إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (134)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    آثار ترك الصلاة في جماعة المسجد

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب. رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من القصيم - عنيزة باعثتها إحدى الأخوات من هناك تقول: (م. س. ج) أختنا تسأل سؤالاً هام فيما أرى سماحة الشيخ تقول: هل صحيح أن عدم ذهاب الرجل للصلاة مع الجماعة سبب في نزع البركة من حاله وماله؟ وما الدليل على ذلك؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا ريب أن الصلاة هي عمود الإسلام وهي أعظم الواجبات والفرائض بعد الشهادتين، وقد دل على ذلك آيات كثيرات وأحاديث صحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمن ذلك قوله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].

    وقوله سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43].

    وقوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    وقوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] إلى أن قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11].

    وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5] فجعلها قرينة التوحيد وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] هذا هو التوحيد، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، ثم قال بعده: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ [البينة:5].

    وقال سبحانه: فَإِنْ تَابُوا [التوبة:5] يعني: من الشرك وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] فدل على عظمتها وأنها قرينة التوحيد.

    وقال سبحانه: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام) ومن أهم واجباتها وأعظم واجباتها أداؤها في الجماعة في حق الرجل حتى أوجبها الرب سبحانه في حال الخوف، قال جل وعلا: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] الآية، فأوجب صلاة الجماعة في حال الخوف وفي حال مصافة المسلمين لعدوهم الكافر فأمرهم أن يصلوا جماعة وأن يحملوا السلاح لئلا يحمل عليهم العدو.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر) وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: (يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب) خرجه مسلم في صحيحه، فهذا رجل أعمى لم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجماعة، وفي اللفظ الآخر قال: (لا أجد لك رخصة) فصرح أنه ليس له رخصة وهو أعمى ليس له قائد يلائمه، يعني: يحافظ على الذهاب معه، فإذا كان الرجل الأعمى الذي ليس له قائد يعتني به ويحافظ عليه ليس له رخصة بل عليه أن يذهب ويتحرى ويجتهد حتى يصل المسجد، فكيف بحال القوي المعافى فالأمر في حقه أعظم وأكبر.

    ثم التخلف عن صلاة الجماعة من أعظم الوسائل في التهاون بها وتركها بعد ذلك، فإنه اليوم يتخلف وغداً يترك ويضيع الوقت؛ لأن قلة اهتمامه بها جعلته يتخلف عن أدائها في الجماعة وفي المساجد التي هي بيوت الله والتي قال فيها سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36] وهي المساجد.

    وهذا أمر مجرب فإن الذين يتخلفون عن الجماعة يسهل عليهم ترك الصلاة بأدنى عذر وبأقل سبب، ثم بعد ذلك يتركونها بالكلية لقلة وقعها في صدورهم، ولقلة عظمتها في قلوبهم فيتركونها بعد ذلك، فترك الصلاة في الجماعة وسيلة غريبة وذريعة معلومة لتركها بالكلية، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد في المسند و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه.

    وخرج مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) وهذا يدل على أنه كفر أكبر قال: الكفر والشرك، فأتى بالكفر المعرف والشرك المعرف، وهذا دليل على أن المراد به الكفر الأكبر، وإن كان بعض أهل العلم رأى أنه كفر دون كفر إذا كان غير جاحد لوجوبها بل يعلم أنها واجبة ولكن تساهل، فقد ذهب جمع كبير من أهل العلم حكاه بعضهم قول الأكثرين أنه كفر دون كفر، وأنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر لكن الصحيح الذي قامت عليه الأدلة أنه كفر أكبر وهو ظاهر إجماع الصحابة قبل من خالفهم بعد ذلك.

    وقد حكى عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل الثقة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أنهم كانوا لا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة). فعندهم الصلاة تركها كفر، ومراده كفر أكبر؛ لأن هناك أشياء عملها كفر لكن ليس هو الكفر الأكبر، مثل الطعن في الأنساب والنياحة على الأموات سماها النبي صلى الله عليه وسلم كفر، والصحابة يسمونها كفراً لكنه كفر أصغر، فلما أخبر عنهم أنهم لا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة علم أنه أراد بذلك كفر أكبر كما جاء به الحديث.

    وأما كون هذه المعصية تسبب محق البركة وتسبب أيضاً شراً كثيراً عليه في بدنه وفي تصرفاته فهذا لا يستغرب، فإن المعاصي لها شؤم كثير ولها عواقب وخيمة في نفس الإنسان وفي قلبه وفي تصرفاته وفي رزقه فلا يستغرب هذا، وقد دلت الأدلة على أن المعاصي لها عواقب وخيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).

    ومعلوم أن المعاصي تسبب الجدب في الأرض ومنع المطر وحصول الشدة، وهذا كله بأسباب المعاصي كما قال عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] وقال سبحانه: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] هذا أمر معلوم بالنصوص وبالواقع، فجدير بالمؤمن أن يحذر مغبة المعاصي وشرها وأن يتباعد عنها وأن يحرص على أداء ما أوجب الله عليه وعلى المسارعة إلى الطاعات فهي خير في الدنيا والآخرة، الطاعات كلها خير في الدنيا والآخرة، والمعاصي شر في الدنيا والآخرة، رزق الله الجميع العافية والسلامة.

    1.   

    تقييم كتاب درة الناصحين وما فيه من أحاديث وروايات

    السؤال: أختنا تسأل وتقول: قرأت في كتاب درة الناصحين في الوعظ والإرشاد لعالم من علماء القرن التاسع الهجري واسمه عثمان بن حسن بن أحمد الشاكر الخوبري قرأت ما نصه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: (إن الله تعالى نظر إلى جوهرة فصارت حمراء، ثم نظر إليها ثانية فذابت وارتعدت من هيبة ربها، ثم نظر إليها ثالثة فصارت ماء، ثم نظر إليها رابعة فجمد نصفها، فخلق من النصف العرش ومن النصف الماء ثم تركه على حاله، فمن ثمة يرتعد إلى يوم القيامة)، وعن علي رضي الله عنه: (إن الذين يحملون العرش أربعة ملائكة لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة مسيرة خمسمائة عام) أرجو أن تفيدوني عن صحة ما قرأت؟

    الجواب: هذا الكتاب لا يعتمد عليه وهو يشمل أحاديث موضوعة وأشياء سقيمة لا يعتمد عليها، ومنها هذان الحديثان فإنهما لا أصل لهما بل هما حديثان موضوعان مكذوبان على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يعتمد على هذا الكتاب وما أشبهه من الكتب التي تجمع الغث والسمين والموضوع والضعيف، فإن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام قد خدمها العلماء من أئمة السنة وبينوا صحيحها من سقيمها، فينبغي للمؤمن أن يقتني الكتب الجيدة المفيدة مثل الصحيحين، مثل كتب السنن الأربع، مثل منتقى الأخبار لـابن تيمية ،مثل رياض الصالحين للنووي، بلوغ المرام، عمدة الحديث هذه كتب مفيدة ونافعة.

    هذه يستفيد منها المؤمن وهي بعيدة من الأحاديث الموضوعة المكذوبة وما في السنن أو في رياض الصالحين أو في بلوغ المرام من الأحاديث الضعيفة فإن أصحابها بينوا ووضحوا والذي لم يوضح من جهة أصحابها بينه أهل العلم أيضاً ونبهوا عليه في الشروح التي لهذه الكتب وفيما ألف في الموضوعات والضعيف.

    فالحاصل أن هذه الكتب هي المفيدة والنافعة أنفع من غيرها، وما قد يقع في بعضها مثلما قد يقع في البلوغ أو في المنتقى أوفي السنن من بعض الأحاديث التي فيها ضعف يبينها العلماء ويوضحها العلماء الذين شرحوا هذه الكتب أو علقوا عليها فيكون المؤمن على بينة وعلى بصيرة، أما الكتب التي شغف مؤلفوها بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة والباطلة فلا ينبغي اقتناؤها.

    1.   

    حكم الفاضل من مال الوصية إذا استوفت الموصى به

    السؤال: هنا رسالة وصلت إلى البرنامج من النعيرية المنطقة الشرقية، وباعثها أحد الإخوة رمز إلى اسمه بأربعة حروف يقول (م. ح. د. ك) أخونا يقول: أوصت والدتي بثلث مالها واشترينا لها به بيت ويؤجر هذا البيت، وأنفذ ما جاء في الوصية وهو: أضحيتان على الدوام ويزيد بعد الأضاحي والإصلاح نقود، فهل يجوز لي أن أوزع هذه النقود على أولادها مع أنني أفعل ذلك؟ وهل نصيب الأنثى يساوي نصيب الذكر في هذا الريع؟ وهل يعطى زوجها الذي توفيت عنه من ذلك؟ أفيدونا أثابكم الله وبارك في حسناتكم.

    الجواب: إذا كانت لم توضح مصرف الفاضل لم تقل: إن الفاضل بعد الضحيتين يصرف في كذا ولا في كذا سكتت فإن الفاضل بعد الضحيتين وبعد الإصلاح لما قد يحتاجه البيت يصرف في وجوه البر وأعمال الخير، ولا يتعين في أولادها ولا في زوجها، لكن إذا كان أولادها فقراء فهم من أولى الناس بالفاضل صدقة وصلة، وهكذا زوجها إذا كان فقيراً يعطى من ذلك من باب أنه كالقريب لحاجته وكونه يعز عليها، فإذا أعطي الزوج الفقير والأولاد من الغلة التي حصلت في البيت بعد الضحيتين والإصلاح هذا حسن ولكن لا يلزم، الوكيل ينظر الأصلح، فلو وجد من هو أفقر من الأولاد وأشد حاجة فلا مانع للوكيل من أن يصرف فيهم. المقصود أن هذا يرجع إلى الوكيل ويتحرى، فإذا كان أولادها فقراء فهم من أولى الناس بالفاضل لكونه في حقهم صدقة وصلة، وهكذا زوجها وهكذا بقية أقاربها كأخوالها وأعمامها وإخوتها ونحوهم، ولكنه لا يتعين ذلك فيهم بل متى رأى الوكيل أن هناك أمراً أكبر من هذا وأشد حاجة فلا بأس أن يصرف فيه، كتعمير المساجد وكالإحسان إلى إنسان مضطر، حاجته أشد منهم جداً، وما أشبه ذلك من الأمور التي قد تعرض ويعرف الوكيل أن الصرف فيها مهم جداً، ويرجى فيه الخير للموصية أكثر. نعم.

    1.   

    حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الفريضة والنافلة

    السؤال: هل يجوز للمسلم أن يرفع يديه عند الدعاء بعد السنة التي بعد الفريضة أم لا؟ حيث أن بعضاً من الناس ينكر ذلك ويقول: إنه بدعة، ولو رفع يديه للدعاء بعد الفريضة مباشرة هل ينكر على فاعله؟

    الجواب: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه بعد الفريضة بل السنة أنه يذكر الله ويدعو لكن من دون رفع يدين بعد الفرائض الخمس، أما بعد النافلة فلا أعلم بعد التتبع الكثير لا أعلم أنه رفع يديه بعد النافلة عليه الصلاة والسلام، ولكن عموم الأحاديث الدالة على أن رفع اليدين من أسباب الإجابة يقتضي أنه لا مانع من رفعها بعض الأحيان لكن لا يكون دائماً كما يرفعها إذا عنت له حاجة يرفع يديه ويدعو ولو من دون صلاة، فإذا صلى ورفع يديه يطلب المغفرة ويطلب حاجته التي عنت له فلا بأس بذلك، أما اتخاذ هذا عادة كلما صلى رفع يديه فالأولى ترك ذلك.

    وقد ورد في حديث ضعيف لا يتعلق به، ولكن ينبغي أن يكون ذلك تارة وتارة لا يستديم ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل هذا، ولو كان سنة لفعله صلى الله عليه وسلم، فلما لم يفعله دل ذلك على أنه ليس بسنة فلا يداوم عليه، وإذا فعله بعض الأحيان للحاجة لطلب ما ينفعه في الدنيا والآخرة، أو فعل رفع اليدين من دون صلاة عندما يدعو، فهذا كله طيب ورفع اليدين من أسباب الإجابة.

    وفي هذا الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) وفي الحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك).

    فدل على أن رفع اليدين والإلحاح في الدعاء من أسباب الإجابة، لكن لما كان هذا الرجل قد تلبس بالحرام صار تعاطيه الحرام في شربه وأكله ولباسه من أسباب منع الإجابة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    والخلاصة: أن رفع اليدين من أسباب الإجابة عند الدعاء في المواضع التي رفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم وفي المواضع التي لم يثبت فيها رفع ولم توجد أسبابها في عهده صلى الله عليه وسلم فهذه يرفع فيها أيضاً إذا أراد الدعاء، أما الأسباب التي وجدت في عهده صلى الله عليه وسلم ولم يرفع فيها مثل صلاة الفريضة لم يرفع فيها عليه الصلاة والسلام فإنا نترك كما ترك عليه الصلاة والسلام، ومثل خطبة الجمعة لم يرفع فنترك لا نرفع، ومثل الدعاء في آخر الصلاة قبل أن يسلم وبعد السلام ما رفع فلا نرفع في صلاة الفريضة، ومثل الدعاء بين السجدتين ما رفع فلا نرفع، بل ندعو واليد على الفخذين أو على الركبتين من غير رفع؛ لأنا نتأسى به صلى الله عليه وسلم في ذلك ونقتدي به عليه الصلاة والسلام، فلو كان الرفع مشروعاً في هذه الأمور لرفع عليه الصلاة والسلام.

    أما الدعوات التي رفع فيها مثل الدعاء في خطبة الاستسقاء نرفع؛ لأنه رفع صلى الله عليه وسلم، ومثل الدعاء على الصفا والمروة في السعي، ومثل الدعاء في عرفة في مزدلفة نرفع أيدينا؛ لأنه رفع عليه الصلاة والسلام في ذلك يده، كذلك الدعاء عند الجمرة الأولى والثانية في أيام التشريق فإنه لما دعا صلى الله عليه وسلم عند الأولى تقدم وجعلها عن يساره ورفع يديه ودعا عليه الصلاة والسلام، ولما رجم الثانية أخذ ذات الشمال وجعلها عن يمينه ورفع يديه واستقبل القبلة ودعا، فهذا كله مشروع؛ لأنه فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فأما شيء لم يبلغنا عنه أنه رفع أو ترك فنحن مخيرون؛ إن رفعنا فالرفع من أسباب الإجابة وإن تركنا فلا بأس.

    أما الشيء الذي فعله ولم يرفع فيه مثل ما تقدم فهذا الأفضل لا نرفع فيه السنة لا نرفع فيه مثل خطبة الجمعة ومثل الفرائض الخمس إذا سلمنا منها لا نرفع أو في التحيات لا نرفع أو بين السجدتين لا نرفع؛ لأنه لم يرفع عليه الصلاة والسلام فيها، والخير فيما فعله عليه الصلاة والسلام. نعم.

    المقدم: لكن إذا فعله الإنسان هل يأثم، هل ينكر عليه؟

    الشيخ: أما بعد الفريضة فينكر عليه؛ لأنه فعل شيئاً ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وأسبابه موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، فلم يفعله، فلو كان سنة لفعله صلى الله عليه وسلم، أما النوافل فأمرها أوسع لكن لا نرى المداومة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما داوم، لو داوم لعرف، لو أنه داوم بعد النوافل لنقله الصحابة وبينوه عليه الصلاة والسلام. نعم.

    المقدم: إذا صلى ثم تنفل الدعاء بعد هذه النافلة التي هي بعد الفريضة؟

    الشيخ: نعم، لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فيما نقل لم يفعله لكن لو فعله بعض الأحيان نرجو أن لا يكون عليه بأس، أما المداومة فالأولى تركها.

    المقدم: يعني: مرة ومرة.

    الشيخ: نعم، تارة وتارة.

    المقدم: بارك الله فيكم. سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وأرجو أن يتجدد اللقاء وأنتم دائماً على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.. نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم أخونا سليمان اللحيدان شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.