إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (141)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    التحذير من السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة وبدون ضوابط

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: في بداية هذه الحلقة نعود إلى رسالة الأخ أبو إبراهيم من البحرين، أخونا في هذه الحلقة يسأل ويقول: كثير من الناس ابتلي بالأسفار خارج الدول الإسلامية التي لا تأبه بارتكاب المعصية فيها ولاسيما أولئك الذين يسافرون من أجل ما يسمونه بشهر العسل، أرجو من سماحة الشيخ أن يتفضل بنصيحة إلى أبنائه وإخوانه المسلمين وإلى ولاة الأمر كيما يتنبهوا لهذا الموضوع؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فلا ريب أن السفر إلى بلاد الكفر فيه الخطر العظيم، لا في وقت الزواج وما يسمى بشهر العسل ولا في غير ذلك، الواجب على المؤمن أن يتقي الله وأن يحذر أسباب الخطر، فالسفر إلى بلاد المشركين وإلى البلاد التي فيها الحرية وعدم إنكار المنكر فيه خطر عظيم على دينه وأخلاقه وعلى دين زوجته أيضاً إن كانت معه.

    فالواجب على جميع شبابنا وعلى جميع إخواننا صرف هذا الخلق وصرف النظر عنه والبقاء في بلادهم وقت الزواج وفي غيره؛ لعل الله جل وعلا يكفيهم شر نزغات الشيطان، أما السفر إلى تلك البلاد التي فيها الكفر والضلال والحرية وانتشار الفساد من الزنا وشرب الخمور وأنواع الكفر والضلال فهذا فيه خطر عظيم على الرجل والمرأة جميعاً، وكم من صالح سافر فرجع فاسداً وكم من مسلم رجع كافراً، فالخطر عظيم.

    وقد قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يفارق المشركين) يعني: حتى يفارق المشركين، فالأمر خطير، فالواجب الحذر من السفر إلى بلادهم لا في شهر العسل ولا في غيره، وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك والتحذير منه اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وشرح الإسلام لهم والعناية بالمسلمين هناك لتبصيرهم وتوجيههم إلى الخير فهذا له حال أخرى، وهذا يرجى له الأجر الكثير وهو في الغالب لا خطر عليه لما عنده من العلم والتقوى والبصيرة ولما قصده من الخير، أما الذهاب لأجل الشهوات ولقضاء الأوطار الدنيوية في بلاد الكفر وفي أوروبا أو غيرها فهذا فيه خطر كثير.

    وهكذا السفر للسياحة فيها أو لشراء الحاجات أو لزيارة بعض الناس أو ما أشبه ذلك كله خطر، وهكذا للتجارة كله خطر، ينبغي للمؤمن الحذر من ذلك وأن يكتفي بالمراسلة لمجيء حاجاته التي يريدها من السلع ويترك السفر؛ لأنه ربما سافر فخسر دينه وخسر أخلاقه وخسر عقيدته ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فنصيحتي لكل مسلم هي الحذر من السفر إلى بلاد الكفر وإلى كل بلاد فيها الحرية الظاهرة والفساد الظاهر وعدم إنكار المنكر، وأن يبقى في بلاده التي فيها السلامة وفيها قلة المنكرات فإنه خير له وأسلم وأحفظ لدينه، والله الموفق والهادي. نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، تيسير السفر إلى هناك بطريقة أو بأخرى ماذا يقول عنها الشيخ عبد العزيز؟

    الشيخ: لا تجوز، لا يجوز تيسير السفر، ما يفعله بعض الناس من حذف نصف قيمة التذكرة هذا غلط، وهذه إعانة على الإثم والعدوان، والله يقول سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، فلا يشجعون ولا يساعدون بل يثبطون ولا يساعدون، فلو منعوا بالكلية لكان أولى وأصلح، لو تيسر المنع لكان ذلك أوجب وأصلح، ونسأل الله أن يوفق الدولة لما فيه رضاه وأن يعينها على منع هذا الفساد بالطرق المناسبة التي تستطيعها الدولة.

    المقدم: ماذا يرى سماحة الشيخ عن مسائلة الأشخاص المسافرين إلى تلك الدول التي فيها مثل هذه الأمور؟ عندما يريد الإنسان السفر إلى هنالك لماذا لا يسأل: لماذا أنت مسافر وما هو القصد؟

    الشيخ: هذا طيب لو تيسر هذا طيب؛ لأن فيه إعانة له على نفسه، ولعله يستحي ولعله يخجل ولعله يتوب إذا وجد في من يعطي التذاكر المسائلة حتى ينصحه وحتى يثبطه عن السفر الضار لكان هذا حسناً وهذا من العلاج.

    1.   

    حكم ارتياد المحلات التي تبيع المباح والحرام للشراء منها

    السؤال: أخونا أيضاً يقول: بعض المحلات تبيع الأشياء المباحة وأشياء محرمة، هل يجوز للمسلم أن يرتاد تلك المحلات كيما يشتري ما هو مباح منها رغم أنها تبيع الأشياء المحرمة؟

    الجواب: لا حرج على الإنسان أن يتصل بالدكاكين والحوانيت أو غيرها من الأسواق ويشتري حاجته منها المباحة وإن كان يوجد فيها بيع لشيء محرم؛ لأن الله يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، لكن إذا كان يستطيع إنكار ذلك فعليه إنكار المحرم والتحذير منه وأنه لا يجوز بيع هذا المحرم، وإذا تيسر سوق أو دكان يبيع المباح دون المحرم فهذا أولى؛ لأن فيه تشجيعاً له وفيه بعد عن مساعدة أهل الحرام وأهل المضرة بالناس، فإذا تيسر له دكان أو سوق يبيع حاجاته المباحة فلينتقل إليه وليشتر وليعامله، وليترك ذاك الذي قد خلط حلالاً بحرام حتى لا يكون مشجعاً له، أما إذا دعت الحاجة إلى أن يشتري من ذاك الدكان فلا حرج إن شاء الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ..)

    السؤال: نعود أيضاً إلى رسالة الأخ مصطفى محمد كاكاو ياسين من العراق. أخونا يسأل في هذه الحلقة عن قول الحق تبارك وتعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69]، هل المقصود في الآية أن يفعل الإنسان الكبائر الثلاث ثم يخلد في النار أم المقصود إذا ارتكب إحدى هذه الكبائر يخلد في النار، فمثلاً ارتكب جريمة القتل مثلاً هل يخلد في النار أو لا؟ نرجو أن تتفضلوا بالتفسير المفصل لهذه الآية الكريمة.

    الجواب: هذه الآية العظيمة فيها التحذير من الشرك والقتل والزنا، وأن أصحاب هذه الجرائم متوعدون بما قاله الله سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68]، قيل: إنه وادي في جهنم، وقيل: المعنى (أثاماً) إثماً كبيراً عظيماً، ولهذا فسره بقوله: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69] هذا جزاء من اقترف هذه الجرائم الثلاث؛ أنه يضاعف له العذاب ويخلد في العذاب مهاناً لا مكرماً، وهذه الجرائم الثلاث مختلفة في المراتب، فجريمة الشرك هي أعظم الجرائم وهي أعظم الذنوب، وصاحبها مخلد في النار أبد الآباد لا يخرج من النار أبداً، كما قال الله سبحانه في كتابه العظيم: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [التوبة:17]، نعوذ بالله، وقال سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، قال عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، قال في حقهم : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]، والآيات في هذا كثيرة.

    فالمشرك إذا مات على شركه ولم يتب فإنه مخلد في النار والجنة عليه حرام والمغفرة عليه حرام بإجماع المسلمين، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72]، وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فجعل المغفرة حراماً على المشرك إذا مات على شركه، أما ما دون الشرك فهو معلق، ما دون الشرك فهو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى.

    فالخلاصة: أن المشرك إذا مات على شركه فهو مخلد في النار أبد الآباد بإجماع أهل العلم، وذلك مثل الذي يعبد الأصنام ويستغيث بها، أو الأشجار أو الأحجار أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو غير ذلك، أو يعبد الأموات الذين يسمونهم بالأولياء أو يعبد الأنبياء أو يعبد الملائكة يستغيث بهم وينذر لهم، يطلبهم المدد والعون عند قبورهم أو بعيداً من قبورهم، مثلما يقول بعضهم: يا سيدي فلان! اشف مريضي، المدد المدد يا سيدي البدوي ، يا سيدي عبد القادر ، يا رسول الله! المدد المدد، أو يا حسين ، أو يا فاطمة ، أو يا ست زينب أو غير ذلك ممن يدعوهم المشركون، هذا كله من الشرك الأكبر والعياذ بالله! إذا مات عليه صاحبه صار من أهل النار نعوذ بالله والخلود فيها.

    أما الجريمة الثانية: وهي القتل، والثالثة: وهي الزنا، هاتان الجريمتان دون الشرك معصيتان، فإذا كان من تعاطاهما لم يستحلهما يعلم أنهما محرمان، يعلم أن هاتين الجريمتين معصيتان محرمتان ولكن حمله الغضب أو الهوى أو ما أشبه ذلك على إقدامه على القتل بسبب البغضاء والعداوة أو أسباب أخرى، وحمله الهوى والشيطان على الزنا وهو يعلم أن القتل محرم بغير حق وأن الزنا محرم، فهاتان الجريمتان توجبان النار وغضب الله عز وجل إلا أن يعفو الله عن صاحبهما لأعمال صالحة أو توبة قبل الموت، فإذا تاب عفا الله عنه، وقد يعفى عنه لأعمال صالحة كثيرة له أو بشفاعة الشفعاء أو بدعاء المسلمين له.. إلى غير ذلك، وقد يعذب في النار على قدر المعاصي التي مات عليها، وهذا واقع لكثير من الناس؛ يعذبون على معاصيهم ثم يخرجهم الله من النار برحمته سبحانه وتعالى، تارة بأسباب الشفعاء كشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وشفاعة الملائكة والأفراط والمؤمنين، وقد يخرج الإنسان من النار بشفاعة هؤلاء بعدما يمضي فيها ما كتب الله له من العذاب.

    ويبقى في النار أقوام من أهل التوحيد لا تنالهم شفاعة الناس فيخرجهم الله سبحانه وتعالى برحمته جل وعلا؛ لأنهم ماتوا على توحيد على إيمان ولكن لهم أعمال خبيثة ولهم معاصٍ دخلوا بها النار، فإذا طهروا منها ومضت المدة التي كتب الله عليهم أخرجوا من النار رحمة من الله عز وجل ويلقون في نهر يقال له: نهر الحياة، من أنهار الجنة، ينبتون فيه كما تنبت الحبة من حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة، وبهذا يعلم أن العاصي كالقاتل والزاني لا يخلد خلود الكفار بل خلود خاص غير خلود الكفار، يقول سبحانه: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69] هذا خلود متنوع مختلف، فخلود المشرك هذا خلود دائم ليس لهم منه محيص وليس لهم منها مخرج كما قال جل وعلا: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، هكذا في سورة البقرة.

    وقال سبحانه: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] هكذا في سورة المائدة، فالرب عز وجل بين لنا أنهم لا يخرجون من النار، يعني: الكفرة، أما العصاة فيخرجون إذا تمت المدة التي كتب الله عليهم، يخرجون من النار إما بشفاعة الشفعاء وإما بمجرد رحمته سبحانه وتعالى، يعني: رحمة الله جل وعلا من دون شفاعة أحد، فإن بقايا أهل التوحيد في النار يخرجهم الله منها بدون شفاعة أحد بل برحمته سبحانه وتعالى فلا يبقى في النار إلا أهلها وهم الكفرة، فتطبق عليهم ولا يخرج منهم أحد بعد ذلك نسأل الله العافية، ويسمى وجود العصاة في النار مدة طويلة يسمى خلوداً، عند العرب الإقامة الطويلة تسمى خلود، كما في قول بعض الشعراء:

    .................. ...أقاموا فأخلدوا

    يعني: طولوا الإقامة، فالمقيم طويلاً يسمى مخلد، ويقال: أخلد في المكان يعني: طول فيه الإقامة، فالزاني والقاتل تكون إقامتهما أكثر من غيرهما من العصاة، والقتل أقبح وأشر من الزنا، والزنا من أعظم الجرائم لما فيه من الفساد في الأرض، فهما جريمتان عظيمتان يحصل لأصحابهما الخلود في النار خلود يليق بهما على حسب معاصيهما، فهو خلود له نهاية وهكذا خلود الذي يقتل نفسه يخلد في النار لكن خلود له نهاية بخلاف خلود الكافر فإنه لا نهاية له، أما العاصي من الزاني والقاتل نفسه والقاتل لغيره هؤلاء يطول مكثهم في النار ويكثر لكنهم يخرجون بإذن الله ومشيئته سبحانه وتعالى بعد مضي المدة التي كتبها الله عليهم، وهم فيها متفاوتون بعضهم أطول من بعض على حسب كثرة معاصيهم وكثرة تساهلهم بأمر الله واستخفافهم بحقه، على حسب هذا تكون الإقامة مع أنها لا تستمر بل لها نهاية فهو خلود له نهاية.

    1.   

    تنوع أسباب البلاء والابتلاء

    السؤال: أخونا أيضاً يسأل ويقول: إذا ابتلي أحد بمرض أو بلاء سيئ في النفس أو المال فكيف يعرف أن ذلك الابتلاء امتحان أو غضب من عند الله؟

    الجواب: هذا يحتمل، والمؤمن طبيب نفسه وخصيم نفسه، فالله عز وجل يبتلي عباده بالسراء والضراء والشدة والرخاء، فقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم وإعلاء ذكرهم ومضاعفة حسناتهم كما يقع للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والصلحاء من عباد الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وتارة يقع ذلك بسبب المعاصي والذنوب وتكون العقوبة معجلة كما قال سبحانه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، فالغالب على الإنسان التقصير وعدم القيام بالواجب، فما أصابه فهو بسبب ذنوبه وتقصيره في أمر الله، ولو فرضنا أن واحداً من عباد الله ابتلي بشيء من الأمراض أو نحوها وهو لم يفعل شيئاً فإن هذا يكون من جنس الأنبياء والرسل، يكون رفعاً في الدرجات وتعظيماً للأجور، وقد يكون قدوة لغيره يتأسى به غيره في الصبر والاحتساب.

    فالحاصل أنه قد يكون البلاء لرفع الدرجات وإعظام الأجوركما يقع للأنبياء وبعض الأخيار، وقد يكون ذلك بسبب المعاصي يكون عقوبة له، كما هو الغالب على الناس أنهم يستحقون عقوبة الله بإصرارهم على المعاصي وعدم المبادرة بالتوبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    نصيحة لمن لم يستطع الزواج لقلة ذات اليد

    السؤال: أمامي رسالة سماحة الشيخ بعث بها أحد الإخوة المستمعين يقول: منصور صالح من الرياض، أخونا رسالته مطولة ملخصها: أنه شاب في الثانية والعشرين من عمره يشكو قلة ذات اليد، ويشكو أيضاً من عنت العزوبة، ويرجو من سماحة الشيخ التوجيه الشرعي في هذه الناحية؟

    الجواب: لا ريب أن الزواج من أهم المهمات ومن أفضل القربات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)، والله يقول سبحانه: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، في الحديث الصحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم -ذكر منهم-: المتزوج يريد العفاف) يعني: يقصد العفاف فالله يعينه سبحانه.

    فنصيحتي لهذا الشاب السائل أن يفعل الأسباب التي يستطيعها حتى يتزوج، إما بقرض وإما بالاستدانة يشتري شيئاً إلى أجل معلوم ويبيعه والله يوفي عنه ويتزوج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه).

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد استدان، وهو أفضل الخلق استدان، ومات وعليه دين عليه الصلاة والسلام، فلا بأس بالاستدانة ولا حرج في الاستدانة إما من طريق القرض أو من طريق أن يشتري حاجات كسيارة أو غيرها إلى أجل معلوم ثم يبيعها بنقد ويتزوج ولا بأس بذلك، وهنا لدينا مشروع ولكنه مطول مشروع مساعدة للمتزوجين، وهذا له شروط خمسة:

    الأول منها: أن يكون سعودياً وهكذا الزوجة المخطوبة.

    الثاني: أن يكون عاجزاً بالبينة مثبتاً من المحكمة أنه عاجز عن النفقة عن الزواج يعني عن المهر.

    الثالث: أن يتم العقد بينه وبين أهل المرأة ولكن يبقى الدخول.

    الرابع: أن يكون هذا أول زواج، أو قد تزوج لكن ماتت زوجته، أما المطلق لا ما عندنا له مساعدة.

    الخامس: أن يثبت أنه محافظ على الصلاة في الجماعة من أهل المعرفة به في مسجده.

    فإذا تمت الشروط يساعد بخمسة وعشرين ألف على حساب المحسنين، هذه أمور من أهل الخير، من زكوات أهل الخير ومساعداتهم، خمسة وعشرون ألف إذا تمت هذه الشروط الخمسة، يساعد بها لكنها قد تتأخر؛ لأن الناس كثيرون ينتظرون الآن، قد يبلغون الألوف والمال ليس بالكثير الذي يأتي لهذا المشروع، فلهذا قد يتأخر خمسة أشهر.. ستة أشهر.. ما يأتيه الدور أو أكثر من ذلك.

    فإذا رأى أن يتقدم لهذا المشروع ويوفي بهذه الشروط فلا بأس، لعل الله أن يسهل له أمره، وإن استدان أو اقترض حتى يكون أعجل فهذا خير إن شاء الله، وله البشرى بأن الله سيسهل أمره وأن يقضي عنه دينه؛ لأن الزواج عمل صالح فيه عفة الفرج وغض البصر والتسبب لعفة امرأة أيضاً وغض بصرها وحفظ فرجها، والتسبب أيضاً لوجود الولد وتكثير الأمة ففيه مصالح. نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم، لعل كثيراً من المحسنين يودون الإسهام في هذا المشروع الخيري إلا أن الإعلان عنه بطيء أو أن العنوان غير معروف أو كذا، لعله من المناسب أن يتفضل سماحة الشيخ فيذكر بهذا؟

    الشيخ: أنا أهيب بإخواني المسلمين في المملكة وغيرها أن يساعدوا في هذا المشروع من الزكاة وغيرها، وقد كتبنا عن ذلك مرات كثيرة، والغالب أنا نكتب أيضاً في آخر شعبان لأن كثيراً من الناس إنما يخرج الزكاة في رمضان.

    فالحاصل أنا كتبنا عن هذا مرات كثيرة وسنكتب إن شاء الله هذه الأيام أيضاً وعند دخول رمضان أيضاً إن شاء الله، لكن أهيب بمن يسمع هذه الكلمة، أهيب بهم أن يساهموا في هذا المشروع؛ لأن فيه إعانة لكثير من الشباب على الزواج وهم عاجزون، فأنا أهيب بجميع إخواني الذين يسمعون هذه الكلمة أن يساهموا في هذا المشروع إما من الزكاة وإما من غيرها والله يأجرهم ويثيبهم سبحانه.

    والمساهمة من الزكاة جائز أيضاً؛ لأن ما نعطي إلا أهل الحاجة، ما نساعد إلا أهل الحاجة لثبوت ذلك عند المحكمة، فهم فقراء مستحقون.

    المقدم: بارك الله فيكم، لعله من المناسب أن تتفضلوا بذكر العنوان سماحة الشيخ لمن يريد أن يرسل بتبرعه إلى هذا المشروع؟

    الشيخ: العنوان دار الإفتاء باسمي عبد العزيز بن عبد الله بن باز دار الإفتاء- الرياض.

    المقدم: بارك الله فيكم. سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجل لكم هذا اللقاء زميلنا فهد العثمان . شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.