ما أمامه حتى يتجنب ما يضره من حفر وأشواك ونحو ذلك.

    فالحاصل أن الداعي إلى الله يلزمه أن يعتني بالعلم وأن تكون ثقافته ثقافة إسلامية مستخرجة ومستنبطة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويستعين بكتب أهل العلم المعروفين بالاستقامة والعلم والفضل وحسن العقيدة حتى يكون على بصيرة فيما يدعو إليه وعلى بصيرة فيما ينهى عنه، هذا هو الواجب على جميع الدعاة، ثم أمر آخر هو أن يتحرى في دعوته وأن لا يعجل وأن يرفق في دعوته، لابد من كونه يتحرى في دعوته حتى يضع الأمور في مواضعها، فإن كان المدعو ممن يفهم العلم وممن يمكن أن يستجيب من دون حاجة إلى موعظة ولا جدال وضح له الحق ودله عليه بالأدلة الشرعية وبالكلام الطيب والرفق والأسلوب الحسن، فإذا تقبل ذلك انتهى الموضوع وحصل المطلوب، فإن كان ممن لديه جفاء وإعراض وغفلة وعدم مبالاة نصحه ووعظه بالتي هي أحسن وذكره بالله لعله يستجيب، لعله ينقاد للحق، فإن كان ذا شبه وذا مجادلة رفق به وجادله بالتي هي أحسن حتى يزيل شبهته وحتى يوضح الحق الذي أشكل عليه وحتى لا تبقى له شبهة يتشبث بها في ترك الحق أو في الاستمرار على الباطل، وهذه المعاني كلها قد تضمنها قوله سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] ومما يلزمه: الإخلاص لله وأن يحذر الرياء وأن يكون في دعوته يقصد وجه الله والدار الآخرة، لا رياء الناس ولا حمد الناس ولا قصد مدحهم له أو قصد عرض من الدنيا، فالمؤمن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة، ولهذا قال سبحانه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] وقال سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وهناك أمر آخر وهو أيضاً تحري الألفاظ المناسبة والرفق في الكلام وعدم الغلظة إلا عند الضرورة إليها، كما قال تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وقال: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] وهم كفار؛ يهود ونصارى وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46] فلابد من عنايته بالجدال بالتي هي أحسن عند الحاجة والرفق، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) وقال صلى الله عليه وسلم: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) فعلى المؤمن في دعوته الرفق والأسلوب الحسن حتى يستجاب له وحتى لا يقابل بالرد أو بالأسلوب الذي لا يناسب الداعي إلى الله عز وجل، فإن بعض الناس عند الشدة قد يقابل بالسب والشتم والكلام الرديء الذي يزيد الطين بلة، ولكن متى كان الداعي إلى الله رفيقاً حكيماً ذا أسلوب صالح فإنه لن يعدم إن شاء الله قبول دعوته أو على الأقل المقابلة الحسنة والكلام الطيب من المدعو الذي يرجى من ورائه أن يتأثر بالدعوة، والله المستعان.

    1.   

    كتب علمية تهم الداعية إلى الله في دعوته

    السؤال: بارك الله فيكم. هل من كتب معينة ينصح بها سماحة الشيخ عبد العزيز كل من يود أن يعمل في مجال الدعوة إلى الله؟

    الجواب: نعم نعم، أعظم كتاب وأشرف كتاب هو كتاب الله، فأنصح كل داعي إلى الله وكل آمر بمعروف وناه عن منكر وكل معلم ومدرس ومرشد أنصحه بالعناية بالقرآن، أن يعتني بقراءته وتدبر معانيه والإكثار من ذلك، فهو أصل كل خير وهو المعلم وهو الهادي إلى الخير، كما قال عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] فهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم وإلى سبيل الرشاد، فأنفع كتاب وأصلح كتاب وأشرف كتاب وأعلى كتاب هو كتاب الله، فالواجب على الدعاة وعلى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمعلمين أن يعنوا بهذا الكتاب العظيم وأن يجتهدوا في الإكثار من تلاوته وتدبر معانيه، فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة ويتأهلون بذلك للدعوة والتعليم بتوفيق الله عز وجل.

    ثم أنصح بالسنة: يعتني بالسنة وما جاء في الباب من الأحاديث، يراجع كتب الحديث وما ألفه الناس في ذلك حتى يستفيد من صحيح البخاري من صحيح مسلم من كتاب الإيمان، كتاب العلم، من رياض الصالحين وما جمع في ذلك، من كتاب بلوغ المرام، عمدة الحديث، كذلك كتاب ابن عبد البر جامع العلم وفضله، وكتاب جامع العلوم والحكم لـابن رجب ، هذه الكتب وأشباهها تفيد فائدة عظيمة، وهكذا ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد وفي إعلام الموقعين، وفي طريق الهجرتين، وفي الطرق الحكمية، ذكر في هذه الكتب شيئاً كثيراً حول الدعوة وحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    فينبغي للمؤمن أن يستفيد منها؛ لأنها كتب عظيمة من أئمة وعلماء لهم القدح المعلى في هذا السبيل مع حسن العقيدة ومع التجارب الكثيرة، وهكذا ما كتبه أبو العباس ابن تيمية في السياسة الشرعية وفي كتاب الحسبة وفي الفتاوى وفي منهاج السنة، فهو من الأئمة العظام الذين جربوا هذا الأمر وعنوا به وابتلوا به كثيراً وصابروا فيه كثيراً وجدوا في الدعوة وصبروا على أذاها وابتلوا بخصوم كثيرين أعانهم الله على كبح جماحهم وعلى بيان الحق لهم وعلى إزاحة ما عندهم من الشبه.

    فننصح كل داعية وكل معلم وكل مرشد وكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر أن يعتني بهذه الكتب المفيدة بعد العناية بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وكذلك السياسة الشرعية، الاطلاع فيها أيضاً خير كثير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كذلك الكتب المؤلفة في هذا الباب من المذاهب الأخرى؛ مذهب المالكية والشافعية والحنفية وما جمع أيضاً في مذهب الحنابلة لغير ابن القيم وشيخ الإسلام .

    المقصود أنه يستعين بكتب أهل العلم التي ألفت في هذا الباب؛ لأنها ترشده إلى ما قد يجهله مع عنايته بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    المقدم: إذاً: طريق الدعوة إلى الله طريق معين ويحتاج إلى زاد معين؟

    الشيخ: نعم، لابد من هذا، لابد من زاد : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] والتعلم والتبصر من التقوى.

    1.   

    واجب المرأة في الدعوة إلى الله

    السؤال: لو أذنتم لي سماحة الشيخ عن المرأة والدعوة إلى الله، ماذا تقولون؟

    الجواب: هي كالرجل عليها واجبها في الدعوة إلى الله وإنكار المنكر، فإن التعاليم تعم الجميع، والقرآن يعم الجميع، والسنة تعم الجميع، وكلام أهل العلم يعم الجميع، فعليها أن تدعو إلى الله وأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر بالآداب الشرعية التي تطلب من الرجل، وعليها مع ذلك ألا يحملها ما تقوم به من دعوة وإرشاد وإنكار المنكر على جزع أو قلة صبر لاحتقار بعض الناس لها أو سبهم لها أو سخريتهم بها أو نحو ذلك، بل عليها أن تتحمل وعليها أن تصبر ولو رأت من بعض الناس ما قد يكون نوعاً من السخرية أو من الاستهزاء أو الاحتقار، ثم عليها أيضاً أن ترعى أمراً آخر وهو أن تكون مثالاً في العفة والحجاب عن الرجال الأجانب، وأن تبتعد عن التبرج والاختلاط المذموم، بل تكون دعوتها مع العناية والبعد عن كل ما ينكر عليها، فإن دعت الرجال دعتهم وهي محتجبة من دون خلوة، وإن دعت النساء دعتهم بحكمة، وأن تكون نزيهة في أخلاقها وسيرتها حتى لا يعترضوا عليها، ويقولوا: ما بدأت بنفسها؟ لماذا ما بدأت بنفسها؟ وهكذا البعد عن اللباس الذي قد تفتن الناس به وإظهار المحاسن فيما يتعلق بدعوتها للرجال، بل تكون بعيدة عن كل أسباب الفتنة، عند الرجال بعيدة عن أسباب الفتنة بل ملتزمة بالحجاب والبعد عن أسباب الفتنة من إظهار محاسن أو تكسر في صوت يطمع فيها أو غير هذا مما قد ينكر عليها، بل تكون عندها العناية الكاملة بالدعوة إلى الله على وجه لا يضر دينها ولا يضر سمعتها، وهكذا مع النساء.

    1.   

    السبيل الأمثل لدعوة المتأثرين بثقافات معينة

    السؤال: إذا كان المدعو أو إذا كانت المدعوات متأثرين بثقافات معينة أو بمجتمعات معينة ما هو السبيل الأمثل لدعوتهم؟

    الجواب: يبين لهم ما في المناهج التي تأثروا بها والطرق التي تأثروا بها والبيئات التي تأثروا بها، يبين لهم أن هذه البيئات أو هذه الطرق أو هذه الجمعيات أو هذه الآثار التي اكتسبتموها من كذا وكذا ينقصها كذا وكذا، وعليكم أن تعرضوها على الميزان، على كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فما حصلتم من كذا أو تعلمتم من كذا أو تخلقتم به بسبب البيئة أو بسبب الاختلاط بآل فلان أو آل فلان عليكم أن تعرضوا ذلك على الميزان على كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل ما يعرض العلماء مسائل الفقه على الأدلة، فما وافق الشرع وجب أن يبقى وما خالف الشرع وجب أن يطرح، ولو كان من خلق الآباء والجيران والأسلاف والمشايخ وغير ذلك، المهم أن يبقى الخلق الصالح الذي دل عليه كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن لا يتعصب لسيرة أبيه أو جده أو بيئته أو بيئة بلده أو ما أشبه ذلك، بل يكون عنده الحكم الذي لا يجوز أن يخالف هو ما دل عليه كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام أو إجماع الأمة.

    1.   

    تهيئة الفرصة للمرأة الداعية إلى الله

    السؤال: أعود مرة أخرى إلى المرأة والدعوة إلى الله شيخ عبد العزيز ، هل من سبيل سيتحقق مستقبلاً أو هو قيد الدراسة لتهيئة الفرصة أمام المرأة الداعية إلى الله؟

    الجواب: لا أعلم مانعاً من ذلك، متى وجدت المرأة الصالحة لهذا فينبغي أن تعان وأن توظف وأن يطلب منها أن تقوم بإرشاد بنات جنسها، لأن النساء في حاجة إلى مرشدات من جنسهن، فإن وجود المرأة بين النساء قد يكون أنفع في تبليغ الدعوة وتبليغ الحق من الرجل، وقد تستحي المرأة من الرجل وقد لا تسأله عن مهماتها، قد يمنع مانع من سماعها لكلامه لكن مع المرأة التي هي من جنسها تخالطها وتعرف ما عندها، قد تتأثر بهذا أكثر، وقد تعاقدنا مع جماعة كثيرة من النساء للعمل في الدعوة.

    المقدم: إذاً الباب مفتوح أمام المرأة الصالحة ذات العقيدة السليمة وذات العلم وذات الحكمة، الباب مفتوح أمامها.

    الشيخ: في الداخل والخارج.

    المقدم: بارك الله فيكم، إذاً هذه بمثابة دعوة يوجهها سماحة الشيخ عبد العزيز لمن تجد في نفسها الكفاءة للدعوة إلى الله وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تتقدم أيضاً رسمياً.

    الشيخ: نعم.

    1.   

    كلمة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العصر الحاضر

    السؤال: إذاً: الإحساس تجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا ينبئ عن أشياء وأشياء، لعل لسماحة الشيخ من كلمة حول هذا؟

    الجواب: لا شك أن أهل الخير وأن أصحاب الغيرة لدين الله يتأثرون كثيراً مما وجد في المجتمعات اليوم من كثرة الشرور والمذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة في غالب الدنيا، فلهذا يحرصون على وجود من يدعو إلى الله ومن ينكر المنكر من أهل العلم والبصيرة والغيرة لله سبحانه وتعالى؛ حتى لا تكثر الشرور وحتى لا يتفاقم الأمر، وحتى لا يحصل للمسلمين ضرر أكثر، وهناك بحمد الله يقظة في هذا العصر وفي آخر العصر الماضي في آخر القرن الرابع عشر وفي هذا القرن، هناك ولله الحمد يقظة وعناية من كثير من الشباب وغير الشباب في جميع الدنيا في خارج المملكة وفي الدول المجاورة وفي أفريقيا وفي آسيا.. كإندونيسيا وماليزيا والهند وباكستان، وهكذا أوروبا وهكذا أمريكا، هناك بحمد الله حركة ويقظة لتبليغ دعوة الله وفي تبصير الناس بالدين وفي السؤال عما أشكل عليهم، هذا أمر عرفناه من مدة طويلة في آخر القرن السابق وفي هذا القرن، وعرفه أيضاً أهل العلم المشغولون بهذا الأمر فإنهم يحسون بنشاط كبير في غالب الدنيا ومكاتبات ومؤلفات، كل ذلك بحمد الله يبشر بخير.

    نسأل الله أن يوفق المسلمين لما فيه رضاه، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يوفقهم لقبول الحق وإيثاره على ما سواه إنه خير مسئول، كما نسأله سبحانه أن يصلح قادة المسلمين في كل مكان وأن يصلح لهم البطانة وأن يعينهم على إيثار الحق والدعوة إليه، وعلى تحكيم شريعة الله في عباد الله، فهي والله الطريق الوحيد والطريق الأمثل لصلاح الأمة ونجاتها في الدنيا والآخرة، وتحكيم الشريعة في شئون المسلمين هو الطريق الذي تحصل به سعادتهم ونجاتهم وحل مشاكلهم والقضاء على ما بينهم من الفساد ومنع المنكر وإقامة المعروف وزجر المبطل عن باطله، فنسأل الله أن يوفق قادة المسلمين للالتزام بها وتحكيمها والحذر مما يخالفها إنه خير مسئول.

    1.   

    إحساس الداعية وتألمه من انتشار المنكرات

    السؤال: شيخ عبد العزيز بعض الرسائل التي تصل إلى هذا البرنامج يعبر أصحابها بعبارات تدل على التألم والاحتراق بل وربما الحسرة في بعض الأحيان، لعل لسماحة الشيخ من توجيه حول إحساس الداعية؟

    الجواب: وهذا مثل ما تقدم؛ لأن مشاهدة صاحب الغيرة وصاحب العلم للمنكرات الكثيرة وقلة المنكرين لها وفشوها في غالب المجتمعات، لاشك أنه يؤلم المؤمن ولاشك أنه يجد منه حسرة في قلبه لكونه يعجز عن إنكار هذا المنكر والقضاء عليه فيتألم لذلك، حتى بلغنا عن بعض السلف أنه كان إذا رأى المنكر يبول دماً من شدة ما يقع في قلبه من التألم.

    فالحاصل أن أصحاب الغيرة وأصحاب العلم والفضل يتألمون كثيراً مما يشاهدونه من المنكرات وهم عاجزون عن إنكارها والقضاء عليها، ويفرحون إذا وجد من ينكرها ويستطيع الدعوة إلى تركها، فهذا لاشك أنه يبشر بالخير ولكن نبشرهم أنهم على خير، وأنه ينبغي لهم أن لا ييئسوا وأن لا يقنطوا وأن يستمروا في إنكار المنكر حسب طاقتهم وأنه لا يكفي مجرد التألم بل لابد مع التألم من إنكار المنكر بالطرق التي شرعها الله باليد عند القدرة ثم اللسان عند القدرة ثم القلب كراهة المنكر وعدم المجالسة لأهله، هكذا يكون المؤمن أينما كان ولا ييئس أبداً، فالله يقول: وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87].

    فالواجب على المؤمن وعلى طالب العلم وعلى المؤمنة وعلى طالبة العلم أن يبذل كل منهم ما استطاع في هذا السبيل وأن لا ييئس، بل يكون أينما كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر داعياً إلى الله عز وجل مرشداً لعباد الله بما أعطاه الله مما علمه الله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ولو هدى الله على يده واحداً كان خيراً عظيماً، ولو هدى الله على يديها امرأة واحدة كان خيراً عظيماً، فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال لـعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر ليدعو اليهود سكان خيبر ذاك الوقت- إلى الإسلام، قال له صلى الله عليه وسلم: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يبين له أن ليس المقصود قتالهم وليس المقصود أخذ أموالهم وليس المقصود سبي ذرياتهم ونسائهم، لا، المقصود دعوتهم إلى الله، المقصود إخراجهم من الظلمات إلى النور، المقصود هدايتهم حتى يدخلوا في الإسلام حتى يسلموا من النار، ولهذا يقول سبحانه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم:1] ما أنزل ليحرقهم أو ليقتلهم، أنزل ليخرجهم، ليدلهم على الخير، فهذا هو المطلوب من الدعوة وهو المطلوب من الرسل، لكن عند المعاندة وعند عدم الإجابة من المدعوين ينتقل حينئذ المسلمون معهم إلى الأمر الآخر إلى القتال، حتى يردوهم إلى الحق بالقوة وحتى يخلصوا ذرياتهم ونساءهم من هذا الإثم حتى يدخلوهم في الإسلام وحتى يستعينوا بأموالهم وما أعطاهم الله على دين الله وإقامته وعلى دعوة الآخرين إلى الله عز وجل، فالقتال ليس المقصود بالقصد الأول إنما هو المقصود بالقصد الثاني، فإذا تيسر دعاؤهم إلى الخير وهدايتهم وإقبالهم على الحق وقبولهم له هذا هو المطلوب، فإذا عاندوا وكابروا شرع قتالهم حينئذ حتى يدخلوا في الإسلام أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب أو من المجوس كما جاءت به السنة ودل عليه الكتاب العظيم.

    فالمقصود من هذا كله: أن الدعوة إلى الله هي الأساس الأول وأن الصبر عليها من أهم المهمات، وأن الشخص الواحد إذا هداه الله على يد الإنسان خير له من الدنيا وما عليها وأن له مثل أجره، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) هذه غنيمة عظيمة تجعل الداعي إلى الله وتجعل المجاهدين يشمرون عن ساعد الجد ويصبرون على الأذى حتى يدركوا هذا المطلب العظيم. نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً. السؤال الأخير في هذه الحلقة سماحة الشيخ كما تفضلتم وبينتم أن طريق الدعوة طريق معين وله زاد معين، هذا الألم وتلكم الحسرة التي توقف الداعية في وسط الطريق، هل ترضونها من الداعية أم له توجيه معين؟

    الشيخ: لا يجوز أن يقف في الطريق؛ بل الواجب أن لا ييئس وأن يكون واسع البال كثير الصبر حتى يدرك إن شاء الله ما أراد أو يموت على ذلك، هكذا يجب، الله يقول: وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف:87] ويقول: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] ويقول جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، فالواجب على الداعي والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يقف في الطريق وأن لا ييئس وأن لا يقنط، بل يكون عنده حسن الظن بالله وعنده الرجاء وعنده الصبر العظيم حتى يدرك مطلوبه أو يموت في الطريق، أما الوقوف فلا، ولهذا يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] وهو رسول الله، ويقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] فلابد من الصبر، ويقول سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) فهذه نصيحتي لكل داعي ولكل مجاهد ولكل آمر بالمعروف وناه عن منكر ولكل مرشد ومعلم ولأشباههم النصيحة للجميع هو الاستمرار في الطريق الطيب والصبر على ذلك والصبر على الأشواك التي قد تؤذي، والصبر على كل ما قد يعوق عن الطريق أو يقف في الطريق من سائر العقبات حتى يبلغ المؤمن والداعي إلى الله مراده أو يموت دون ذلك والله المستعان.

    المقدم: في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على هذا التوجيه الكريم وهذا النصح الخالص، وأرجو أن نجتمع وإياكم على خير وفي أوقات الخير إن شاء الله تعالى.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا فهد العثمان شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.