إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (145)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم القول بأن الرسول يخطئ والرد على من أنكر حديث الذباب

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير. هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين، يقول (ز. ع. ع) سوداني مقيم في الرياض، أخونا يسأل عن مجموعة من القضايا من بينها هذه القضية يقول: سمعت من عالم إسلامي يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يخطئ! هل هذا صحيح؟

    وقد سمعت أيضاً أن الإمام مالك رحمه الله يقول: كل منا راد ومردود إلا صاحب هذا القبر.

    وهناك مجموعة من القضايا بودي أن أسأل عنها ولاسيما حديث الذباب: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ لأن في أحد جناحيه داء والآخر دواء)، أرجو التكرم بمعالجة هذه القضايا ولاسيما أن هناك أناساً تجرءوا على تكذيب الحديث الأخير الذي ذكرت لكم معناه؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فقد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولاسيما خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل من الأحكام، كما قال عز وجل: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4]، فنبينا محمد عليه الصلاة والسلام معصوم في كل ما يبلغه عن الله من الشرائع قولاً وفعلاً، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم.

    وقد ذهب جمهور أهل العلم أيضاً إلى أنه معصوم من المعاصي الكبائر دون الصغائر، وقد تقع الصغيرة لكنه لا يقر عليها بل ينبه عليها فيتركها، أما في أمور الدنيا فقد يقع الخطأ ثم ينبه على ذلك كما وقع له صلى الله عليه وسلم لما مر على جماعة يلقحون، قال: (ما أظنه يضره لو تركتموه)، فلما تركوه صار شيصاً فأخبروه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما قلت ظناً وأنتم أعلم بأمر دنياكم، أما ما أخبركم به عن الله فإني لن أكذب على الله)، فبين عليه الصلاة والسلام أن الناس أعلم بأمور دنياهم؛ كيف يلقحون، كيف يغرسون، كيف يبذرون، كيف يحصدون.. إلى غير ذلك من أمور دنياهم، كيف يعمرون مساكنهم.. إلى غير ذلك، وهذا الحديث رواه مسلم في الصحيح.

    أما ما يبلغه عن الله من أمور الدين من العبادات والأحكام، هذا حلال وهذا حرام، إن الله أمر بكذا أو نهى عن كذا، أو أن هذا فيه كذا من النفع وهذا فيه من الضرر كذا هذا كله حق، ولا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام بل هو معصوم في ذلك عليه الصلاة والسلام، فقول من قال: إنه يخطي. بهذا الإطلاق هذا غلط، لا يجوز هذا الإطلاق ولا ينبغي أن يقال هذا الإطلاق.

    أما لو قال: إنه قد يقع منه خطأ في أمور الدنيا وينبه على ذلك أو في بعض المسائل المعاصي الصغيرة، هذا قاله جمهور أهل العلم ولكنه لا يقر على الخطأ بل ينبه على ذلك فيبين للناس ما قد وقع من الخطأ، كما قد وقع في مسألة اللقاح، تلقيح النخل فبين لهم عليه الصلاة والسلام أنه قاله عن ظنه لا عن وحي من الله، فبين لهم أنه إذا كان ينفعهم فليعملوه، فعلم بذلك أن أمور الدنيا إلى الناس.

    وأما ما يخبر به عن الله أو يجزم به ويقول فيه كذا وكذا، مثلما أخبر عن أشياء كثيرة عليه الصلاة والسلام، أخبر عن الحبة السوداء: (أنها شفاء من كل داء)، وأخبر عليه الصلاة والسلام عن العسل وأنه فيه الشفاء كما أخبر الله بذلك في كتابه العظيم، فهذا كله حق وهكذا ما أمر به من الأحكام؛ من صلاة وصوم وزكاة وصدقات كله حق، وهكذا ما نهى عنه من المعاصي والمخالفات كله حق بإجماع المسلمين ليس فيه خطأ بل كله حق وكله نطق به عن حق عليه الصلاة والسلام.

    وقول مالك رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر. هذا كلام صحيح تلقاه العلماء بالقبول، ومالك رحمه الله من أفضل علماء المسلمين وهو إمام دار الهجرة في زمانه في القرن الثاني، وكلامه هذا كلام صحيح تلقاه العلماء بالقبول، كل فرد من أفراد العلماء يرد ويرد عليه، قد يخطي في بعض المسائل، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو لا يقول إلا الحق عليه الصلاة والسلام فليس يرد عليه بل كلامه كله حق فيما يبلغه عن الله وفيما يجزم به ويقول: إنه كذا وكذا. جازم فهذا كله حق.

    وهكذا حديث الذباب، أخبر به جازماً فقال: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، فهذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري ومن حديث أنس رضي الله عنه وهو حديث صحيح تلقته الأمة بالقبول، ومن طعن فيه فهو غالط وجاهل ولا يجوز أن يعول عليه، ومن قال: إنه من أمور الدنيا وأنه داخل في حديث: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) فقد غلط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جزم بهذا ما قال: أظن. جزم وأمر، هذا تشجيع من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه).

    فهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم وتشريع، وهو لا يغلط في الشرائع ولا يقول إلا الحق عليه الصلاة والسلام، ومن زعم أن هذا الحديث غلط أو مخالف من باب اللواقح فقد غلط هو وجهل وقال ما لم يحط به علماً، والرسول أعلم بذلك؛ لأنه لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، فالمشروع للمؤمن إذا وقع الذباب في شرابه من لبن أو ماء أنه يغمسه ثم يطرحه، ثم يشرب شرابه إذا شاء ويأخذ طعامه إذا شاء ليس فيه بأس، فالداء الذي في أحد جناحيه الذي يتقي به يزيله ما في الجناح الثاني ويبقى الشراب واللبن سليماً لا شيء فيه، كما قاله المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    صفات الأولياء الحقيقيين وتمييزهم عن دعاة الضلال

    السؤال: القضية الثالثة التي يسأل عنها أخونا (ز. ع. ع) من السودان ومقيم في الرياض، هي القضية المكررة تقريباً التي نوقشت في هذا البرنامج أكثر من مرة؛ قضية الأولياء ومن يعتقد أنهم صالحون في بلدهم لهم طرق يسأل عنها سماحة الشيخ، ويرجو التوجيه لو تكرمتم؟

    الجواب: الأولياء هم المؤمنون وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم بإحسان هم الأولياء، هم أهل التقوى هم أهل الصلاح، هم مطيعون لله ولرسوله، هؤلاء هم أولياء الله، سواء كانوا عرباً أو عجماً بيضاً أو سوداً أغنياء أو فقراء حكاماً أو محكومين هم أولياء الله، قال سبحانه وتعالى في كتابه العظيم في سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، هؤلاء هم أولياء الله، الذين أطاعوا الله ورسوله واتقوا غضبه فأدوا حقه وابتعدوا عما نهى عنه سبحانه وتعالى، هؤلاء هم الأولياء وهم المسلمون الصالحون، هم المهتدون، وهم أهل الإيمان والتقوى، ليسوا أهل الشعوذة ودعوى الخوارق الشيطانية أو الكرامات المكذوبة لا، هم المؤمنون سواء أعطوا كرامة أو ما أعطوا كرامة، أكثر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وهم أتقى الناس وأفضل الناس بعد الأنبياء وهم أولياء الله ليس لهم كرامات خارقة؛ لأن إيمانهم قوي لا يحتاجون معه إلى خوارق، فليس من شرط الولاء أن يبقى خارقاً يخرق العادة بأن يعطى طعاماً من طريق لا يعرف، أو شراباً من طريق لا يعرف أو أموالاً أو غير ذلك، لا.

    العلامة والصفة هي تقوى الله والإيمان بالله، هذا هو الولي الذي اتقى الله جل وعلا فأطاع أوامره وترك نواهيه فهؤلاء هم أولياء الله، وقال سبحانه في سورة الأنفال: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34] (إن) نافية، معناه: ما أولياؤه إلا المتقون. هؤلاء هم أولياء الله أهل التقوى الذين وحدوا الله وأخلصوا له العبادة، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبسائر النبيين والمرسلين، وصدقوا بكل ما أخبر الله به ورسوله، وانقادوا لشرع الله فأدوا ما فرض الله عليهم وتركوا ما حرم الله عليهم هؤلاء هم أولياء الله، ولكن مع ذلك ليس لأحد أن يعبدهم مع الله فهم مخلوقون مربوبون ليس لهم تصرف في الكون، بل هم عبيد من عبيد الله كالملائكة، كما قال في الملائكة: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26]، هؤلاء كذلك، من الإنس عباد مكرمون، لا يجوز أن يعبدوا مع الله فلا ينذر لهم ولا يتمسح بقبورهم ولا يطاف بها، ولا يدعون مع الله كأن يقول: يا سيدي اشفع لي، أو يا سيدي اشف مريضي، أو أنا في حسبك، أو أنا بالله وبك، أو ما أشبه ذلك، أو يقول: (المدد المدد) عندما يقف على قبره أو من بعيد، يتوجه إلى جهة بلده ويقول: المدد المدد يا سيدي، أو يا فلان كل هذا من الشرك الأكبر، لا يجوز لأي إنسان أن يعبد الأولياء أو يستغيث بهم أو ينذر لهم أو يطلبهم المدد والعون والغوث، هذا لا يجوز، هذا لله وحده سبحانه وتعالى، يطلب من الله، ويجوز طلبه من المخلوق الحي الحاضر القادر، تقول: يا أخي! أغثني في هذا الأمر أنا عندي عائلة كبيرة وعلي دين أغثني في قرض، قال: أقرضني كذا وكذا، أو ساعدني في كذا وكذا، أو ساعدني على إصلاح السيارة تعطلت السيارة ساعدني، يساعده عنده أدوات غيار عنده معرفة يساعدك في إصلاحها أو في المزرعة يساعدك على حرث أو على بذر أو على حصاد، أو في عمارة بيت، تعمير بيتك، يساعدك على تعمير البيت وما أشبه من الأمور الحسية فلا بأس بهذا، كان الصحابة يتعاونون، كان الصحابة يستغيث بعضهم في الحرب، يقول: أعني على كذا إذا تجمع عليهم جند من المشركين تجمعوا وتعاونوا في صده، تعاونوا في قتاله، وهكذا يتعاونون فيما ينوبهم من الحاجات والديون والحاجات الأخرى، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)، متفق على صحته من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الآخر: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، خرجه الإمام مسلم في صحيحه.

    فالتعاون بين المسلمين أمر مطلوب، كما قال الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، فهذا ليس من الشرك، أما إذا دعوت الميت أو الغائب لأنك تعتقد أن فيه سراً أو الجبل أو الصنم أو الشجر أو الملائكة أو إنسان حي لكن تعتقد فيه أن له تصرفاً ليس من جهة الأمور الحسية، لا، بل تعتقد جنس التصرف وأنك إذا دعوته ولو بظهر الغيب سمع كلامك ونفعك وأنه له خصوصية في قضاء الحاجات وأنه يعلم الغيب، أو أنه له سر يقضي به الحاجات هذا هو الشرك الأكبر، هذا اعتقاد أهل الشرك في معبوداتهم من دون الله.

    فالواجب التنبه لهذا الأمر وأن يكون المؤمن عنده ميزة، عنده فرق، يفرق بين حال الميت وحال الحي، حال الشجر والحجر والصنم، وحال الحي القادر الذي يسمع كلامك أو تكاتبه مكاتبة أو تكلمه بالهاتف؛ بالتلفون، تقول: سلفني أقرضني كذا، ساعدني على كذا أو بالتلكس، من هذه الوسائل الجديدة كأنه حاضر، أما أن تقول للميت أو للشجر أو للحجر، أو الجن أو الملائكة تطلبهم وتسألهم هذا هو شرك المشركين، هذا لا يجوز؛ لأنه يقع عن اعتقاد سر فيهم، وأنك تراهم أهلاً؛ لأن يتصرفوا في الكون، وأنهم عندهم مزية خاصة يستطيعون بها كذا وكذا وإن لم تباشرهم بالكلام، وإن لم تحصل لهم قوة حسية، هذا يقع لكثير من المشركين، يعتقدون في معبوداتهم أنها تتصرف في الكون، وأن لها كرامات بحيث تقضي لهم حوائجهم وتسعفهم بطلباتهم وإن كانوا أمواتاً، وإن كانوا غائبين لا يسمعون ولا يعون، وهذا من الشرك الأكبر الذي قال الله فيه سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وقال فيه سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، وقال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14]، سبحانه وتعالى.

    فبين أن دعاء الأموات من دون الله ودعاء الأصنام ودعاء الأشجار والأحجار كله شرك، وفي الآية الأخرى قال: كفر: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، فوجب على كل من له أدنى بصيرة.. على كل مكلف.. على كل عاقل أن يحذر الشرك بالله بجميع أنواعه وصوره وأن لا يدعو إلا ربه سبحانه وتعالى، ويخصه بالعبادة دون كل ما سواه جل وعلا.

    وأما الأمور العادية التي تقع بين الناس من طريق الأسباب الحسية فقد عرفت أيها المستمع أن هذه لا حرج فيها، هذه الأمور الحسية تقع بين الناس في أمور يحتاجون إليها، فيقول الأخ الإنسان لأخيه يسمع كلامه، يقول: يا أخي أقرضني كذا، ساعدني على كذا، أو يكتب له أو يكلمه هاتفياً، أو بطريق التلكس أنك تساعدني بكذا، أو تتصل بفلان تقول له: كذا، أو تشتري لي كذا، هذه أمور عادية حسية لا حرج فيها.

    1.   

    كيفية التعامل مع نسيان القرآن بعد حفظه

    السؤال: بارك الله فيكم. رسالة وصلت إلى البرنامج من العراق باعثها أحد الإخوة من هناك يقول: رمضان الطائي محافظة التأميم فيما يبدو، أخونا له مجموعة من الأسئلة نختار منها هذا السؤال يقول:

    إنني كثيراً ما أحفظ من الآيات من القرآن الكريم ولكنني بعد فترة أنساها، وكذلك عندما أقرأ آية فلا أعلم هل هي صحيحة أم لا، ثم أكتشف بعد ذلك أنني كنت مخطئاً، دلوني لو تكرمتم؟

    الجواب: المشروع لك يا أخي أن تجتهد في حفظ ما تيسر من كتاب الله، وأن تقرأ على أهل المعرفة من الإخوان الطيبين في المدارس أو في المساجد أو في البيت، وتحرص على ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    خيار الناس أهل القرآن الذين تعلموه وعلموه الناس وعملوا به، ويقول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: (أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان -إلى وادي في المدينة- فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع وأمثالهن من الإبل)، فهذا يبين لنا فضل قراءة القرآن وتعلم القرآن، فأنت يا أخي تتعلم تتصل بالإخوان الطيبين في المساجد أو في المدارس أو في حلقات تحفيظ القرآن حتى تستفيد، وحتى تقرأ قراءة صحيحة.

    وأما ما يعرض من النسيان فلا حرج عليك، إذا نسيت بعض الشيء لا حرج، فالبشر ينسى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، وسمع مرة قارئاً يقرأ فقال: (رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية كذا كنت أسقطتها)، يعني: نسيتها.

    المقصود أن الإنسان قد ينسى بعض الآيات، والأفضل أن يقول: نسيت؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: (لا يقولن أحدكم: نسيت آية كذا، نسيت آية كذا بل هو نسي)، يعني: أنساه الشيطان، فلا يضرك أخي.

    أما حديث: (من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم)، فهو حديث ضعيف عند أهل العلم لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنسيان ليس باختيار الإنسان وليس في طوقه قد ينسى مهما كان.

    فالمقصود أن المشروع لك أن تجتهد وتحرص على الحفظ، وتستعين بالله ثم بمن يتيسر من الإخوان في حفظ ما تيسر من كتاب الله، ثم تدرس ذلك وتعتني به وأبشر بالخير.

    1.   

    الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم

    السؤال: أخونا الطالب علي قاسم جبار غزوابي بمدرسة الجربة الابتدائية يقول: أرشدوني على طريقة أحفظ بها كتاب الله تعالى؟

    الجواب: نوصيك بالعناية بالحفظ والإقبال على ذلك واختيار الأوقات المناسبة للتحفظ؛ كآخر الليل أو بعد صلاة الفجر، أو في أثناء الليل في الأوقات التي تكون فيها مرتاح النفس حتى تستطيع الحفظ.

    ونوصيك أيضاً باختيار الزميل الطيب الذي يساعدك، الزميل الطيب يعينك على الحفظ والمذاكرة مع سؤال الله التوفيق والإعانة، تسأل ربك تضرع إليه أن يعينك وأن يوفقك، وأن يعيذك من أسباب قطع الطريق، ومن استعان بالله صادقاً أعانه الله ويسر أمره.

    1.   

    حكم تعلم علم التجويد وتطبيق قواعده

    السؤال: جزاكم الله خيراً، أخينا يسأل أيضاً عن مشروعية علم التجويد والقواعد التي تضمنها هذا العلم ومن بينها: أن الغنة تمد بمقدار حركة الإصبع؟

    الجواب: التجويد متلقى، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالقرآن تلقوه عمن فوقهم وتلقاه من فوقهم عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تلقوه عن نبيهم عليه الصلاة والسلام، فهي قراءة متوارثة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم حتى وصلت إلينا.

    فالمشروع للمؤمن أن يقرأ كما تلقى عن مشايخ القراءة؛ لأن في هذا تحسيناً للقراءة، وتجويداً لألفاظ القرآن حتى يؤديها كما نزلت، وما فيه من غنة أو إظهار أو إخفاء كل هذا من التحسينات ليس من الواجبات بل هو من التحسين للألفاظ والعناية بالتلاوة على خير وجه، وقد شجع النبي صلى الله عليه وسلم الناس على الإحسان في القراءة، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به) يعني: يحسن صوته جاهراً به، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (زينوا القرآن بأصواتكم)، يعني: حسنوا أصواتكم به حتى يستلذه المستمع وحتى يرتاح له المستمع وحتى يستفيد منه المستمع، فالتجويد من الأشياء المشروعة لتحسين القراءة ولتأثيرها في القلوب وللتلذذ بها، ومن ذلك ما يتعلق بالغنة وما يتعلق بالمدود، وما يتعلق بالتفخيم والترقيق .. إلى غير ذلك.

    1.   

    حكم قراءة الطالبات للقرآن في حال الحيض

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من اليمن بتوقيع إحدى الأخوات تقول: (م. ع. ع) أختنا تقول: إننا طالبات ندرس في مدرسة بنات، وفي حصة القرآن الكريم يأمرنا الأستاذ بقراءة القرآن ونكون في حالة العذر، ونستحيي أن نخبر الأستاذ فنقرأ مرغمات، هل يجوز لنا هذا؟ وإذا كان لا يجوز فكيف نعمل في أيام الامتحانات إذا صادفتنا ونحن في أيامنا، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: اختلف العلماء رحمة الله عليهم في قراءة الحائض والنفساء من القرآن الكريم، فذهب بعض أهل العلم إلى تحريم ذلك وألحقوهما بالجنب، وقالوا: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الجنب لا يقرأ؛ لأن الجنابة حدث أكبر والحيض مثل ذلك والنفاس مثل ذلك، فقالوا: لا تقرأ الحائض ولا تقرأ النفساء حتى تطهرا، واحتجوا أيضاً بحديث رواه الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن).

    وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يجوز للحائض أن تقرأ والنفساء كذلك عن ظهر قلب؛ لأن مدتهما تطول، النفساء تأخذ أياماً كثيرة والحائض كذلك تأخذ أياماً وإن كانت النفساء أكثر منها، فلا يصح أن يقاس على الجنب، الجنب مدته قصيرة، إذا فرغ من حاجته في إمكانه أن يغتسل ويقرأ.

    أما الحائض فليس في إمكانها ذلك حتى ينقطع الدم وهكذا النفساء فهما في حاجة إلى القراءة، قالوا: والحديث الذي فيه: (لا تقرأ الحائض ولا النفساء شيئاً من القرآن)، حديث ضعيف، ضعفه أهل العلم لكونه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وروايته عنهم ضعيفة، وهذا القول هو الصواب أنه يجوز للحائض القراءة، وهكذا النفساء لما تقدم؛ لأن مدتهما تطول ولأن القياس على الجنب لا يصح، ولأن الحديث الذي فيه النهي عن القراءة ضعيف.

    فعلى هذا: لا بأس أن تقرأ الطالبة القرآن وهكذا المدرسة في الامتحان وفي غير الامتحان عن ظهر قلب، لا من المصحف بل عن ظهر قلب.

    أما إذا احتيج إلى المصحف فيكون من وراء حائل، تلبس قفازين، تلمسه من دون القفازين أو من وراء ثيابها الأخرى الصفيقة، وتفتش عند الحاجة للمصحف تنظر الآية، أو يحفظ عليها بعض زميلاتها حتى تقرأ إذا كانت لا تستطيع القراءة عن ظهر قلب.

    فالحاصل: أنه لا بأس أن تقرأ عن ظهر قلب على الصحيح.

    وهكذا من المصحف من وراء حائل كالقفازين في اليدين أو ثوب تجعله على اليدين، تلمسه به عند الحاجة، أو تحفظ عليها تمسك لها أختها الطاهرة حتى تطالع المصحف وهو في يد أختها الطاهرة، كل هذا لا حرج فيه إن شاء الله على الصحيح من أقوال أهل العلم.

    1.   

    حكم من مات وعليه صوم بسبب قتل خطأ

    السؤال: أختنا تقول: كان لي أخ يشتغل سائقاً في أرض زراعية، وحدث مرة أن اصطدم برجل كبير في السن فمات الرجل، سلم أخي نفسه للشرطة معترفاً أنه اصطدم بالرجل لكن بدون قصد، فخرج أخي بكفالة ولم يمض عام واحد حتى قتل أخي بيد طفل في العاشرة، فسامحه أبي وسامحت أمي وكلنا سامحنا الطفل وأهله، أمي صامت شهرين متتابعين حتى تكفر عن أخي بعض ذنوبه، ما حكم صيامها؟ وهل علينا في جانب أخي من شيء؟ أرجو التكرم بإفادتنا.

    الجواب: قد أحسنتم في التسامح والعفو، وأحسنت الوالدة في الصوم عن ابنها؛ لأن عليه الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، ولقد أحسنت الوالدة في صيام شهرين؛ لأن تحصيل الرقبة قد يتعسر في بعض الأحيان، وقد يعجز عنه القاتل وهو لا يوجد إلا قليل يوجد في بعض دول أفريقيا ولكنه قليل، فإذا تمكن من شراء عبد أو الأمة من عتق فهو مقدم على الصيام، وإذا لم يتمكن صام شهرين متتابعين، ولما صامت أمك عنه فقد أحسنت في ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، يعني: قريبه، وهي أقرب الناس إليه فقد أحسنت في ذلك. نعم.

    المقدم: كأني بالوالدة لم تصم من أجل القتل الخطأ سماحة الشيخ بل صامت للتكفير عن ذنوب أخرى؟ ترشدونها إلى شيء لو تكرمتم؟

    الشيخ: إن كانت صامت عن ابنها لأجل الصوم الذي عليه بسبب قتله الشيخ الكبير فهذا صحيح، فإن كانت صامت لغير ذلك فهذا لا يجزي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، فيشرع لها أن تصوم أو أبوه إن كان هو موجود أو أحد إخوانه أو إحدى خواته، هذا كله طيب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه). نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم، لو توزعت الأسرة الصيام يجوز هذا؟

    الشيخ: هذا فيه التتابع لابد يصومه واحد. نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم. سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير وفي صحة وعافية.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا خالد منور خميس . شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.