إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (135)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم كراهية البنت لأمها التي تركتها وهي صغيرة بسبب الطلاق

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب. رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: شيخ عبد العزيز ! أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات تقول فدوى أختنا تسأل مجموعة من الأسئلة في سؤالها الأول تقول: فتاة تكره أمها كراهية شديدة والأم لا تعرف ذلك، وهذه الفتاة عاشت بعيدة عن أمها مع والدها ولم ترها إلا في الكبر بسبب طلاق الأم لظروف عائلية، مع العلم أنها تقدم لأمها الهدايا، وقد سألت بعض العلماء فقالوا: إن ميل القلب لا يحاسب عليه الرب. فما رأيكم وترجو التوجيه؛ لأنها تخشى أن يكون ذلك من العقوق، وهل للطلاق أثر على تلك الحالة التي تعيشها تلك البنت؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا ريب أن القلوب بيد الله عز وجل يصرفها كيف يشاء سبحانه وتعالى، فالمحبة في القلب والكراهة أمران بيد الله عز وجل لكن لهما أسباب، فإذا كانت الوالدة ذات عطف على البنت وعناية بشئونها كان هذا من أسباب المحبة، وإذا كانت الوالدة ليست كذلك بل عندها إعراض عن البنت وعدم اكتراث بها أو طالت غيبتها عنها كالسائلة فإن هذا قد يسبب شيئاً من الكراهة والجفوة.

    والواجب عليك أيها البنت تقوى الله في ذلك وأن تحرصي على صلتها والإحسان إليها وبرها والكلام الطيب معها في جميع الأحوال، وأن تسألي ربك أن يشرح صدرك لمحبتها؛ لأن حق الوالدة عظيم وبرها من أهم الفرائض، فإذا لم تستطيعي ذلك فالأمر بيد الله ولا يضرك فأمور القلوب بيد الله هو الذي يصرفها كيف يشاء سبحانه وتعالى، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك) فالقلوب بيد الله هو مقلبها سبحانه وتعالى، فأنت تضرعين إلى الله عز وجل وتسألينه أن يشرح صدرك لمحبتها والقيام بحقها وبرها كما شرع الله، وعليك أن تفعلي ما تستطيعين من البر والصلة من هدايا وغيرها من الأشياء التي تسبب أداء الواجب ويحصل بها رضا الوالدة ومحبة الوالدة لك، وأما أنت فليس عليك إلا ما تقدرين فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] .. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ولا يجب عليك من المال أو الهدايا ما لا تقدرين، ولا يجب عليك شيء من جهة النفقة إذا كانت بحمد الله مستغنية، إنما هذا من باب العطف ومن باب الإحسان ومن باب التودد إذا أهديتي لها شيئاً وأنت قادرة من مال طيب فهذا كله طيب، نسأل الله لك التوفيق. نعم.

    المقدم: أختنا تعزو السبب سماحة الشيخ لأنها افترقت عن أمها بسبب الطلاق.

    الشيخ: قد يكون هذا هو السبب وقد يكون هناك أسباب أخرى لكن كم لله من بنت تبتعد عن أمها وهي تحن إليها ولو بعدت، تحن إليها وتحرص على لقائها ولكن الأمور بيد الله، فقد يكون هناك أسباب أخرى من جهة كون الأم ما تكتب إليها أو ما تسأل عنها أو ما توصي عليها بالسلام أو ما أشبه ذلك من أنواع الجفاء.

    1.   

    الآثار السيئة لابتعاد الأم عن تربية الأولاد وتركهم في أيدي الخدم

    السؤال: إذا كان الفرقة بين الأبناء يسبب هذا سماحة الشيخ فما بالكم إذا ابتعدت المرأة عن بيتها وتركت أطفالها للخدم أو ما أشبه ذلك؟

    الجواب: لاشك أن هذا يضر كثيراً ويجعل الولد ينشأ نشأة فيها نظر، ولاسيما إذا كانت الخادمة ليست ذات دين فإن الأولاد ينشئون نشأة غير دينية وعليهم خطر من ذلك، فمن الأهم أن تتولى الأم تربية الأولاد التربية الإسلامية وأن تعطف عليهم وتحن عليهم وتواسيهم وتنظر في حاجاتهم وشئونهم، وتقدم ذلك على الوظيفة، ما دام الزوج يقوم بحالها وحاجاتها فلا حاجة إلى الوظيفة، قيامها بأولادها وتربية أولادها والإحسان إليهم وتوجيههم إلى الخير أهم وأهم وأهم من الوظائف التي تدر مالاً ليست في حاجة إليه ولا في ضرورة إليه، والله المستعان.

    1.   

    ذكر الأوقات المستحبة لصلاة التطوع وأوقات النهي

    السؤال: أختنا تسأل سؤالاً آخر وتقول: ما هي الأوقات المستحبة لصلاة التطوع؟ وهل تجوز الصلاة قبل المغرب بساعة صلاة تطوع؟

    الجواب: كل الليل والنهار محل تطوع، الله جل وعلا جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل في كتابه العظيم: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62].

    لكن يستثنى من ذلك أوقات النهي: ما بين صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس هذا وقت نهي عن الصلاة.

    كذلك ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس محل نهي عن الصلاة.

    كذلك عند قيامها قرب الظهر عند وقفة الشمس يعني عند توسطها كبد السماء وهي مدة قليلة، هذا وقت نهي أيضاً.

    أما بقية الأوقات مثل الضحى بعد ارتفاع الشمس إلى وقوف الشمس، بعد الظهر كل ما بين الظهر والعصر كله محل صلاة، الليل كله محل صلاة، فصلاة الضحى متأكدة وسنة مؤكدة، هكذا التهجد بالليل وبين العشاءين كله محل عبادة، فيه خير كثير وفضل كبير، لكن أوقات النهي لا يصلى فيها إلا لسبب كصلاة الطواف لمن طاف بعد العصر أو بعد الصبح يصلي صلاة الطواف، مثل سنة الوضوء لمن توضأ يصلي ركعتين سنة الوضوء ولو بعد العصر والصبح، مثل لو كسفت الشمس بعد العصر شرع أن يصلى لها صلاة الكسوف في أصح قولي العلماء، مثل تحية المسجد لو دخل مسجد لأجل الدرس بعد العصر أو ليجلس فيه إلى الغروب سن له أن يصلي تحية المسجد، هذا مستثنى ويقال لها: ذوات الأسباب، هذا الصحيح أنها تستثنى ولا بأس بها في أوقات النهي على الصحيح من أقوال العلماء.

    1.   

    الأوقات المستحبة للدعاء وحكم الدعاء بأمور الدنيا

    السؤال: أختنا تقول: ما هو الدعاء الذي أدعو به ليستجاب لي؟ وهل الدعاء بطلب دنيا كالزواج وغيره جائز في السجود أثناء صلاة الفريضة؟ أرجو الإجابة.

    الجواب: الله شرع لعباده الدعاء فقال سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] وقال عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] والسجود محل دعاء، وأحسن الأوقات للدعاء آخر الليل وجوف الليل وجميع الليل، وهكذا السجود في الصلاة ولو فريضة، وهكذا آخر الصلاة قبل السلام بعد التحيات بعد التشهد وبعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم محل دعاء قبل السلام، فينبغي لمن أراد أن يدعو أن يتحرى هذه الأوقات، وهكذا بين الأذان والإقامة الدعاء لا يرد، فينبغي تحري الدعاء في هذه الأوقات.

    ومن أهمها: آخر الليل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) وفي اللفظ الآخر فيقول سبحانه: (هل من داع فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ هل من تائب فيتاب عليه؟ حتى ينفجر الفجر) هذا الوقت العظيم ينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يكون لهما فيه حظ بالتهجد والصلاة والدعاء والاستغفار.

    وهذا التنزل الإلهي تنزل يليق بالله جل وعلا لا يشابه فيه خلقه سبحانه وتعالى، فهو ينزل جل وعلا نزولاً يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، ولا يشابه خلقه في شيء من صفاته كالاستواء والرحمة والغضب والرضا والمجيء ونحو ذلك يقول سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] يعني: استواء يليق بجلاله، ومعناه: العلو والارتفاع فوق العرش لكنه استواء يليق بالله لا يشابهه فيه خلقه.

    فهكذا التنزل في آخر الليل هو تنزل يليق بالله لا يشابه فيه خلقه، ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] وكما قالت أم سلمة في الاستواء لما سئلت عن الاستواء قالت رضي الله عنها وهي أم المؤمنين إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم قالت: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان وإنكاره كفر. وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك أحد التابعين رحمه الله لما سئل عن ذلك قال: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول- مثلما قالت أم سلمة - ومن الله الرسالة وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم التبليغ وعلينا التصديق) يعني: على الأمة التصديق، يعني: على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى.

    ولما سئل مالك رحمه الله إمام دار الهجرة في زمانه في القرن الثاني عن الاستواء قال: الاستواء معلوم- يعني: أنه العلو والارتفاع- والكيف مجهول- لا نعلم كيفيته- والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء، ثم أمر بإخراجه. فهذا الذي قاله مالك و ربيعة و أم سلمة رضي الله عن الجميع هو قول علماء السنة كافة من الصحابة ومن بعدهم، كلهم يقولون في أسماء الرب وصفاته أنها يجب إثباتها لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، والإقرار بها واجب والإيمان بها واجب، والتكييف منفي لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى، ولهذا يقول سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4] ويقول عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ويقول سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74].

    فهكذا النزول آخر الليل الكلام فيه واحد ينزل ربنا كما يشاء على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، وهكذا يغضب على أهل معصيته والكفر به، وهكذا يرضى عن أهل طاعته، وهكذا يحب أولياءه ويبغض أعداءه، كلها تليق بالله؛ بغض ومحبة وغضب ورضا كله يليق بالله، لا يشابه غضب المخلوقين ولا بغض المخلوقين ولا محبة المخلوقين بل ذلك إليه سبحانه على الوجه اللائق به جل وعلا من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، هذا قول أهل السنة والجماعة وهو قول أهل الحق في جميع الصفات، فالواجب التزام هذا القول والثبات عليه والرد على من خالفه، والله المستعان.

    وهكذا السجود ولو في الفريضة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) يعني: فحري أن يستجاب لكم، وقال عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) فإذا سألت المرأة زوجاً صالحاً في السجود أو في آخر الصلاة أو في آخر الليل أو ذرية طيبة أو مالاً حلالاً، وهكذا الرجل سأل ربه أن يعطيه زوجة صالحة أو مالاً حلالاً كل ذلك طيب، والزواج من الخير العظيم ليس من الدنيا المحضة بل فيه خير، بل هو من العبادات النكاح عبادة، وفيه مصالح كثيرة للرجل والمرأة، فإذا سألت المرأة في السجود أو في آخر الصلاة أو في آخر الليل أن الله يهبها زوجاً صالحاً وذرية صالحة هذا من أفضل الدعاء، وهكذا بقية الحاجات: اللهم أغنني بفضلك عمن سواك، اللهم يسر لي مالاً طيباً حلالاً، اللهم أغنني عن سؤال خلقك، اللهم ارزقني ذرية صالحة، وما أشبه هذا مما يحتاجه الناس.

    1.   

    حكم كشف المرأة لليدين والرجلين في الصلاة

    السؤال: أختنا تسأل مع من يسأل من أخواتنا المستمعات سماحة الشيخ عن تغطية اليدين والرجلين في الصلاة هل هو واجب على المرأة أم يجوز كشفها ولاسيما إذا لم يكن هناك أجانب أو كانت في الصلاة مع نساء؟

    الجواب: أما الوجه فالسنة كشفه في الصلاة إذا لم يكن هناك أجانب، وأما القدمان فالواجب سترهما عند جمهور أهل العلم عند الأكثر من أهل العلم الواجب سترهما وفيه خلاف؛ بعض أهل العلم يسامح في القدمين ولكن الجمهور على المنع وأن الواجب سترهما، ولهذا روى أبو داود رحمه الله عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن المرأة تصلي في خمار وقميص؟ قالت: لا بأس إذا كان الدرع يغطي ظهور قدميها. فستر القدمين أولى وأحوط بكل حال.

    أما الكفان فأمرهما أوسع، إن كشفتهما فلا بأس وإن سترتهما فلا بأس الأمر فيهما واسع، بعض أهل العلم يرى أن سترهما أولى ولكن الأمر فيهما واسع، إن سترتهما فهذا حسن إن شاء الله وإن صلت وكفاها مكشوفتان فلا بأس.

    المقدم: بارك الله فيكم، جزاكم الله خيراً.

    يا أخت فدوى! ابعثي بما لديك من أسئلة لكن اعذرينا إذا تأخر الرد، أما عنوان البرنامج فهو ما بعثت إليه برسالتك هذه: الرياض- الإذاعة - برنامج نور على الدرب.

    1.   

    حكم حضور حفلة توديع الزملاء من غير المسلمين وضوابط العلاقة معهم

    السؤال: أخونا حسين فالح القظاع من الظهران بعث برسالة وضمنها مجموعة من الأسئلة، يقول في سؤاله الأول: كيف يحدد المسلم علاقته بالآخرين غير المسلمين من حيث المعاملة ومن حيث الاشتراك بحفلات توديعه لبعض الزملاء غير المسلمين؟

    الجواب: هذا أمر فيه تفصيل فإن الكافر له حالات مع المسلم غير حالاته مع الكفار وغير حالات المسلم مع إخوانه المسلمين.

    المقصود أن المسلم لا يبدأ الكافر بالسلام ولا مانع بل يجب أن يرد عليه إذا سلم يقول: وعليكم، ولا مانع من أن يسأله عن أولاده: كيف حالك؟ كيف أولادك؟ لا بأس، ولا بأس أن يأكل معه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولا بأس أن يجيب دعوته كما أجاب النبي دعوة اليهود عليه الصلاة والسلام وأكل من طعامهم، لكن لا يتخذه صديقاً ولا حبيباً ولا يواليه بمعنى أن ينصره على أخيه المسلم أو يعينه على أخيه المسلم بل يتخذه من عرض الناس ليس له خصوصية في صداقة ما دام العمل يجمعهما، إنما يرد عليه السلام إذا سلم عليه يسأله عن حاله يبيع أو يشتري منه، فالنبي باع من أهل الكتاب واشترى عليه الصلاة والسلام، ورد عليهم السلام وأجاب دعوتهم، كل هذا لا حرج فيه، إنما المحذور أن يتخذه صديقاً أو ولياً هذا لا يجوز، فالمشركون بعضهم أولياء بعض وأهل الإيمان بعضهم أولياء بعض، وإذا كان هناك حفل لتوديعه بأن دعا بعضهم بعضاً للتوديع فهذا توقيه أولى، عدم الحضور أولى.

    إجابة دعوة لتوديع كافر البعد عنها أولى؛ لأن فيه شيئاً من الاحترام وشيئاً من التعظيم فترك هذا أولى وأحوط فيما أرى.

    1.   

    مدى صحة حديث: (يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من الإسلام إلا اسمه...)

    السؤال: أخ من العراق يقول يوسف جوهر عمر بعث بسؤال يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن الإيمان إلا رسمه، ومن القرآن إلا حرفه، همهم بطونهم، دينهم دراهمهم، قبلتهم نساؤهم، لا بالقليل يقنعون ولا بالكثير يشبعون) السؤال: هل الحديث صحيح؟ وهل يدل على اقتراب يوم القيامة؟

    الجواب: لا أعلم صحة هذا الأثر ولكن جاء معنى بعضه عن علي رضي الله عنه أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود. هذا مروي عن علي رضي الله عنه وأرضاه، وفي صحته نظر، وهذا معناه صحيح فإن الأمور في آخر الزمان تتغير ولا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه؛ لأنهم لا يعملون به، ثم إذا لم يبق إلا رسمه يرفع في آخر الزمان وهو من أشراط الساعة، و (يأتي على الناس زمان لا يقال فيه: الله الله ولا يقال فيه: لا إله إلا الله) كما صحت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    فهذا المعنى صحيح، هذا المعنى وإن كان الأثر فيه نظر لكن معناه صحيح؛ لأنه تتغير الأحوال في آخر الزمان ويقل العلم والفضل كما قال صلى الله عليه وسلم: (يتقارب الزمان ويظهر الجهل ويقل العلم ويفشو الزنا ويشرب الخمر ويكثر الهرج. قيل: يا رسول الله! ما الهرج؟ قال: القتل القتل) كل هذا واقع كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك في آخر الزمان تعمر المساجد باللبن بالحجر بالأسمنت بأنواع العمارة ولكن يقل قاصدوها والمصلون فيها لقلة الرغبة في الخير وقلة الإيمان وضعف الوازع الإيماني.

    كذلك يوجد علماء لكن منحرفون عن الهدى في آخر الزمان، وقد وجدوا في هذا الزمان وفي غير هذا الزمان ولكن يزداد الأمر شدة يكونون علماء زور علماء ضلالة، يدعون إلى الفساد والشر، وإلى الشرك بالله عز وجل وإلى البدع والخرافات، فهم علماء في الاسم ولكن الحقيقة ليسوا بعلماء لضلالهم وبعدهم عن الهدى، نسأل الله السلامة.

    1.   

    تاريخ المذاهب الأربعة ومنزلتها

    السؤال: يسأل ويقول: الطرائق الأربعة -ولا أدري لعله يقصد المذاهب سماحة الشيخ- فيقول: الطرائق الأربعة الأحمدية والشافعية والمالكية والحنفية هل هذه الطرائق صحيحة، وفي أي زمن وجدت؟

    الجواب: هذه المذاهب الأربعة، قصده المذاهب الأربعة، الأحمدية يعني: مذهب أحمد بن حنبل، والشافعية أتباع الشافعي محمد بن إدريس الشافعي رحمهما الله، والمالكية أتباع الإمام مالك بن أنس رحمه الله، والحنفية أتباع أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله، وهذه مذاهب معروفة انتشرت في القرون المتأخرة في القرن الثالث وما بعده، أما مذهب أبي حنيفة فعرف وانتشر في القرن الثاني، وهكذا مذهب مالك في القرن الثاني، وأما مذهب الشافعي و مالك فاشتهرا بعد ذلك، في القرن الثالث وما بعده.

    وهم على خير وعلى هدى وعلى حق رضي الله عنهم ورحمهم وهم علماء هدى علماء خير، ولكن ليس معناه أن كل واحد معصوم ما يقع منه خطأ كل واحد له أغلاط حسب ما بلغهم من السنة وحسب ما عرفوه من كتاب الله عز وجل، فقد يفوت بعضهم شيء من العلم وشيء من السنة، هذا أمر معلوم هم وغيرهم كـالأوزاعي و إسحاق بن راهويه و سفيان الثوري و سفيان بن عيينة و وكيع بن الجراح و إبراهيم الكلبي وغير ذلك من الأئمة المعروفين كل واحد منهم قد يفوته بعض العلم؛ لأن ليس كل واحد يحيط بالسنة ويحيط بالعلم قد يفوته بعض الأشياء، لكنهم أئمة هدى ولهم أتباع نظموا مذاهبهم وجمعوا مسائلهم وفتاواهم، وكتبوا في ذلك حتى انتشرت هذه المذاهب وعلمت بسبب أتباعهم الذين ألفوا فيها وجمعوا فيها مسائل هؤلاء الأئمة وما أفتوا به في ذلك، فقد يقع بعض الأخطاء من بعضهم؛ لأنه لم تبلغه السنة في بعض المسائل فأفتى باجتهاده فقد يقع الخطأ من أجل ذلك، والآخر بلغه الحديث وعرف الحديث فأفتى بالصواب، فهذه تقع لكل واحد منهم في مسائل معدودة رحمهم الله.

    1.   

    كيفية التخلص من وسوسة الشيطان

    السؤال: أيضاً يقول: ما هي الأدعية التي تقال لغرض التخلص من وسوسة الشيطان؟

    الجواب: يدعو الإنسان بما يسر الله له من الدعوات، اللهم أعذني من الشيطان، اللهم أجرني من الشيطان، اللهم احفظني من الشيطان، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظني من مكائد عدوك الشيطان. ويكثر من ذكر الله، ويكثر من قراءة القرآن ويتعوذ بالله عند وجود الوسوسة إذا عرضه الوسواس يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حتى ولو في الصلاة إذا غلب عليه في الصلاة ينفث عن يساره ثلاث مرات ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه شكا إليه عثمان بن أبي العاص الثقفي ما يجده من الوساوس في الصلاة فأمره أن ينفث عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان وهو في الصلاة، ففعل ذلك فأذهب الله عنه ما يجد).

    فالحاصل أن المؤمن والمؤمنة إذا ابتليا بهذا الشيء عليهما أن يجتهدا في سؤال الله العافية من ذلك وأن يتعوذا بالله من الشيطان كثيراً، وأن يحرصا على مكافحته فلا يطاوعانه لا في الصلاة ولا في غيرها، إذا توضأ يجزم أنه توضأ ولا يعيد الوضوء، إذا صلى يجزم أنه صلى ولا يعيد الصلاة، إذا كبر يجزم أنه كبر ولا يعيد التكبير مخالفة لعدو الله ومحاربة له.

    هكذا يجب على المؤمن أن يكون عدواً للشيطان محارباً له مكافحاً له لا يخضع له، فإذا أملى عليك أنك ما توضيت ما صليت. وأنت تعرف أنك توضأت وصليت تشوف يديك فيها الماء وتعلم أنك صليت فلا تطاوع عدو الله، اجزم بأنك صليت واجزم بأنك توضأت ولا تعد شيئاً من ذلك، وتعوذ بالله من عدو الله الشيطان، هكذا يجب على المؤمن أن يكون قوياً في حرب عدو الله وفي مكافحته حتى لا يغلب عليه وحتى لا يؤذيه، فإنه متى غلب على الإنسان جعله كالمجنون يتلاعب به.

    فالواجب على المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من عدو الله، والاستعاذة بالله من شره ومكائده وبالقوة في ذلك والصبر في ذلك حتى لا تطاوعه في إعادة صلاة ولا في إعادة وضوء ولا في إعادة تكبير، ولا في غير ذلك.

    وهكذا إذا قال لك: ثوبك نجس، البقعة نجسة الأرض التي وطيتها نجسة، مصلاك فيه كذا، فاحذر أن تطيعه في ذلك، كذب عدو الله واستعذ بالله من شره، وصل في المكان الذي أنت تصلي فيه والسجادة التي تصلي عليها كذلك، والأرض التي تطأ عليها اعرف أنها طاهرة إلا إذا رأيت بعينك نجاسة، وطئتها رطبة اغسل رجلك والحمد لله.

    أما وساوسه؛ الأرض هذه فيها نجاسة الحمام فيه نجاسة كذا كذا فهذه كلها من عدو الله، لا تطاوع عدو الله واعرف أن الأصل هو الطهارة، هذا هو الأصل فلا تطاوع عدو الله في شيء إلا بيقين رأيته بعينك وشاهدته بعينك حتى لا يغلب عليك عدو الله، نسأل الله للجميع العافية.

    المقدم: سماحة الشيخ صاحب هذا السؤال هو الأخ السائل عن المذاهب الأربعة.

    الشيخ: نسأل الله أن يوفقنا وإياه للعلم النافع والعمل الصالح وأن يعيذنا وإياه من شر عدو الله الشيطان.

    1.   

    حكم تقليد أصحاب المذاهب الأربعة مع وجود الدليل

    السؤال: جزاكم الله خيراً. لعل لاختيار مذهب معين أو كذا سماحة الشيخ له علاقة بهذا السؤال؟

    الجواب: هذا في حق طلبة العلم أهل العلم عليهم أن لا يقلدوا أحداً ولكن إذا انتسب إلى أحد المذاهب من باب الانتساب لأنه رأى قواعده وأصوله توافقه فلا بأس، لكن ليس له أن يقلد زيد أو عمرو لا الشافعي ولا أحمد ولا مالك ولا أبا حنيفة بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا، وعليه أن ينظر في الأدلة فما رجح في الأدلة في مسائل الخلاف أخذ به، وأما ما أجمعوا عليه فالحمد لله، لكن بمسائل الخلاف ينظر في الأدلة، فإذا كان الدليل مع أبي حنيفة أخذه، مع مالك أخذه، مع الشافعي أخذه، مع أحمد أخذه، مع الأوزاعي، مع غيرهم أخذ الدليل ورجح بالدليل؛ لأن الله يقول سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] ويقول سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] فالواجب على أهل العلم أن يعرضوا ما تنازع فيه الناس على الأدلة الشرعية، فما رجح في الدليل وجب الأخذ به، أما العامي فيسأل أهل العلم في زمانه يتخير العالم الطيب الذي يظهر عليه التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم والورع ويظهر منه العلم ويشهد له الناس بالخير، يتحرى ويسأله، ومذهبه مذهب من أفتاه، لا يتكلف، لكن يتحرى أهل العلم ويسأل في بلاده أو غير بلاده عن المعروفين بالعلم والفضل واتباع الحق المحافظين على الصلوات الذين يعرفون باتباع السنة من توفير اللحى وعدم الإسبال والبعد عن مواقف التهم، إلى غير هذا من الدلائل على استقامة العالم، فإذا أرشد إلى عالم ظاهره الخير ومعروف بالعلم سأله عما أشكل عليه والحمد لله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    المقدم: سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وأرجو أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    الشيخ: نسأل الله ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم أخونا سليمان اللحيدان ، شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.