إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (130)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    معنى الشهادتين

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، باسمكم وباسمي نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: شيخ عبد العزيز ! اقترح بعض المستمعين أن يطرح البرنامج أسئلة عن الركن الأول من أركان الإسلام، وها هو البرنامج يستجيب لذلكم الاقتراح، اشرحوا لنا لو تكرمتم معنى الركن الأول من أركان الإسلام، وما يقتضيه ذلك المعنى، وكيف يتحقق في الإنسان؟ وما حكم من جهل شيئاً منه؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد: فإن الله بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس عامة، عربهم وعجمهم.. جنهم وإنسهم.. ذكورهم وإناثهم، يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وإلى الإيمان به عليه الصلاة والسلام وبما جاء به، وإلى الإيمان بجميع المرسلين، وبجميع الملائكة، والكتب المنزلة من السماء، وباليوم الآخر وهو: البعث والنشور والجزاء والحساب والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره وأن الله قدر الأشياء وعلمها وأحصاها وكتبها سبحانه وتعالى، فكل شيء يقع هو بقضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، وأمر الناس أن يقولوا: (لا إله إلا الله) هذا هو أول شيء دعا إليه، وهو الركن الأول من أركان الإسلام: شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما قال للناس: قولوا: لا إله إلا الله، وأمرهم أن يؤمنوا بأنه رسول الله عليه الصلاة والسلام امتنع الأكثرون وأنكروا هذه الدعوة، وقالت له قريش ما ذكر الله عنهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

    وقال سبحانه عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:35-36]، فاستنكروا هذه الدعوة؛ لأنهم عاشوا على عبادة الأوثان والأصنام واتخاذ الآلهة مع الله عز وجل، فلهذا أنكروا دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى توحيد الله والإخلاص له.

    وهذا الذي دعا إليه صلى الله عليه وسلم هو الذي دعت إليه الرسل جميعاً، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بني الإسلام على خمس: -يعني: على خمس دعائم- شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، وفي الصحيح أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاه سائل يسأله في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الحاضرين أحد، فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .. الحديث، ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم (أن هذا هو جبرائيل أتاهم يعلمهم دينهم)، لما لم يسألوا أتاهم جبرائيل بأمر الله يسأل الرسول عن هذا الدين العظيم حتى يتعلموا ويستفيدوا.

    فدين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة الظاهرة:

    أولها: شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    ثانيها: إقام الصلوات الخمس.

    ثالثها: أداء الزكاة.

    رابعها: صوم رمضان.

    خامسها: حج بيت الله الحرام.

    وعلى أركان باطنة إيمانية في القلب وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فلابد من هذه الأصول، لابد أن يؤمن المؤمن المكلف بهذه الأصول الستة الباطنية التي تتعلق بالقلب، فيؤمن أن الله ربه وإلهه ومعبوده الحق سبحانه وتعالى، ويؤمن بملائكة الله، وبكتب الله التي أنزلها على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك، ويؤمن أيضاً بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده أولهم نوح وآخرهم محمد عليه الصلاة والسلام، وهم كثيرون، بين الله بعضهم في القرآن العظيم، ونؤمن أيضاً باليوم الآخر، وهو البعث بعد الموت، والجزاء من عند الله عز وجل، أهل الإيمان لهم السعادة وأهل الكفر لهم الخيبة والندامة والنار.

    ولابد من الإيمان بالقدر خيره وشره وأن الله قدر الأشياء وعلمها وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما يقع في الوجود من خير وشر وطاعة ومعصية فقد سبق بهذا علم الله وكتابته وقدره سبحانه وتعالى.

    فالأصل العظيم الأول الذي طالبت به الرسل هو: الإيمان بأن الله هو الإله الحق سبحانه وتعالى، وهو معنى شهادة: أن لا إله إلا الله، فهذا أصل أصيل أجمعت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، كلهم دعوا إلى هذا الأصل الأصيل، وهو أن يؤمن الناس بأن الله هو الإله الحق، وأنه لا معبود بحق سواه، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله وما عبده الناس من أصنام أو أشجار أو أحجار أو أنبياء أو أولياء أو ملائكة كله باطل، العبادة بحق لله وحده سبحانه وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163] .. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] .. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] .. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    ولابد مع هذا الأصل من الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، في عهد نوح الإيمان بنوح، وفي عهد هود الإيمان بهود مع توحيد الله، وفي عهد صالح الإيمان بـصالح مع توحيد الله، وهكذا في عهد كل رسول، لابد من توحيد الله والإيمان بأنه لا إله إلا الله ولابد من الإيمان بالرسول الذي بلغ الرسالة في عهده إلى آخرهم عيسى عليه الصلاة والسلام آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

    ثم بعث الله خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعيسى هو آخر أنبياء بني إسرائيل ومحمد هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء جميعاً ليس بعده نبي ولا رسول عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل الرسل وهو إمامهم وهو خاتمهم.

    فلابد في حق الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم جنها وإنسها.. عربها وعجمها.. ذكورها وإناثها.. أغنيائها وفقرائها.. حكامها ومحكوميها لابد أن يؤمنوا بهذا النبي، فمن لم يؤمن به فلا إسلام له ولا دين له، فلابد من الإيمان بأن الله هو الإله الحق وأنه لا إله حق إلا الله، ولابد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله حقاً إلى جميع الناس، فمن لم يؤمن بهاتين الشهادتين فليس بمسلم.

    لابد من الإيمان بهما واعتقاد معناهما، وأن معنى (لا إله إلا الله): لا معبود حق إلا الله، فلا يجوز أن يدعى مع الله ملك أو نبي أو شجر أو حجر أو جن أو صنم لا. فإذا قال: يا رسول الله! انصرني بعد موته صلى الله عليه وسلم، أو قال: يا بدوي ، يا سيدي البدوي ! انصرني، أو اشف مريضي، أو يا سيدي الحسين ! أو يا سيدي عبد القادر ! أو المدد المدد صار هذا شركاً بالله عز وجل، يبطل معنى: لا إله إلا الله، يعني: يبطل قولك: لا إله إلا الله؛ لأنك لم تأت بالعبادة لله وحده بل شركت مع الله غيره، ودعوت مع الله غيره، والله يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، ويقول سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، ويقول سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، ويقول جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] .. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، ويقول جل وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فلابد من إخلاص العبادة لله وحده ومنها الدعاء، فإذا قلت للميت أو للشجر أو للصنم: أغثني، انصرني، اشف مريضي، المدد المدد صار شركاً بالله، وصار نقضاً لقول: لا إله إلا الله.

    وهكذا من كذب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو شك في رسالته، أو قال: إنه للعرب دون العجم، أو قال: إنه ليس خاتم النبيين بل بعده نبي، كل هذا كفر وضلال ونقض للإسلام نسأل الله العافية، فلابد من الإيمان بأنه رسول الله حقاً إلى جميع الثقلين الجن والإنس، ولابد من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ليس بعده نبي، وأن من ادعى النبوة بعده كـمسيلمة الكذاب كافر بالله كذاب، كـمسيلمة والأسود العنسي في اليمن، وسجاح التميمية وطليحة الأسدي وجماعة ادعوا النبوة بعده، فأجمع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على كفرهم وقاتلوهم؛ لأنهم كذبوا معنى قوله سبحانه: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) عليه الصلاة والسلام.

    فهذه الشهادة التي هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي الأصل الأصيل، وهي الركن الأول من أركان الإسلام، فلا إسلام إلا بهاتين الشهادتين، لو صلى وصام وحج وصام النهار وقام الليل وذكر الله كثيراً ولكنه لا يؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة، لا يؤمن بمعنى: لا إله إلا الله، بل يرى أنه لا مانع من عبادة الأوثان والأصنام، لا يرى مانعاً من عبادة البدوي أو الحسين أو الشيخ عبد القادر أو علي بن أبي طالب أو غيرهم، إذا اعتقد أنه يجوز هذا، يدعون من دون الله، يستغاث بهم.. ينذر لهم صار شركاً بالله عز وجل، وصار كلامه هذا وعقيدته هذه ناقضة لقول: لا إله إلا الله.

    وهكذا لو قال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بخاتم الأنبياء، أو ليس مرسلاً للثقلين بل هو للعرب خاصة، كان كافراً بالله عز وجل، فلابد أن يؤمن بأنه رسول الله إلى جميع الثقلين، ولابد أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي ولا رسول، هذا هو الأصل الأصيل.

    ثم بعد هذا يطالب المسلم بعد بالصلاة، يطالب بالزكاة، بالصيام، بالحج، ببقية الأوامر وترك النواهي بعدما يثبت هذا الأصل، بعد إيمانه بشهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يعني: إيمانه بأن الله سبحانه هو المعبود بالحق وأن العبادة حقه وحده وأنه لا يعبد معه سواه لا نبي ولا ملك ولا شجر ولا صنم ولا غير ذلك، ولابد من الإيمان بأن محمداً رسول الله مع التصديق بجميع الأنبياء الماضيين، وأنهم أدوا الرسالة وبلغوها عليهم الصلاة والسلام مع الإيمان بجميع ما تقدم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، لابد من هذا وهذا، ولابد أيضاً مع هذا كله من التصديق بما أخبر الله به ورسوله عما كان وما يكون، فالله صادق في خبره ورسوله صادق عليه الصلاة والسلام، فمن كذب الله أو كذب الرسول صلى الله عليه وسلم كفر ولو صلى وصام، نسأل الله للجميع الهداية.

    1.   

    التفصيل فيمن حكم بغير ما أنزل الله

    7السؤال: الواقع سماحة الشيخ وأنتم تتفضلون بهذا الشرح الموجز لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام الركن الأول: شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كثير من إخواننا المسلمين يتساهلون في بعض الأمور، البعض يعتقد أن ذلك التساهل يؤثر على التوحيد، يؤثر على هذا الركن من أركان الإسلام، فمثلاً: عند تحكيم القرآن والسنة وتنفيذ ذلك التحكيم أو تنفيذ بعض الأحكام وترك البعض الآخر، هل يؤثر هذا على القيام بهذا الركن أو لا؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه واجب عليه الحكم بما أنزل الله وأنه خالف الشرع ولكن استباح هذا الأمر ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك، وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله فهذا كافر كفراً أكبر عند جميع العلماء، من استحل الحكم بغير ما أنزل الله كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم، وزعم أنه يجوز الحكم بها أو زعم أنها أفضل من حكم الله -والعياذ بالله- أو زعم أنها تساوي حكم الله، وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية، من اعتقد هذا كفر عند جميع المسلمين، من قال: إنه يجوز الحكم بالقوانين أو أنها أفضل، أو أنها مساوية لحكم الله كفر إجماعاً.

    المقدم: أو أنها هي الصالحة لهذا الزمان.

    الشيخ: أو أنها أنسب لأهل الزمان فهو كافر بالإجماع.

    أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوىً وقصد وحظ عاجل، وإلا يعلم أنه مخطي، ويعلم أنه فعل منكراً وأن الواجب حكم الله، ولكن حكم بقانون أو برشوة لطمع أو لحاجات أخرى في نفسه، فهذا يكون أتى منكراً عظيماً ومعصية كبيرة وكفراً لكن يسمى كفراً أصغر، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيره: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، كالذي يحكم بالرشوة، أو يحكم بأي قانون لكن مع إيمانه بأنه مخطئ وأنه غلطان، ولكن حمله الهوى أو حب الرياسة، ويعلم أنه مخطي وأنه ظالم، فهذا قد أتى كفراً لكن ليس هو الكفر الأكبر، بل كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، هذا عند أهل السنة والجماعة .

    أما إذا اعتقد الجواز وأنه يجوز له، أو اعتقد أن حكم الطاغوت -حكم غير الله- أنسب لأهل الزمان، وأصلح لهم من حكم الله، أو أن حكم الله يساوي حكم القانون، أو يجوز ولكن حكم الله أفضل، وإلا يجوز القانون لكن حكم الله أفضل منه، كل هذا كفر أكبر، وردة عن الإسلام نعوذ بالله إذا كان مسلماً، يكون مرتداً عن الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا بدل دينه لأنه استحل حكم غير الله، والله يقول جل وعلا: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، ويقول سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] .. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] .. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، ويقول عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ويقول سبحانه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، فلا أحد أحسن حكماً من الله سبحانه وتعالى، فحكم الله هو أحسن الأحكام، وهو الواجب الاتباع، وهو الذي به صلاح الأمة وصلاح العالم، ولكن أكثر الخلق في غفلة عن هذا، نسأل الله السلامة.

    1.   

    مدى تأثير ارتكاب الكبائر على الإيمان بالله والتوحيد

    السؤال: ارتكاب بعض المعاصي -سماحة الشيخ- ولاسيما الكبائر، هل تؤثر على هذا الركن من أركان الإسلام؟

    الجواب: نعم، ارتكاب الكبائر كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق وأكل الربا والغيبة والنميمة وما أشبه هذا من المعاصي والكبائر تؤثر في توحيد الله وفي الإيمان بالله وتضعفه، يعني: يكون ضعيف الإيمان لكن ما يكفر كما تقول الخوارج لا الخوارج تكفره.. تجعله كافراً إذا زنى أو سرق أو عق والديه أو أكل الربا تجعله كافراً وإن لم يستحل ذلك، وهذا غلط من الخوارج، أهل السنة والجماعة يقولون: لا. هو عاصٍ وهو ضعيف الإيمان وناقص الإيمان وناقص التوحيد، وهذا يضعف شهادته ويضعف إيمانه لكن لا يكفر كفراً أكبر، بل يكون فيه نقص، فيه ضعف، ولهذا شرع الله في الزاني حداً إذا كان بكر يجلد مائة ويغرب عاماً، ولو كان الزنا ردة كان قتل، فدل على أنه ليس بردة، والسارق ما يقتل يقطع تقطع يده، فدل ذلك على أن هذه المعاصي ليست ردة، ولكنها ضعف في الإيمان ونقص في الإيمان فلهذا شرع الله تأديبهم وتعزيرهم بهذه الحدود ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ويرتدعوا عما حرم الله عليهم ربهم سبحانه وتعالى.

    وقالت المعتزلة : إنه في منزلة بين المنزلتين ولكن يخلد في النار إذا مات عليها، فخالفوا أهل السنة في تخليد العاصي في النار، ووافقوا الخوارج في ذلك، والخوارج قالوا: يكفر ويخلد في النار جميعاً، وطائفة يقال لها: المعتزلة هؤلاء قالوا: يخلد في النار ولكن لا نسميه كافراً، يعني: كفر أكبر، وكلاهما، وكلتا الطائفتين قد ضلتا عن السبيل.

    والصواب قول أهل السنة والجماعة: أنه لا يكون كافراً يعني: كفر أكبر، ولكن يكون عاصياً، ويكون ضعيف الإيمان، ناقص الإيمان، على خطر عظيم من الكفر ولكن ليس بكافر إذا كان ما استحل ذلك، إذا لم يستحل هذه المعصية بل فعلها وهو يعلم ويدري أنها معصية ولكن حمله عليها الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء، فهذا هو قول أهل الحق.

    فيكون إيمانه ضعيفاً ويكون توحيده ضعيفاً ولكن لا يكون كافراً الكفر الأكبر الذي هو الردة عن الإسلام نعوذ بالله من ذلك، ولا يخلد في النار أيضاً لو مات عليها، إذا مات الزاني على الزنا ما تاب أو على السرقة ما تاب أو على الربا ما تاب وهو يعلم أنه محرم فهذا يكون تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه على قدر معاصيه سبحانه وتعالى، العذاب الذي تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى، ثم بعد مضي ما حكم الله عليه به يخرجه الله من النار إلى الجنة.

    فهذا قول أهل الحق، وهذا الذي تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافاً للخوارج والمعتزلة، والله يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فعلق ما دون الشرك بمشيئته سبحانه وتعالى.

    أما من مات على الشرك فإنه لا يغفر له أبداً والجنة عليه حرام نعوذ بالله من ذلك، وهو مخلد في النار أبد الآباد، أما العاصي فإن دخل النار فإنه لا يخلد أبد الآباد بل يبقى فيها ما شاء الله، وقد تطول مدته ويكون هذا خلوداً لكنه خلود مؤقت ليس مثل خلود الكفار، كما قال في آية الفرقان لما ذكر المشرك والقاتل والزاني قال: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69]، فهو خلود مؤقت له نهاية، يعني: طويل نسأل الله العافية، أما المشرك فلا، المشرك خلوده دائم نعوذ بالله أبد الآباد، ولهذا قال سبحانه في المشركين: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، هكذا في سورة البقرة، وقال في سورة المائدة في حق الكفرة: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]، نسأل الله العافية.

    1.   

    حكم الاكتفاء بالنطق والاعتقاد في الشهادتين

    السؤال: يسأل البرنامج أيضاً سماحة الشيخ: هل يكفي النطق والاعتقاد بهذا الركن من أركان الإسلام، أم لابد من أشياء أخر حتى يكتمل إسلام المرء ويكتمل إيمانه؟

    الجواب: هذا الركن يدخل به في الإسلام، إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عن صدق وعن يقين وعن علم بمعناها وعمل بذلك يدخل في الإسلام، ثم يطالب بالصلاة وما سواها من الأحكام، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ إلى اليمن قال له: (ادعهم إلى أن يشهدوا: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)، فلم يأمرهم بالصلاة إلا بعد التوحيد والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، فهم يطالبون أولاً: بالتوحيد، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا دخل الكافر في ذلك وأسلم صار له حكم المسلمين، ثم يطالب بالصلاة وبقية أمور الدين، فإذا امتنع من ذلك صار له أحكام أخرى، إذا امتنع من الصلاة يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإذا امتنع من الزكاة وكابر عليها وقاتل دونها كذلك يقاتل كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة، والصيام كذلك إذا امتنع يعزره الإمام ويؤدبه الإمام بما يردعه عن ترك الصيام، وهكذا الحج مع الاستطاعة إذا ترك وهو يستطيع يؤدب حتى يحج، وهكذا بقية المعاصي، الذي فيه حد يقام عليه الحد والذي ما فيه حد التعزير والتأديب.

    فالحاصل: أن الأصل هو الشهادتان، متى شهد: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل في الإسلام وصار له حكم المسلمين، فلو مات في الحال صار من أهل الجنة، فإن عاش إلى أن جاء وقت الصلاة مثل: أسلم بطلوع الشمس، ثم مات قبل الظهر هذا مات على الإسلام، وهو ما صلى شيئاً ولا فعل شيئاً، كما قد وقع لبعض الصحابة أسلموا وقتلوا في الحال فصاروا من أهل الجنة من دون أن يعملوا عملاً سوى التوحيد والشهادة للرسول بالرسالة عليه الصلاة والسلام والإيمان بالله ورسوله، فإن أدرك الصلاة يؤمر بالصلاة، ثم إذا جمع مالاً وحصل له عنده مال، حصل له مال توفي فيه الزكاة يؤمر بالزكاة، وإذا أدرك رمضان يؤمر بالصيام، وإذا استطاع الحج يؤمر بالحج في وقته، وهكذا.

    إذاً أصبح له حكم المسلمين من جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، فيطالب بأمور الإسلام وحق الإسلام، ولو مات على حاله قبل أن تأتي الصلاة قبل أن يأتي وقت الصلاة مات على الإسلام الكامل ودخل الجنة، لكن لو عاش وأبى أن يصلي حينئذ هذا محل النظر، يطالب بالصلاة فإن أصر عليها كفر عند جمع من أهل العلم، إذا أصر على الترك ولم يستجب يكفر، وقال آخرون من أهل العلم: يكون كفراً دون كفر فيستحق القتل ولكن لا يكون كفراً أكبر كما لو ترك الزكاة أو الصيام، ولكن القول الصحيح: أنه متى ترك الصلاة بخصوصها لأن لها منزلة عظيمة الصلاة، إذا تركها عمداً تهاوناً وتكاسلاً صار حكمه حكم من جحدها يقتل كافراً على الصحيح.

    وأما جمهور الفقهاء فقالوا: يقتل عاصياً وحداً وكفراً دون كفر، هذا قول أكثر الفقهاء المتأخرين، يعني: بعد الصحابة، أما الصحابة فقد نقل عبد الله شقيق العقيلي إجماعهم على أن من تركها كفر، نعم، نسأل الله السلامة.

    1.   

    مظاهر مصداقية النطق بالشهادتين

    السؤال: الواقع الأسئلة كثيرة حول هذا الموضوع، ويبدو لي أنه لا غرابة في ذلك سماحة الشيخ أسأل: لو تكرمتم النطق بالشهادة لا شك أن له تصديق، ما مصداقية ذلك سماحة الشيخ؟

    الجواب: أولاً: لابد من الأمر بالشهادة، لو أنكر النطق بها ولم ينطق بها وهو يقدر كفر حتى ينطق بالشهادتين لابد، ثم مع النطق لابد من العقيدة والإيمان بأن معنى: (لا إله إلا الله) لا معبود بحق إلا الله، فلو قالها وهو يكذب كالمنافقين، يقولها وهو يعتقد أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعه هذه الكلمة، كما قال سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:8-9]، فلابد من التصديق بالقلب واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله، ولابد من إخلاص العبادة لله والمحبة لما دلت عليه من توحيد الله وكراهة الكفر وبغضه، ولابد أيضاً من قبول شرع الله والانقياد له، فإن استكبر عن ذلك ولم ينقد لشرع الله كفر نسأل الله العافية.

    المقدم: وهذا معنى النفي والإثبات، (لا إله) معناه: نفي الإلوهية عن غير الله، يعني: اعتقاد بأن إلوهية غيره باطلة، و(إلا الله) معناه: إثبات العبودية لله وحده وأنه المستحق لها، كما قال عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، ومعناها في سورة لقمان أيضاً. نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم، إذاً مصداقية هذه الشهادة وهذا الركن من أركان الإسلام، هي العمل ببقية أركان الإسلام الظاهرة والباطنة التي تفضلتم ببيانها؟

    الشيخ: نعم، لكنها متفاوتة، بعضها إذا ترك كفر، وبعضها إذا ترك لا يكفر يكون ناقص الإيمان ضعيف الإيمان، إلا إذا جحد ما أوجب الله أو جحد ما حرم الله، إذا جحده كفر عند الجميع، لو جحد وجوب الصلاة كفر عند الجميع، جحد وجوب صيام رمضان كفر عند الجميع، جحد وجوب الزكاة مع توفر شروطها كفر عند الجميع، جحد وجوب الحج مع الاستطاعة كفر عند الجميع، جحد تحريم الزنا يكفر عند الجميع، جحد تحريم الخمر قال: ما هو بحرام كفر عند الجميع، جحد عقوق الوالدين قال: ليس عقوقهما بحرام يجوز عقوق الوالدين كفر بالإجماع نسأل الله العافية، وهكذا ما أشبه هذا من الأمور الظاهرة، أمور الدين المعروفة بالوجوب أو بالتحريم. نعم.

    المقدم: سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بالإجابة على أسئلة هذه الحلقة، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.