إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (132)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    دعوى جواز بناء القبور في المساجد بما حصل لقبر النبي عليه السلام

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بالإجابة على أسئلة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة سماحة الشيخ رسالة وصلت إلينا من أحد الإخوة المستمعين يقول (ج. م. ع) ويعمل بالمملكة، أخونا يرجو مناقشة موضوع سبق أن تفضلتم بالإجابة على إثارة سؤال عنه، يقول سماحة الشيخ: ما هي العلاقة بين كل من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بما فيه من قبره وقبر صاحبيه ومسجد من المساجد التي توجد بها قبور، حيث أنه بعد سماع سماحة الشيخ عبد العزيز في هذه المسألة فقد أوضح بأن ذلك كان خطأ عند توسعة المسجد في عهد عبد الملك ، ولكن كثيراً من المسلمين يتساءلون: إذا كان هذا خطأ فإنه من الممكن تدارك الخطأ وعلاجه، ذلك بأن يفصل القبر عن المسجد تماماً حيث أنه لا يكفي السور؛ لأن باقي المقابر بالمساجد الأخرى حولها أيضاً سور، وبذلك من الصعب إقناعهم باختلاف المسجد النبوي عن غيره، إن هذه المسألة إذا تفضلتم عند حسمها سوف تقضي قطعاً على افتتان المسلمين، وسوف تمنع وتساعد على نبش القبور التي استجدت على المساجد، ندعو الله لكم بالتوفيق في بحث هذا الموضوع، وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه؛ نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد: فلا شك أن إدخال القبر الشريف في المسجد الشريف كان سبباً لفتنة بعض الناس بوضع القبور في المساجد والبناء على القبور، وقد سبق في حلقات مضت بيان الواقع، وهو أن الوليد بن عبد الملك وليس هو عبد الملك بل الوليد بن عبد الملك في خلافته لما وسع المسجد النبوي رأى إدخال الحجرة النبوية في المسجد بسبب التوسعة، وأنكر ذلك عليه بعض الناس؛ بعض التابعين، ولكنه رأى أن التوسعة تدعو إلى ذلك فلهذا أدخله وصار ذلك الإدخال سبباً لفتنة بعض الناس في البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها.

    وليست العلاقة بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وحجرته مثل العلاقة التي بين المساجد والقبور الأخرى، فرق عظيم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في بيته في بيت عائشة ودفن معه صاحباه؛ أبو بكر و عمر رضي الله تعالى عنهما، ولم يدفن في المسجد عليه الصلاة والسلام ولا صاحباه بل كلهم دفنوا في البيت، وأما القبور الأخرى فهي تدفن في المساجد ويظن أهلها أن هذا قربة وأنه طاعة، وربما حدث المسجد بعد ذلك، يوجد القبر ثم يبنى عليه مسجد، كل هذا واقع، فليس هذا كهذا.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، بل في الأحاديث الصحيحة: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا) وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم في الصحيح، ولما قالت له عليه الصلاة والسلام أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما: (إنهما رأتا في أرض الحبشة كنيسة وذكرتا ما فيها من الصور قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروه في تلك الصور، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أولئك شرار الخلق عند الله) فأخبر أن الذين يبنون على القبور المساجد ويصورون عليها الصور أنهم شرار الخلق؛ لأنهم فعلوا أمراً يجر الناس إلى الشرك ويوقعهم في الشرك؛ لأن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها واتخاذ الصور عليها كل هذا من وسائل الشرك؛ ولهذا حذر من ذلك النبي عليه الصلاة والسلام وأبدأ وأعاد في ذلك.

    والوليد حين أدخل الحجرة النبوية لم يكن على باله هذا الأمر، ولم يظن أن الناس يشتبه عليهم الأمر ويعتقدون أن هذا مثل هذا وأن إدخال الحجرة برمتها من جنس إيجاد القبور في المساجد، أو من جنس إقامة المساجد على القبور، وليس هذا كهذا.

    فالحاصل أن إدخال الحجرة النبوية في المسجد ليس من جنس عمل الغلاة في القبور الذين بنوا عليها المساجد، أو أحدثوها في المساجد هذا غير هذا.

    فإحداث القبر في المسجد أمر لا يجوز وهو منكر ووسيلة للشرك بصاحب القبر، وهكذا كون المسجد يبنى عليه كما فعلت بنو إسرائيل كون المسجد يبنى عليه هذا أيضاً لا يجوز؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتفق عليه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

    فالواجب على أهل الإسلام أينما كانوا في كل مكان أن لا يبنوا على القبور مساجد، وأن لا يبنوا عليها قباباً ولا غيرها، ويجعلوها ضاحية بارزة كما كانت القبور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في مقبرة البقيع وغيره ليس عليها بناء، وكما هو الحال الآن في البقيع والحمد لله قد أزيلت عنها المباني، وهكذا في مكة.

    فالمقصود أن الواجب أن تكون القبور بارزة ضاحية ليس عليها بناء، هذا هو الواجب، لا يبنى عليها قباب ولا مساجد ولا غير ذلك.

    وأما إدخال الوليد بن عبد الملك الحجرة النبوية فكان لأجل التوسعة وإن كان هذا غلطاً ينبغي أنه لم يقع حذراً من هذه الفتنة التي وقعت لبعض الناس لكنه رحمه الله وعفا الله عنا وعنه لم ينتبه لهذا الأمر الذي حصل في الناس الآن، ولعل أسباب عدم إخراجه من المسجد بعد ذلك أن كل وال يتولى المدينة يخشى أنه إن فعل شيئاً أن يقام عليه وأن ينكر عليه وأن يقال: أنت تبغض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنت وأنت وأنت فيتهم، فلهذا ترك الناس إخراج الحجرة بعدما أدخلت، لعل هذا هو السبب والله أعلم فيما أعتقد أن الولاة الذين تولوا الإمرة بعد الوليد لعلهم خشوا إذا أخرجوا الحجرة من المسجد أن يقال فيهم إنهم كيت وكيت، إنهم ليسوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم مقصرون في حق النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما أشبه ذلك من الأقاويل التي قد يخشى منها، فلهذا ترك هذا الأمر ولم يخرج من المسجد من أجل خوف قالة الناس وفتنة الناس بالقيل والقال في إخراجه من المسجد بعدما أدخل.

    ثم أيضاً مثلما تقدم ليس هذا من جنس ما يفعله الناس بل هذه حجرة برمتها بيت برمته أدخل فليس من المسجد وليس من أرض المسجد وليس مدفوناً في المسجد وليس المسجد مقاماً عليه، بل المسجد قائم مستقل قبل إدخال الحجرة، فالمسجد قائم وإنما جاءت التوسعة فقط اليسيرة التي جاءت من جهة الشرق هذا هو الواقع.

    فلا يجوز لأحد أن يحتج بهذا على البناء على القبور أو إدخال القبور في المساجد لا حجة له في هذا، بل الواجب أن تكون القبور بعيدة عن المساجد ليست في المساجد بل تكون في أرض مستقلة وضاحية شامسة مكشوفة ليس عليها بناء وليس عليها مساجد، هذا هو الواجب على جميع المسلمين في كل مكان، طاعة للنبي صلى الله عليه وسلم وامتثالاً لأمره واتباعاً لسنته، وحذراً من وسائل الشرك.

    ولهذا أبدأ وأعاد في هذا عليه الصلاة والسلام وكثر في ذلك؛ لئلا يقع الناس في الشرك، ومن ذلك ما تقدم في الأحاديث الصحيحة: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم في الصحيح من حديث جندب بن عبد الله البجلي ، وهكذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

    فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ذلك وأن لا يحتجوا بما فعله الوليد بن عبد الملك من إدخال الحجرة النبوية فإنه أدخل بيتاً ولم يدفن في المسجد، ولم يحدث قبراً في المسجد وإنما أدخل الحجرة اجتهاداً منه للتوسعة للمسلمين، فليس هذا مثلما أحدثه الناس، ولا ينبغي أن يقاس هذا على هذا، بل الواجب الحذر مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولعن أهله الفاعلين له، ومن ذلك ما روى جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها والبناء عليها) فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، ونهى أن يقعد عليه، ونهى أن يبنى عليه، وهذا يشمل القبة والمسجد وغير ذلك.

    فالواجب على جميع المسلمين طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره والحذر مما نهى عنه في القبور وغيرها، فلا يبنى عليها ولا يتخذ عليها قبة ولا مسجد ولا تجصص، كل هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام.

    والمقصود من هذا كله سد الذرائع المفضية إلى الشرك والنهي عن وسائله؛ لأن الناس إذا رأوا مسجداً معظماً بالقبة والفراش ونحو ذلك عظموه بالدعاء والاستغاثة دعوه واستغاثوا بصاحبه فوقع الشرك.

    فالواجب على المسلمين في أي مكان أن يتقوا الله وأن يحذروا الدفن في المساجد، أو إقامة مسجد على القبر وإن كان قبراً عظيماً، وإن كان صاحبه صالحاً، فالأنبياء هم أصلح الناس ولا يوجد البناء على قبورهم، فهكذا بقية الناس من باب أولى، والواجب هو امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقيد بما قاله عليه الصلاة والسلام والحذر مما نهى عنه عليه الصلاة والسلام.

    والحكمة في هذا واضحة، الحكمة ظاهرة وهي: سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، فإن وجود القبر في المسجد أو وجود المسجد على القبر كل ذلك من وسائل الشرك بصاحب القبر، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، ونسأل الله أن يبصر المسلمين وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يعيذهم من أسباب الشرك ومن وسائله وذرائعه إنه سميع قريب.

    المقدم: جزاكم الله خيراً. لا أدري سماحة الشيخ أخونا صاحب هذه الرسالة يقول: لماذا لا يعالج ذلكم الخطأ الذي وقع فيه الوليد بن عبد الملك ؟

    الشيخ: بينا أن أسباب ذلك -والله أعلم- أن كل دولة تخشى أنها إذا قامت بهذا الأمر أن تتهم وأن يقال فيها: إنها قصرت في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها تبغض النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنها جاهلة بالإسلام، أو أنها أو أنها..، قد يتحاشون الدخول في هذا الأمر، يقولون: ما دام سكت من قبلنا وتركه من قبلنا نتركه؛ ولأن الحكمة في ذلك والعلة في ذلك واضحة، فإنه لم يدفن في المسجد عليه الصلاة والسلام وإنما أدخلت الحجرة فقط برمتها فليست هذه المسألة مثل المسائل التي وقع فيها الناس في بلدان كثيرة حيث دفنوا في المساجد وأوجدوا قبوراً في المساجد، أو بنوا مساجد على القبور، هذا هو الواقع وهذا غير ما فعله الوليد ، هذا فرق عظيم. نعم.

    المقدم: إذاً الابتعاد عن الفتنة وإبقاء الأمور على ما هي عليه هو الأولى؟

    الشيخ: هذا هو السبب الذي جعل الناس يتركون الأمور على حالها خشية من فتنة تقوم بين الناس بسبب ظنهم بمن أخرجه السوء وأنه أراد بهذا تنقصاً للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، أو أنه أراد بذلك أمراً آخر ليس قد لا يحمل على المعنى الشرعي، وقد يظن به خلاف ذلك، فلعل هذا هو السبب الذي من أجله تركته الدول السابقة. نعم.

    المقدم: إذاً يرى سماحة الشيخ أنه قد يقوم حرب فكرية من أعداء الإسلام ضد المسلمين.

    الشيخ: قد يكون حرب فكرية وغير فكرية أيضاً، قد يكون هذا من الأسباب، يعني: بعض الفتن التي يوجدها بعض الناس لأتفه الأسباب، فكيف وهذا شيء يتعلق بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه؟ وأكثر الخلق ليس عنده العلم الكافي والبصيرة الكافية في هذه الأمور، بل يعتقدون أن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها أنه دين وقربة، بل بعضهم وكثير منهم يرى أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات دين وقربة، نسأل الله العافية.

    المقدم: بارك الله فيكم. لعل سماحة الشيخ يذكر السادة المستمعين بما قاله رسولنا صلى الله عليه وسلم لـعائشة في شأن الكعبة؟

    الشيخ: نعم، حديث صحيح لما قيل له صلى الله عليه وسلم في حجر إسماعيل قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) فترك نقض الكعبة وأدخل الحجر فيها خوفاً من الفتنة عليه الصلاة والسلام فأبقاها على حالها. هذا من جنس هذا.

    1.   

    حكم مس وقراءة المصحف للجنب والحائض والنفساء والمحدث حدثاً أصغر

    السؤال: ننتقل إلى رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول: مصري الجنسية ويعمل في المملكة (ف.م.ع.) أخونا له مجموعة من الأسئلة ملخصها كالتالي: القرآن والوضوء؟

    الجواب: القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل، وهو أعظم كتاب وأشرف كتاب، وهو خاتم الكتب المنزلة من السماء، ومن تعظيم الله له أنه قال فيه سبحانه: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:79-80] وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) وأفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولهذا ذهب جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على أنه لا يمس القرآن إلا طاهر، لا يقرأ بالمصحف إلا من هو على طهارة من الجنابة ومن الحدث الأصغر، هذا هو الصواب وهذا هو الذي أفتى به أفضل الأمة وهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فليس للمحدث أن يقرأ في القرآن من المصحف، ولكن له أن يقرأ عن ظهر قلب إذا كان ليس على جنابة، أما الجنب فلا يقرأ حتى يغتسل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه شيء عن القرآن إلا الجنابة كما ثبت هذا من حديث علي رضي الله عنه، قال رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحجبه شيء عن القرآن سوى الجنابة)، فكان عليه الصلاة والسلام إذا كان جنباً لا يقرأ حتى يغتسل وهكذا غيره من الأمة لا يقرأ حتى يغتسل.

    أما الحدث الأصغر فلا يمنع القراءة ولكن يمنع مس المصحف، فلا يمس المصحف ولكن يقرأ عن ظهر قلب.

    واختلف العلماء في الحائض والنفساء، هل تلحقان بالجنب فتمنعان من القراءة عن ظهر قلب أم لا تلحقان؟

    بعض أهل العلم وحكاه بعضهم قول الأكثر ألحقوا الحائض والنفساء بالجنب؛ لأن عليهما حدثاً أكبر يوجب الغسل فشبهوهما بالجنب، وقالوا: لا تقرأ الحائض ولا النفساء القرآن مطلقاً ولو من غير المصحف ولو عن ظهر قلب، تشبيهاً لهما وإلحاقاً لهما بالجنب، وجاء في هذا حديث رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن).

    وقال آخرون: يجوز لهما القراءة عن ظهر قلب كالمحدث حدثاً أصغر، قالوا: لأنهما تطول مدتهما فليستا كالجنب، الجنب أمره ميسر يغتسل حالاً ويقرأ، فإذا فرغ من حاجته من أهله اغتسل حالاً وقرأ ما هناك مدة تضيع عليه طويلة، بخلاف الحائض والنفساء فإن مدتهما قد تطول وليس الأمر في أيديهما، الحائض قد تبقى خمسة أيام.. ستة أيام.. سبعة أيام، والنفساء قد تبقى أربعين يوماً أو شهراً أو حول ذلك، فهذا يشق عليهما ترك القرآن، ربما نسيت الواحدة منهما حفظها، فلهذا ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يجوز لهما القراءة عن ظهر قلب، وليستا من جنس الجنب، للمعنى الذي ذكرنا وهو طول المدة وعدم صحة القياس، فليس أمر الحائض والنفساء من جنس أمر الجنب، فرق عظيم، ومن شرط القياس أن يساوي الفرع الأصل، ولا يتساويان هنا.

    أما حديث : (لا تقرأ الحائض شيئاً من القرآن) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة وهو حجازي وإسماعيل روايته عن غير الشاميين ضعيفة لا يحتج بها كما قال أهل العلم، وهو روى هذا الحديث عن موسى بن عقبة وهو من الحجازيين ليس من الشاميين، فتكون هذه الرواية ضعيفة لا يحتج بها فلا يبقى في أيدي الجمهور القائلين بالمنع لا يبقى في أيديهم نص ولا قياس مستقيم .

    فلهذا يقوى القول الثاني وهو: أنه لا حرج في قراءة الحائض والجنب ولا في قراءة الحائض والنفساء القرآن عن ظهر قلب، أما الجنب فلا؛ لأن الجنب مدته يسيرة وفي إمكانه الاغتسال حالاً ثم القراءة؛ ولأنه جاء فيه النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا كان عليه جنابة لا يقرأ، وجاء في بعض الروايات من حديث علي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من قضاء الحاجة قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: (هذا لمن ليس جنباً أما الجنب فلا ولا آية) وذلك بإسناد جيد في مسند أحمد ، وقد رواه أهل السنن والإمام في مسنده عن علي أيضاً (بأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه شيء عن القرآن إلا الجنابة) فهذا شيء وهذا شيء.

    فالجنب ليس له أن يقرأ لا عن ظهر قلب ولا من المصحف إلا بعد الطهارة، والمحدث حدثاً أصغر له القراءة عن ظهر قلب وليس له القراءة من المصحف، أما الحائض والنفساء فلهما القراءة عن ظهر قلب كالمحدث حدثاً أصغر فقط، وليس لهما أن تمسا المصحف من باب أولى كالمحدث الذي حدث الأصغر لا يمس المصحف، فهما من باب أولى لا تمسان المصحف ولكن تقرآن عن ظهر قلب، هذا هو الأقرب وهذا هو الأظهر والأرجح لما سبق من الدليل والتوجيه، والله أعلم.

    وأجاز جماعة من أهل العلم وهو قول قوي إذا مسه من دون حائل المحدث أو الحائض أو النفساء هذا قول قوي، بخلاف الجنب فلا يقرأ أبداً ولو من دون حائل ولا يمسه.

    1.   

    حكم وصول الماء إلى منابت شعر اللحية في الوضوء

    السؤال: أخونا يسأل بالنسبة للمتوضي ذي اللحية الكثيفة هل يفترض أن يصل الماء إلى منابت الشعر؟

    الجواب: يكفيه أن يمر الماء عليها، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على أن إجراء الماء على اللحية يكفي، وأنه إذا غسل وجهه حتى أجرى الماء على اللحية كفى ذلك، وإن خللها كان أفضل، إذا تيسر تخليلها فهو أفضل، فقد فعل النبي هذا وهذا عليه الصلاة والسلام. نعم.

    1.   

    من يسقط بعض الحروف

    السؤال: بالنسبة للإمام إذا كان يسقط عليه بعض الأحرف نظراً للتقة في لسانه ما رأيكم في هذا؟

    الجواب: إذا كانت الفاتحة سليمة ولا يضيع منها شيء فلا بأس؛ لأن قراءة غيرها ليس بواجب بل مستحب وإنما الواجب قراءة الفاتحة فهو الركن، فإذا كانت الفاتحة سليمة يؤديها كما ينبغي فصلاته صحيحة ولا بأس بإمامته، وإن كان لا يستطيع ذلك فلا يكون إماماً يصلي مع الناس مأموماً.

    1.   

    حكم إزالة المرأة للشعر النابت على الوجه

    السؤال: في نهاية هذه الحلقة رسالة الأخت المستمعة من المغرب الشقيق التي عرضنا بعضاً من أسئلتها في حلقة مضت وفي هذه الحلقة تسأل عن الشعر الذي ينبت في وجه المرأة ما رأيكم في إزالته؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل، إن كان شعراً عادياً فلا يجوز أخذه لحديث (لعن النامصة والمتنمصة)، فقد ذكر أئمة اللغة أن النمص: أخذ الشعر من الوجه والحاجبين، أما إن كان شيئاً زائداً، يعني: يعتبر مثلة تشويهاً للخلقة كالشارب واللحية فهذا لا بأس بأخذه ولا حرج؛ لأنه يشوه خلقتها ويضرها، أما الشيء العادي الذي ما فيه تشويه بل هو عادي فهذا لا تأخذه كالحاجبين.

    المقدم: بارك الله فيكم. سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    الشيخ: نسأل الله ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا عبد الله عريف الحربي شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.