إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (157)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الاعتقاد السليم تجاه حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    ====

    السؤال: شيخ عبد العزيز نعود في بداية لقائنا إلى رسالة الأخ: عبد الله بن محمد بن عبد الله أخونا في حلقة مضت عرضنا بعض أسئلته، وفي هذه الحلقة يسأل ويقول: ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى فيه عن تقبيح الوجه، وأن الله خلق آدم على صورته، فما الاعتقاد السليم نحو هذا الحديث؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالحديث ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته -وفي لفظ آخر: على صورة الرحمن-) وهذا لا يلزم منه التشبيه والتمثيل، فالمعنى عند أهل العلم أن الله خلق آدم سميعاً بصيراً متكلماً إذا شاء، وهذا هو وصف الله عز وجل، فإنه سميع بصير متكلم ذو وجه جل وعلا، وليس المعنى التشبيه والتمثيل، بل الصورة التي لله غير الصورة التي للمخلوق، وإنما المعنى أنه سميع بصير ذو وجه ومتكلم إذا شاء.

    وهكذا خلق الله آدم سميعاً بصيراً ذا وجه وذا يد وذا قدم ويتكلم إذا شاء، لكن ليس السميع كالسميع، وليس البصير كالبصير، وليس المتكلم كالمتكلم، وليس الوجه كالوجه، بل لله صفاته سبحانه وتعالى لا يشابهه فيها شيء، بل تليق به سبحانه، وللعبد صفاته التي تليق به صفات يعتريها الفناء والنقص والضعف، أما صفات الله سبحانه فهي كاملة لا يعتريها نقص ولا ضعف ولا فناء ولا زوال، ولهذا قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4] فلا يجوز ضرب الوجه ولا تقبيح الوجه.

    1.   

    حكم ذبيحة تارك الصلاة الجاحد لها أو المتكاسل

    السؤال: أيضاً نعود في هذه الحلقة إلى رسالة الأخت نوارة سالم من ليبيا، أختنا في هذه الحلقة لها سؤالان، تقول في سؤالها الأول: ما حكم ذبيحة تارك الصلاة، سواءً كان جاحداً لوجوبها أو متكاسلاً، وأيضاً إذا علم أنه سمي عليها أو لم يعلم؟

    الجواب: تارك الصلاة له حالان كما ذكرت السائلة:

    إن كان قد جحد وجوبها فهذا كافر بالإجماع؛ إجماع أهل العلم؛ لأنه مكذب لله ومكذب لرسوله عليه الصلاة والسلام، فقد دل كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة على وجوب الصلاة ودلت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على وجوب الصلاة وأنها أحد أركان الإسلام الخمسة، بل هي الركن الأعظم للإسلام بعد الشهادتين، فمن جحد وجوبها وأنكر ذلك فهو مرتد كافر بالإجماع إذا كان ينتسب إلى الإسلام فذبيحته لا تحل كذبيحة المشركين بل أعظم؛ لأن المرتد أشد كفراً من المشرك الأصلي، وإذا كانت ذبيحة الكافر الأصلي لا تباح فالمرتد من باب أولى، وإنما تباح ذبيحة أهل الكتاب خاصة إذا ذبحوها على الوجه الشرعي وهم اليهود والنصارى.

    أما الذي تركها تكاسلاً فهذا اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال: إنه كافر كفراً أكبر، ومنهم من قال: إنه كفر دون كفر، فمن قال: إن كفره كفر دون كفر فهذا يبيح ذبيحته كما تباح ذبيحة الزاني والسارق وشارب الخمر إذا كان لم يستحل ذلك، بل فعله وهو يعلم أنها معاصٍ وأنها منكرة.

    والقول الثاني: أنه كافر كفراً أكبر -كما تقدم- وهذا هو القول الأرجح، أن كفره كفر أكبر كالجاحد لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة رضي الله عنه، ولما رواه مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) مع أحاديث أخرى في ذلك، وعلى هذا لا تباح ذبيحته أيضاً؛ لأنه كافر وثني من جنس الوثني بل أغلظ؛ لأنه مرتد نسأل الله العافية.

    1.   

    حكم التعزية إذا كان الميت عاصياً

    السؤال: أحياناً تحدث وفاة شخص إما متعمداً للانتحار، أو شخص سكير شرب مسكراً يحتوي على كمية كبيرة من السكر أو المسكرات المؤدية للوفاة، أو شخص اعتدي عليه بالقتل للخلاص من شره، فهل يجوز مواساة والدة المتوفى بسبب من هذه الأسباب، أو من يمت إليه بصلة، حيث أنني أتردد كثيراً هل أذهب أم لا، فتوجهت إليكم لترشدوني إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى، جزاكم الله خيراً ورضي عنكم؟

    الجواب: نعم، لا بأس بالتعزية، بل تستحب التعزية وإن كان بهذه المثابة، وإن كان عاصياً، إذا انتحر أو قتله من اعتدى عليه، أو قتل قصاصاً، أو قتل حداً كالزاني المحصن لنفسه، وهكذا من شرب الخمر حتى مات بسبب ذلك إذا كان لم يستحل ذلك ولم يوجد به ما يوجب ردته من الأعمال أو الأقوال، فهذا عاصٍ ولا مانع من تعزية أهله في ذلك، ولا مانع من الدعاء له بالمغفرة والرحمة، ويغسل ويصلى عليه، لكن لا يصلي عليه أعيان المسلمين كالسلطان والقاضي ونحو ذلك، يصلي عليه بعض الناس من باب الزجر عن عمله السيئ، إذا كان قتل نفسه أو مات بسبب تعاطيه المسكرات، أما إذا مات بعدوان غيره عليه، بظلم اعتدى عليه ظلماً، فهذا مظلوم يصلى عليه ويدعى له، أو كذلك إذا مات بالقصاص بأن قتل قصاصاً لأنه قتل فقتل قصاصاً، هذا يصلى عليه أيضاً ويدعى له ويعزى أهله في ذلك إذا كان مسلماً، إذا كان ليس عنده ما يوجب ردته.

    المقدم: بارك الله فيكم. إذاً المنتحر يصلى عليه لكن تصلي عليه فئة من الناس غير فئة الأعيان؟

    الشيخ: نعم؛ لأنه أتى منكراً عظيماً، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن رجل قتل نفسه، قال: (أما أنا فلا أصلي عليه) عليه الصلاة والسلام.

    المقدم: وترك البقية يصلون عليه؟

    الشيخ: نعم، لم يمنع الناس.

    1.   

    كيفية صلاة التوبة

    السؤال: رسالة بتوقيع أحد الإخوة يقول: من شاب صالح، أخونا يقول: في فترة الشباب المبكر من العمر ارتكبت بعض المعاصي، وقد تبت إلى الله -ولله الحمد وله الشكر- لكن لازال في نفسي شيء، وسمعت عن صلاة التوبة، أرجو أن تفيدوني نحو هذا، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: التوبة تجب ما قبلها، وتمحو ما قبلها والحمد لله، فلا ينبغي أن يكون في قلبك شيء من ذلك، بل الواجب أن تحسن ظنك بربك، وأن تعتقد أن الله جل وعلا تاب عليك إذا كنت صادقاً في توبتك؛ لأن الله سبحانه يقول : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] فعلق الفلاح بالتوبة، ومن تاب فقد أفلح، وقال سبحانه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] وهو الصادق في خبره ووعده سبحانه وتعالى، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8] الآية، و(عسى) من الله واجبة، فعليك أن تحسن ظنك بربك، وأن تعلم أنك تبت إذا كنت صادقاً في ذلك نادماً، وإياك والوساوس، والله جل وعلا يقول في الحديث الصحيح القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي) فينبغي أن تظن بالله خيراً، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله) فعليك بحسن الظن بالله.

    أما صلاة التوبة قد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من حديث الصديق رضي الله عنه أنه قال: (ما من عبد يذنب ذنباً ثم يتطهر فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين ثم يتوب إلى الله من ذنبه إلا تاب الله عليه) فأنت قد تبت والحمد لله، وإن صليت وفعلت هذا مرة أخرى فلا بأس كله خير.

    1.   

    وجوب الوفاء لمن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام

    السؤال: نذرت أن أعتكف في العشر الأواخر من رمضان في بيت الله الحرام إن تحقق لي غرض أسعى لإنهائه، ومرة أخرى قلت: إن تحقق ذلك الأمر أو لم يتحقق فسأعتكف لكني لم أتمكن، ماذا علي؟

    الجواب: إذا كنت نذرت أن تعتكف في رمضان في العشر الأواخر في المسجد الحرام إذا حصل مطلوبك وحصل المطلوب وجب عليك أن تعتكف، فإذا فاتك ذلك فعليك التوبة إلى الله جل وعلا من تقصيرك، وعليك كفارة يمين وعليك الاعتكاف أيضاً ولو في غير رمضان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) رواه البخاري في الصحيح، فعليك أن توفي بالنذر، وعليك كفارة يمين عن ذهاب الوقت الذي عينته، وعليك أن تستغفر الله وتتوب إليه عن تقصيرك، والله المستعان.

    1.   

    الطريق الأمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله

    السؤال: شيخ عبد العزيز أمامي رسالتان: الأولى من خمس صفحات من الحجم المتوسط، والثانية من صفحتين من الحجم الكبير، كل ما في الرسالتين بحث عن السبيل الأمثل للدعوة إلى الله، وعن السبيل الأمثل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    الرسالة الأولى: من أخت رمزت إلى اسمها تقول: امرأة متدينة، أما الرسالة الثانية فهي من الأخ: (ع. ع. ع) من جدة، الرسالتان يذكر مرسلوها أنهم يلاحظون بعض الأخطاء من المسلمين ويتألمون كثيراً لما يرون، ويتمنون أن لو في أيديهم شيء لتغيير المنكر ويرجون التوجيه. سنخصص بقية هذه الحلقة سماحة الشيخ لو تكرمتم في الطريق الأمثل للأمر بالمعروف وللدعوة إلى الله لو تكرمتم فماذا تبدءون؟

    الجواب: الله عز وجل قد بين طريق الدعوة وماذا ينبغي للداعي، فقال سبحانه وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] فالداعي إلى الله يجب أن يكون على علم وعلى بصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه حتى لا يقول على الله بغير علم، ويجب الإخلاص في ذلك؛ لأن الله قال: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108]، لا إلى مذهب ولا إلى رأي فلان أو فلان، ولكنه يدعو إلى الله يريد ثوابه، يريد مغفرته، يريد صلاح الناس، فلابد أن يكون عن إخلاص، ولابد أن يكون عن علم، وقال عز وجل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] فهذا بيان كيفية الدعوة وأنها تكون بالحكمة، يعني: بالعلم، قال الله وقال رسوله، سمي العلم حكمة؛ لأنه يردع عن الباطل ويعين على إثبات الحق، ويكون مع العلم موعظة حسنة وجدال بالتي هي أحسن عند الحاجة إلى ذلك.

    بعض الناس قد يكفيه بيان الحق بأدلته؛ لأنه يطلب الحق فمتى ظهر له قبله، وقد يكون في غير حاجة إلى الموعظة، وبعض الناس قد يكون عنده شيء من التوقف شيء من الجفا، فيحتاج إلى موعظة، فالداعي إلى الله يعظ ويقيم الأدلة ويذكر إذا احتاج إلى ذلك مع الجفاة ومع الغافلين ومع المتساهلين حتى يقنعوا وحتى يلتزموا بالحق.

    وقد يكون المدعو عنده شيء من الشبه فيجادل في ذلك ويريد كشف الشبهة، فالداعي إلى الله يوضح له الحق بأدلته، ويزيح الشبه بالأدلة الشرعية، لكن بكلام طيب وأسلوب حسن ورفق لا بعنف وشدة، حتى لا يبقى للمبطل أو للمنهي أو المدعو شبهة، يزيحها بالأدلة حسب الطاقة، قال الله عز وجل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وقال الله لما بعث موسى وهارون إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) ويقول صلى الله عليه وسلم: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) فالداعي إلى الله عليه أن يتحرى ويرفق ويجتهد في الإخلاص لله وفي علاج الأمور بالطريقة التي رسمها الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وأن يكون في هذا كله على علم، على بصيرة، على هدى، حتى يقنع الطالب للحق، وحتى يزيل الشبهة لمن عنده شبهة، وحتى يلين القلوب لمن عنده جفاء أو قسوة أو إعراض، يلين القلوب بالدعوة إلى الله والموعظة الحسنة والتوجيه إلى الخير وبيان ما له عند الله من الخير إذا قبل الحق وما عليه من الخطر إذا رد الحق، إلى غير هذا من وجوه الموعظة.

    وأما أصحاب الحسبة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فكذلك يجب أن يلزموا الآداب الشرعية فيما يلتزمه الداعي إلى الله، فعليهم بالرفق وعدم العنف، إلا إذا دعت الحاجة إلى هذا من الظلمة والمكابرين والمعاندين، أما غيرهم فمثل ما للداعي ينكر المنكر بالرفق والحكمة، ويأمرون بالمعروف بالرفق والحكمة ويقيمون الأدلة على ذلك حتى يقنع صاحب المنكر وحتى ينتبه وحتى يلتزم بالحق، وذلك على حسب الاستطاعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)رواه مسلم ، والله سبحانه يقول : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، ويقول سبحانه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] ويقول سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    وقد توعد من ترك ذلك وأعرض عن ذلك ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم بسبب عصيانهم واعتدائهم وعدم تناهيهم عن المنكر، حيث قال سبحانه في كتابه العظيم في سورة المائدة: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] فالأمر عظيم.

    فيجب على أهل الإيمان وعلى أهل القدرة من الولاة والعلماء وغيرهم من أعيان المسلمين الذين عندهم قدرة وعندهم علم أن ينكروا المنكر وأن يأمروا بالمعروف، وليس هذا خاصاً بطائفة معينة وإن كانت الطائفة المعينة عليها واجبها وعليها العبء الأكبر، لكن لا يلزم من ذلك إهمال غيرها بل يجب على غيرها أن يساعدوها وأن يكونوا معها في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، حتى يكثر الخير ويقل الشر، ولاسيما إذا كانت الطائفة المعينة لم تعط المطلوب ولم يحصل بها المقصود، بل الأمر أوسع والشر أكثر، فإن مساعدتها واجبة بكل حال، أما لو قامت بالمطلوب وحصل بها الكفاية فهذا معلوم أنه فرض كفاية، يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية.

    فإذا حصل بالمعينين أو المتطوعين المسئولين المطلوب من إزالة المنكر والأمر بالمعروف صار في حق الباقين سنة، أما منكر ليس له من يزيله إلا أنت؛ لأنك الموجود في القرية أو في القبيلة أو في الحي ليس فيها من يأمر بالمعروف سواك فإنه يتعين عليك إنكار المنكر والأمر بالمعروف ما دمت أنت الذي علمته وأنت الذي تستطيع إنكاره فإنه يلزمك، فمتى وجد معك غيرك صار فرض كفاية، من قام به منكما أو منكم حصل به المقصود، فإن تركتم جميعاً أثمتم جميعاً.

    فالحاصل أنه فرض كفاية على الجميع متى قام به من المجتمع أو من القبيلة أو من أهل القرية أو المدينة من يكفي سقط عن الباقين، وهكذا الدعوة إلى الله، ومتى ترك الجميع أثموا وصار الإثم عاماً لهم؛ لأنهم قصروا في الواجب ولم يقوموا به، ومتى قام به من يكفي دعوة وتوجيهاً وإنكاراً للمنكر صار في حق الباقين سنة عظيمة؛ لأن المشاركة في الخير مطلوبة.

    المقدم: سماحة الشيخ تركزون على العلم بطريق الدعوة إلى الله، وبطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعل سماحة الشيخ يحدد العلم الذي ينبغي أن يتعلمه من يريد الدعوة إلى الله على بصيرة ويريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الطريقة الشرعية؟

    الشيخ: لابد من العلم، والعلم قال الله وقال رسوله، العلم أن يعتني بالقرآن الكريم وبالسنة المطهرة، يعرف ما أمر الله به وما نهى الله عنه، ويعرف طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله وإنكاره للمنكر وطريقة أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، يكون متبصراً في هذا، بمراجعة كتب الحديث الشريف، مع العناية بالقرآن الكريم، مع مراجعة كلام العلماء في هذا الباب، فقد أوسعوا الكلام رحمة الله عليهم وبينوا ما يجب.

    فالذي ينتصب لهذا الأمر يجب عليه أن يعنى بهذا الأمر حتى يكون في ذلك على بصيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام حتى يضع الأمور في مواضعها، فيضع الدعوة إلى الخير في موضعها، والنهي عن المنكر في موضعها، وهكذا إنكار المنكر والأمر بالمعروف يكون في موضعه على بصيرة، على علم، حتى لا يقع منه إنكار المنكر بما هو أنكر منه، وحتى لا يقع منه الأمر بالمعروف على وجه يوجد منكراً أكثر من هذا الأمر الذي دعا إليه.

    المقصود: أنه لابد من علم حتى يضع الأمور في مواضعها، وحتى إذا أنكر المنكر نفع ذلك ولم يترتب عليه ما هو أنكر، وحتى إذا دعا إلى المعروف يرجى أن يحصل المعروف أو على الأقل لا يترتب عليه منكر يكون أكبر منه وأعظم وأشر من ترك هذا المعروف.

    1.   

    الموقف من الأقارب الذين يرتكبون المنكرات

    المقدم: أختنا صاحبة الرسالة التي رمزت إلى اسمها بالمستمعة المؤمنة المتدينة تقول: إذا رأت من أقاربها أحداً يرتكب بعض المنكرات كيف يكون موقفها؟

    الشيخ: عليها أن تنكر المنكر بالأسلوب الحسن، والكلام الطيب، والرفق والعطف على صاحب المنكر؛ لأنه قد يكون جاهلاً، قد يكون شرس الأخلاق، عند الإنكار عليه بشدة يزداد شره، فعليها أن تنكر المنكر على أختها في الله، وعلى أخيها في الله لكن بالأسلوب الحسن والكلام الطيب وذكر الدليل، قال الله وقال رسوله، مع الدعاء له بالتوفيق والهداية، هكذا يكون عندها وعند الرجل من الحكمة والبصيرة والتحمل ما يجعل الذي ينكر عليه يتقبل ما ينفر ولا يعاند، يعني: يجتهد الداعي ويجتهد المنكر، يجتهد في استعمال الألفاظ التي يرجى من ورائها قبول الحق.

    المقدم: إذا كان المنكر الذي تراه هذه الأخت هو الاختلاط وعدم الحجاب كيف تنصحونها شيخ عبد العزيز؟

    الشيخ: تنصحهم تقول لأختها في الله: الواجب عليك كذا، عدم الاختلاط، الواجب عليك عدم السفور، التحجب عن الرجال الذين ليسوا محارم، قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53] قال الله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] الآية، وهكذا تخاطبهم بالآيات والنصوص، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59] يا أختي في الله! الأمر عظيم، فإن السفور يترتب عليه كذا وكذا، والاختلاط بالرجال يترتب عليه كذا وكذا، فالواجب علينا جميعاً أن نحذر ما حرم الله، وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نتواصى بالحق ونتناصح، وهكذا تكون العبارات حسنة. نعم.

    المقدم: مقاطعة مرتكب الخطيئة يا شيخ عبد العزيز ! ما موقف الداعية منها، ولاسيما إذا كان من الأقارب؟

    الشيخ: هذا فيه تفصيل، مقاطعة صاحب المنكر وهجره فيه تفصيل:

    يشرع هجره ومقاطعته إذا أعلن المنكر وأصر ولم ينفع فيه النصح، شرع لقريبه أو جاره أو غيرهم هجره وعدم إجابة دعوته وعدم السلام عليه حتى يتوب إلى الله من هذا المنكر، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لما تخلف كعب بن مالك الأنصاري وصاحباه عن غزوة تبوك بغير عذر شرعي، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يكلموا ويهجروا، فهجروا جميعاً وتركوا جميعاً، لا يسلم عليهم ولا يدعون لوليمة ولا يرد عليهم السلام إذا سلموا، حتى تابوا فتاب الله عليهم.

    أما إن كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو أنكر؛ لأنه ذو شأن في الدولة أو ذو شأن في القبيلة تترك هجره ويعامل بالتي هي أحسن ويرفق به حتى لا يترتب على هجره ما هو أشر من فعله وما هو أقبح من عمله، والدليل على هذا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يعامل عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين مثلما عامل الثلاثة، بل تلطف به ولم يهجره ولم يزل يرفق به؛ لأنه رئيس قومه، ويخشى من قتله أو سجنه أو هجره فتنة للجماعة في المدينة، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفق به حتى مات على نفاقه، نسأل الله العافية.

    وهنا مواضع أخرى جرت له صلى الله عليه وسلم مع بعض الناس لم يهجرهم بل رفق بهم عليه الصلاة والسلام حتى هداهم الله. نعم.

    المقدم: إذاً الرفق هو ما يدعو إليه الشيخ عبد العزيز ؟

    الشيخ: نعم. يهجر إذا كان الهجر أصلح، ويترك الهجر إذا كان الترك أصلح مع إنكار المنكر ومع إظهار كراهة المنكر وأن صاحبه ليس صديقاً ولا صاحباً، ولكن من أجل كذا وكذا ترك الهجر، ولكن بالكلام الطيب والحكمة والإنكار السري والوصية عليه من خواصه لعله يستجيب، إلى غير هذا من وجوه النصيحة ووجوه الإنكار الرافض.

    المقدم: بارك الله فيكم، أستأذنكم سماحة الشيخ في العودة إلى هذا الموضوع مع مطلع الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

    في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بمعالجة هذه القضايا، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير وفي صحة وعافية.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا فهد العثمان . شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.