إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (146)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح قوله عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة ...)

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير. هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، وعلى بركة الله نبدأ في استعراض بعض من رسائل السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بشيخنا العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الأردن الزرقاء، باعثها أحد الإخوة من هناك يقول أبو محمد الناصري ، أخونا يسأل ويقول: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، هل هذا حديث؟ وهل إذا كان حديثاً فهل الرسول صلى الله عليه وسلم ترك شيئاً لأحد حتى يستن به سنة في الإسلام؟ نرجو أن توضحوا لنا هذا المقام بالتفصيل، جزاكم الله خيراً.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فهذا الحديث صحيح، وهو يدل على شرعية إحياء السنن والدعوة إليها، والتحذير من البدع والشرور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).

    وهذا مثل الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، وهكذا حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله).

    فمعنى (سن في الإسلام) يعني: أحيا سنة وأظهرها وأبرزها مما قد يخفى على الناس فيدعو إليها ويظهرها ويبرزها فيكون له من الأجر مثل أجور أتباعه فيها، وليس معناه الابتداع، ليس معناه أنه يبتدع في الإسلام بدعة حسنة، لا، كل بدعة ضلالة، يقول صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة).

    لكن المقصود: إحياء السنة وإظهارها، مثلاً: يكون في بلاد ما عندهم تعليم للقرآن، ما عندهم تعليم للسنة فيحيي هذه السنة، يجلس للناس يعلمهم القرآن يعلمهم السنة أو يأتي لهم بمعلمين، أو في بلاد يحلقون لحاهم أو يقصونها فصار هو يحيي هذه السنة وهذا المشروع يعني: يعفي لحيته ويربيها ويوفرها، فتابعه الناس في ذلك واقتدوا به عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين)، فلما رأوه قد وفر لحيته تابعوه فأحيا بينهم السنة وهي سنة واجبة، يعني: من الواجبات فيكون له مثل أجورهم.

    أو في بلاد يجهلون صلاة الجمعة ولا يصلون الجمعة فيعلمهم ويصلي بهم الجمعة أو ينصب بينهم ويصلي بهم الجمعة، أو في بلاد يجهلون الوتر فيعلمهم إياه في الليل؛ صلاة الوتر، أو ما أشبه ذلك من العبادات والأحكام المعلومة من الدين فيطرأ على بعض البلاد أو بعض القبائل جهلها، فالذي يحيها بينهم وينشرها ويبينها يقال له: سن في الإسلام سنة حسنة، يعني: أظهر في الإسلام وبين في الإسلام سنة حسنة، وليس المراد أن يبتدع ما لم يأذن به الله؛ لأن البدعة ضلالة، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).

    ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أيضاً: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وفي اللفظ الآخر: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، متفق على صحته.

    ويقول في خطبة الجمعة عليه الصلاة والسلام: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).

    فالبدع التي لا يشرعها الله لا يجوز الدعوة إليها ولا فعلها بل يكون فعلها إحياء للبدع، يكون الدعوة إليها دعوة إلى البدع فلا يجوز، وليس المراد في هذا الحديث هذا المعنى، (من سن في الإسلام سنة حسنة)، يعني: أحياها وأظهرها وبينها وأرشد إليها.

    1.   

    توجيه من وفق للهداية والتوبة بعد رحلة مع المعاصي والذنوب

    السؤال: أخونا يصف نفسه بوصف فيقول: إنه كان جاهلي ولقد من الله عليه بالإسلام، وكان قبل ذلك قد ارتكب بعض الأخطاء ويسميها في الواقع سماحة الشيخ ولا أستطيع ذكرها هنا، ويقول: سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من أي شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ..) إلى آخر الحديث، كيف تنصحونني والحالة هذه لو تكرمتم؟

    الجواب: قد شرع الله لعباده التوبة، الله قال سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، وقال جل وعلا: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

    فمن اقترف شيئاً من المعاصي فعليه بالبدار بالتوبة والندم والإقلاع والحذر، والعزم أن لا يعود في ذلك، والله يتوب على التائب سبحانه وتعالى متى صدق في التوبة بالندم على ما مضى والعزم أن لا يعود وأقلع منها تعظيماً لله وخوفاً لله فإنه يتاب عليه ويمحو الله عنه ما مضى من الذنوب فضلاً منه وإحساناً سبحانه وتعالى.

    لكن إن كانت المعصية ظلماً للعباد فهذا يحتاج إلى أداء الحق، فعليه التوبة مما وقع بالندم والإقلاع والعزم أن لا يعود، وعليه مع ذلك أداء الحق لمستحقه أو تحلله من ذلك، كونه يقول: سامحني يا أخي، أو اعف عني أو ما أشبه ذلك.. أو يعطيه حقه، للحديث الذي ذكره السائل وغيره من الأحاديث والآيات، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحللها اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له -يعني: الظالم- عمل صالح وفي من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)، هذا جزاؤه، فينبغي للمؤمن أن يحرص على البراءة والسلامة من حق أخيه، فإما أن يؤديه أو يتحلله منه، وإذا كان عرضاً فلابد من تحلله إن استطاع فإن لم يستطع أو خاف من مغبة ذلك وأن يترتب على إخباره شر أكثر فإنه يستغفر له ويدعو له ويذكره بالمحاسن التي يعرفها عنه بدلاً مما ذكره من السوء، يعني: يغسل السيئات الأولى بالحسنات الأخيرة فيذكره بالخير الذي يعلمه عنه، لا يكذب، يذكره بالخير الذي يعلمه عنه فينشر محاسنه ضد السيئات التي نشرها سابقاً، ويستغفر له ويدعو له وبهذا ينتهي من المشكل.

    1.   

    حكم إهداء قراءة القرآن إلى الأموات

    السؤال: أخ لنا من سوريا يقول غزوان الصواف : أرجو من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أن ينبه الناس في الدول الإسلامية إلى حكم قراءة القرآن على الأموات، هل تجوز أم لا؟ وما حكم الأحاديث الواردة في ذلك؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: القراءة على الأموات ليس لها أصل يعتمد عليه ولا تشرع، وإنما المشروع القراءة بين الأحياء ليستفيدوا ويتدبروا كتاب الله ويتعقلوه، أما القراءة على الميت عند قبره أو بعد وفاته قبل أن يقبر أو القراءة في مكان بعيد حتى تهدى له فهذا لا نعلم له أصلاً، وقد صنف العلماء في ذلك وكتبوا في هذا كتابات كثيرة، منهم من أجاز أن يثوب له القرآن وأن يتلى له ختمات.

    ومن أهل العلم من قال: هذه أمور توقيفية.. هذه عبادات، فلا يجوز أن يفعل منها إلا ما أقره الشرع، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وليس هناك شيء نجزم به في هذا الباب لعدم الدليل، فينبغي أن نبقى على الأصل وهو أنها عبادة توقيفية فلا تفعل للأموات بخلاف الصدقة عنهم.. الحج.. العمرة.. قضاء الدين، هذه أمور تنفعهم وقد جاءت بها النصوص، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وقال الله سبحانه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10] يعني: بعد الصحابة يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، فدعا هؤلاء المتأخرون لمن سبقهم، هذا ينفعهم الدعاء، وهكذا الصدقة تنفعهم، وفي الإمكان بدل ما يقرأ أو يستأجر يصدق بالمال الذي يريد أن يستأجر به على الفقراء والمحاويج بنية عن هذا الميت وينتفع بهذا المال، ينتفع بالصدقة، وقد ثبت في الصحيح أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم).

    فبين صلى الله عليه وسلم أن الصدقة عن الميت تنفعه، هكذا الحج عنه والعمرة، وقد جاءت الأحاديث بذلك بداره، هكذا قضاء دينه ينفعه، أما كونه يتلو له القرآن يثوبه له يهديه له أو يصلي له أو يصوم له تطوعاً هذا لا أصل له، الصواب أنه غير مشروع.

    1.   

    معنى حديث (من ولي ابنتين فأحسن إليهن ...)

    السؤال: أخت لنا من الخبر رمزت إلى اسمها بالحروف (م. م. س) لم تسأل إلا عشرة أسئلة فقط، تسأل في سؤال لها وتقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجاباً من النار)، السؤال: هل يكن حجاباً من النار لوالدهن فقط أم حتى الأم شريكة في ذلك، وإن عندي ولله الحمد ثلاث بنات؟

    الجواب: هذا عام، يقول صلى الله عليه وسلم: (من ولي ابنتين فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)، وهكذا لو كن أخوات أو عمات أو خالات ونحو ذلك المعنى واحد، فإذا كان ابنتان أو أختان أو عمتان أو نحو ذلك فإن المعنى واحد إذا أحسن إليهما أو كانوا أكثر من ثنتين كالثلاث والأربع ونحو ذلك من باب أولى، فإنه متى أحسن إليهن فإنه بذلك يستحق الأجر العظيم، وأن يحجب من النار ويحال بينه وبين النار لعمله الطيب، وهذا في المسلمين، هذه من أعمال المسلمين، فالمسلم الذي يعمل هذه الخيرات يكون قد تسبب في نجاته من النار، والنجاة من النار ودخول الجنة لها أسباب كثيرة فينبغي للمؤمن أن يستكثر منها، فالإسلام نفسه هو السبب الوحيد هو الأصل هو الأساس في دخول الجنة والنجاة من النار.

    وهناك أعمال إذا عملها المسلم موعود بالجنة والنجاة من النار، مثل من رزق بنات أو أخوات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار، مثل من مات له أفراط لم يبلغوا الحنث كانوا له حجاباً من النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات له ثلاثة أفراط كانوا له حجاباً من النار، قالوا: يا رسول الله! أو اثنين؟ قال: أو اثنين)، ولم يسألوه عن الواحد، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا أخذت صفيه من أهل الدنيا فاحتسبه إلا الجنة).

    فبين سبحانه وتعالى أن ليس لعبده المؤمن عنده جزاء إذا أخذ صفيه يعني: محبوبه من أهل الدنيا فصبر واحتسب إلا الجنة، فالواحد من ذلك يدخل في هذا، الواحد من أولاده إذا أخذه الله قبضه فاحتسب وصبر فله الجنة، فهذا فضل عظيم، هكذا زوجته وهكذا أخوه وهكذا أبوه إلى غير ذلك.

    المقدم: بارك الله فيكم، وجوه هذا الإحسان لو تكرمتم؟

    الشيخ: الوجوه كثيرة، فيكون من ذلك: الإحسان إلى البنات بتربيتهن التربية الإسلامية وتعليمهن وإرشادهن، والحرص على عفتهن أو بعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، تربية الأخوات كذلك، أو الأولاد الذكور كذلك إلى غير ذلك من وجوه الإحسان حتى يتربى الجميع على طاعة الله ورسوله والبعد عن محارم الله والقيام بحق الله سبحانه وتعالى.

    المقدم: بارك الله فيكم، إذاً ليس هو المقصود الأكل والشرب والكسوة فقط؟

    الشيخ: الدين أعظم.

    1.   

    اجتناب الكبائر شرط في دخول الجنة وتكفير السيئات

    السؤال: هل يشترط اجتناب الكبائر كما هو معلوم في مثل هذه القواعد سماحة الشيخ؟

    الجواب: نعم، قاعدة، هذه الوعود العظيمة من الرب جل وعلا أو من النبي صلى الله عليه وسلم عند جمهور أهل العلم مقيدة باجتناب الكبائر؛ لأن الله قال سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، فبين سبحانه أن من شرط دخول الجنة وتكفير السيئات اجتناب الكبائر، قال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، فدل ذلك على أن من لم يجتنبها لا يحصل له على الجواب، لأن (إن) شرطية: (إن تجتنبوا) والجواب: (نكفر) وعلى القاعدة: أن الجواب مرتب على الشرط فمتى وجد الشرط وجد الجواب والجزاء وإلا فلا، فعلى المؤمن أن يبتعد عن الكبائر ويحذرها وهكذا المؤمنة، والكبائر: المعاصي العظام التي جاء فيها الوعيد كلعنة أو غضب أو نار، أو جاء فيها حد في الدنيا مثل الزنا والسرقة والعقوق للوالدين وقطيعة الرحم، وأكل الربا وأكل مال اليتيم.. الغيبة والنميمة.. السب والشتم إلى غير هذا من الكبائر، فالواجب الحذر منها غاية الحذر.

    ومن هذا ما ورد في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر)، وفي اللفظ الآخر: (إذا اجتنب الكبائر)، فدل ذلك على أن هذه العبادات العظيمة إنما تكفر بها السيئات عند اجتناب الكبائر فهي مطابقة للآية الكريمة، هذا الحديث مطابق للآية الكريمة، كذلك لما توضأ مرة صلى الله عليه وسلم الوضوء الشرعي ذكر: (أن من توضأ فأحسن وضوءه غفر له) قال في رواية: (ما لم تصب المقتل) وهي الكبيرة.

    فينبغي للمؤمن وهكذا المؤمنة أن يجتهد كل منهما في احتساب الخيرات والمنافسة في الأعمال الصالحات مع الحذر من السيئات وتعاطيها ولاسيما الكبائر.

    1.   

    حكم زيارة المرأة المسلمة لجيرانها من المسلمات وغير المسلمات

    السؤال: أختنا تقول: لدي بعض الجارات من غير المسلمات ومسلمات أيضاً لكن لي عليهن بعض الملاحظات، ما حكم تبادل الزيارات فيما بيننا؟

    الجواب: تبادل الزيارات في مثل هذا إذا كان للنصح والتوجيه والتعاون على البر والتقوى طيب ومأمور به، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين في والمتزاورين في، والمتجالسين في والمتباذلين في)، أخرجه الإمام مالك رحمه الله بإسناد صحيح.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -ذكر منهم-: رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)، مثل بالرجلين والحكم يعم الرجلين والمرأتين.

    فإذا كانت الزيارة لهذه الأخت المسلمة أو للنصرانية أو نحوهما لقصد الدعوة إلى الله وتعليم الخير والإرشاد إلى الخير لا لقصد الطمع في الدنيا أو التساهل بأمر الله فهذا كله طيب، فإذا زارت أختها في الله ونصحتها عن التبرج والسفور وعن التساهل بما حرم الله من سائر المعاصي، أو زارت جارة لها نصرانية أو غير نصرانية كبوذية أو نحو ذلك لتنصحها وترشدها وتعلمها فهذا شيء طيب، فإن قبلت فالحمد لله، وإن لم تقبل تركت الزيارة التي ما فيها فائدة، ما دامت تزور للنصيحة والخير فلا بأس.

    أما الزيارة للتحبب أو اللعب والأحاديث الفارغة أو الأكل أو ما.. هذا ما يكون مع النصرانيات مع الكافرات؛ لأن هذا يرشد إلى التساهل وقلة غيرة؛ لأنهم أعداء لنا وبغضاء لنا فلا ينبغي أن نتخذهم بطانة ولا أصحاباً، لكن إذا كان الزيارة للدعوة إلى الله والترغيب في الخير والتحذير من الشر هذا أمر مطلوب.

    1.   

    حكم القصر والجمع لمن يسافر في البحر

    السؤال: الرسالة التالية هي رسالة أحد الإخوة المستمعين يقول: أنا رجل أعمل بالقوات البحرية بجدة ظافر حسين الشهري من جدة، أسأل وأقول: نحن بحارة نطلع بالسفينة من الميناء إلى البحر لمدة ثلاثة أيام أو أربعة، فهل يجوز لنا قصر الصلوات وجمعها؟ علماً بأن طلوعنا لا يبتعد عن المدينة كثيراً بل لبعض الأعمال، أرجو أن تفيدونا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: راكب السفينة أو راكب الأنواع الأخرى من المراكب البحرية، مثل راكب السيارة في البر، والقطار في البر، إن كانت المسافة مسافة سفر قصر وجمع وإلا فلا، فإذا كانت السفينة حول الميناء وحول الساحل ما تذهب بعيداً، عشرة كيلو.. عشرين كيلو ونحو ذلك هذا لا يقصر وليس له حكم السفر.

    أما إذا كانت تذهب بعيداً مما يسمى سفراً كسبعين كيلو.. ثمانين كيلو.. مائة كيلو أكثر هذا سفر لأهلها القصر ولأهلها الفطر والجمع، الجمع بين الصلاتين؛ لأنهم مسافرون كالذي خرج إلى البرية لنزهة أو نحوها ثمانين كيلو.. سبعين كيلو.. تسعين كيلو.. مائة كيلو سبعين كيلو تقريباً يوم وليلة للمطية سابقاً.

    1.   

    حكم قطع الأشجار المؤذية في المقابر

    السؤال: هل يجوز قطع الأشجار المؤذية من المقابر؟

    الجواب: ينبغي هذا؛ لأنها تؤذي الزوار فينبغي قطعها، إذا وجد شجر على المقابر ولاسيما ذات الشوك ينبغي إزالتها، وهكذا إذا كانت قد يظن منها أن صاحبها ولي عند بعض العامة أو صاحبها يعني يدعى من دون الله، ينبغي أن تزال حتى لا يظن في صاحب القبر خلاف الحق، فإذا كان وجود أشياء قد يسبب شراً فإنها تزال ولو كانت نابتة من جهة المطر، وكذا إذا كان فيها شوك يؤذي زوار المقابر تزال، وهكذا من غرسها؛ لأن بعض الناس قد يغرس جريدة عليها يزال، لأن الصواب أنه لا يغرس عليها جريد ولا غيره، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما غرس الجريدتين على قبرين عرفهما وأنهما معذبان ولم يغرس على قبور المدينة وقبور البقيع والصحابة شيء.

    1.   

    دلالة نمو الأشجار على القبور

    السؤال: ألاحظ سماحة الشيخ بعض العامة إذا رأى شجراً نبت على قبر ما يصف صاحب القبر بأنه كان على صفات مقدارها كذا وكذا، هل لنبوت الأشجار على القبور شيء من العذاب؟

    الجواب: هذا لا صل له؛ لا أصل لهذا وليس للنبات شيء؛ لأن النبات عند نزول الأمطار قد يكون التراب الذي على القبر تراب مناسب، تراب حرث فتنبت فيه الأشجار والعشب، ولا يدل على صلاح ولا فساد بل هذا من أسباب طبيعة الأرض التي جعل الله فيها ما جعل من أصول النبات وبذور النبات.

    فإذا كانت الأرض فيها بذور نبتت بإذن الله، وإن كانت خالية لم ينبت عليها شيء.

    فالحاصل أنه ينبت على قبر الطيب وعلى قبر الخبيث وليس دليلاً على أنه طيب بل هذا من ظنون العامة أو من أهل العقائد والطرق المنحرفة.

    المقدم: بارك الله فيكم. سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير وفي صحة وعافية.

    الشيخ: وفق الله الجميع.

    المقدم: اللهم آمين. مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من الإذاعة الخارجية سجلها لكم أخونا: خالد منور خميس .

    شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.